ثالثا: الجيش
والأسطول:
(١) الجيش:
أدى السياق التاريخي
الذي أحاط بقيام الدولة المملوكية، والوضع القانوني للمماليك أنفسهم باعتبارهم "رقيقًا"
آل إليهم المُلك عن طريق الغلبة، والقهر- أدى إلى تحديد أبعاد النظرية السياسية التي
هيمنت على الدولة، وحكمت مسارها، فكانت تتكئ على قوة ذات جناحين:
الأول: يتمثل
في القوة العسكرية باعتبارها المبرر الأول؛ لاستمرار المماليك في حكم البلاد.
والثاني:
يتمثل في الواجهة الدينية التي حافظوا عليها دائمًا؛ لإسباغ الشرعية على حكم قد
يتهمون باغتصابه. [قاسم عبده قاسم، عصر سلاطين المماليك، ٢٧، ١٦٣.]
وفيما يتعلق بـ
"القوة العسكرية "فقد أولى المماليك للجيش عناية خاصة، وكانوا حراصًا
على أن يضمنوا له التفوق، سواء من حيث العدد أم من حيث التنظيم، والكفاءة
القتالية.
وكان الجيش المملوكي
يتألف من ثلاثة أقسام أساسية تختلف بنيةً، ومكانةً، وتأثيرًا، وهي:
(أ) المماليك السلطانية (ب) مماليك
الأمراء (ج) أجناد الحلقة. [المواعظ والاعتبار ١/٢٥٥،
السلوك ٤/١/٤٦٢صبح الأعشى٤/١٤-١٦، أ.ن.
بولياك، الإقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، ترجمة: عاطف كرم، الطبعة
الثانية، بيروت، دار المكشوف، ١٩٤٨م، ص]
(أ) المماليك
السلطانية: ويقصد بهم: المماليك المنسوبون إلى السلطان القائم بالحكم، وإن لم
يكونوا جميعًا من مشترواته.
وكانوا نظرًا
لانتسابهم إلى السلطان أعظم الأجناد شأنًا وأرفعهم قدرًا، وأشدهم إلى السلطان قربًا،
وأوفرهم إقطاعًا، ومنهم تؤمَّر الأمراء رتبة بعد رتبة. [صبح الأعشى ٤/١٥]
وكانوا يمثلون
العمود الفقري للجيش المملوكي، والقوة الأساسية في جُل الحملات العسكرية التي قامت
بها السلطنة؛ نظرًا للتربية الممتازة، والتدريب الراقي الذي كانوا يتلقونه منذ
صغرهم [David
Ayalon, Studies on the Siqucture of the Mamluk Army II, B.S.O.A.S, University
(+) of London, Vol, ١٥, No. ٣ (١٩٥٣)، P. ٤٤٨]
والمماليك
السلطانية فئتان متمايزتان:
(أ) مماليك السلطان القائم بالحكم (وهم
المشتروات، أو الأجلاب، أو الجلبان). [لم يكن مصطلح المشتروات مستخدمًا
في بداية عصر المماليك، ولكن جرى استخدامه في مرحلة متأخرة نسبيًا. وإبان الحقبة
الجركسية ظهر مصطلح الجلبان وأضحى أكثر استخدامًا وتداولًا في مصادر التاريخ
المملوكي]
(ب) المماليك
الذين انتقلوا إلى خدمة السلطان الحاكم من خدمة أساتذتهم (وهم المستخدمون).
وهذه الفئة
الأخيرة تنقسم إلى شريحتين: - مماليك السلاطين السابقين (وهم القرانيص،
ويسميهم ابن شاهين: السلطانية) - ومماليك الأمراء الذين انتقلوا لخدمة
السلطان؛ لموت أمرائهم أو قتلهم أو عزلهم من الإمارة لسبب من الأسباب (وهم السيفية).
David Ayalon, Studies on the Siqucture of the Mamluk
Army II, B.S.O.A.S, University (+) of] London,
Vol, ١٥, No. ٣ (١٩٥٣), P. ٤٤٨]
(ب) مماليك
الأمراء (أجناد الأمراء): كان النظام المملوكي يتيح للأمراء شراء
المماليك واقتناءهم، وهم الذين يخدمون الأمراء، ويعتد بطائفة من إقطاع الأمير
للعدة المقررة له منهم [السلوك ٤/١/٤٦٢]
والمحدد الأساسي لعدد من يقتنيهم الأمير من
المماليك هو الرتبة التي يتمتع بها؛ وذلك على النحو الآتي [المواعظ
والاعتبار ٣/٧٠٠، صبح الأعشى ٤/١٤، الثغر الباسم ١/٣٨٤،٣٨٥، زبدة كشف الممالك
١١٣.].
|
رتبة الأمير
|
عدد المماليك
|
|
أمير مائة
|
يكون في خدمته مائة
مملوك، ويخضع لإمرته عند الحرب ألف جندي من أجناد الحلقة
|
|
أمير طبْلخاناه
|
يكون في خدمته
أربعون مملوك عادة، وقد يزيد عددهم إلى خمسين أو سبعين أو ثمانين
|
|
أمير عشرين
|
يكون في خدمته عشرون
مملوكا
|
|
أمير عشرة
|
يكون في خدمته عشرة
مماليك
|
|
أمير خمسة
|
يكون في خدمته خمسة
مماليك |
وكان الأمير حين يموت أو يُقتل أو يُعزل من الإمارة لسبب
من الأسباب ينتقل مماليكه تلقائيًا إلى خدمة السلطان، أو الأمراء الآخرين، وقد يلتحقون
في بعض الأحيان بالحلقة.
وكذلك فإن
الأمير إذا نقل من ولاية إلى أخرى كان لا يستطيع أن يستصحب مماليكه معه.
(ج) أجناد الحلقة: ظهر مصطلح الحلقة لأول مرة في
العصر الأيوبي. [H.A.R. Gibb, "The Armies of Saladies on the
civilization of Islm, London, ١٩٦٢, P ٧٤٠ (١A)]
حيث يروي أبو شامة أن الملك الناصر صلاح الدين
جهز أخاه تورانشاه في حملته إلى اليمن، بجيش قوامه ألف فارس خارجًا
عمن سيره من حلقته [الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تحقيق:
إبراهيم شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية ٢/١٨٠]
ويرى كاترمير
(Quatremere) أن الحلقة
كانت عبارة عن فرقة من الحرس الشخصي للسلطان، وإنما سُميت بذلك؛ لأنها كانت تحيط
به على هيئة الحلقة، وأنها كانت تمثل النخبة العسكرية الخاصة بصلاح الدين [David Ayalon, Studies on the Siqucture of the Mamluk
Army II, B.S.O.A.S, University (+) of London, Vol, ١٥, No. ٣ (١٩٥٣)، P. ٤٤٨]
أما فيما يتعلق بالعصر المملوكي، فقد ظهرت الحلقة بشكلها
التقليدي في السنوات الأولى من حُكم الظاهر بيبرس، وجاء وضعها في
الجيش المملوكي ذي التنظيم الهرمي، تاليًا للمماليك السلطانية. [R. Stephen Humphreys, The Emergence of the Mamluk
Army, ٥. I No ٤٦ (١٩٧٧), PP. (٠١)١٦٢-١٦٥.]
وكانت تتألف في البداية من جند السلطان المختارين، على
نحو مشابه للمماليك السلطانية. [النجوم الزاهرة ٧/١٦.- ١٦١]
ثم تطورت قليلًا فأمست تدل على الجيش الذي ينشئه السلطان
دون فئات مماليك الأمراء، وزادت أعدادها زيادة كبيرة حتى أصبحت أوفر وحدات الجيش المملوكي
عددًا؛ لانضمام بقايا المماليك الصالحية، وعدد من الوافدية إليها. [(ar) السيد الباز العريني، المماليك،
بيروت، دار النهضة العربية بدون تاريخ من ١٦١، انطوان خليل ضومط،
الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، الطبعة الأولى، بيروت دار
الحداثة، ١٩٨٠، ص ٥٦]
وظلت الحلقة
محتفظة بقوتها وتماسكها ومكانتها المتميزة - التي كانت لها زمن الأيوبيين - حتى
سلطنة الناصر محمد بن قلاوون. [David Ayalon, Studies on the Structure of Mamluk Arпу
ІП, Р ٤٤٩,٤٥٠. (١)]
وبمرور الوقت
أصبحت الحلقة تضم طائفة من السكان المحليين وآخرين من أبناء المماليك، فضلا عن بعض
المماليك السلطانية، [قام الناصر محمد فلاوون سنة ٧١٢هـ / ١٣١٢م
بإعادة النظر في أوضاع المماليك السلطانية، فأدرج بعضهم بالحلقةDavid Ayalon, Studies on the Structure of the Mamluk
Army II, P ٤٤٩.]
وطائفة من أجناد
الأمراء الذين حرموا من إقطاعاتهم. [السلوك ٢/١٢٠]
وكذلك فقد مست الحاجة أيام الحروب إلى إلحاق كثير ممن
الجند البطالين - الذين تركوا الجُندية، وأصبحوا من أهل الصنائع- بالحلقة. [السيد الباز العريني المماليك ١٦٠٠١٦١.]
وقد جعلت أعداد
الحلقة بعد وفاة الناصر محمد بن قلاوون سنة ١ ٤ ٧هـ / ١٣٤٠م تتناقص بصورة
كبيرة مع تراجع كفاءتها القتالية حتى صارت لا تنفع ولا تدفع.. [المواعظ والاعتبار ٣/٦١٥-٦١٦]
وأهملت قواعد تنظيم الحلقة، وترتيب أوضاعها عند القتال،
أكثر فترات العصر الجركسى، وأصبحت أضعف فئات الجيش المملوكي وأصبح أعضاؤها
هم الأكثر فقرا. [David
Ayalon, Staches on the Structure of Mamluk Army II, P. ٤٥٠)]
(ب) الأسطول والنشاط البحري:
كان المماليك يدركون أهمية الأسطول في حماية شواطئ
دولتهم وتأمين السفن الإسلامية التي دأب القراصنة الأوربيون على مهاجمتها
في البحر المتوسط، ومن هنا فقد اتجهت عنايتهم إلى بناء أسطول قوي خصصوا له جزءًا
من ميزانية الدولة؛ لبناء مراكب جديدة، وتوفير ما يلزمها من أدوات الحرب والقتال.
بَيْدَ أن المماليك لم يفردوا لرعاية شئون الأسطول ديوانًا خاصًا يناظر ديوان
الجيش كما كان الحال أيام الفاطميين والأيوبيين الذين خصصوا للأسطول ديوانًا
مستقلًا عُرف ب "ديوان الجهاد". [عبد المنعم ماجد،
نظم دولة سلاطين المماليك ١ /١٨٨ -١٨٩.]
ومما يدل على عناية المماليك بالأسطول أن الظاهر
بيبرس لم يكد يتولى السلطنة سنة ٦٥٨هـ / ١٢٥٩م حتى نظر في أمر الشواني الحربية، واستدعى رجال الأسطول، للسفر،
وأمر بِمَد الشواني وقَطْع الأخشاب لعمارتها، وإقامتها على ما كانت عليه أيام
الملك الصالح نجم الدين أيوب، ومنع الناس من التصرف في الأخشاب، وتقدم بعمارة الشواني
في ثغري الإسكندرية ودمياط، وصار ينزل بنفسه إلى دار الصناعة بمصر،
ويرتب ما يجب ترتيبه في عمل الشواني ومصالحها... [المواعظ
والاعتبار ٣/٦١٥، ٦١٦.]
ويورد المقريزي كذلك ما يدل على عناية الأشراف
خليل بن قلاوون (٦٨٩- ٦٩٣هـ) وأخيه الناصر محمد (٦٩٣ - ٦٩٤هـ، ٦٩٨-
٧٠٨هـ ٧٠٩- ٧٤١هـ) بأمر الأسطول، ببناء مزيد من المراكب، وشحنها بالعدد وآلات
الحرب والمقاتلين. [السابق ٣/٦١٧]
وكان بمصر عدة دور؛ لصناعة قطع الأسطول المختلفة، من أشهرها:
دار صناعة
الجزيرة الوسطى (أو جزيرة أروى - جزيرة الزمالك حاليًا)،
ودار مصر
الواقعة على ساحل الفسطاط،
ودار الإسكندرية،
ودار دمياط [المواعظ والاعتبار ٦٢٢/٣، عبد المنعم ماجد، نظم دولة
سلاطين المماليك ١٨٩، ٠١٩٠]
أما الأخشاب
اللازمة لصناعة السفن والمراكب، فكانت تجلب من بلاد الشام وآسيا الصغرى، أو
من غرب أوروبا عن طريق تجار المدن الإيطالية.
وفي بعض الأحيان استخدمت الأخشاب المحلية مثل خشب السنط الذي
تتوافر أشجاره بكثرة في البهنسا والأشمونين وأسيوط وأخميم وقوص [سعيد
عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى.٢٩، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين
المماليك ١٨٩، ٠١٩٠]
وكان الأسطول المملوكي يضم عددًا من الوحدات
الرئيسية المعروفة منذ عصري الفاطميين والأيوبيين مثل:
(أ) الشواني:
ومفردها: شيني أو شينية، وهي نوع من السفن الحربية الكبيرة، كانت تجدف ب (١٤٠)
مجدافًا، وتزود بأبراج وقلاع؛ للدفاع والهجوم، كما تحتوي مخازن للقمح وصهاريج؛
لحفظ الماء العذب، وقد ضم الأسطول المملوكي ٦٠ شينيًا.
(ب) الأغربة: ومفردها غراب، وهي نوع من المراكب
الحربية كانت تجدف بمائة مجداف أو أقل، وسميت بذلك لأن مقدمتها كانت تشبه رأس
الغراب وقد ضم الأسطول المملوكي ١٠٠ غراب.
(ج) الحراريق:
ومفردها حراقة، وكانت تستخدم في حرق سفن العدو؛ ولذلك فقد كانت تزود بالنفط الذي
كان يرمى بالسهام أو القوارير أو المنجنيقات، وربما وضُعت عليها المدافع.
(د) الطرائد: ومفردها طريدة، وهي نوع من المراكب كانت
تستخدم في نقل الفرسان والخيول.
(هـ) البطس: ومفردها بطسة: وهي نوع من السفن
الحريية العملاقة كانت تستخدم لنقل الجنود، وربما اتسعت لعدد كبير من الجند، يصل
إلى ٧٠٠ جندي.
(و) القراقير: ومفردها قرقورة، وهي نوع من السفن
الكبيرة كانت تستخدم؛ لنقل المؤن.
وبعد، فقد كان للأسطول المملوكي دور ملموس في مساندة الجيش
الذي نهض بعبء تصفية بقايا الوجود الصليبي في بلاد الشام، ولا سيما أن الصليبيين
في ذلك الدور من تاريخهم كانوا يتمركزون في عدد من الموانئ والمدن الساحلية، مثل
أنطاكية وطرابلس وعكا. [سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك ٠٣٢٩]
وكذلك فقد كان للأسطول دور مؤثر في التصدي لأعمال
القرصنة الأوروبية في البحر المتوسط في القرن الثامن والتاسع الهجريين / الرابع
عشر والخامس عشر الميلاديين، وهو الدور الذي بلغ ذروته في مهاجمة قبرص-
القاعدة الأولى للقرصنة الأوروبية- وإخضاعها سنة ٨٢٩هـ/ ١٤٢٥م، ومهاجمة رودس
الأعوام ٨٤٤هـ /١٤٤٠ م،٨٤٧هـ/١٤٤٣م ،٨٤٨هـ/١٤٤٤م) [راجع ما تقدم عند
الحديث عن دولة المماليك الجراكسة]