Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المماليك

الكاتب

أ.د/ أحمد محمود إبراهيم

المماليك

الدولة المملوكية هي دولة إسلامية تأسست في مصر عام ١٢٥٠م بعد سقوط الدولة الأيوبية، وامتدت لتشمل الشام والحجاز، حكمها طبقة عسكرية من المماليك الذين كانوا في الأصل عبيداً محاربين، ولكنهم أصبحوا حكامًا للبلاد بفضل قوتهم العسكرية وتنظيمهم، واستمرت هذه الدولة في مواجهة الصليبيين والمغول، ودام حكمها حتى سقوطها أمام العثمانيين عام ١٥١٧م.

عناصر الحكم المملوكي

 أولًا: نظام الحكم والإدارة:

كانت الدولة المملوكية نموذجًا مثاليًا للدولة العسكرية، إذ لم يكن المماليك مجرد جند محترفين يمثلون عصب الجيش وقاعدته، بل كانوا كذلك أصحاب الحكم، والمحتكرين للوظائف السياسية العليا في البلاد، ومن ثم فقد جرى النظر إليهم والتعامل معهم بوصفهم طبقة عسكرية مغلقة لا يستطيع السكان المحليون الالتحاق بها، أو مشاركة أربابها ما كانوا يتمتعون به من السلطة والنفوذ. ويسعنا أن نجمل عناصر الحكم المملوكي في النقاط الآتية:

(أ)السلطان:  

كان السلطان المملوكي يجلس على قمة النظام الحاكم، ولم يكن وصوله إلى ذلك المنصب الرفيع نتيجة بَيْعة حُرة من الشعب، أو بسبب حق شرعي موروث، بل كان قائمًا على التغلب والقوة؛ بحيث يتولى السلطنة أقوى الأمراء، وأكثرهم خبرة ودهاء ، وأقدرهم على الإيقاع بالآخرين، ومن هنا فإن المماليك لم يؤمنوا بمبدأ توريث الحكم، وإن اضطروا  في ظروف معينة إلى تطبيقه، ليس لإيمانهم به، ولكن انتظارًا لما يسفر عنه الصراع بين كبار الأمراء، فكانوا يبايعون بالسلطنة ابن السلطان المتوفى أو المقتول، حتى إذا رجحت كفة أحد الأمراء المتصارعين بادر إلى عزل السلطان، وتنصيب نفسه مكانه [قاسم عبده قاسم، عصر سلاطين المماليك، القاهرة، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، الطبعة الثانية، ١٩٩٩م ص١٦٣]

وكان السلطان - بوصفه رأس النظام الحاكم - يتمتع بنفوذ مطلق، ولا سيما فيما يتعلق بشئون الحرب والسياسة، وإصدار مراسيم التعيين في الوظائف الكبرى، وتوزيع الإقطاعات على الأمراء، وربما لجأ السلطان في بعض المسائل الخطيرة إلى استشارة طائفة من كبار رجال الدولة كانوا يؤلفون ما يعرف بمجلس المشورة، وهم الخليفة العباسي والقضاة الأربعة والوزير وأتابك العسكر والأمراء مقدمو الألوف.

ولم يكن استدعاء ذلك المجلس، أو الأخذ برأيه أمرًا ملزمًا للسلطان. [خليل بن شاهين الظاهري، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، نشرة: بولس راويس، باريس ١٨٩٢م، ص١٠٦.]

(ب) نواب السلطنة: 

كان للسلطان عدة نواب يساعدونه في مباشرة مهام الحكم وتصريف شئون الدولة، وكان أهمهم على الإطلاق نائب القاهرة الذي كان يشترك مع السلطان في توزيع الإقطاعات ومنح رتب الإمارة. وكذلك فقد كان هناك نواب في بلاد الشام؛ هم: نائب دمشق (ويسمى - نظرًا لكونه أهم نواب الشام وأعلاهم رتبة نائب الشام، ونائب حلب، ونائب طرابلس، ونائب حماة، ونائب صفد، ونائب الكرك).

وكان هؤلاء النواب جميعا يخضعون لسلطة الدولة المركزية بالقاهرة. [القلقشندي، صبح الأعشى، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر، ٢٠٠٤م ١٦/٤، ١٧، ١٨٠، شمس الدين السخاوي، الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم، (المعروف باسم: المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الإنشا المنسوب للخالدي)، تحقيق: أشرف محمد أنس، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، ٤٣٠ ١هـ/ ٢٠٠٩م، ١ /٢٨٨، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ورسومهم في مصر، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية ١٩٧٩م، ١/٨٨]

(ج) أتابك العسكر: 

وكان بمثابة القائد العام للجيش المملوكي، وكان يتمتع - بحكم وظيفته - بنفوذ واسع في الدولة، قال القلقشندي: "والمراد به أبو الأمراء، وهو أكبر الأمراء المقدمين بعد النائب الكافل (أي: نائب السلطنة)، وليست له وظيفة ترجع إلى حكم وأمر ونهي، وغايته رفعة المحل وعلو المقام". [صبح الأعشى ٤ /١٨]

(د) الوزير: 

من المعلوم أن الوزارة وفقًا لاختصاصات صاحبها ومقدار السلطة التي يتمتع بها نوعان:

  • وزارة تنفيذ: تكون فيها سلطة الوزير مقيدة، إذ يقتصر دوره على تنفيذ ما يأمر به الخليفة أو السلطان.
  • ووزارة تفويض: يتمتع الوزير في ظلها بسلطة مطلقة، حيث يفوضه الحاكم في ممارسة اختصاصاته واتخاذ ما يراه مناسبا من إجراءات وتدابير دون الرجوع إليه. [الماوردي، الأحكام السلطانية، الطبعة الثالثة، القاهرة، مكتبة مصط في البابي الحلبي، ١٩٧٣م، ص٢٢- ٢٦، صبح الأعشى ٤٤٨/٥، ٤٤٩.]

 أما فيما يتعلق بدولة المماليك فقد كان الوزراء بها من النوع الأول، أي وزراء تنفيذ، ولم تشهد الحقبة المملوكية وزيرًا مفوضًا ألبتة.

وكان منصب الوزير يلي من حيث الأهمية والمكانة منصب السلطان، إلا إذا وُجدت وظيفة "نائب السلطنة"، ففي هذه الحالة يكون الوزير تاليًا لهذا الأخير، ويكون عمله مقصورًا على الشئون المالية.

وقد يلغى منصب الوزارة نهائيًا ويُكْتَفي بكبار الكُتاب، كما حدث في عهد الناصر محمد بن قلاوون الذي أراد فرض سيطرته على الدولة والاستئثار بالسلطة كلها، فألغى منصبي الوزير ونائب السلطنة كليهما  [المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، الطبعة الأولى، لندن، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي ٤٢٢ ١هـ/ ٢٠٠٢م، ٣/ ٧٢٢-٧٢٤، ٧٣٤، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١/٤٢-٤٣ ، محمد عبد الغنى الأشقر، الوزارة والوزراء  في مصر  في عصر سلاطين المماليك، الطبعة الأولى، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة تاريخ المصريين، ٠١١ ٢م، ص ٠ ٥]

وقد جرت العادة بأن يُختار الوزير من بين أرباب الأقلام المسلمين دون أرباب السيوف، وكان يسمى بالصاحب، أو الوزير الصاحب، بمعنى أنه صاحب رأى السلطان، ومشاركه في تدبير أمره. [صبح الأعشى ١٨٨/٤، ١٨٩، المواعظ والاعتبار ٣/٧٢٢، ٧٢٣، وراجع أيضًا: محمد عبد الغني الأشقر، الوزارة والوزراء في مصر في عصر سلاطين المماليك، ص ٤٩.]

وكان يقام له غداة تعيينه حفل كبير يقرأ فيه تقليده بالمنصب، وتصرف له خلعة الوزير، ويجرى عليه راتب يتراوح بين خمسين دينارًا ومائتي دينار شهريًا. [المواعظ والاعتبار ٣/٧٢٥، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١/٤٤-٤٦]  

وكان ثمة دار بقلعة الجبل خصصت للوزير؛ ليباشر فيها مهام منصبه، وقد عرفت بدار الوزارة أو قاعة الصاحب.  [المواعظ والاعتبار ٣/ ٧٢٢ حاشية رقم (٢)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد مصطفي زيادة، سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة، دار الكتب، بدون تاريخ، ٢٦/٢، ٤٦، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك١/٤٦]

وتجدر الإشارة إلى أن الوزارة المملوكية لم تكن منصبًا مستقرًا، إذ كان الوزراء يغيرون بسرعة مذهلة لا سيما في دولة المماليك الجراكسة (أو البرجية)، فإذا كان بعضهم قد مكث في الوزارة سنوات، فإن أغلبهم لم تطل ولايته لأكثر من بضعة أشهر، بل إن منهم من عُزل من الوزارة بعد أيام قليلة من ولايتها. [عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١ /٤٧]

(هـ) الإدارة المحلية:

 تولى الإشراف على شئون الإدارة المحلية بالمدن، والأقاليم المختلفة طائفة من الولاة جرت العادة على اختيارهم من بين الأمراء، فكان للقاهرة - على سبيل المثال- والٍ يُشرف على شئونها، ويضبط أمورها ويتعقب المجرمين وأرباب الفساد فيها... إلى غير ذلك من مهام كانت تشبه إلى حد كبير مهام المحافظ في العصر الحديث.

وكذلك فقد كان بأقاليم الوجهين البحري والقبلي عدد من الولاة، فكان بالوجه البحري عشرة ولاة، وبالوجه القبلي ثمانية ولاة. [سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك في مصر والشام، القاهرة، دار النهضة العربية ١٩٩٨م، ص ٣٣٠]

مؤسسات الدولة

 أما مرافق الدولة ومؤسساتها فكانت إدارتها منوطة بجملة من الدواوين التي كان بها عدد هائل من الكتاب والموظفين. وقد عرفت تلك الدواوين بالدواوين السلطانية، وكانت موجودة بالقلعة [عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١/٥٠ محمد قنديل البقلي، مصطلحات صبح الأعشى ١٣٩]

وفيما يلي تعريف موجز بأبرز تلك الدواوين:

ديوان النظر:

ويسمى صاحبه "ناظر الدواوين"، أو ناظر الدولة، وكانت أعماله ومهامه تنقسم إلى قسمين:

 أولهما: الإشراف على الشئون المالية ومراجعة إيرادات الدولة ومصروفاتها، وما يتصل بذلك من صرف رواتب الموظفين.

وثانيهما: الإشراف المحلي على الأحوال المالية في مختلف الأعمال المصرية [صبح الأعشى ٥/٤٦٥، المواعظ والاعتبار ٣/٧٢٥- ٧٢٦، محمد قنديل البقلي، مصطلحات صبح الأعشى ١٥٠]

ويشير المقريزي إلى أن ناظر هذا الديوان كان يلي الوزير من حيث رتبته، فإذا غاب الوزير أو تعطلت الوزارة من وزير، قام ناظر الدولة بتدبير الدولة... واقتصر الناصر محمد بن قلاوون على ناظر الدولة مدة أعوام من غير تولية وزير [المواعظ والاعتبار ٣/٧٢٥]

ويقول المقريزي أيضًا منوهًا بأهمية ديوان النظر:

"وهذا الديوان هو من أرفع دواوين المال، وفيه تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية، وكل ديوان من دواوين المال إنما هو فرع هذا الديوان، وإليه يرفع حسابه وتتنا هي أسبابه. [السابق نفسه]

ديوان الجيش (أو ديوان الجيوش):

 وكان مسئولا عن الإشراف على شئون الجيش المملوكي، وكان صاحبه الذي سمى ناظر الجيش يختار عادة من بين العلماء، ويعاونه عدد من الكتاب يُسَموْن: كتاب الجيش.

ويتلخص عمل هذا الديوان في تسجيل أسماء الجنود وأعدادهم ونفقاتهم، وكان تسجيلهم عادة تحت أسماء أمرائهم، بحيث لا يستطيع أي جندي أن ينتقل من أمير إلى آخر إلا إذا حصل على إذن بذلك. [عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١٣٨، ١٣٩]

ديوان الإنشاء:

 وكان يعد من أهم الدواوين السلطانية، ومقره القلعة حيث كان بها قاعة خاصة مثل الوزارة تعرف باسم قاعة الإنشاء، ويقال لمن يلي رئاسة هذا الديوان: "كاتب السر"، أو صاحب ديوان الإنشاء [المواعظ والاعتبار ٣/٧٣٠، ٧٣١]

ومهمته: قراءة الكتب والرسائل التي ترد على السلطان من مختلف الدول والحكام، وكتابة الردود عليها، فضلا عن إنشاء الرسائل التي يبعث بها السلطان إلى الملوك والأمراء [السابق ٣/٧٣١]

 وبمرور الوقت اتسعت دائرة الأعمال التي يقوم بها صاحب ديوان الإنشاء؛ لتشمل موافاة السلطان بما يرد إليه من أخبار تتعلق بالأحوال الداخلية للبلاد، وحضور اليمين التي كان يؤديها الولاة، والحكام، والأمراء عند تعيينهم في مناصبهم، وكتابة المراسيم الخاصة بتوليهم تلك المناصب. [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى في مصر والشام ٣٦٨]

وقد انبثقت الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها ديوان الإنشاء من ازدهار النشاط الدبلوماسي في دولة المماليك التي كانت تدير دفة السياسة الإسلامية، وتشعبت اتصالاتها بدول المشرق والمغرب، وأضحت القاهرة قبلة الأصدقاء والأعداء جميعًا، فالأصدقاء يطلبون تأييدها، وينشدون مساعدتها، والأعداء يبغون ملاطفتها ومسالمتها، أو مهادنتها؛ اتقاءً لبطشها" [السابق، ص ٢٣٨]

وكان من الشروط اللازم توافرها فيمن يلي وظيفة كاتب السر إجادة اللغتين التركية والفارسية، وتأويل ذلك من وجهين:

الأول: أن التركية كانت هي لغة الخطاب بين النخبة المملوكية الحاكمة، ومعرفة كاتب السر لها مما يعينه على فهم مقاصدهم وأغراضهم،

والثاني: أن غالب ما يرد على ديوان الإنشاء من مكاتب حكام المشرق لا يكون إلا بالتركية أو الفارسية أو المغولية [الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم ١/٩١]، [السلوك ١/٣/٩١٥، العيني، عقد الجمان، تحقيق: محمد محمد أمين، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٨م ٢/٣٠١]

ومن هنا فإن معرفة كاتب السر بتلك اللغات تعينه على الاطلاع على مقاصدهم ويأمن من انحراف كلامهم أو تدليسه أو تلبيسه، وأكتم لسر سلطانه من حيث إنه لا يطلع على سره غيره. " [الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم ١/٩١]

وكان يعاون كاتب السر عدد من الكُتاب والموظفين، وكانوا على قسمين:

نواب كاتب السر: وكانوا ينوبون عنه في الرد على المكاتبات الواردة إلى الدولة حال تغيبه،

وكتاب الدَّسْت الشريف: وهم كتاب ديوان الإنشاء ممن اصطلح على تسميتهم الموقعين؛ لجلوسهم مع كاتب السر بمجلس السلطان بدار العدل وقيامهم بالتوقيع على الشكاوى والمظالم المرفوعة إليه. [صبح الأعشى ١/١٣٧- ١٣٨، سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى ٣٦٨، ٣٦٩]

ديوان الأحباس (الأوقاف):

 كانت شئون الأوقاف في العصر الأيوبي مما يَدخل في اختصاصات القاضي ومهامه، فلما قامت دولة المماليك أفردت الأوقاف بديوان خاص عُرف صاحبه بناظر الأحباس أو الأوقاف، وكانت مهمته الإشراف على الأوقاف الخاصة بالمؤسسات الدينية والخيرية، كالجوامع والمدارس والخانقاوات والزوايا ... إلخ [المواعظ والاعتبار ٤/١٧٥- ١٧٨، محمد قنديل البقلي، مصطلحات صبح الأعشى ١٤١]

 ثانيا: القضاء:

كان المذهب السُني عقيدةً وفقهًا وقضاءًا هو المذهب الرسمي لدولة المماليك، امتدادًا لما كان عليه الأمر زمن. وكان القضاء بمصر مقصورا على المذهب الشافعي إلى أن قام الظاهر بيبرس بإعادة تشكيل السلطة القضائية وفقا للمذاهب الأربعة المعروفة.

وقد مهد لذلك بأن أمر في ذي الحجة سنة ٠ ٦٦هـ / ١٢٦١م قاضى الشافعية تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز- وكان بيده قضاء مصر كلها - بأن يستنيب عنه نوابًا من الحنفية والمالكية والحنابلة من فقهاء المدرسة الصالحية بالقاهرة. [الروض الزاهر لابن عبد الظاهر ١٨٢، السلوك ١/٢/٤٧٢]

وفي ذي الحجة سنة ٦٦٣هـ/ ١٢٦٥م مضى الظاهر بيبرس خطوة أبعد في سبيل تحرير القضاء من هيمنة الشافعية، حيث قام بتولية ثلاثة قضاة: حنفي ومالكي وحنبلي، بوصفهم قضاة مستقلين لا مجرد نواب عن قاضى الشافعية، وسمح لهم باتخاذ نواب في سائر الأعمال المصرية، واحتفظ ابن بنت الأعز بمنصبه قاضيًا لقضاة الشافعية، وظل له على وجه الحصر النظر في أموال الأيتام، والإشراف على بيت المال والفصل في الخصومات المتعلقة به. [السلوك ١/٢/٥٣٩]

فصار بديار مصر قضاة القضاة من حينئذ أربعة، يحكم كل منهم بمذهبه [السابق ١/٢/٥٤٠ وراجع أيضًا: المواعظ والاعتبار ٤/١/٢٠١]،

كما جرى تعديل القضاء بنيابات الشام على هذا النحو [صبح الأعشى ٤/١٩٢، ٢٢١]

وهؤلاء الأربعة متفاوتون رتبة ومكانة، فأجلهم قاضى قضاة الشافعية، يليه القاضي الحنفي ثم المالكى فالحنبلي. [زبدة كشف الممالك ٩٢، صبح الأعشى ٤/٣٦، ١٩٢، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١/٤،ه٩].

قضاء العسكر:

وفضلًا عن قضاة الشرع الأربعة، فقد عرفت دولة المماليك نوعا آخر من القضاة هم قضاة العسكر. وكانت سلطتهم القضائية مقصورة على المنازعات التي تنشب بين المماليك، بالإضافة إلى الفصل في الخصومات بينهم وبين الأهالي من عامة المصريين. [صبح الأعشى ٤/٣٦، العمري، التعريف بالمصطلح الشريف، القاهرة، ١٣١٢م، ص ١٢٣، ١٢٤]

وتجدر الإشارة إلى أن قضاء العسكر وظيفة قديمة استحدثها السلطان صلاح الدين الأيوبي واستمرت في مصر إلى زمن المماليك، وكان لها أهمية كبيرة في الدولتين نظرًا لغلبة الطابع العسكري عليهما. [صبح الأعشى ٤/٣٦]

وقد اقتصر قضاء العسكر على المذاهب الثلاثة: الشافعي والحنفي والمالكي، ولم يكن للحنابلة فيه نصيب. [السابق ٤ /٣٦. الراجح أن عدم وجود قاض للعسكر على المذهب الحنبلي يرجع إلى قلة الحنابلة بمصر عمومًا وفي الجيش المملوكي خاصة. بيد أن القلقشندي نص في موضع آخر من كتابه على أن قضاة العسكر أربعة: من كل مذهب قاض صبح الأعشى ١١/٢٠٤ ويبدو - توفيقًا بين هذين الرأيين- أن المذهب الحنبلي قد اتسعت رقعته واستقطب عددًا من المصريين والجند المماليك بعد مرور فترة من نشأة الدولة، فأصبح من الضروري أن يكون لهؤلاء الجنود قاض من مذهبهم بمثلهم ويفصل بينهم.]

وكان قضاة العسكر يحضرون مع قضاة الشرع في دار العدل، ولكنهم يجلسون دونهم؛ لأن وظيفة قضاء العسكر أقل من وظيفة قضاء القضاة، وجرت العادة كذلك أن يصحب قضاة العسكر السلطان في أسفاره [صبح الأعشى ٤/٣٦- التعريف بالمصطلح الشريف، ص١٢٤]

الحسبة:

تتصل الحسبة اتصالا وثيقا بالسلطة القضائية، وهي وظيفة دينية يُعَرِّفها الفقهاء بأنها: "عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" [الأحكام السلطانية، ٢٤، أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، بدون تاريخ ٢ / ٣٣٩]

ويناط بصاحبها إجمالًا مهمتان رئيستان:

  • الأولى: مراقبة الأسواق بالنظر في أمر المكاييل، والموازين، وسائر المقادير، والتحذير من الغش والكذب والتدليس في المعاملات بين آحاد الرعية، واستعلام أخبار الأسواق.
  • الثانية: حفظ الآداب العامة والذود عن عقائد الناس وحماية أخلاقهم، والأخذ على يد المنحرفين والسفلة، ورد الخارجين عن شريعة الإسلام إلى الجادة [راجع في مهام المحتسب وواجباته: الأحكام السلطانية ٢٤١-٢٤٨، ابن الإخوة، معالم القربة في أحكام الحسبة، تحقيق: محمد محمود شعبان، وصديق أحمد عيسى، القاهرة ٩٧٦ ١م، ٨ وما بعدها، تاج الدين السبكي، معيد النعم ومبيد النقم، الطبعة الثالثة، القاهرة، مكتبة الخانجي،١٩٩٦م، ص ٦٥، ٦٦]

ويجب أن تتوافر فيمن يلي وظيفة الحسبة جملة من الشروط والآداب:

أما الشروط فهي: الإيمان، والتكليف من ولي الأمر، والقدرة، والعدالة، والعلم، ويندرج تحت شرط العلم: الخبرة العميقة بشئون المجتمع وأحواله، فليزم المحتسب أن يكون عارفًا بأصناف المعايش والمهن والحرف بأنواعها المختلفة، خبيرًا بأمر الموازين والمكاييل؛ حتى يقف على حيل الباعة في الغش والتدليس. [إحياء علوم الدين ٢ /٣٣٩، سهام مصطفي أبو زيد، الحسبة في مصر الإسلامية من الفتح العربي نهاية العصر المملوكي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨م، ص١٠٦، ١٠٧]

وأما آداب المحتسب فجماعها: العفة عن أموال - الناس والامتناع من قبول الهدية، والرفق ولين القول وحسن الخلق، والصبر على الناس واحتمال أذاهم، وبذلك تلين قلوب الناس إليه ويذعنون له. [صبح الأعشى ١١/٦٨ -٧١ ،١١/١٣٦،٢٧]

ويختلف عمل القاضي عن عمل المحتسب اختلافًا ظاهرًا، فإذا كان عمل القاضي يتصف بشيء من البطء؛ لأنه يقوم على الروية، والأناة، والتثبت من صحة الوقائع، فإن عمل المحتسب يقوم على أساس سرعة البت في المخالفات التي تتعلق بالآداب العامة، ونظام الأسواق، ومراعاة الأمانة في المعاملات التجارية وآداب الطريق ونحوها. [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى في مصر والشام ٣٧٥]

القوة العسكرية لدولة المماليك

ثالثا: الجيش والأسطول:

(١) الجيش:  

أدى السياق التاريخي الذي أحاط بقيام الدولة المملوكية، والوضع القانوني للمماليك أنفسهم باعتبارهم "رقيقًا" آل إليهم المُلك عن طريق الغلبة، والقهر- أدى إلى تحديد أبعاد النظرية السياسية التي هيمنت على الدولة، وحكمت مسارها، فكانت تتكئ على قوة ذات جناحين:

الأول: يتمثل في القوة العسكرية باعتبارها المبرر الأول؛ لاستمرار المماليك في حكم البلاد.

والثاني: يتمثل في الواجهة الدينية التي حافظوا عليها دائمًا؛ لإسباغ الشرعية على حكم قد يتهمون باغتصابه. [قاسم عبده قاسم، عصر سلاطين المماليك، ٢٧، ١٦٣.]

وفيما يتعلق بـ "القوة العسكرية "فقد أولى المماليك للجيش عناية خاصة، وكانوا حراصًا على أن يضمنوا له التفوق، سواء من حيث العدد أم من حيث التنظيم، والكفاءة القتالية.

وكان الجيش المملوكي يتألف من ثلاثة أقسام أساسية تختلف بنيةً، ومكانةً، وتأثيرًا، وهي:

 (أ) المماليك السلطانية (ب) مماليك الأمراء (ج) أجناد الحلقة. [المواعظ والاعتبار ١/٢٥٥، السلوك  ٤/١/٤٦٢صبح الأعشى٤/١٤-١٦، أ.ن. بولياك، الإقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، ترجمة: عاطف كرم، الطبعة الثانية، بيروت، دار المكشوف، ١٩٤٨م، ص]

(أ) المماليك السلطانية: ويقصد بهم: المماليك المنسوبون إلى السلطان القائم بالحكم، وإن لم يكونوا جميعًا من مشترواته.

وكانوا نظرًا لانتسابهم إلى السلطان أعظم الأجناد شأنًا وأرفعهم قدرًا، وأشدهم إلى السلطان قربًا، وأوفرهم إقطاعًا، ومنهم تؤمَّر الأمراء رتبة بعد رتبة. [صبح الأعشى ٤/١٥]

وكانوا يمثلون العمود الفقري للجيش المملوكي، والقوة الأساسية في جُل الحملات العسكرية التي قامت بها السلطنة؛ نظرًا للتربية الممتازة، والتدريب الراقي الذي كانوا يتلقونه منذ صغرهم [David Ayalon, Studies on the Siqucture of the Mamluk Army II, B.S.O.A.S, University (+) of London, Vol, ١٥, No. ٣ (١٩٥٣)، P. ٤٤٨]

والمماليك السلطانية فئتان متمايزتان:

 (أ) مماليك السلطان القائم بالحكم (وهم المشتروات، أو الأجلاب، أو الجلبان). [لم يكن مصطلح المشتروات مستخدمًا في بداية عصر المماليك، ولكن جرى استخدامه في مرحلة متأخرة نسبيًا. وإبان الحقبة الجركسية ظهر مصطلح الجلبان وأضحى أكثر استخدامًا وتداولًا في مصادر التاريخ المملوكي]

(ب) المماليك الذين انتقلوا إلى خدمة السلطان الحاكم من خدمة أساتذتهم (وهم المستخدمون).

وهذه الفئة الأخيرة تنقسم إلى شريحتين: - مماليك السلاطين السابقين (وهم القرانيص، ويسميهم ابن شاهين: السلطانية) - ومماليك الأمراء الذين انتقلوا لخدمة السلطان؛ لموت أمرائهم أو قتلهم أو عزلهم من الإمارة لسبب من الأسباب (وهم السيفية).  

David Ayalon, Studies on the Siqucture of the Mamluk Army II, B.S.O.A.S, University (+) of] London, Vol, ١٥, No. ٣ (١٩٥٣), P. ٤٤٨]

(ب) مماليك الأمراء (أجناد الأمراء): كان النظام المملوكي يتيح للأمراء شراء المماليك واقتناءهم، وهم الذين يخدمون الأمراء، ويعتد بطائفة من إقطاع الأمير للعدة المقررة له منهم [السلوك ٤/١/٤٦٢]

 والمحدد الأساسي لعدد من يقتنيهم الأمير من المماليك هو الرتبة التي يتمتع بها؛ وذلك على النحو الآتي [المواعظ والاعتبار ٣/٧٠٠، صبح الأعشى ٤/١٤، الثغر الباسم ١/٣٨٤،٣٨٥، زبدة كشف الممالك ١١٣.].

رتبة الأمير

عدد المماليك

أمير مائة

يكون في خدمته مائة مملوك، ويخضع لإمرته عند الحرب ألف جندي من أجناد الحلقة

أمير طبْلخاناه

يكون في خدمته أربعون مملوك عادة، وقد يزيد عددهم إلى خمسين أو سبعين أو ثمانين

أمير عشرين

يكون في خدمته عشرون مملوكا

أمير عشرة

يكون في خدمته عشرة مماليك

أمير خمسة

يكون في خدمته خمسة مماليك

وكان الأمير حين يموت أو يُقتل أو يُعزل من الإمارة لسبب من الأسباب ينتقل مماليكه تلقائيًا إلى خدمة السلطان، أو الأمراء الآخرين، وقد يلتحقون في بعض الأحيان بالحلقة.

 وكذلك فإن الأمير إذا نقل من ولاية إلى أخرى كان لا يستطيع أن يستصحب مماليكه معه.

(ج) أجناد الحلقة: ظهر مصطلح الحلقة لأول مرة في العصر الأيوبي. [H.A.R. Gibb, "The Armies of Saladies on the civilization of Islm, London, ١٩٦٢, P ٧٤٠ (١A)]

حيث يروي أبو شامة أن الملك الناصر صلاح الدين جهز أخاه تورانشاه في حملته إلى اليمن، بجيش قوامه ألف فارس خارجًا عمن سيره من حلقته [الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية ٢/١٨٠]

ويرى كاترمير (Quatremere) أن الحلقة كانت عبارة عن فرقة من الحرس الشخصي للسلطان، وإنما سُميت بذلك؛ لأنها كانت تحيط به على هيئة الحلقة، وأنها كانت تمثل النخبة العسكرية الخاصة بصلاح الدين [David Ayalon, Studies on the Siqucture of the Mamluk Army II, B.S.O.A.S, University (+) of London, Vol, ١٥, No. ٣ (١٩٥٣)، P. ٤٤٨]

أما فيما يتعلق بالعصر المملوكي، فقد ظهرت الحلقة بشكلها التقليدي في السنوات الأولى من حُكم الظاهر بيبرس، وجاء وضعها في الجيش المملوكي ذي التنظيم الهرمي، تاليًا للمماليك السلطانية. [R. Stephen Humphreys, The Emergence of the Mamluk Army, ٥. I No ٤٦ (١٩٧٧), PP. (٠١)١٦٢-١٦٥.]

وكانت تتألف في البداية من جند السلطان المختارين، على نحو مشابه للمماليك السلطانية. [النجوم الزاهرة ٧/١٦.- ١٦١]

ثم تطورت قليلًا فأمست تدل على الجيش الذي ينشئه السلطان دون فئات مماليك الأمراء، وزادت أعدادها زيادة كبيرة حتى أصبحت أوفر وحدات الجيش المملوكي عددًا؛ لانضمام بقايا المماليك الصالحية، وعدد من الوافدية إليها. [(ar) السيد الباز العريني، المماليك، بيروت، دار النهضة العربية بدون تاريخ من ١٦١، انطوان خليل ضومط، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، الطبعة الأولى، بيروت دار الحداثة، ١٩٨٠، ص ٥٦]

وظلت الحلقة محتفظة بقوتها وتماسكها ومكانتها المتميزة - التي كانت لها زمن الأيوبيين - حتى سلطنة الناصر محمد بن قلاوون. [David Ayalon, Studies on the Structure of Mamluk Arпу ІП, Р ٤٤٩,٤٥٠. (١)]

وبمرور الوقت أصبحت الحلقة تضم طائفة من السكان المحليين وآخرين من أبناء المماليك، فضلا عن بعض المماليك السلطانية، [قام الناصر محمد فلاوون سنة ٧١٢هـ / ١٣١٢م بإعادة النظر في أوضاع المماليك السلطانية، فأدرج بعضهم بالحلقةDavid Ayalon, Studies on the Structure of the Mamluk Army II, P ٤٤٩.]

وطائفة من أجناد الأمراء الذين حرموا من إقطاعاتهم. [السلوك ٢/١٢٠]

وكذلك فقد مست الحاجة أيام الحروب إلى إلحاق كثير ممن الجند البطالين - الذين تركوا الجُندية، وأصبحوا من أهل الصنائع- بالحلقة. [السيد الباز العريني المماليك ١٦٠٠١٦١.]

وقد جعلت أعداد الحلقة بعد وفاة الناصر محمد بن قلاوون سنة ١ ٤ ٧هـ / ١٣٤٠م تتناقص بصورة كبيرة مع تراجع كفاءتها القتالية حتى صارت لا تنفع ولا تدفع.. [المواعظ والاعتبار ٣/٦١٥-٦١٦]

وأهملت قواعد تنظيم الحلقة، وترتيب أوضاعها عند القتال، أكثر فترات العصر الجركسى، وأصبحت أضعف فئات الجيش المملوكي وأصبح أعضاؤها هم الأكثر فقرا. [David Ayalon, Staches on the Structure of Mamluk Army II, P. ٤٥٠)]

(ب) الأسطول والنشاط البحري:

كان المماليك يدركون أهمية الأسطول في حماية شواطئ دولتهم وتأمين السفن الإسلامية التي دأب القراصنة الأوربيون على مهاجمتها في البحر المتوسط، ومن هنا فقد اتجهت عنايتهم إلى بناء أسطول قوي خصصوا له جزءًا من ميزانية الدولة؛ لبناء مراكب جديدة، وتوفير ما يلزمها من أدوات الحرب والقتال. بَيْدَ أن المماليك لم يفردوا لرعاية شئون الأسطول ديوانًا خاصًا يناظر ديوان الجيش كما كان الحال أيام الفاطميين والأيوبيين الذين خصصوا للأسطول ديوانًا مستقلًا عُرف ب "ديوان الجهاد". [عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١ /١٨٨ -١٨٩.]

ومما يدل على عناية المماليك بالأسطول أن الظاهر بيبرس لم يكد يتولى السلطنة سنة ٦٥٨هـ / ١٢٥٩م حتى نظر في أمر الشواني الحربية، واستدعى رجال الأسطول، للسفر، وأمر بِمَد الشواني وقَطْع الأخشاب لعمارتها، وإقامتها على ما كانت عليه أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، ومنع الناس من التصرف في الأخشاب، وتقدم بعمارة الشواني في ثغري الإسكندرية ودمياط، وصار ينزل بنفسه إلى دار الصناعة بمصر، ويرتب ما يجب ترتيبه في عمل الشواني ومصالحها... [المواعظ والاعتبار ٣/٦١٥، ٦١٦.]

ويورد المقريزي كذلك ما يدل على عناية الأشراف خليل بن قلاوون (٦٨٩- ٦٩٣هـ) وأخيه الناصر محمد (٦٩٣ - ٦٩٤هـ، ٦٩٨- ٧٠٨هـ ٧٠٩- ٧٤١هـ) بأمر الأسطول، ببناء مزيد من المراكب، وشحنها بالعدد وآلات الحرب والمقاتلين. [السابق ٣/٦١٧]

وكان بمصر عدة دور؛ لصناعة قطع الأسطول المختلفة، من أشهرها:

 دار صناعة الجزيرة الوسطى (أو جزيرة أروى - جزيرة الزمالك حاليًا)،

 ودار مصر الواقعة على ساحل الفسطاط،

 ودار الإسكندرية، ودار دمياط [المواعظ والاعتبار ٦٢٢/٣، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١٨٩، ٠١٩٠]

 أما الأخشاب اللازمة لصناعة السفن والمراكب، فكانت تجلب من بلاد الشام وآسيا الصغرى، أو من غرب أوروبا عن طريق تجار المدن الإيطالية.

وفي بعض الأحيان استخدمت الأخشاب المحلية مثل خشب السنط الذي تتوافر أشجاره بكثرة في البهنسا والأشمونين وأسيوط وأخميم وقوص [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى.٢٩، عبد المنعم ماجد، نظم دولة سلاطين المماليك ١٨٩، ٠١٩٠]

وكان الأسطول المملوكي يضم عددًا من الوحدات الرئيسية المعروفة منذ عصري الفاطميين والأيوبيين مثل:

 (أ) الشواني: ومفردها: شيني أو شينية، وهي نوع من السفن الحربية الكبيرة، كانت تجدف ب (١٤٠) مجدافًا، وتزود بأبراج وقلاع؛ للدفاع والهجوم، كما تحتوي مخازن للقمح وصهاريج؛ لحفظ الماء العذب، وقد ضم الأسطول المملوكي ٦٠ شينيًا.

(ب) الأغربة: ومفردها غراب، وهي نوع من المراكب الحربية كانت تجدف بمائة مجداف أو أقل، وسميت بذلك لأن مقدمتها كانت تشبه رأس الغراب وقد ضم الأسطول المملوكي ١٠٠ غراب.

(ج) الحراريق: ومفردها حراقة، وكانت تستخدم في حرق سفن العدو؛ ولذلك فقد كانت تزود بالنفط الذي كان يرمى بالسهام أو القوارير أو المنجنيقات، وربما وضُعت عليها المدافع.

(د) الطرائد: ومفردها طريدة، وهي نوع من المراكب كانت تستخدم في نقل الفرسان والخيول.

(هـ) البطس: ومفردها بطسة: وهي نوع من السفن الحريية العملاقة كانت تستخدم لنقل الجنود، وربما اتسعت لعدد كبير من الجند، يصل إلى ٧٠٠ جندي.

(و) القراقير: ومفردها قرقورة، وهي نوع من السفن الكبيرة كانت تستخدم؛ لنقل المؤن.

وبعد، فقد كان للأسطول المملوكي دور ملموس في مساندة الجيش الذي نهض بعبء تصفية بقايا الوجود الصليبي في بلاد الشام، ولا سيما أن الصليبيين في ذلك الدور من تاريخهم كانوا يتمركزون في عدد من الموانئ والمدن الساحلية، مثل أنطاكية وطرابلس وعكا. [سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك ٠٣٢٩]

وكذلك فقد كان للأسطول دور مؤثر في التصدي لأعمال القرصنة الأوروبية في البحر المتوسط في القرن الثامن والتاسع الهجريين / الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، وهو الدور الذي بلغ ذروته في مهاجمة قبرص- القاعدة الأولى للقرصنة الأوروبية- وإخضاعها سنة ٨٢٩هـ/ ١٤٢٥م، ومهاجمة رودس الأعوام ٨٤٤هـ /١٤٤٠ م،٨٤٧هـ/١٤٤٣م ،٨٤٨هـ/١٤٤٤م) [راجع ما تقدم عند الحديث عن دولة المماليك الجراكسة]

الحالة الاقتصادية

 إن استمرار دولة المماليك طوال ثلاثة قرون وصمودها في مواجهة التحديات العنيفة التي واجهتها يرجع في بعض أسبابه إلى القوة الاقتصادية الكبيرة التي كانت تتمتع بها في مراحل كثيرة من تاريخها. [كلود كاهن، الإسلام منذ نشوئه حتى ظهور السلطنة العثمانية، ترجمة: حسين قبيسي، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط الأولى، ٢٠١٠م، ٤٥٤.]

وقد اتسم الاقتصاد المملوكي بتنوع ملحوظ، فكان يشمل الزراعة، والصناعة، والتجارة، وذلك على النحو الآتي:

(أ) الزراعة: عُنى المماليك بالزراعة عناية فائقة بوصفها المورد الاقتصادي الأول، والحرفة الرئيسية لمعظم سكان البلاد.

وفي إطار هذه العناية قام المماليك بالعديد من المشروعات التي تهدف إلى النهوض بمرافق الزراعة ووسائلها، فشقوا الترع، وأقاموا الجسور؛ لري مزيد من الأراضي.

وقد عَرفت البلاد نوعين من الجسور: الجسور العامة التي تُبنى كل سنة في الوجهين القبلي والبحري، ويتولى نفقتها الديوان السلطاني،  

والجسور البلدية، أي: الخاصة ببلد دون آخر، ويتولى بناءها الأمراء والأجناد ممن تدخل هذه البلاد في إقطاعاتهم.  [صبح الأعشى ٣/٤٤٨، ٤٤٩]

 وكان الناصر محمد بن قلاوون من أعظم سلاطين المماليك عناية بإقامة مشروعات الري؛ لتنمية النشاط الزراعي بالبلاد، فمن ذلك مثلًا: أنه حفر خليج الإسكندرية سنة ٧١٠هـ/ ١٣١٠م وأقام عليه عدة سَوَاق وبساتين، فأصبحت الأراضي التي كانت سباخًا مزارع قصب سكر، وسمسم، وغيره. [النجوم الزاهرة ١٧٨/١٧٩]

 وكانت للناصر محمد عناية خاصة بالجيزة، حتى إنه أنشأ على كل بلد من بلادها جسرًا وقنطرة، وكانت قبل ذلك أكثر بلادها تشرق؛ لارتفاعها، فزادت الرقعة الزراعية بالجيزة.  [النجوم الزاهرة ٩/١٩٠، ١٩١.]

واستحدث الناصر محمد عدة أراض بالشرقية ونواحي فوة بالغربية، وكانت قبل ذلك خرابًا لا ينتفع بها، كما أنشأ سدّ شبين القصر فزاد بسببه خراج الشرقية زيادة كبيرة، كما أنشأ جسرًا خارج القاهرة؛ لحجز ماء النيل عن منية السيرج وغيرها فعمل بذلك عدة بساتين بجزيرة الفيل (شبرا وروض الفرج الآن).

وكان الناصر محمد يتفقد أحوال البلاد بنفسه، وينظر في جسورها وترعها وقناطرها، كما امتدت عنايته بالأراضي الزراعية إلى بلاد الشام بمختلف نياباتها [ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠٠٧م ٩/١٩٠- ٠١٩٣]

 وقد أدت العناية بمرافق الزراعة ووسائل الري إلى زيادة الإنتاج الزراعي زيادة كبيرة.

ومن أشهر الحاصلات الزراعية في دولة المماليك: القمح والكتان وقصب السكر والفواكه والخضراوات بمختلف أنواعها، فضلا عن الزهور والرياحين [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي ٢٨٥، ٠٢٨٦]

وتجدر الإشارة إلى أن هذه العناية بالنشاط الزراعي والعمل على النهوض به، لم تثمر انتعاشًا في حياة الفلاح أو تحسنا في مستوى معيشته، فظل كما كان في العصور السابقة قنا مربوطًا إلى الأرض التي يزرعها ويفنى حياته في خدمتها، دون أن يصيب من خيراتها إلا القليل. [السابق ص ٢٨٧]

(ب) الصناعة:

أحرزت الصناعة في ظلال الدولة المملوكية درجة طيبة من الرقى والإتقان، يشهد لها تلك المصنوعات المتناثرة في متاحف العالم والتي يرجع تاريخها إلى عصر المماليك.

فقد ازدهرت الصناعات الحربية؛ نظرًا للطابع العسكري الذي اتسمت به الدولة المملوكية - وشغلت موقعًا بارزًا في منظومة النشاط الصناعي آنذاك، وكان من بين أسواق القاهرة سوق عرف ب " سوق السلاح "، كان يوفر للأمراء والجنود مختلف أنواع الأسلحة وأدوات القتال. [المواعظ والاعتبار ٣/٣٢١]

 وكذلك فقد ازدهرت صناعة المنسوجات والأقمشة من الحرير، والصوف، والكتان، والقطن، وامتازت بجمال زخارفها وروعة نقوشها.

وأنشأ السلاطين دور الطراز التي كانت تصنع فيها الخلع التي ينعم بها السلاطين على الأمراء وكبار رجال الدولة.

وانتعشت أيضًا الصناعات المعدنية، وانتشرت صناعة تكفيت (أي تطعيم) البرونز والنحاس بشرائح الذهب والفضة، [سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك ٣١٢-٣١٣، محمود الحويري، مصر في العصور الوسطى، ص ٠٣٩٢]

 وقد بلغ من انتشار تلك الصناعة أنه لم تكن دار بالقاهرة، ومصر تخلو من عدة قطع نحاس مكفت. [المواعظ والاعتبار ٣/٣٤٧]

وكذلك فقد ازدهرت صناعة الزجاج والخزف، وازدانت قصور السلاطين والأمراء بالأواني الزجاجية والخزفية التي تزينها الرسوم النباتية الجميلة.

وتقدمت الصناعات الخشبية التي تمثلت مصنوعاتها في الأبواب والدكك والمشربيات، وكانت تمتاز بدقة الصناعة وتنوع الأساليب الفنية [سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك ٣١٢ -٣١٣]

(ج) التجارة:

كانت التجارة تمثل عصب النشاط الاقتصادي في دولة المماليك ومصدرًا أساسيًا من مصادر الثروة الهائلة التي كانت تتمتع بها.

ومن المعلوم أن الخطر المغولي أدى إلى اضمحلال معظم طرق التجارة العالمية التي كانت تصل بين الشرق والغرب. [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى في مصر والشام ٢٩٣- ٢٩٥، أنطوان خليل ضومط، الدولة المملوكية،١٨٠]

وفي المقابل فقد ازدهر الطريق التجاري (البحر الأحمر- مصر) الذي تشرف عليه دولة المماليك، ولم يلبث أن أصبح حلقة الوصل الأساسية بين الشرق والغرب، باعتباره أقصر الطرق المؤدية إلى الهند المصدر الأول للسلع المشرقية الضرورية التي تتهافت أوروبا على طلبها.

وتمتعت المواني المملوكية على البحرين الأحمر والمتوسط بأهمية كبيرة. [أنطوان خليل ضومط، الدولة المملوكية، ١٨٠-١٨١]

وقد بذلت دولة المماليك جهودًا طيبة في سبيل توفير المقومات اللازمة؛ لتنشيط التجارة عبر هذا الطريق الذي سيطرت عليه وأشرفت على موانيه المهمة،

فقامت أولًا: بتأمين الطرق التجارية الداخلية، وحراسة القوافل المارة بها، وتطهيرها من اللصوص وقطاع الطريق خاصة العُربان [Ira M. Lapidus, Muslim cities in the later Middle Ages, P. ١٢٤ (۸۲)]

وأقامت الجسور عليها، وزودتها بالخانات ووفرت لها المأوى والعلف والماء، وناطت بصاحب البربد مهمة حراسة التجار ومسئولية سلامتهم.

ثم عملت ثانيًا: على تشجيع تجار المشرق على جلب بضائعهم إلى دولة المماليك، وحث التجار الأوروبيين على التردد على الموانى المملوكية وشراء ما يلزمهم من بضائع المشرق ومنتجاته [سعيد عبد الفتاح عاشور العصر المماليكى، ٢٩٥، ٢٨٦، أنطوان خليل ضومط الدولة المملوكية، ١٨٨.]

وكذلك فقد أضفي المماليك حماية عسكرية فعالة على التجار بغية حمايتهم من القراصنة الأوربيين وبذلوا جهودًا دبلوماسية ضخمة لتشجيع الدول الأوربية على المشاركة في التجارة الشرقية وشن الحرب على قواعد القراصنة [Ira M. Lapidus, Muslim cities in the later Middle Ages, P. ١٢٤(١)]

وعقد سلاطين المماليك بعض المعاهدات التجارية مع الدول المجاورة؛ بغية تنشيط التجارة، فعقد المنصور قلاوون صلحا مع مملكة أرمينية الصغرى سنة ٦٨٤هـ/ ١٢٨٥ م [ابن عبد الظاهر تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور ١٠٠،٩٩]

ومعاهدة مع الإمبراطور البيزنطي سنة ٦٨٠هـ/ ١٢٨١ م تتضمن تأمين التجار وعدم العدوان عليهم أو التضييق على أنشطتهم التجارية، وأن يتحركوا في حرية كاملة بين أراضي الدولتين وكذلك فقد أولى الماليك لحركة التجارة الداخلية اهتمامًا كبيرًا، فنشطت قوافل التجار بين مصر من ناحية ودمشق وحلب والقدس وغزة من ناحية أخرى، وشهدت الأسواق المحلية نشاطًا صاخبًا، وقد اختص كل سوق منها بنوع معين من البضائع؛ كسوق الشمَّاعين [تشريف الأيام والعصور بسيرة المنصور ٢٠٩.٢٠٤.]

ويختص ببيع الشموع)، وسوق الدجَّاجين (ويختص ببيع الدجاج وغيره من الطيور)، وسوق السلاح (ويختص ببيع الأسلحة)، وسوق الجُوخيين (ويختص ببيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنجة؛ لعمل المقاعد والستائر، وثياب السرج)، وسوق الحلاويين (ويختص ببيع الحلوى) ... إلخ. [لمزيد من التفاصيل عن أسواق القاهرة في عصر المماليك راجع المواعظ والاعتبار ٣/٣١٣ - ٣٥٤]

وكذلك فقد انتشرت الوكالات والقياسر، وهي ضرب من المؤسسات التجارية الكبرى التي دأب على إنشائها بعض الأثرياء؛ لتأجير ما بها من محال ودكاكين للتجار.

وفي بعض الأحيان كان أصحاب القياسر يقفون ريعها؛ للإنفاق على مؤسسة دينية أو اجتماعية. [المزيد من التفاصيل راجع: المواعظ والاعتبار ٣/٢٨٦ وما بعدها.]

ومن أشهر الوكالات التجارية في عصر المماليك وكالة الأمير قوصون (ت ٧٤٢هـ / ١٣٤١م) التي كان ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام من الزيت والصابون والدَّبْس والفستق والجوز واللوز ونحو ذلك. [المواعظ والاعتبار ٣/٣٠٩]

على أن سياسة الاحتكار التي اتبعها متأخرو سلاطين المماليك وخاصة الأشرف برسباي (٨٢٥- ٨٤١هـ) ومن تلاه، ألحقت أضرارًا فادحة بحركة التجارة الخارجية والداخلية، وهو الأمر الذي أثر على مجمل الاقتصاد المملوكي، فقلت موارد الدولة وارتبكت ميزانيتها، على نحو أدى ضمن أسباب أخرى إلى سقوطها في النهاية.

الحياة الاجتماعية

كان المجتمع المملوكي مجتمعًا طبقيًا معقد البناء، [توشك النزعة الطبقية أن تكون سمة عامة امتازت بها الحياة الاجتماعية للمسلمين عبر تاريخهم الطويل، رغم مصادمتها لدعوة الإسلام إلى المساواة بين المسلمين كافة، وطرح المقاييس المادية في المفاضلة بينهم.]

حيث تألف من جملة طبقات متباينة في خصائصها ومظاهر حياتها الاجتماعية، وفي مقدار ما تمتعت به كل طبقة من حقوق وامتيازات تقابلها مسئوليات وأعباء يلزمها القيام بها [سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكى في مصر والشام، القاهرة، ص ٢١٨، قاسم عبده قاسم، عصر سلاطين المماليك ص ١٦٤، ١٦٥]

 وفي هذا الإطار يرى ابن خلدون أن مُلك مصر قد تميز في العصر المملوكي إلى سلطان ورعية [مقدمة ابن خلدون، تحقيق: على عبد الواحد وافي، الطبعة الثالثة، القاهرة، دار نهضة مصر، بدون تاريخ ٢/٥٣٨]

 أي أن المجتمع كان يتألف في هذا الدور من طبقة عسكرية حاكمة يمثلها السلطان، والأمراء، والجند المماليك، وأخرى مدنية يمثلها سائر فئات الشعب من المحكومين، ولعلنا نلاحظ أن هذا التقسيم تقسيم عام لا يبرر خصوصية المجتمع المملوكي؛ ذلك أنه أجمل الشرائح الاجتماعية المختلفة التي تُكوّنُ في مجموعها طبقة المحكومين، فعدها طبقة واحدة رغم ما بينها من فروق معتبرة في كل تقسيم اجتماعي، تتعلق بالمنزلة والمكانة، ودرجة الثراء، ومقدار الثقافة.

أما المقريزي فقد قدم تقسيمًا لفئات المجتمع المملوكي أكثر تفصيلًا، حيث قسم أهل مصر إلى سبع طبقات مرتبة ترتيبًا تنازليًا على النحو الآتي:

  1. أهل الدولة.
  2. أهل اليسار من التجار كبار التجار.
  3. الباعة وهم متوسطو الحال من التجار.
  4. الفلاحون أصحاب الزراعة والحرث.
  5. الفقراء وهم جل الفقهاء والكثير من أجناد الحلقة وغيرهم.
  6. أرباب الصنائع والأجراء أصحاب المهنة.
  7. ذوو الحاجة والمسكنة. [المقريزي، إغاثة الأمة بكشف الغمة، القاهرة، دار ابن الوليد، بدون تاريخ، ص ٧٣]

ومن الملاحظ أن المقريزي أهمل ذكر طبقتين مهمتين في المجتمع المملوكي، هما طبقة المعممين من أصحاب الوظائف الدينية والديوانية، وطبقة الأعراب [سعيد عبد الفتاح عاشور، المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، القاهرة، دار النهضة العربية، بدون تاريخ، ص ١٠]

 ومن المحتمل أنه ألحق المعممين بأهل الدولة وأدرج الأعراب في أهل الزراعة.

وفي ضوء ما تقدم يمكن صياغة البناء الطبقي للمجتمع المملوكي على النحو الآتي:

  • طبقة الخاصة، أو النخبة الحاكمة، وتشمل: السلطان وحاشيته، وأمراء المماليك سواء أكانوا من أرباب الوظائف العسكرية أم لا، وأرباب الوظائف الدينية والديوانية من العلماء أو المعممين، وكبار التجار.
  • طبقة العامة، وتشمل: الباعة (أو متوسطي الحال من التجار)، وأرباب الحرف والصنائع والفقهاء ممن لم يشغلوا وظيفة في الدولة، والفلاحين، وذوي الحاجة والمسكنة، والزُّعْر [جمع زاعر، وهو اللص والمحتال والحرفوش والمتشرد. محمد قنديل البقلى، مصطلحات صبح الأعشى، ص ٠١٧٠] والحرافيش والشطار.

سادسًا: الحياة العلمية والفكرية:

شهدت مصر - والشام بالتبعية - في عصر المماليك حركة فكرية ناشطة وازدهارا علميًّا رائعًا.

ويشير ابن خلدون إلى أن القاهرة كانت أبرز مركز للعلم والثقافة في العالم الإسلامي آنذاك قائلًا: "ونحن لهذا العهد - عهد المماليك - نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر؛ لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعليم العلم [مقدمة ابن خلدون ٣/١٠٢٥]

عوامل قيام النهضة الفكرية في دولة المماليك

ولا شك أن سقوط معظم المراكز الثقافية الإسلامية على أيدي المغول أو الصليبيين هو الذي أورث مصر والشام هذه المكانة العلمية الممتازة، وجعل لهما مركز القيادة الثقافية والأدبية زهاء قرون ثلاثة هي عمر دولة المماليك.

ويمكن إجمال الأسباب الموضوعية لتلك النهضة الفكرية في النقاط الآتية:

 (١) إحياء الخلافة العباسية:

 أصبحت مصر منذ مطلع تاريخ دولة المماليك عاصمة الخلافة العباسية، وكانت القاهرة مقرًا للخلفاء العباسيين حتى الغزو العثماني الذي أدى إلى انتقال لواء الخلافة من بني العباس إلى سلاطين آل عثمان. وكان لوجود الخلافة العباسية بمصر أثر محمود في إنعاش الحياة الفكرية بها شرحه السيوطي قائلًا: "واعلم أن مصر من حين صارت دار الخلافة عظم أمرها وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة وعفت منها البدعة، وصارت محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيثما كانت يكون معها الإيمان والكتاب" [السيوطي، حسن المحاضرة، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٧ م ٢/١٠٢]

 (٢) هجرة العلماء إلى مصر نتيجة الزحف المغولي في الشرق والمد الصليبي في الغرب:

كان للتطورات الكبرى التي شهدها العالم الإسلامي نتيجة الزحف المغولي في الشرق والمد الصليبي في الغرب (حركة الاسترداد في الأندلس) أبلغ الأثر في تغيير خريطته الفكرية؛ حيث اضطر العلماء والمفكرون - خاصة بعد المذبحة الوحشية التي ارتكبها المغول في بغداد سنة ٦٥٦هـ/١٢٥٨م- إلى الهجرة إلى أقطار أخرى أوفر أمنًا، وأكثر استقرارًا، وأبعد عن مناطق المواجهة المباشرة مع المغول، أو الصليبيين.

وكانت مصر أكثر الأقطار الإسلامية استقبالًا لهذه العقول المهاجرة واحتضانًا لها؛ حيث قصدتها أفواج العلماء من أقصى بلاد المشرق والمغرب والأندلس على السواء، ووجد العلماء الوافدون  في مصر الملاذ والأمن والاستقرار، وأغدق عليهم سلاطين المماليك ألوان الرعاية والتشجيع، وأقبل عليهم الطلاب والعلماء المصريون فتفتحت مواهب هؤلاء وهؤلاء، وانقدحت قرائحهم العلمية عن طريق الأخذ والعطاء، وتبادل الثقافات والأفكار المختلفة، وأنتج هذا الاحتكاك والتلاحم الفكري أقوى حركة فكرية شهدتها مصر  في عهودها المختلفة، وأصبحت مصر مجمعا علميا كبيرا يضم بين جنباته أبرز العلماء والمفكرين من كل مكان" [د. محمد محمد محمود عامر، المماليك المصريون الذين لمعوا في ميدان الفكر، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ١٩٧٩م ص ١٢٤]

(٣) رعاية المماليك للحركة الفكرية وتشجيعهم للعلم والعلماء:

 لم تكن تلك النهضة الفكرية التي شهدتها مصر والشام إبان عصر المماليك لتتحقق لولا تلك الرعاية التي أسبغها حكام المماليك على العلم والتعليم، وذلك التشجيع الذي أحاطوا به العلماء والمفكرين.

 لقد بذل أولئك الحكام جهدًا هائلًا في سبيل خلق بيئة علمية مزدهرة، فتوسعوا في إنشاء المعاهد العلمية وعهدوا بالتدريس فيها إلى طبقة ممتازة من العلماء، ورصدوا لتلك المعاهد الأوقاف الضخمة؛ للإنفاق عليها إنفاقًا دائمًا متصلًا، وزودوها بما تحتاج إليه من مكتبات حفلت بنفائس الكتب في العلوم المختلفة، فهيأوا بذلك لطلابها، ومدرسيها مناخًا علميًا صالحًا أتاح لهم التفرغ للبحث والدراسة.

وجدير بالذكر أن بعض السلاطين والأمراء عرفوا بتشجيع العلماء من الأقطار المختلفة على الهجرة إلى مصر؛ كالظاهر برقوق الذي عمد إلى استقدام العلماء المبرزين إلى القاهرة كالإمام العلامة زادة الخرزبانى (ت ٠٩ ٨هـ / ١٤٠٦م) علامة زمانه في العلوم العقلية والأدبية، فقدم إلى القاهرة وتصدى للإقراء والتدريس سنين عديدة، وانتفع به عامة الطلبة من كل مذهب [ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة ١٣ / ١٦٤، ٠١٦٥]،

 والإمام سيف الدين السيرامي (١٠ ٨هـ / ١٤٠٧ م) الذي ولاه برقوق مشيخة المدرسة / الخانقاه التي أنشأها بين القصرين سنة ٧٩٠هـ، فظل يدرس ويفتي إلى أن توفي بها سنة ٨١٠هـ/١٤٠٧م [ابن تغري بردي، المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، تحقيق: محمد محمد أمين، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ٦/ ١٩٨-١٩٠]

وحرص بعض سلاطين المماليك على عقد المجالس العلمية والدينية بالقلعة بشكل دوري منتظم، فعرف السلطان الغوري بعقد تلك المجالس التي بحثت فيها مختلف المسائل والمشاكل العلمية والدينية، وكان يؤمها كبار العلماء والفقهاء. [عبد الوهاب عزام، مجالس الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجري، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤١م، ص٤٩]

المؤسسات والمعاهد العلمية:

 وقد تنوعت المعاهد العلمية التي حملت عبء النشاط الفكري في دولة المماليك تنوعًا ملحوظًا، وتمثلت فيما أنشئ من مساجد ومدارس وما شيد من خانقاوات ورُبط وزوايا.

ولعل ما أورده ابن دقماق في كتابه الانتصار لواسطة عقد الأمصار، والمقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار، والنعيمي في كتابه" الدارس في تاريخ المدارس "- عن هذه المعاهد العلمية المتنوعة جدير بأن يعطينا صورة واضحة عن النشاط الفكري الزاخر الذي كانت تموج به البلاد آنذاك.

 لقد اتسعت رسالة هذه المؤسسات والمعاهد؛ لتشمل بالإضافة إلى إقامة الشعائر الدينية النهوض بالحركة العلمية، والفكرية في البلاد، وكان التعليم أحد الأغراض الرئيسية من بنائها.

 ويسعنا أن نقول: إن المدارس - ويقاس عليها سائر معاهد التعليم - كانت في عهد دولة المماليك تضارع أعظم المعاهد الأوروبية الحديثة، من حيث نظمها وطرقها التعليمية وهيئة التدريس بها وإمدادها بالكتب العلمية اللازمة، وتوفير مصادر الإنفاق عليها، ورعاية الطلبة والمتعلمين بها، وتهيئة الجو العلمي الذي يكفل لها أداء رسالتها على أكمل وجه [وليم موير، تاريخ دولة المماليك في مصر، الطبعة الأولى، القاهرة، مكتبة مدبولي ١٩٩٥م، ص ٢٠٥]

وينبغي أن نؤكد في هذا السياق على أن المساجد والجوامع والخانقاوات - ومثلها الربط والزوايا - قد أدت الدور العلمي الذي كانت تضطلع به المدارس، فلم تختلف عنها إلا في الاسم، وفي بعض السمات الخاصة التي كانت تبرز في إحداها دون الأخرى، فالجامع مثلًا كانت تقام فيه الجمعة والجماعات، والخانقاه كان يغلب عليها الاهتمام بالتصوف والمتصوفة، وفيما عدا ذلك فلم يكن هناك من فرق بينهما وبين المدرسة في أوجه النشاط العلمي الذي كان يمارس في كل منها. [د. محمد محمد محمود عامر، المماليك المصريون الذين لمعوا في ميدان الفكر، ص ١٣٤. رسالة دكتوراه قدمت لقسم التاريخ والحضارة في كلية دار العلوم بالقاهرة السابق الإشارة إليها آنفا.]


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي لندن ١٤٢٢هـ / ٢٠٠٢م.
  • المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة وسعيد عبد الفتاح عاشور، دار الكتب القاهرة. د.ت)
  • القلقشندي: صبح الأعشى الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، سلسلة الذخائر ٢٠٠٤م.
  • خليل بن شاهين الظاهري زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك نشرة بولس روایس باريس ۱۸۹۲م
  • عبد المنعم ماجد: نظم دولة سلاطين المماليك ورسومهم في مصر. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ١٩٧٩م.
  • محمد عبد الغنى الأشقر: الوزارة والوزراء في مصر في عصر سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ٢٠١١م.
  • السيد الباز العريني: المماليك، دار النهضة العربية، بيروت (د. ت).
  • سعيد عبد الفتاح عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، دار النهضة العربية، القاهرة (د. ت).

الخلاصة

الدولة المملوكية كانت نموذجًا للدولة العسكرية، حيث احتكر المماليك الحُكم والوظائف العليا، وكان السلطان يصل إلى السلطة بالقوة والتغلب، مع سلطات مطلقة في الحرب والسياسة وتوزيع الإقطاعات، ساعده نواب في القاهرة والشام، وأتابك العسكر، واعتمد القضاء على المذاهب السنية الأربعة، والحسبة ركزت على مراقبة الأسواق وحفظ الآداب العامة، والجيش تألف من المماليك السلطانية، مماليك الأمراء، وأجناد الحلقة، مع أسطول قوي لحماية الشواطئ ومكافحة القرصنة، وتنوع الاقتصاد المملوكي بين زراعة، صناعات متقدمة كالأسلحة والمنسوجات، وتجارة نشطة عبر البحر الأحمر والمتوسط.

موضوعات ذات صلة

أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.

همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ

 أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين.

موضوعات مختارة