Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البرامكة

الكاتب

أ.د/ عبد الرحمن سالم

البرامكة

كان للبرامكة، الأسرة الفارسية ذات النفوذ، بصمة لا تُمحى على العصر العباسي الأول، فمن السياسة إلى الثقافة، لعبوا أدوارًا محورية شكَّلت مسار الدولة وحضارتها.

البرامكة في قلب الدولة العباسية ودور خالد بن برمك في تثبيت الحكم

البرامكة أسرة فارسية لعبت دورًا مهمًا على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في العصر العباسي الأول، وأول من برز من أفراد هذه الأسرة خالد بن برمك، وليس من اليسير القول بإسلام برمك [ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٧٧، ج ٦، ص ٢١٩] ولكن الواضح أن ابنه خالدًا نشأ نشأة إسلامية، وقد برز دوره السياسي منذ قيام الخلافة العباسية سنة ١٣٢هـ(٧٤٩م)، فقد عيَّنه الخليفة أبو العباس السفاح سنة (١٣٢- ١٣٦هـ/ ٧٤٩-٧٥٤م) عاملًا على ديوان الخراج في سنة ١٣٢هــ، ولا يلي هذا الديوان إلا من يتمتع بالثقة والخبرة معًا، وقد استمر خالد بن برمك يتولى هذا المنصب الخطير طوال خلافة السفاح [الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الرسل والملوك (المشهور بتاريخ الطبري) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٧، ج٧، ص ٤٥٨]، ومما يشير إلى مكانة خالد لدى العباسيين أنه كان واحدًا من القادة الذين استعانوا بهم في حربهم ضد الأمويين [الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الرسل والملوك (المشهور بتاريخ الطبري) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٧، ج٧، ص ٤١٩، وانظر: - أيضًا: ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص ٢٢٠].

وفي عهد الخليفة المنصور تمتع خالد بن برمك بمكانة لا تقل عن المكانة التي تمتع بها في عهد السفاح، ولا يكفي للتعبير عن هذه المكانة أنه كان أحد الذين ولاهم المنصور الوزارة [المسعودي: التنبيه والإشراف، طبعة ليدن ١٨٩٣، ص٣٤٢] بل زاد على ذلك أنه كان من بين من يلجأ إليهم الخليفة لحل القضايا المستعصية.

ويحدثنا الطبري عن الدور الذي قام به في تحويل ولاية العهد من عيسى بن موسى ولي عهد المنصور إلى ابنه محمد المهدي [الطبري، مصدر سابق، ج ٨، ص ١٩-٢٠].

وقد كان المهدي يعرف ذلك له ويصفه بجزالة الرأي، وقد استعمله في إحدى غاراته ضد دولة الروم في سنة ١٦٣هـ(٧٧٩م) [الطبري، مصدر سابق، ج ٨، ص ١٤٦] رغم شيخوخته في ذلك الوقت، فقد توفي سنة ١٦٥هـ(٧٨١م) عن خمسة وسبعين عامًا [ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، بيروت (دون تاريخ)، ج ١، ص ١ ٢٦].

ويصفه المسعودي بقوله: "لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جودة رأيه وبأسه وجميع خلاله [المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة ١٩٤٨، ج ٣، ص ٣٧٧].

البرامكة في عصر الرشيد: من التربية إلى الوزارة والنفوذ

على أن يحيى بن خالد بن برمك احتل في بلاط العباسيين مكانة زادت في خطورتها وأهميتها عن المكانة التي كانت لوالده خالد، وقد كان يحيى يتمتع - أيضًا - بصفات خلقية رفيعة، فقد (كان من النبل والعقل وجميع الخلال على أكمل حال) كما يقول ابن خلكان [ابن خلكان، مصدر سابق، ج٦، ص٢٢١]، ولا شك أن هذه الصفات النادرة هي التي أهلته لأن يحظى لدي الخليفة محمد المهدي (١٥٨- ١٦٩هـ/ ٧٧٥- ٧٨٥م] بثقته المطلقة، ولعل أقوي مظاهر هذه الثقة أنه عهد إليه برعاية ولده هارون الرشيد والإشراف على تربيته وتهذيبه [ابن خلكان، مصدر سابق، ج٦، ص ٢٢١].

والواضح أن تأثير يحيى بن خالد على هارون كان بالغ العمق، ولا أدل على ذلك من أن هارون قال له بعد أن تولي الخلافة: يا أبت، أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك ويُمْنك وحسن تدبيرك [ابن خلكان، مصدر سابق، ج٦، ص ٢٢١].

ولعل هارون هنا يشير إلى دور يحيى بن خالد في إحباط المحاولة التي قام بها الخليفة موسى الهادي لكي يحول ولاية العهد إلى ابنه الطفل جعفر بدلًا من هارون.

وقد تضافرت جهود الخيزران والدة الهادي وهارون مع جهود يحيى بن خالد في هذا الأمر، وقد استوزره هارون بعد توليه الخلافة وقال له: (قد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت واعزل من رأيت، وأَمْضِ الأمور على ما ترى [الطبري، مصدر سابق، ج ٨، ص ٢٣٣] ودفع إليه خاتمه، وقد كانت وزارة يحيى بن خالد أول وزارة تفويض في العصر العباسي، وكانت الوزارة قبل ذلك وزارة تنفيذ [د. محمد حلمي محمد أحمد، الخلافة والدولة في العصر العباسي، مكتبة الشباب، القاهرة ١٨٧٢، ص ٦٢].

كان ليحيى بن خالد أربعة أولاد هم الفضل وجعفر وموسى ومحمد، أما الفضل - وهو أكبر أولاد يحيى - فقد كان أخا الرشيد من الرضاعة؛ ذلك أن أم الفضل أرضعت الرشيد، وأم الرشيد - وهي الخيزران - أرضعت الفضل، وبالرغم من أن البرامكة جميعًا كانوا يتصفون بالكرم فقد كان الفضل بن يحيى من أكثرهم كرمًا [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٤، ص ٧ ٢].

ومما يروي من مآثره في هذا الصدد أن شاعرًا يقال له أبو الهول الحِمْيري هجاه، ثم أتاه راغبًا إليه، فقال له: ويلك! بأي وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقي به الله - عز وجل - وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، فضحك ووصله [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٤، ص٢٩].

وقد كان الرشيد يثق في كفاءة الفضل ويلجأ إليه في المواقف الصعبة، فمن ذلك أنه أرسله إلى بلاد الديلم سنة ١٧٦هــ/٧٩٢م لإخماد الثورة التي قام بها يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي هرب إلى هناك بعد موقعة(فخ) في عهد الخليفة الهادي، وقد استطاع يحيى بن عبد الله أن يظفر بتأييد ساحق من أهل تلك البلاد، وأن يهدد سلامة الدولة العباسية، فولى الرشيد الفضل بن يحيى بلاد جرجان وطبرستان والري، ووجهه في خمسين ألف مقاتل لمحاربة يحيى، ولكن الفضل آثر أن يسلك مع يحيى أسلوب المفاوضات، وتمكَّن من أن يعقد معه صلحًا بعد أن سأل الرشيد أن يكتب له كتاب أمان فأجابه إلى ذلك، وهكذا نجح الفضل في القضاء على هذه الثورة دون إراقة دماء [الطبري، ج ٨، ص ٢٤٢ وما بعدها].

 وقد ارتفعت مكانة الفضل عند الرشيد بعد قضائه على ثورة يحيى بن عبد الله، فولّاه خراسان سنة ١٧٨هـ/٧٩٤م، فمهَّد بها الأمور [الطبري، ج ٨، ص ٢٥٧ وما بعدها]، هذا وقد عهد الرشيد إلى الفضل بمهمة الإشراف على تربية ابنه محمد الأمين [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٤، ص ٢٨].

على أنَّ أرفع البرامكة منزلة عند الرشيد، وأخصَّهم به، وأدناهم منه، كان جعفر بن يحيى دون منازع. وهذا ما يعبر عنه ابن خلكان بقوله:(كان من علو القدر ونفاذ الأمر وبعد الهمة وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها) [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٤، ص ٣٢٨].

ولم تأت مكانته هذه من فراغ، فقد كان يتسم بسماحة الخلق، وطلاقة الوجه ولين الجانب، بالإضافة إلى لباقته وفصاحته النادرة وسخائه الذي تفرَّد به، وقد ولاه الرشيد مصر سنة ١٧٦هـ (٧٩٣م)، فكان جعفر ينيب عنه من يتولى حكمها حتى يظل هو بجانب الرشيد [الطبري، ج ٨، ص ٢٥٢].

وكان الرشيد يستعين بجعفر في جلائل الأمور، ففي سنة١٨٠هـ (٧٩٦م) أرسله إلى بلاد الشام للقضاء على القلاقل بها فقام بمهمته على خير وجه [الطبري، ج ٨، ص ٢٦٢] وقد عهد إليه الرشيد - فوق ذلك - بمهمة الإشراف على تربية ابنه عبد الله المأمون [ابن خلكان، ج٤، ص ٢٨].

 أما موسى بن يحيى فقد كان مشهورًا بالبأس والشجاعة والكفاية، وقد ولاه الرشيد الشام سنة ١٧٦هـ (٧٩٣م)، عندما هاجت الفتنة بها بين النازية واليمانية (أو العدنانيين والقحطانيين)، فأصلح موسى أمرها وسكن الفتنة بها [الطبري، ج ٨، ص ٢٥١].

وأما محمد بن يحيى فقد اشتهر ببعد همته، وكانت له مكانته الاجتماعية الموفورة، ولكنه لم يتقلد مناصب مهمة كتلك التي تقلدها إخوته.

يتبين لنا مما ذكرنا أن الأركان الأساسية لأسرة البرامكة في عهد الرشيد هم يحيى بن خالد وابناه الفضل وجعفر، ومما يعبر عن مدى النفوذ الذي تمتع به هؤلاء الثلاثة في تلك الفترة قول اليعقوبي: وكان الغالب على الرشيد يحيى بن خالد بن برمك وجعفر والفضل ابناه صَدْرًا من خلافته، حتى ما كان له معهم أمر ولا نهي، فأقاموا على تلك الحال وأمور المملكة إليهم سبع عشرة سنة [اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت ١٩٩٢، ج٢، ص ٤٢٩].

نكبة البرامكة وأسبابها

ومن هنا فليس من الغريب أن يصل النفوذ الفارسي على أيديهم إلى أقصي مدي له في دولة العباسيين، وبالرغم من هذه المكانة المتفرِّدة التي تمتع بها البرامكة في بلاط الرشيد، فقد تعرضوا على يديه لنكبة مروِّعة حار المؤرخون في تفسيرها، ففي أول صفر سنة ١٨٧هـ (٨٠٣م) أمر الرشيد بقتل جعفر بن يحيى بن خالد وصلب جثته، ثم قبض على يحيى بن خالد وأولاده، وحبسهم بالرَّقة، واستصفى أموالهم، واستولي على ضياعهم، وقد رفض تقديم أي سبب لما فعل، بل يُروى عنه أنه قال: "لو علمت يميني بالسبب الذي له فعلت هذا لقطعتها" [اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت ١٩٩٢، ج٢، ص٤٢٢].

وقد حاول المؤرخون أن يقدِّموا الأسباب المحتملة لهذه النكبة، وفيما يلي مجمل هذه الأسباب:

١- قصة العباسة: كان الرشيد شديد الولع بأخته العباسة، فلم يكن يصبر على فراقها، كما كان في الوقت نفسه شديد التعلق بجعفر البرمكي، وحتى يستطيع الجمع بينهما في مجلسه جعل جعفرًا يتزوج من العباسة ولكنه اشترط عليه ألا يمسها.

ويضيف أصحاب هذه الرواية أن العباسة تحايلت على جعفر حتى التقت به وحملت منه دون علم الرشيد وولدت غلامًا، ولكنها خافت أن يطلع الرشيد على الأمر، فأرسلت الغلام إلى مكة مع حواضن له، ثم وقع بين العباسة وبين إحدى جواريها شر فأذاعت الجارية سرَّها للرشيد فقتل جعفرًا ونكل بأهله [الطبري، ج ٨، ص ٢٩٤، والمسعودي: مروج الذهب، ج ٣، ص ٣٨٤ - ٣٨٩].

٢- قصة يحيى بن عبد الله العلوي: تحدثنا منذ قليل عن الثورة التي قام بها يحيى بن عبد الله في بلاد الديلم بعد هروبه إلى هناك إثر هزيمة العلويين في معركة (فخ) في عهد الخليفة موسى الهادي، وأشرنا إلى أن الرشيد أرسل إليه الفضل بن يحيى البرمكي لإخماد ثورته، ولكن الفضل استطاع أن يعقد صلحًا مع يحيى بن عبد الله وأن يضمن له أمان الرشيد.

 واستكمالًا لهذه القصة نذكر هنا أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر البرمكي فحبسه، ولكن يحيى استعطف جعفرًا فرقَّ، له وأطلق سراحه، ووجَّه معه من سهَّل له سبيل الهَرَب إلى بلاد الديلم، ولكن الرشيد علم بذلك عن طريق أحد كبار حاشيته وهو الفضل بن الربيع الذي يُعرف بأنه ألد أعداء البرامكة في بلاط الخليفة، ومن ثم طلب الرشيد جعفرًا وسأله عن يحيى فقال له: هو بحاله في الحبس، فقال الرشيد: بحياتي؟ ففطن جعفر وقال: لا وحياتك! وقص عليه أمره، فقال الرشيد: نعم ما فعلتَ! ما عدوتَ ما في نفسي! فلما قام جعفر قال الرشيد: "قتلني الله إن لم أقتلك"! ونكبَ البرامكة [الطبري، ج ٨، ص ٢٨٩].

٣- دسائس الفضل بن الربيع وغيره من أعداء البرامكة: يذكر بعض المؤرخين أن أعداء البرامكة مثل الفضل بن الربيع مازالوا يذكرون للرشيد استبدادهم بالملك، واحتجانهم للأموال، حتى أوغروا صدره فأوقع بهم [ابن الطقطقي: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، شركة طبع الكتب العربية بمصر، القاهرة ١٣١٧هـ، ص ١٩١].

 ويتصل بذلك ما يُرْوَى من أن جعفر بن يحيى ابتني دارًا بلغت نفقاتها عشرين مليون درهم، فقيل للرشيد: هذه غرامته على دار فما ظنك بنفقاته؟![أبو المحاسن: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتألف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة ١٩٦٣، ج ٢، ١١٥].

 ٤- ما ظهر من جعفر والفضل ابني يحيى من تيه وإدلال: وهذا ما يوضحه ابن خلكان في معرض حديثه عن الأسباب المحتملة لنكبة البرامكة؛ حيث يقول: وقع منهم بعض الإدلال، خاصة جعفر والفضل، دون يحيى، فإنه كان أحكم خبرة، وأكثر ممارسة للأمور [ابن خلكان، مصدر سابق، ج١، ص ٣٢٣ - ٣٣٥].

مناقشة هذه الأسباب:

الواضح أن السبب الأول المتمثل في قصة العباسة شديد التهافت بعيد عن الإقناع، وقد رفض ابن خلدون قبول هذه القصة من أساسها وقال في تبريره لهذا الرفض: "كيف يسوغ من الرشيد أن يُصْهِر إلى موالي الأعاجم على بعد همته وعِظَم آبائه؟ ولو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف، وقاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه؛ لاستنكف لها عن مثله مع مولي من موالي دولتها، وأين قدر العباسة والرشيد من الناس؟ [ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق: الدكتور علي عبد الواحد وافي، مكتبة الأسرة، القاهرة ٢٠٠٦، ج ١، ص ٣٠١- ٣٠٢].

ثم إننا نضيف إلى ما ذكره ابن خلدون ما يبدو في نظرنا أدعي إلى التشكيك في وثاقة هذه القصة، وهو ما تنطوي عليه من تناقض داخلي بيّن، فالقصة تذكر أن الرشيد لم يكن يطيق فراق العباسة، ثم تمضي قائلة إن العباسة حملت ووضعت دون أن يعلم الرشيد بذلك إلا من بعض الوشاة، فهل غابت العباسة عن نظره طوال هذه الفترة؟ ويبقي أمامنا تساؤل آخر ذو دلالة وهو: ماذا كان رد فعل الرشيد إزاء العباسة في هذا الأمر؟ هل نجت من العقاب؟

إن القصة لا تشير إلى شي من هذا رغم أن العباسة طرف أصيل فيها، هذه القصة بيِّنة التهافت إذن، واضحة البطلان، ومع ذلك فقد وجدنا من المستشرقين والعرب من يثق تمام الثقة في صحتها، ومن هؤلاء السير وليم موير [Sir W. Muir, the Cailiphote: its Rise, Decline and Fall، Edinburgh- ١٩٢٤,p,٤٨١]، وجرجي زيدان الذي ألف رواية تاريخية عنوانها العباسة أخت الرشيد سلَّم فيها بصحة هذه القصة.

أما الأسباب الأخرى فلعلها لا تجاوز الحقيقة في مجملها، وإن كنا لا نستطيع أن نقول إن سببًا معينًا منها كان هو الدافع الوحيد وراء هذه النكبة، لكننا نتوقف عند قصة يحيى بن عبد الله العلوي لنذكر أن هناك رواية تشير إلى أن الرشيد نقض أمانه وقتله بعد أن سعي عنده بعض الوشاة [أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين، تحقيق: سيد أحمد صقر، الهيئة العامة لتصور الثقافة، القاهرة ٢٠٠٣م، ج ٢، ص ٤٧٩- ٤٨٢]، فلو صحت هذه الرواية لاستلزمت أن يكون رجال هارون قد نجحوا في القبض على يحيى وتسليمه إلى الخليفة قبل أن يكمل تنفيذ مخططه.

وخلاصة تحليلنا هنا أن نكبة البرامكة كانت - فيما يبدو - نتاج مجموعة من العوامل المتداخلة، لعل أهمها هو ازدياد نفوذ هذه الأسرة بصورة تضاءل معها نفوذ الخليفة ذاته، ومن ثَمَّ فإننا نستطيع القول إن قرار الرشيد بالقضاء على البرامكة لم يحدث فجأة [د. محمد حلمي محمد أحمد: مرجع سابق، ص ٦٢- ٦٣]، بل تشكل بالتدريج، ونما في خط متواز مع نمو نفوذ البرامكة، ثم حينما بلغ هذا النفوذ مداه اكتملت ملامح القرار.

وقد يكون هناك سبب مباشر وراء تنفيذ القرار بشكل يبدو مفاجئًا، ولكن الذي لا شك فيه أن القرار ذاته كان موجودًا قبل تنفيذه بفترة قد لا تكون قصيرة، ومن المفيد هنا أن نقتبس بعض ما قاله ابن خلدون في تفسيره لنكبة البرامكة: "إنما نَكَبَ البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة، واحتجانهم أموال الجباية، حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه، فغلبوه على أمره، وشاركوه في سلطانه، ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه، فعظمت آثارهم وبَعُدَ صيتهم" [ابن خلدون، مصدر سابق، ج١، ص ٣٣٥].

هذا وقد انتهت بنهاية نفوذ البرامكة مرحلة متميزة في خلافة هارون الرشيد لتبدأ مرحلة أخري كان النفوذ الغالب فيها هو نفوذ وزيره الفضل بن الربيع.

وقد ظل يحيى بن خالد في محبسه بالرافقة (وهي بلد متصل البناء بالرقة) [ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت١٩٩٢، ج ٣، ص ١٧] إلي أن مات في الثالث من المحرم سنة١٩٠هـ (آخر نوفمبر ٨٠٥م) فجأة من غير علة، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: أربع وسبعين، وصلى عليه ابنه الفضل، ووجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه: "قد تقدم الخصم، والمدَّعَي عليه في الأثر، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بينة"، فحُملت الرقعة إلى الرشيد، فلم يزل يبكي يومه كله، وبقي أيامًا يُتَبَيَّنُ الأسى في وجهه" [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص ٢٢٨ ]، أما الفضل فقد تُوفي في محبسه بعد أبيه بثلاث سنين، وذلك في المحرم ١٩٣هـ (٨٠٨م).

الدور السياسي والاجتماعي والثقافي للبرامكة في العصر العباسي الأول

في نهاية حديثنا عن البرامكة ينبغي أن نشير باختصار إلى دورهم السياسي والاجتماعي والثقافي في العصر العباسي الأول:

أما دورهم السياسي: فلعله اتضح تمامًا من خلال عرضنا السابق، وقد بدأ هذا الدور منذ بداية الخلافة العباسية، وذلك على يد رأس هذه الأسرة خالد بن برمك، الذي لعب دوراً سياسيًا بارزًا في خلافة السفاح والمنصور والشطر الأول من خلافة المهدي.

أما يحيى بن خالد فهو القطب السياسي لهذه الأسرة دون منازع، فقد ذكرنا أن الرشيد أعطاه خاتمه وفوَّض إليه الأمور، فكانت وزارته وزارة تفويض كما أشرنا، واشترك معه ولداه الفضل وجعفر، وكان لهما دورهما السياسي البارز.

وهكذا يمكن القول إن النفوذ السياسي في دولة الخلافة العباسية بلغ مداه في تلك الفترة على يد يحيى البرمكي وأولاده، وبخاصة الفضل وجعفر.

أما الدور الاجتماعي للبرامكة: فيتضح تمامًا مما تحفل به مصادرنا من روايات تدور حول مظاهر الرعاية، ووجوه البر والإحسان التي كانوا يسبغونها على كل من يلوذ بهم، وقد كان الجود طبيعة متأصلة فيهم، ابتداءً من خالد بن برمك، وانتهاء بأولاد يحيى بن خالد، وكان يحيى يقول: إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا تَفْنَى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص ٢٦٦].

ومما يروي في هذا السياق أن يحيى بن خالد كان له ابن يُسمَّى إبراهيم، توفي وسِنُّهُ تسع عشرة سنة، وكان قد أحضر له المؤدبين الذين يتولون رعايته وتهذيبه، فسألهم يومًا عن حاله، فقالوا: بلغ من الأدب كذا، ونظر في كذا واتخذنا له من الضياع كذا، فقال: ما عن هذا سألت، هل اتخذتم له في أعناق الرجال مِنَنًا؟ فسكتوا، فقال يحيى: لقد قصَّرتم، هو إلى هذا أحوج، وأمر بحمل خمسمائة ألف درهم وتفريقها باسمه في الناس [انظر: المزيد عن كرم البرامكة ومكانتهم الاجتماعية في موسوعة التاريخ الإسلامي، للدكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩٧٤م، ج ٣، ص٢٨٦ - ٢٩٧].

ويتأكد هذا الدور الاجتماعي للبرامكة من القصائد العديدة المؤثرة التي كتبها الشعراء تعبيرًا عن أساهم العميق للنكبة التي حلت بهذه الأسرة، وتقديرًا لعطائهم وأريحيتهم ودورهم الاجتماعي النادر، فمن ذلك ما قاله أحد الشعراء:

                        اندب بني برمك لدنيــــا                               تبكــي عليهم بكــل واد

                        كانت بهم بُرْهة عروسًا                               فأضحت اليوم في حداد

وقال آخر:

                                                 كأن أيامهم من حسن بهجتها                     مواسم الحج والأعياد والجمع! [المسعودي: مروج الذهب، ج ٣، ص ٣٩١]. ويبقي أن نشير إلى الدور الثقافي البارز الذي مارسته هذه الأسرة في العصر العباسي الأول، فقد أسبغوا رعايتهم على العلماء والكتَّاب والشعراء، 

فمن هؤلاء اللغوي الشهير الأصمعي (عبد الملك بن قريب) [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص٢٢٣]، والمحدث الثقة سفيان بن عيينة [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص ٣٤٠]، والمؤرخ الذائع الصيت محمد بن عمر الواقدي [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص ٢٢٤-٢٢٥]، والشاعر المرموق مسلم بن الوليد [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٦، ص ٢٢٦ ]، ومروان بن أبي حفصة [ابن خلكان، مصدر سابق، ج٤، ص ٣٥]، وكل شعراء العصر تقريبًا، ومن هنا يقول ابن خلكان: "قد مدح البرامكة جميع شعراء عصرهم" [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٤، ص ٣٥ ].

على أننا في هذا السياق لا ينبغي أن نهمل دورًا ثقافيًا بارزًا قام به البرامكة، وهو إسهامهم في رعاية حركة الترجمة التي بدأت في العصر العباسي الأول، لقد نهضت هذه الحركة بنقل عيون التراث العالمي إلى اللغة العربية، وقام الخلفاء برعايتها، ولكن البرامكة ساندوها بكل ما استطاعوا.

يذكر ابن القفطي في ترجمته لعمر بن حفص بن الفرُّخان أنه (أحد رؤساء التراجمة والمتحققين بعلم حركات النجوم وأحكامها.. وكان منقطعًا إلى يحيى بن خالد بن برمك) [ابن القطفي: إخبار العلماء بأخبار الحكماء، مكتبة المتنبي، القاهرة (دون تاريخ)، ص١٦١].

وحين يتحدث ابن النديم عن كتاب (المجسطي) لبطليموس يذكر أن (أول من عني بتفسيره وإخراجه إلى العربية يحيى بن خالد بن برمك) [ابن النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت، (دون تاريخ)، ص٣٨٤] وممن يذكرهم ابن النديم في هذا الصدد (سلام الأبرشي) الذي يصفه بأنه (من النقلة القدماء في أيام البرامكة) [ابن النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت (دون تاريخ)، ص ٣٤١].

ويذكر ابن النديم – أيضًا - أن اثنين من علماء التراث اليوناني يقال لهما: أيوب وسمعان (فسرا زيج بطليموس لمحمد بن يحيى بن خالد ابن برمك، وغير ذلك من الكتب القيمة) [ابن النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت (دون تاريخ)، ص ٣٤١].

ونضيف إلى الدور الثقافي للبرامكة ما كانوا يعقدونه من مجالس علمية، ويبرز في هذا المجال يحيى بن خالد الذي يقول عنه المسعودي: "وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الآراء والنِّحَل" [المسعودي: مروج الذهب، ج ٣، ص ٣٧٩].

هكذا تعددت الأدوار التي مارسها البرامكة في العصر العباسي الأول بكفاءة واقتدار، وهي أدوار ضمنت لهم مكانًا شديد التميُّز في التاريخ الإسلامي.


الخلاصة

لعبت أسرة البرامكة دورًا بالغ الأهمية في العصر العباسي الأول، مبرزين نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا غير مسبوق، خاصة في عهد هارون الرشيد، ورغم مساهماتهم الجليلة، تعرضوا لنكبة مفاجئة تُعزى إلى تضخم نفوذهم الذي تجاوز صلاحيات الخليفة، وانتهى عهدهم المتميز؛ لتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ العباسي.

موضوعات ذات صلة

هم أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.

هم أول أسرة حاكمة في الإسلام بعد الخلفاء الراشدين.

أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.

موضوعات مختارة