بعد أن هاجرت ربيعة
من الجزيرة العربية استقرت في الجزيرة الفراتية [نشوة
الطرب في تاريخ جاهلية العرب، ط الأقصى، ۱۹۸۳، ج ۱،
ص ۲۱۸ عمان]. وهي المنطقة الشمالية، ومن
مدنها:
رأس العين:
وتقع اليوم في
الجمهورية السورية وبالتحديد في محافظة الحسكة في الجزء الشمالي من سوريا،
ويحدّها من الشمال تركيا ومن الشرق العراق [انظر القاموس الإسلامي، القاهرة، ط النهضة المصرية، ج٢، ص۱۹۲]. وسميت ب (رأس العين)؛ لوقوعها على أكبر عيون
منابع نهر الخابور [معجم ما استعجم، البكري،
القاهرة، ط الخانجي، ج١،
ص۷۹۱]، وقد تجاوز عدد هذه العيون ثلاثمائة
عين، كلها -كما يقول الاصطخري- صافيةً تحكي ما تحتها على قامات فتجتمع
مياهها حتى يصير نهر الخابور [المسالك والممالك
الاصطخري، القاهرة، ط الذخائر، ص٥٣].
ومن أشهر هذه العيون عين الصرار وهي التي
نثر فيها الخليفة المتوكل عشرة آلاف درهم، ونزل أهل المدينة فأخذوها؛ لصفاء
الماء ولم يفقد منها شيء [انظر معجم البلدان، ياقوت، ج۲،
ص٣٣٤].
وقد أسبغ هذا
على المدينة أهميةً زراعيةً كبيرةً، حتى إن ابن حوقل يقول: "إنها
مدينة ذات سور من الحجارة، وكان داخل السور بساتين وطواحين، وكان لأهل المدينة نحو
عشرين فرسخًا قرىً ومزارع مما يلي دورها" [صورة
الأرض، ابن حوقل، مصدر سابق، ص۲۱۳].
وهي اليوم مدينة هامة، بها الكثير من
العيون الكبريتية، كما أنشئت فيها السدود، الأمر الذي أضفى عليها أهميةً كبيرةً،
خاصةً عندما أنشئت فيها عدة مشاريع؛ لتخزين مياه الخابور للري وتوليد الطاقة [انظر الموسوعة التاريخية، مصدر سابق، وانظر أيضًا القاموس الإسلامي]،
وغير ذلك من مشروعات حديثة.
كما شهدت
المدينة عدّة معارك في عصورها المختلفة، منها ما وقع بين الأمويين وأتباع
الإمام علي رضي الله عنه، كما كانت مسرحًا للمعارك أثناء الحروب
الصليبية.
أما عن أهم
القبائل التي سكنتها من ربيعة فهي: قبيلة النمر بن قاسط، ومن أشهر
أعلامهم في الإسلام الصحابي الجليل صهيب الرومي بن سنان بن مالك، كما كان لبني
النمر شأنٌ هامٌّ في إخماد حروب الردّة [انظر
تاريخ ابن خلدون، القاهرة، ط الذخائر، ج۲، ص٣٠١] وأبلوا
في ذلك بلاءً حسنًا.
- سنجار:
وهي إحدى مدن
ديار ربيعة على ما أكده الجغرافيون [انظر
في ذلك الأعلاق الخطيرة، لابن شداد، مصدر سابق، أحسن التقاسيم، ص۱۳۷، المسالك والممالك، للاصطخري،
بلدان الخلافة الشرقية، كي ليسترنج، ومن الدراسات التفصيلية (مدينة سنجار)
د. حسن شمساني، بيروت، ط دار الآفاق]، وتقع اليوم
في الجمهورية العراقية.
وقد تميزت
بالعديد من المظاهر الطبيعية بدءًا من الجبال الشاهقة، مرورًا بالصحراء الواسعة،
التي احتوت على أول مرصدٍ فلكيٍّ أقيم في عهد المأمون؛ لتحديد محيط الكرة الأرضية،
[انظر وفيات الأعيان، ابن خلكان، ج٥، ص١٦٢] وانتهاءً
بوديانها، خاصة وادي الحيال (الحيالي) الذي امتاز بالثروة الزراعية الضخمة
على ما يقرره ابن حوقل.
ومن هنا صارت سنجار
واحدةً من أهم مدن ديار ربيعة، وقد شبهت في أهميتها بدمشق، وهو ما
يوضحه قول ابن بطوطة: "هي مدينةٌ كبيرةٌ، كثيرة الفواكه والأشجار،
والعيون المطردة والأنهار، تشبه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها" [رحلة ابن بطوطة].
وهو الأمر الذي تجلى كذلك في ازدهارها الاقتصادي
المتمثل في خراجها الضخم الذي بلغ في القرن الرابع ثمانمائة ألف وستةٍ وخمسين ألف درهم
[مدينة سنجار، مصدر سابق] وهو مبلغٌ
ضخم بحساب تلك الأيام، وهو ما ظهر كذلك في كثرة نفائسها في العصر الأيوبي، فعندما
استولى عليها السلطان العادل بعد أن كانت قد تعرضت للنهب من قِبَلِ
القائمين عليها، كان ما بقي منها يقدّر بحمل ستمائة جمل، وستةٍ وتسعين بغلًا محملةً
بالذهب [الباهر في دولة الأتابك، ابن الأثير،
القاهرة، ط دار الكتب الحديثة، ص ۹۸].
وبالجملة، فهي
كما يقول القزويني: "عمارتها حسنة، كأنها مختصر دمشق". [آثار البلاد وأخبار العباد، نقلًا عن مدينة سنجار، مصدر سابق، ص۲۳۳] الأمر الذي
يدل على ما كانت عليه من رفاهية وتقدم في عصورها الزاهية، وإن اختلف الوضع اليوم
بعد ظهور نِحلة اليزيدية فطمست معالمها ودرست آثارها وأقفرت ربوعها وصارت
اليوم في تخلف شديد [انظر مدينة سنجار، مصدر سابق].
تغلب واستيطانهم ديار ربيعة:
تفرّع من ربيعة
العديد من القبائل والبطون والأفخاذ [انظر
في ذلك جمهرة أنساب العرب، ابن حزم، القاهرة، ط دار المعارف ٢٧٥ - ٢٩٠، وانظر أيضًا نهاية الأرب في معرفة أنساب
العرب، القلقشندي، بيروت، ط دار الكتب العلمية في العديد من المواضع ومنها،
عبد القيس ص٣٠٧ والنمر بن قاسط ص۸۱، وانظر كذلك، اللباب في تهذيب الأنساب، ابن الأثير، بيروت، ط دار
صادر، في العديد من المواضع، وعلى سبيل المثال أسد بن ربيعة ج١ ص٥٢-٥٣، وتيم
بن ضبيعة ص٣٠٣]، وقد استوطنوا منازل وديارًا عرفت بأسمائهم كديار
بني أسد، وتيم الله، وبكر بن وائل، إلى آخر ما هنالك
من بطونٍ وأفخاذ، إلا أن أهم هذه القبائل التي سكنت هذه الديار هي قبيلة تغلب
التي تنتسب إلى تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد
بن ربيعة [اللباب ج١، ص٢١٨]، وهي التي
سميت ديارها بديار ربيعة، إشارةً إلى مكانتها وغلبتها على هذه البقعة، وإن
كان قد أقام معها في هذه الديار بعض من القبائل الأخرى من ربيعة ذاتها مثل:
النمر بن قاسط حيث استوطنوا رأس العين [انظر
نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي، ص٨٠].
ومن أشهر
عمائر النمر بن قاسط: تيم الله، وأوس مناة، وعبد مناة.
ومن أشهر
رجالات بني النمر: صهيب بن سنان الصحابي الجليل المعروف بصهيب الرومي،
وكان كسرى قد استعمل أباه سنان بن مالك على الأُبُلَّة، وأصاب صهيبًا
الأسر فاشتراه عبد الله بن جدعان وأعتقه، وهو من السابقين إلى الإسلام، توفي
عام ٣٨هـ في المدينة المنورة.
وبالإضافة
إلى قبيلة ربيعة، كان في هذه الديار أيضًا قبائل أخرى من غير ربيعة،
كمضر، بل ومن قحطان، بالإضافة إلى أجناس أخرى من غير العرب كالأكراد
والسريان [انظر أحوال سكان ديار ربيعة من حيث العرق
مدينة سنجار د. حسن شميساني، بیروت، ط دار الآفاق الجديدة،
ص٢٤٥ - ٢٤٩، وانظر أيضًا، جزيرة ابن عمر د. محمد يوسف غندور، بيروت،
دار الفكر اللبناني، ص٢٢٧ - ٢٣٥، وانظر أيضًا، تاريخ الموصل، الأزدي،
القاهرة، ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، في مواضع متفرقة]،
وغيرهم من الأجناس والأعراق.
وقد
كانت لتغلب، المكانة العالية التي ترددت في المأثور العربي نظمًا ونثرًا،
حتى قيل: "لو أبطأ الإسلام؛ لأكلت بنو تغلبٍ الناس" [شرح القصائد السبع
الطوال، لابن الأنباري، نقلًا عن شعراء تغلب في الجاهلية، أيمن محمد،
القاهرة، ط معهد المخطوطات العربية، ص١٥].