Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ديار مضر

الكاتب

أ/ رجب عبد المنصف

ديار مضر

ديار مضر هي موطن القبائل العدنانية التي تنسب إلى مضر بن نزار، وتتمتع بمكانة رفيعة لاصطفاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منهم، وتنقسم هذه القبائل إلى فرعين رئيسيين: خندف وقيس عيلان؛ وقد ارتحلت قبائل مضر من موطنها الأصلي في تهامة إلى ديار الجزيرة، خاصةً مناطق حران والرقة على ضفاف نهر الفرات؛ وقد أصبحت مدن مثل حران والرقة مراكز مزدهرة عُرفت برخائها الاقتصادي وثرائها الثقافي والعلمي، واحتضنت العديد من العلماء والصناع المهرة.  

نسب ديار مضر وأقسامها

تنسب هذه الديار لمضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان [اتفق المؤرخون قاطبةً على نِسبة عدنان إلى إسماعيل عليه السلام، وإن اختلفوا فيما كان بينهم من آباء أوصلهم بعضهم إلى أربعين، ومنهم من أوصلهم إلى النصف من ذلك، إلى غير ذلك من آراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتسب لم يتجاوز عدنان ويقول: كذب النسابون. ولمزيدٍ من التفصيل في هذا الأمر انظر الطبقات الكبرى لابن سعد، القاهرة، ط دار التحرير، ج (١) ق (١) ص (٢١). وانظر كذلك: أنساب الأشراف، للبلاذري، القاهرة، ط دار المعارف، ج (١) ص (٣٢). وانظر أيضًا: تاريخ اليعقوبي، بيروت، ط دار صادر، ج (١) ص (٢٢١)] من ولد إسماعيل عليه السلام الذي يمثل مع أخيه ربيعة رأس القبائل العدنانية، وإن كانت الغلبَة في السيادة والسؤدد لمضر [انظر أنساب الأشراف، مصدر سابق، ص (٣٠)]. من هنا فقد وصف بأنه "سيد ولد أبيه" [تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، وانظر أيضًا: المنمّق في أخبار قريش، لمحمد بن حبيب البغدادي، بيروت، ط عالم الكتب، حيث نقل عن ابن الكلبي سبب تفضيل الله لمضر وأنه قائم على كونهم "أعلم الناس بسنّة إبراهيم عليه السلام وألزمهم بمناسكه" ص (۲۱)].

ثم استصحبت مضر هذه الرفعة وتلك المكانة باصطفاء الله تعالى ل​نبيه صلى الله عليه وسلم منهم، وهو ما عبّر عنه ابن سعيد الأندلسي بقوله: "وإليها انتهى الشرف والعدد أولًا وآخرًا، وخصها الله بالنبوّة والخلافة، وبها عزّ الإسلام وعظمت فتوحاته لمّا دخلت فيه أفواجًا" [نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، ابن سعيد الأندلسي، عمان الأقصى عام١٩٨٣، ج (١) ص (٣٢١)]

ومن أقوال مضر الدالة على شرفه وعلو همته: "من يزرع شرًا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدكم، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر ووقاية" [تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، ص (٢٢٦)].

وقد انقسمت مضر إلى أصلين أو حيّين عظيمين هما: خندف وقيس [انظر جمهرة أنساب العرب، ابن حزم، القاهرة، ط دار المعارف].

فالأصل الأول يضم القبائل المتفرعة عن إلياس بن مضر وكثيرًا ما ينسبون إلى خندف.

والمقصود ب(خندف) هنا ليلى بنت حلوان ... بن قضاعة [أدب الخواص في المختار من بلاغات قبائل العرب وأنسابها وأيامها، الوزير المغرب بالرياض، ط دار اليمامة، ص (١٠٥)، أما عن سبب تسميتها ب (خندف) فانظر أنساب الأشراف، ص (٣٢)] زوج إلياس بن مضر وأم أولاده، وقد تفرع عنه العديد من القبائل مثل: كنانة والهون وأسد وخزيمة وهذيل وتميم وجفنة ودارم وغفار [انظر في ذلك: جمهرة أنساب العرب، ابن حزم، القاهرة، ط دار المعارف، (١١) وانظر أيضًا: تذكرة الألباب بأصول الأنساب، أحمد البني الأندلسي، بيروت، مجلة الذخائر، العدد الأول شتاء ٢٠٠٠ ص (١١٤) وانظر أيضًا: تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، ص (٢٢٧)] ومن هذه القبائل تفرع غيرها وهكذا الأمر.

فإذا ما انتقلنا إلى كنانة على سبيل المثال، وجدنا بطون بني عبد مناف وبني أسد وبني زهرة وبني تيم وبني عدي وبني عبد الدار وبني مخزوم وبني جمح وبني سهم وبني الحارث، وزاد بعض النسابين غيرهم [جمهرة أنساب العرب، مصدر سابق وانظر أيضًا: المنمق في أخبار قريش، محمد بن حبيب البغدادي، بيروت، ط عالم الكتب، ص (٢٠) وما بعدها]، وهؤلاء هم قريش، وهم ولد فهر بن مالك، وفي هذا الصدد يقول ابن حزم: "هؤلاء ولد فهر بن مالك ... وهم قريش لا قريش غيرهم، ولا يكون قرشي إلا منهم".

أما الأصل الثاني لمضر فيتمثل في قيس عيلان. وقد تفرع عن أبنائه قبائل هي: [انظر: تذكرة الألباب، مصدر سابق، ص (١٤٠)] غطفان وعبس وذبيان وفزارة وسليم ومحارب وعدوان وفهم وهوازن وثقيف.

وهذا الفرع هو الذي تنسب إليه ديار مضر، حيث كانوا في الغالب (بادية رحالة) [نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، القلقشندي، بيروت، ط دار الكتب العلمية، ص (۳۲۰)] وهو ما يؤكده ابن خلدون بقوله: "ومواطن معدّ بنجد وكلها بادية" [تاريخ ابن خلدون، القاهرة، ط الذخائر، ج (۲) ص (۲۹۹)]

وإن كان ابن حوقل يفصّل الأمر، خاصة في مهجرهم الجديد وأعني به ديار الجزيرة: "وبالجزيرة براري ومفاوز ... كان يسكنها قبائل من ربيعة ومضر، أهل خيلٍ وغنمٍ وإبلٍ قليلة، وأكثرهم يتصلون بالقرى وأهلها فهم بادية حاضرة" [صورة الأرض، ابن حوقل، بيروت، ص (۲۲۰)]

وينسبون إلى قيس بن عيلان بن مضر بفروعها أو بطونها المختلفة مثل غطفان وبني عقيل وبني نمير وغيرهم، على أن تخصيص الديار بقبيلة ما لا يعني استئثارها بهذه الديار وعدم مشاركة غيرها من القبائل الأخرى في ذات الديار، فكثيرًا ما تتجاور القبائل ذات الأصل الواحد، بل قد تتجاور الأجناس والعناصر المتباينة كالكرد مع العرب أو القحطانية بجوار العدنانية، وقد تتمكن بعض القبائل من بسط سيطرتها على الديار وتقيم دولة تطول فترتها أو تقصر بحسب الأحوال السياسية السائدة في المنطقة، ومن الأمثلة على ذلك: قيام دولة أو إمارة بني حمدان وهم من قبيلة تغلب بن ربيعة، أو دولة بني عقيل وهي مضرية أقامت دولتها في الموصل من ديار ربيعة.

موقع ديار مضر

حرصت القبائل المضريّة على الإقامة في موطنها الأصلي في تهامة من جزيرة العرب حتى كانت آخر القبائل العربية خروجًا من هذا الموطن، وذلك على نحوِ قول البكري: "لم تزل مضر بن نزار بعد خروج ربيعة من تهامة مقيمةً في منازلها من تهامة وما والاها، حتى تباينت قبائلهم وكثر عددهم وفصائلهم، وضاقت بلادهم عنهم، فطلبوا المتسع والمعاش، وتتبعوا الكلأ والماء، وتنافسوا في المحالّ والمنازل، وبغى بعضهم على بعض، فاقتتلوا فظهرت خندف على قيس ... فظعنت طابخة من تهامة وخرجوا إلى ظواهر نجد والحجاز [معجم ما استعجم، البكري، القاهرة، ط الخانجي، ج (۱) ص (۸۷)]

وهكذا ارتحلت مختلف القبائل إلى منازل وديار شتى عرفت بأسماء مَن نزلها، وكانت ديار مضر منزلًا لقيس التي "مثلت تواجدًا كبيرًا في حران وقرقيسياء وقنسرين" [انظر: الحدود الإسلامية البيزنطية، د. محمد فتحي عثمان، القاهرة، ط دار الكاتب العربي، ج (۲) ص (٥٧)، (١١٥)، وانظر: ج (۲) ص (٣٥٧)] وغير ذلك من مواطن ومواضع في هذه الديار التي "شغلت الأراضي المحاذية للفرات من سميساط حيث يغادر سلاسل الجبال منحدرًا إلى عانة مع السهول التي يسقيها نهر البليخ رافد الفرات الآتي من حران" [بلدان الخلافة الشرقية، ج. كي لسترنج، بيروت، ط مؤسسة الرسالة ، ص (١١٥)].

وقد شملت عددا من المدن الهامة مثل: حران والرقة.

 ١- حران: هي من المدن الموغلة في القدم حتى إنه ليقال إنها بنيت بعد الطوفان، ومن هنا قيل عنها (قديمة عتيقة) [انظر في هذا الصدد: الروض المعطار، الحميري، ط لبنان، ص (۱۹۲)]، كما عرفت كذلك بأنها موطن إبراهيم الخليل عليه السلام حيث ناظر فيها الصابئة الذين نُسبوا إليها فقيل صابئة حران.

وقد صارت منذ القرن الثاني الميلادي مسرحًا للصدام بين العديد من الإمبراطوريات الآشورية والفارسية والرومانية ولم تستقر إلا بعد الفتح الإسلامي لها.

 وقد كثر سكانها وتعددت أعراقهم عربًا وعجمًا حتى وصفت بأن "فيها من أهل كل بلد ومن أهل كل قبيلة" [الأعلاق الخطيرة، ابن شداد، سوريا، ط وزارة الثقافة السورية، ق (۱) ج (۱) ص (٤٢)].

وقد أثنى على أهلها الرحالة المغربي ابن جبير فذكر أنهم "أهل الخير، هيّنون، معتدلون، مجيبون للغرباء مؤثرون للفقراء" [انظر: رحلة ابن جبير، لبنان، ط دار صادر، ص (١٧٤)]. كما تميزت المدينة بالعديد من مظاهر الرقي والعمران بدءًا بالمدارس والمساجد وانتهاءً بالأسواق التي وصفت بأنها حصيلة الانتظام، عجيبة الترتيب، مسقّفةٌ كلها بالخشب ... والبلد كثير الخلق، واسع الرزق، ظاهر البركة، كثير المساجد، جمّ المرافق على أحفل ما يكون من المدن" [ابن جبير، مصدر سابق.]

فضلًا عمّن نبغ فيها من علماء، وما ازدهر فيها من علوم، ويكفي في هذا الصدد أن نتذكر أسماء مثل: ثابت بن قرة وأبي هلال الصابي والبتان الفلكي، الأمر الذي دعا أحد علمائها إلى تصنيف كتاب سماه (تاريخ الجزريين) ونعني به أبا عروبة الحسين بن أبي معشر الحراني، وذلك للتعريف بعلماء هذه المدينة وغيرها من مدن الجزيرة.

وقد قام السلطان نور الدين بجهودٍ كبيرةٍ في عمران المدينة من خلال ما شيّده ورمّمه من مساجد ومدارس وخانقاوات [انظر في ذلك، الأعلاق الخطيرة، مصدر سابق، ص (٤٢)].

٢- الرقة: وتقع اليوم ضمن الحدود السورية وبالتحديد في محافظة الحسكة، وهي من أكبر وأجلّ مدن ديار مضر، مثلها في ذلك مثل حران.

أما موقعها الجغرافي: فيقع في المثلث الأرضي الممتد من جبال طوروس شمالًا والمحصور بنهر الفرات من الغرب والبليخ من الشرق [الموسوعة الجغرافية التاريخية، مسعود الخوند، بيروت، ج (٥) ص (۲۰٥)].

وقد تميزت بالرخاء الاقتصادي وهو ما يظهر في أقوال الجغرافيين والرحالة الذين زاروها على مدار التاريخ كما في قول ابن حوقل: "خصبةٌ رخيصةُ الأسعار حسنة الأسواق" [صورة الأرض، ص (۲۱۷)] وهو ما أكده ابن شداد: "وكان لهما -الرقة والرافقة- عمارة وأعمال وأشجار" [الأعلاق الخطيرة، مصدر سابق، ج (۳) ق (۱) ص (٩٤)].

ويرجع هذا الرخاء إلى ما تتمتع به من مناخ طيب، فهي "عذبة الماء، باردة الهواء ... قليلة الأدواء" [الروض المعطار، مصدر سابق، ص (۲۷۱)]، وهو ما دعا الخلفاء العباسيين إلى بناء مدينة الرافقة بجوارها وشيدوا فيها القصور بدءًا من المنصور فالمهدي وانتهاءً بالرشيد.

 كما عرفت الرقة أيضًا بوجود عددٍ كبيرٍ من الصنّاع المهرة الذين تأنقوا في الحفر المائل المشطوف في المنحوتات الحجرية والجصية والخشبية، فضلًا عن الزخرفة والتزيين، وهي أعمالٌ ما زالت تحظى بالاهتمام في التنقيب عنها حتى حصلت في الآونة الأخيرة على جائزة منظمة المدن العربية كأفضل مدينة تقوم بترميم وحماية آثارها [انظر في ذلك الموسوعة الجغرافية التاريخية، مصدر سابق].

هذا بالإضافة إلى النشاط العلمي الذي عرفت به، وذلك من خلال عدد كبير من العلماء والشعراء، عرفت بهم المدينة، وهو ما يظهر من (تاريخ الرقيين) الذي صنفه محمد بن سعيد بن مرزوق القشيري الرقي.

الخلاصة

تُعدّ ديار مضر موطنًا للقبائل العدنانية التي تنسب إلى مضر بن نزار، والتي حظيت بمكانة رفيعة باصطفاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم منهم، وقد انقسمت هذه القبائل إلى فرعين رئيسين: خندف (بنو إلياس) وقيس عيلان، ارتحلت قبائل مضر من موطنها الأصلي في تهامة إلى ديار الجزيرة، خاصةً مناطق حران والرقة، حيث أسسوا مدنًا مزدهرةً عُرفت برخائها الاقتصادي، وثرائها الثقافي والعلمي، واحتضانها للعديد من العلماء والصناع المهرة.

موضوعات ذات صلة

 قبيلةٌ عربيةٌ عريقةٌ، يعود أصلها إلى ربيعة بن نزار بن مَعَدّ.

نشأت مكة المكرمة مهد النبوة ومنطلق رسالة الإسلام.

 أول بيت وضع لعبادة الله سبحانه وتعالى، وهي قبلة المسلمين ورمز التوحيد.

موضوعات مختارة