حرصت القبائل المضريّة على الإقامة في موطنها الأصلي
في تهامة من جزيرة العرب حتى كانت آخر القبائل العربية خروجًا من هذا
الموطن، وذلك على نحوِ قول البكري: "لم تزل مضر بن نزار بعد
خروج ربيعة من تهامة مقيمةً في منازلها من تهامة وما والاها، حتى
تباينت قبائلهم وكثر عددهم وفصائلهم، وضاقت بلادهم عنهم، فطلبوا المتسع والمعاش،
وتتبعوا الكلأ والماء، وتنافسوا في المحالّ والمنازل، وبغى بعضهم على بعض،
فاقتتلوا فظهرت خندف على قيس ... فظعنت طابخة من تهامة
وخرجوا إلى ظواهر نجد والحجاز [معجم ما استعجم، البكري، القاهرة، ط الخانجي، ج (۱) ص
(۸۷)]
وهكذا ارتحلت مختلف القبائل إلى منازل وديار شتى
عرفت بأسماء مَن نزلها، وكانت ديار مضر منزلًا لقيس التي "مثلت
تواجدًا كبيرًا في حران وقرقيسياء وقنسرين" [انظر: الحدود الإسلامية البيزنطية، د. محمد فتحي عثمان،
القاهرة، ط دار الكاتب العربي، ج (۲) ص (٥٧)، (١١٥)، وانظر: ج (۲) ص (٣٥٧)] وغير ذلك من
مواطن ومواضع في هذه الديار التي "شغلت الأراضي المحاذية للفرات من
سميساط حيث يغادر سلاسل الجبال منحدرًا إلى عانة مع السهول التي يسقيها نهر البليخ
رافد الفرات الآتي من حران" [بلدان الخلافة الشرقية، ج. كي لسترنج، بيروت، ط مؤسسة
الرسالة ، ص (١١٥)].
وقد شملت عددا
من المدن الهامة مثل: حران والرقة.
١- حران: هي من المدن
الموغلة في القدم حتى إنه ليقال إنها بنيت بعد الطوفان، ومن هنا قيل عنها (قديمة عتيقة)
[انظر في هذا الصدد: الروض المعطار،
الحميري، ط لبنان، ص (۱۹۲)]،
كما عرفت كذلك بأنها موطن إبراهيم الخليل عليه السلام حيث ناظر فيها
الصابئة الذين نُسبوا إليها فقيل صابئة حران.
وقد صارت منذ
القرن الثاني الميلادي مسرحًا للصدام بين العديد من الإمبراطوريات الآشورية
والفارسية والرومانية ولم تستقر إلا بعد الفتح الإسلامي لها.
وقد كثر سكانها وتعددت أعراقهم عربًا وعجمًا حتى
وصفت بأن "فيها من أهل كل بلد ومن أهل كل قبيلة" [الأعلاق الخطيرة، ابن شداد، سوريا، ط
وزارة الثقافة السورية، ق (۱) ج (۱) ص (٤٢)].
وقد أثنى على
أهلها الرحالة المغربي ابن جبير فذكر أنهم "أهل الخير، هيّنون،
معتدلون، مجيبون للغرباء مؤثرون للفقراء" [انظر: رحلة ابن جبير، لبنان، ط دار صادر، ص (١٧٤)]. كما تميزت المدينة بالعديد من
مظاهر الرقي والعمران بدءًا بالمدارس والمساجد وانتهاءً بالأسواق التي وصفت بأنها
حصيلة الانتظام، عجيبة الترتيب، مسقّفةٌ كلها بالخشب ... والبلد كثير الخلق، واسع
الرزق، ظاهر البركة، كثير المساجد، جمّ المرافق على أحفل ما يكون من المدن" [ابن جبير، مصدر سابق.]
فضلًا عمّن
نبغ فيها من علماء، وما ازدهر فيها من علوم، ويكفي في هذا الصدد أن نتذكر أسماء
مثل: ثابت بن قرة وأبي هلال الصابي والبتان الفلكي، الأمر الذي دعا أحد
علمائها إلى تصنيف كتاب سماه (تاريخ الجزريين) ونعني به أبا عروبة
الحسين بن أبي معشر الحراني، وذلك للتعريف بعلماء هذه المدينة وغيرها من مدن
الجزيرة.
وقد قام السلطان
نور الدين بجهودٍ كبيرةٍ في عمران المدينة من خلال ما شيّده ورمّمه من مساجد
ومدارس وخانقاوات [انظر في ذلك،
الأعلاق الخطيرة، مصدر سابق، ص (٤٢)].
٢- الرقة: وتقع اليوم
ضمن الحدود السورية وبالتحديد في محافظة الحسكة، وهي من أكبر وأجلّ
مدن ديار مضر، مثلها في ذلك مثل حران.
أما موقعها
الجغرافي: فيقع في المثلث الأرضي الممتد من جبال طوروس شمالًا والمحصور
بنهر الفرات من الغرب والبليخ من الشرق [الموسوعة الجغرافية التاريخية، مسعود الخوند، بيروت،
ج (٥) ص (۲۰٥)].
وقد تميزت
بالرخاء الاقتصادي وهو ما يظهر في أقوال الجغرافيين والرحالة الذين زاروها على
مدار التاريخ كما في قول ابن حوقل: "خصبةٌ رخيصةُ الأسعار حسنة
الأسواق" [صورة الأرض،
ص (۲۱۷)] وهو ما أكده
ابن شداد: "وكان لهما -الرقة والرافقة- عمارة وأعمال وأشجار" [الأعلاق الخطيرة، مصدر سابق، ج (۳) ق
(۱) ص (٩٤)].
ويرجع هذا
الرخاء إلى ما تتمتع به من مناخ طيب، فهي "عذبة الماء، باردة الهواء ...
قليلة الأدواء" [الروض
المعطار، مصدر سابق، ص (۲۷۱)]، وهو ما دعا الخلفاء العباسيين
إلى بناء مدينة الرافقة بجوارها وشيدوا فيها القصور بدءًا من المنصور
فالمهدي وانتهاءً بالرشيد.
كما عرفت الرقة أيضًا بوجود عددٍ كبيرٍ
من الصنّاع المهرة الذين تأنقوا في الحفر المائل المشطوف في المنحوتات الحجرية
والجصية والخشبية، فضلًا عن الزخرفة والتزيين، وهي أعمالٌ ما زالت تحظى بالاهتمام
في التنقيب عنها حتى حصلت في الآونة الأخيرة على جائزة منظمة المدن العربية كأفضل
مدينة تقوم بترميم وحماية آثارها [انظر
في ذلك الموسوعة الجغرافية التاريخية، مصدر سابق].
هذا بالإضافة
إلى النشاط العلمي الذي عرفت به، وذلك من خلال عدد كبير من العلماء والشعراء، عرفت
بهم المدينة، وهو ما يظهر من (تاريخ الرقيين) الذي صنفه محمد بن سعيد بن
مرزوق القشيري الرقي.