Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو نجاح

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى الحريري

بنو نجاح

قامت الدولة النجاحية في اليمن بسبب صراع، وصعود قيادة الأحباش على أنقاض الدولة الزيادية مطلع القرن الخامس الهجري، وتميزت بفترة استقرار وازدهار مذهبي واقتصادي، قبل أن تدخل مرحلة الضعف والصراعات الداخلية حتى سقوطها.

قيام الدولة النجاحية

ارتبط قيام الدولة النجاحية باليمن سنة (٤١٢ هـ /١٠٢١م - ٥٥٤ هـ /١٥٥٩هـ) بعبيد الدولة الزيادية الأحباش الذين كانت لهم مكانة كبيرة؛ حيث كان كبيرهم يحمل لقب أستاذ، وكانت الدولة الزيادية في نهايتها تحت حكم طفل يسمى زياد أو عبدالله، وكانت الوصية عليه عمته هند أخت الأمير الزيادي أبي الجيش إسحاق، وكان العبد نجاح الذي تُسند إلى اسمه هذه الدولة يتولى إدارة أعمال المدن الشمالية من الدولة وأهمها الكدراء والمهجم ومور والواديين، وقد اشتد التنافس بين نجاح هذا وعبد آخر يدعى نفيس كان يتولى أعمال الوزارة، وكان الناس يلتفون حول نجاح لعدله، ويخشون ظلم نفيس، وكانت الأميرة هند الوصية على الأمير الزيادي تميل إلى نجاح أكثر من نفيس وتكاتبه.

فخشي نفيس أن يتآمر عليه نجاح وهند ويتخلصا منه فقبض على هند والأمير الزيادي وقتلهما، وعلى إثر هذا الحادث الذي أطاح نهائيًا ببني زياد اندلع الصراع قويًا عنيفًا بين نفيس ونجاح الذي كان يرى أن ذلك التصرف من جانب نفيس يعد غدرًا أو خيانة.

ولأن نفيسًا بعد ذلك بسط نفوذه على ما بيديه من البلاد، وركب المظلة، وضرب السكة باسمه، استنفر نجاح الأحمرَ والأسودَ من الناس، كما يروي الخزرجي، استعدادًا لحرب نفيس.

واحتدمت المعارك بينهما خلال خمس سنوات، ذكر المؤرخون منها أربع معارك دارت جميعها بالقرب من زبيد، استطاع نفيس أن ينتصر في اثنتين منها وهما: يوم رمع، ويوم فشال، وتمكن نجاح من نفيس، وانتصر عليه في المعركتين الأخيرتين: معركة يوم العقدة ومعركة يوم العرق، وفي هذه الأخيرة تمكن نجاح من قتل نفيس على باب زبيد، وبلغ عدد القتلى من الفريقين خمسة آلاف. كان ذلك في شهر ذي القعدة سنة (٤١٢ هـ / ١٠٢٢م).

وعلى هذا فلا صحة لما ذكره اليماني في بهجة الزمن مخالفًا لغيره من المؤرخين من أن نجاحًا استولى على زبيد بعد هذا الحادث في سنة (٤٢٢هـ / ١٠٣٠ - ١٠٣١م).

تولية نجاح الحكم

بدأ نجاح على الفور في القضاء على القوى الداخلية المناوئة له التي كان على رأسها سيده مرجان فقبض عليه.

ويبدو أن محاكمة عاجلة عقدت له في نفس المكان الذي فيه الجدار الذي قتل فيه طفل بني زياد وعمته.

وقد وجه نجاح إلى سيده في هذه المحاكمة سؤالًا كانت الإجابة عليه هي الحكم الذي حكم به مرجان على نفسه؛ حيث قال نجاح لمرجان: "ما فعلت بمواليك وموالينا؟ قال مرجان: هما في هذا المكان، فأخرجهما نجاح وجهزهما، وصلى عليهما، وبنى عليهما في العرق، وجعل مرجان موضعهما، فبنى عليه حيًا، وأمر من أحضر جثة نفيس فجعلت عند مرجان وبنى عليهما ذلك الجدار حتى ختمه".

مهَّد اختفاء مرجان ونفيس من أفق الحياة السياسية في اليمن؛ لظهور شخصية نجاح.      

والمصادر التي بين أيدينا لا تمدنا بمعلومات وفيرة عن ماضي نجاح، فهي لا تذكر إلا أنه كان عبدًا حبشيًا ملفوظًا من جنس يقال له الجزل نسبة إلى جزلي، وبعض المصادر الأخرى ترى أن بني نجاح ينتمون إلى بطن من بطون الحبشة يقال لهم السحرتيون.

غير أن أمامنا قرينة تاريخية يمكن أن نفهم منها أن الموطن الأول لنجاح كان جزيرة دهلك، التي كانت تصاقب سواحل الدولة الزيادية؛ حيث تذكر رواية الخزرجي التي تحدثت عن الموارد المالية للدولة الزيادية في سنة (٣٦٦ هـ / ٩٧٦م)، أن الأمير أبا الجيش إسحاق الزيادي كان يحصل ضرائبه من جزيرة دهلك - في نفس السنة - وهي عبارة عن خمسمائة وصيف وخمسمائة وصيفة من النوبة والحبش، وأغلب الظن أن هؤلاء كان يجري توزيع بعضهم على بني زياد ومواليهم؛ للخدمة في قصورهم، بعد أن يخضعوا لنظام خاص من التربية والتعليم والتدريب، وقد رأينا أن بعضهم ارتقى في مناصب الخدمة في قصور بني زياد حتى أصبح أستاذًا. هذا شطر من القرينة، أما شطرها الآخر فيكمن في تصرفات أبناء نجاح، فبعد مقتله سنة (٤٥٢هـ/١٠٦٠م) على يد علي بن محمد الصليحي لاذ أبناؤه الأربعة بالفرار إلى جزيرة دهلك، واتخذوا منها مقامًا لهم، ومن أهلها جنودًا وأعوانًا، وبفضلها تمكنوا من استعادة ملكهم الذي سلبه منهم علي بن محمد الصليحي، وقد كان جياش بن نجاح يتحدث دائمًا عنهم ببني عمنا.

وبلاد اليمن بهذه الظاهرة - ظاهرة استجلاب الموالي من الأجناس الأخرى غير العربية وتنميتها في بلاط حكامها، ووصول هؤلاء الموالي إلى قمة السلطة تتجاوب مع انتشار هذه الظاهرة في جهات العالم الإسلامي الأخرى، ففي بلاط العباسيين كان هناك الأتراك، وفي بلاط الفاطميين ظهر هؤلاء الموالي من الجنسيات المختلفة، وكان منهم الأساتذة بدرجات متفاوتة، وفي بلاط الأمويين في قرطبة كان هناك الصقالبة وغيرهم. وتكاد الظاهرة تتشابه في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، وهي هنا في اليمن تجربة متميزة فريدة بعض الشيء؛ لأن الموالي هنا في اليمن من الأحباش في ظل الزياديين لم يكتفوا بالنفوذ والسلطة، وإنما تطلعوا إلى الملك نفسه وصنعوا من الظروف ما ساعدهم على تحقيق مآربهم فحازوا الملك وتوارثه أبناؤهم خالفًا عن سالف.

استولى نجاح على ممتلكات بني زياد التي كان يسيطر عليها مرجان ونفيس، واتخذ لنفسه رسوم الملك، فركب المظلة وضرب السكة باسمه، وأعلن طاعته لبني العباس، وجرت الاتصالات بينه وبين ديوان الخلافة في بغداد، "فكاتبوه بالاستنابة ولقبوه بالمؤيد، ولقبوه بنصرالدين وفوضوا إليه تولية القضاء لمن رآه أهلًا"، وعلى المستوى الرسمي والشعبي خوطب وكوتب بالملك وبمولانا، كما تضمن كتاب الاستنابة الذي وصل إليه من ديوان الخلافة ببغداد تفويضًا عامًا بالنظر العام في الجزيرة اليمنية، وهذا يعني أن نجاحًا أصبح الممثل الشرعي للخلافة العباسية في بلاد اليمن.

ولكن الذي يبدو من خلال المعلومات المستمدة من المصادر اليمنية أن نجاحًا لم يتمكن من بسط نفوذ حقيقي له باسم العباسيين إلا على تهامة فقط، أما الجهات الجبلية الأخرى في اليمن فقد اكتفت بعض المصادر بقولها بأن نجاحًا كان قاهرًا لأهل الجبال.

بينما ذكرت بعض المصادر الأخرى: أن أهل الحصون والجبال تغلبوا على ما بأيديهم، وهذا يشير إلى خروج المناطق الجبلية من دائرة نفوذ بني نجاح، ولا نكاد نجد تفسيرًا لذلك في المصادر التي بين أيدينا، غير أن رواية نعثر عليها عند اليماني في بهجة الزمن، تذكر: أنه حين توفي الحسين بن سلامة - وزير بني زياد - واختلف عبيده، هرب ملوك الجبال من سجنه ولحقوا ببلادهم.

والمعلومات شحيحة جدًا في المصادر اليمينة وغيرها عن الفترة التي حكم فيها نجاح مؤسس الدولة النجاحية - فهي لا تذكر إلا أنه حكم مدة بلغت أربعين سنة امتدت من سنة (٤١٢هـ / ١٠٢١م) - (٤٥٢هـ / ١٠٦٠م)، اهتم خلالها بإحياء أعمال من تقدمه.

صراع الصليحيين وبني نجاح

وقد دار صراع طويل بين الصليحيين وبني نجاح انتهى في عهد جياش، وبعد انتهاء ذلك الصراع بدأت الدولة النجاحية تتمتع بحالة من الاستقرار السياسي ... والاقتصادي والاجتماعي والمذهبي وتلقب جياش بن نجاح بالملك المكين وبالملك العادل، وأقام الخطبة للعباسيين وتوقفت الحروب بين بني نجاح والصليحيين؛ لانشغال الصليحيين بمشاكلهم الداخلية وانتعشت البلاد اقتصاديًا؛ لوفرة الأموال التي كانت تنفق في الحروب، وأصبحت زبيد وتهامة تتعامل مع السلطة الشرعية التي كانت تحكمها قبل ذلك، وهي سلطة سنية تتسق مذهبيًا مع مذهب عامة الدولة بعد أن عانى أبناؤها طويلًا من الازدواج المذهبي بازدواج السلطة بين الصليحيين الإسماعيلية والنجاحيين السنة.

وقد أتاح هذا الاتساق للفقهاء والعلماء حرية فكرية فانعكس ذلك على الأوضاع العلمية والثقافية، ونال العلماء والفقهاء والشعراء مكانة عظيمة في الدولة بعد أن كانوا في طيات النسيان في ظل الإسماعيلية.

ودخلت الدولة النجاحية بعد وفاة جياش بن نجاح إلى مرحلة جديدة من مراحل تطورها السياسي، حيث انتقلت الدولة من عصر سلطة الملوك المطلقة الذي استمر من سنة (٤١٢هـ / ١٠٢١م) حتى سنة (٤٩٨ هـ / ١١٠٤م - ١١٠٥م) - إلى عصر نفوذ الوزراء العظماء، الذي بدأ منذ هذا التاريخ الأخير حتى سقوط الدولة في سنة (٥٥٣هـ / ١١٥٨م)، وتميزت هذه الفترة بضعف ملوك بني نجاح؛ لصغر سنهم أو حداثتهم، ولذلك تركوا تدبير أمور الدولة وتوجيهها إلى وزرائهم.

من أهم سمات عصر نفوذ الوزراء العظماء سيطرة هؤلاء الوزراء على مقاليد الحكم والسلطة في الدولة، وتحرك عوامل الصراع والتنافس بينهم على مواقع السلطة، وهذا ما أضعف الدولة، وجعلها تنهار أمام قوة علي بن مهدي، الذي ظهر في العنبرة - من قرى تهامة - وتبنى أفكارًا خارجية متطرفة، أثبتت الدراسة أنها كانت وراء تحركه؛ للقضاء على بني نجاح.

ورغم هذه الظروف السياسية المتوترة، فقد كانت الحياة العامة في دولة بني نجاح في أيامها الأخيرة - خلال عصر نفوذ الوزراء - تمضي هادئة، والعلماء والفقهاء يمارسون عوائدهم العلمية، وينالون قسطًا كبيرًا من رعاية الدولة، ومكانة سامية مرموقة من قادتها، حيث قدمت لهم هذه القيادات الأموال الجزيلة للإنفاق على أنفسهم، وعلى مدارسهم، ومشروعاتهم العلمية.

مصادر للاستزادة:

  • البغدادي: صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، (ت: ٧٣٩هـ): مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، طبعة: دار إحياء الكتب العربية، ١٩٥٤م.
  • الخزرجي: أبو الحسن علي بن الحسن الخزرجي (ت:٨١٢هـ): المسجد المسبوك فيمن ولي اليمن من الملوك، نسخة مصورة عن المخطوط الأصلي للمرة الثانية، طبعة وزارة الإعلام والثقافة اليمنية (١٤٠١هـ - ١٩٨١م)، دار الفكر، دمشق.
  • ابن خلدون: عبد الرحمن (ت:٨٠٨هـ)، العبر وديوان المبتدأ والخبر، طبعة دار الكتاب اللبناني، ١٩٦٨م، المجلد الأول، المجلد الرابع.
  • ابن الديبع: أبو الضبا عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني الزبيدي (ت: ٩٤٣هـ)، قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي، المكتبة السلفية، القاهرة،١٩٧١م.
  • بغية المستفيد في تاريخ مدينة زبيد، تحقيق: عبد الله الحبشي، مركز الدراسات اليمنية، صنعاء، ١٩٧٩م.
  • عمارة: نجم الدين بن أبي الحسن علي الحكمي اليمني، (ت: ٥٦٩هـ)، تاريخ اليمن، تحقيق: د. حسن سليمان محمود، نشر مكتبة مصر، القاهرة، ١٩٥٧م.
  • ابن المجاور: جمال الدين أبو الفتوح يوسف بن يعقوب، صفة بلاد اليمن، تحقيق: أوسكر لوفغربين، طبعة ليدن، ١٩٥١م. 

الخلاصة

الدولة النجاحية في اليمن تعد نموذجًا فريدًا؛ لتحول العبيد إلى حكام، وهي تجربة سياسية وإنسانية عميقة، ورغم التحديات والصراعات، استطاع نجاح وأبناؤه أن يؤسسوا حُكمًا امتد لما يقارب القرن والنصف، احتفظوا بالاستقرار لهم، وبمكانة العلماء والفقهاء، قبل أن تؤدي الانقسامات الداخلية إلى سقوط دولتهم، وتبقى هذه الدولة شاهدًا على دور غير العرب في صناعة التاريخ الإسلامي، وعلى مرونة الخلافة العباسية في منح الشرعية السياسية لحكام الأطراف.

موضوعات ذات صلة

نشأت في اليمن - بعد فترة من العمل السري- على يد علي بن محمد الصليحي.

انطلقت من كنف الصليحيين؛ لتنحت لنفسها نفوذًا دينيًّا وسياسيًّا في قلب عدن.

من الفترات الهامة التي أثرت على مسار التاريخ اليمني.

موضوعات مختارة