يُعد
ثالث المساجد الجامعة التي عمَّرت في مصر الإسلامية بعد جامعي الفسطاط (مسجد عمرو
بن العاص الذي ما زال في موضعه حتى الآن مع زيادات وتجديدات وتغييرات متلاحقة)
والعسكر (الذي لم يعد باقيًا)، أما المسجد الطولوني فما زال قائمًا إلى اليوم
بمنطقة الصليبة، جنوب القاهرة فيما بين ميدان صلاح الدين (ميدان الرميلة) أسفل
القلعة وميدان السيدة زينب وهو الأثر الوحيد الباقي من مدينة القطائع الطولونية (وهي
العاصمة الثالثة لمصر الإسلامية بعد الفسطاط والعسكر). [يصعب في هذا المقام أن نقدم
دراسة وصفية وتحليلية مفصلة ومطولة للمسجد الطولوني فهذا يخرج عن إطار الخطة
الموضوعة لهذا المصطلح ولذلك حسبنا أن نركز على وصف موجز للمسجد وأهم الخصائص
المعمارية والسمات الفنية له. أما من أراد التوسع والزيادة فليرجع إلى العديد من
الكتب والدراسات العربية وغير العربية ومن بينها: عكوش، محمود، تاريخ ووصف الجامع
الطولوني، القاهرة (١٩٢٧م)، أحمد، محمود، بيان تاريخي عن الجامع الطولوني وشرح
مميزاته الفنية، القاهرة (١٩٣٥م)؛ حسن، زكي محمد، الفن الإسلامي في مصر، ط٢، بيروت (١٩٨٢م)، ص ٣٧- ٤٧؛ مرزوق،
مساجد القاهرة قبل عصر المماليك، القاهرة (١٩٤٢م)، ص ٢٧- ٥٢؛ عبد الوهاب حسن حسين،
تاريخ المساجد الأثرية، ج١، ص ٣٢ - ٤٦؛ فكري، مساجد القاهرة ومدارسها، المدخل، ص
١٠١- ١٣٦، شافعي، العمارة العربية في مصر الإسلامية، ص ٤٦٣- ٤٩٥، الباشا، القاهرة
تاريخها، فنونها، آثارها، ص٤٣٤- ٤٥٢؛ مدخل إلى الآثار الإسلامية، ص ١١٨- ١٢٠؛
ماهر، سعاد، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج١، ١٣٥- ١٥١؛ عبد الرازق، العمارة
الإسلامية، ص ١٠٢- ١١٨، تاريخ وآثار مصر، ص ١١٧- ١٣١، رزق، عاصم محمد، أطلس
العمارة الإسلامية، ج١، ص ٥٧- ٩٦؛ ( فضلًا عن الدراسات الأجنبية المتعددة ومن
بينها دراسات كوريت ووليامز وبريجز وهوتكير وفييبت وزكي حسن ( بالفرنسية) وبوتي
وكريزول ودوريس أبوسيف وطارق سويلم ( رسالته للدكتوراه من جامعة
هارفارد١٩٩٤م)وأيمن فؤاد سيد ( رسالته للدكتوراه عن تطور العاصمة المصرية ص ٤٢-٥٥
وهي بالفرنسية) و Fattelوغيرهم].
وتبلغ
مساحة المسجد ١٧٢٤٤م٢، ولو أضفنا إليها مساحة الزيادات التي تحيط به وتقدر بـ
٩٠٣٧م٢ تبلغ مساحته الإجمالية ٢٦٢٨١م٢ أي ما يعادل ستة أفدنة وقيراطًا ونصفًا، وقد
حددت المصادر التاريخية موضعه قديمًا بقولها: "هذا الجامع على جبل يقال له
جبل يشكر (نسبه إلى يشكر بن جزيلة بن لخم) فيما بين القاهرة ومصر وهو مكان مشهور
بإجابة الدعاء".
[ابن
عبد الظاهر، الروضة البهية، ص٨١؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٩٥].
وقد
أمر بعمارة هذا المسجد المبارك الأمير أحمد بن طولون فيما بين عامي (٢٦٣- ٢٦٥هـ/٨٧٦-
٨٧٩م) وذلك لاستكمال المعالم الرئيسية ومظاهر الحكم في عاصمته الجديدة التي اختطها المعروفة باسم
القطائع بعد أن استقل بحكم مصر استقلالًا رسميًا عن الخلافة العباسية وأصبح الحكم
وراثيًا في أسرته فيما بين عامي (٢٥٤- ٢٩٢هـ/ ٨٦٨- ٩٠٤م).
ويقال
إن أهل مصر قد شكوا لابن طولون ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بسبب جنده وسودانه؛
ولذلك أمر بعمارة هذا المسجد الجديد بما أفاء الله عليه من المال الذي وجده فوق
الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون ومنه بنى العين (أي القناطر أو مجرى العيون الذي
مازال باقيًا أجزاء منه بالبساتين ويعرف باسم بئر أم السلطان أو مجرى الإمام)
المعروفة بعين أبي خليد. [البلوي، سيرة أحمد بن طولون، ص٥٦؛ المقريزي، الخطط
ج٤، ص٦٤].
التخطيط المعماري والمميزات الفريدة له
وتضيف
المصادر أن ابن طولون قال: " أريد أن أبني بناء إن احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي،
فقيل له: يُبنى بالجير والرماد والآجر الأحمر القوي النار إلى السقف ولا يجعل فيه
أساطين (أعمدة) رخام فإنه لا صبر لها على النار، فبنى هذا البناء وعمل في مؤخره
ميضأة وخزانة شراب (صيدلية) فيها جميع الشرابات والأدوية وعليها خدم وفيها طبيب
جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة وبناه على بناء جامع سامرا
وكذلك المنارة". [ابن دقماق، الانتصار،
ج٤، ص ١٢٢- ١٢٣؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٦٤].
ويقال
أيضًا إن مهندس الجامع قام بتصويره أولًا لابن طولون على الجلد (أي رسم مخططه له
على الجلد) فأعجب به واستحسنه فخلع عليه وأطلق له النفقة فكان المهندس ينشر من
الجبل ويسطح ويعمله جيرًا ويبني إلى أن فرغ منه جميعه وبيَّضه وخلقه وفرش فيه
الحصر (العبدانية والسامانية) وعلق القناديل والسلاسل الطوال الغلاظ الحسان وحمل
إليه صناديق المصاحف ونقل إليه الفقهاء والقراء. [البلوي، سيرة أحمد بن
طولون، ص١٨٢- ١٨٣؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٦٤].
وقد
بلغت النفقة على هذا الجامع مئة وعشرين ألف دينار ذهبًا، أما عن سبب خلو الجامع من
الأعمدة فتذكر الروايات التاريخية أن الجامع كان يحتاج إلى ٣٠٠ عمود وخشي ابن
طولون أن يأخذها من الكنائس فوصل الخبر إلى أحد المهندسين النصارى وكان مسجونًا
فعرض أن يبنيه للأمير كما يحب ويختار بلا عمود إلا عمودي القبلة.
أما
عن اتخاذ مئذنة الجامع هذا الشكل المميز والمعروف بالملوية (بعد ملويتي جامعي سامرَّا
وأبي دلف بالعراق) فتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن ابن طولون كان " لا
يعبث بشيء قط فاتفق أنه أخذ درجا أبيض بيده وأخرجه ومده كالحلزون واستيقظ لنفسه
وعلم أنه قد فطن به وأخذ عليه لكونه لم تكن تلك عادته فطلب المعماري على الجامع
وقال له: تبنى المنارة التي للتأذين هكذا فبنيت على تلك الصورة". [ابن عبد الظاهر،
الروضة، ص ٨٠؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٧٢].
وكان
لهذا المسجد الجامع أثره الكبير في تطور عمران المنطقة المحيطة به والقريبة منه،
وليس أدل على ذلك مما ورد بالمصادر التاريخية من أنه كان يوجد خلف الجامع مسطبة
ذراع في ذراع أجرتها في كل يوم اثنا عشر درهمًا في بكرة النهار لشخص يبيع الغزل
ويشتريه والظهر لخباز والعصر لشخص يبيع الحمص والفول. [المقريزي، الخطط، ج٤،
ص٧٢، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج٣، ص١١].
والمسجد
الطولوني ما زال محتفظًا بحدوده القديمة ومعظم معالمه الأصيلة: الميضأة التي كانت في
عهد أحمد بن طولون بجوار المئذنة خارج الجامع للحفاظ على طهارته.
وقد
عملت بالجامع تجديدات وإضافات مختلفة لم يتبق منها إلا بعض المحاريب الجصية من
العصر الفاطمي وعصر المماليك البحرية بالإضافة إلى القبة الحجرية للميضأة في مكان
الفوارة الأصلية بوسط الصحن وهي من عمارة السلطان الملك المنصور لاجين عام ٦٩٦هـ/ ١٢٩٦م.
ومن الراجح أنه أضاف لبناء المئذنة محتفظًا بالملوية التي كانت
عليها المئذنة الأصلية، وهي شبيهة بملويتي جامع سامراء الكبير ومسجد أبي دلف شمالي
سامراء وإن لم تكن مئذنة ابن طولون مستديرة بكاملها مثلهما حيث إن ثلث ارتفاعها
متعامد الأضلاع يعلوه جزء أسطواني وهي مبينة من الحجر.