Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جامع أحمد بن طولون

الكاتب

أ.د/ محمد حمزة الحداد

جامع أحمد بن طولون

جامع أحمد بن طولون لوحة زاخرة بالجمال، استلهمت عبق الشرق وملامح الحضارة، تشع من كل ركن فيه روعة البناء وأناقة التفاصيل، فتأسرك الأعمدة وتدهشك الملوية وتغريك الزخارف بسحرها الخالد، وكأن الزمن قد اختار هذا المعمار ليحفر به اسمه في ذاكرة الفنون الإسلامية.

نشأة الجامع وبناؤه

يُعد ثالث المساجد الجامعة التي عمَّرت في مصر الإسلامية بعد جامعي الفسطاط (مسجد عمرو بن العاص الذي ما زال في موضعه حتى الآن مع زيادات وتجديدات وتغييرات متلاحقة) والعسكر (الذي لم يعد باقيًا)، أما المسجد الطولوني فما زال قائمًا إلى اليوم بمنطقة الصليبة، جنوب القاهرة فيما بين ميدان صلاح الدين (ميدان الرميلة) أسفل القلعة وميدان السيدة زينب وهو الأثر الوحيد الباقي من مدينة القطائع الطولونية (وهي العاصمة الثالثة لمصر الإسلامية بعد الفسطاط والعسكر). [يصعب في هذا المقام أن نقدم دراسة وصفية وتحليلية مفصلة ومطولة للمسجد الطولوني فهذا يخرج عن إطار الخطة الموضوعة لهذا المصطلح ولذلك حسبنا أن نركز على وصف موجز للمسجد وأهم الخصائص المعمارية والسمات الفنية له. أما من أراد التوسع والزيادة فليرجع إلى العديد من الكتب والدراسات العربية وغير العربية ومن بينها: عكوش، محمود، تاريخ ووصف الجامع الطولوني، القاهرة (١٩٢٧م)، أحمد، محمود، بيان تاريخي عن الجامع الطولوني وشرح مميزاته الفنية، القاهرة (١٩٣٥م)؛ حسن، زكي محمد، الفن الإسلامي في  مصر، ط٢، بيروت (١٩٨٢م)، ص ٣٧- ٤٧؛ مرزوق، مساجد القاهرة قبل عصر المماليك، القاهرة (١٩٤٢م)، ص ٢٧- ٥٢؛ عبد الوهاب حسن حسين، تاريخ المساجد الأثرية، ج١، ص ٣٢ - ٤٦؛ فكري، مساجد القاهرة ومدارسها، المدخل، ص ١٠١- ١٣٦، شافعي، العمارة العربية في مصر الإسلامية، ص ٤٦٣- ٤٩٥، الباشا، القاهرة تاريخها، فنونها، آثارها، ص٤٣٤- ٤٥٢؛ مدخل إلى الآثار الإسلامية، ص ١١٨- ١٢٠؛ ماهر، سعاد، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج١، ١٣٥- ١٥١؛ عبد الرازق، العمارة الإسلامية، ص ١٠٢- ١١٨، تاريخ وآثار مصر، ص ١١٧- ١٣١، رزق، عاصم محمد، أطلس العمارة الإسلامية، ج١، ص ٥٧- ٩٦؛ ( فضلًا عن الدراسات الأجنبية المتعددة ومن بينها دراسات كوريت ووليامز وبريجز وهوتكير وفييبت وزكي حسن ( بالفرنسية) وبوتي وكريزول ودوريس أبوسيف وطارق سويلم ( رسالته للدكتوراه من جامعة هارفارد١٩٩٤م)وأيمن فؤاد سيد ( رسالته للدكتوراه عن تطور العاصمة المصرية ص ٤٢-٥٥ وهي  بالفرنسية) و Fattelوغيرهم].

وتبلغ مساحة المسجد ١٧٢٤٤م٢، ولو أضفنا إليها مساحة الزيادات التي تحيط به وتقدر بـ ٩٠٣٧م٢ تبلغ مساحته الإجمالية ٢٦٢٨١م٢ أي ما يعادل ستة أفدنة وقيراطًا ونصفًا، وقد حددت المصادر التاريخية موضعه قديمًا بقولها: "هذا الجامع على جبل يقال له جبل يشكر (نسبه إلى يشكر بن جزيلة بن لخم) فيما بين القاهرة ومصر وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء". [ابن عبد الظاهر، الروضة البهية، ص٨١؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٩٥].               

وقد أمر بعمارة هذا المسجد المبارك الأمير أحمد بن طولون فيما بين عامي (٢٦٣- ٢٦٥هـ/٨٧٦- ٨٧٩م) وذلك لاستكمال المعالم الرئيسية ومظاهر الحكم في عاصمته الجديدة التي اختطها المعروفة باسم القطائع بعد أن استقل بحكم مصر استقلالًا رسميًا عن الخلافة العباسية وأصبح الحكم وراثيًا في أسرته فيما بين عامي (٢٥٤- ٢٩٢هـ/ ٨٦٨- ٩٠٤م).

ويقال إن أهل مصر قد شكوا لابن طولون ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بسبب جنده وسودانه؛ ولذلك أمر بعمارة هذا المسجد الجديد بما أفاء الله عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون ومنه بنى العين (أي القناطر أو مجرى العيون الذي مازال باقيًا أجزاء منه بالبساتين ويعرف باسم بئر أم السلطان أو مجرى الإمام) المعروفة بعين أبي خليد. [البلوي، سيرة أحمد بن طولون، ص٥٦؛ المقريزي، الخطط ج٤، ص٦٤].

التخطيط المعماري والمميزات الفريدة له

وتضيف المصادر أن ابن طولون قال: " أريد أن أبني بناء إن احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي، فقيل له: يُبنى بالجير والرماد والآجر الأحمر القوي النار إلى السقف ولا يجعل فيه أساطين (أعمدة) رخام فإنه لا صبر لها على النار، فبنى هذا البناء وعمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب (صيدلية) فيها جميع الشرابات والأدوية وعليها خدم وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة وبناه على بناء جامع سامرا وكذلك المنارة". [ابن دقماق، الانتصار، ج٤، ص ١٢٢- ١٢٣؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٦٤].

ويقال أيضًا إن مهندس الجامع قام بتصويره أولًا لابن طولون على الجلد (أي رسم مخططه له على الجلد) فأعجب به واستحسنه فخلع عليه وأطلق له النفقة فكان المهندس ينشر من الجبل ويسطح ويعمله جيرًا ويبني إلى أن فرغ منه جميعه وبيَّضه وخلقه وفرش فيه الحصر (العبدانية والسامانية) وعلق القناديل والسلاسل الطوال الغلاظ الحسان وحمل إليه صناديق المصاحف ونقل إليه الفقهاء والقراء. [البلوي، سيرة أحمد بن طولون، ص١٨٢- ١٨٣؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٦٤].

وقد بلغت النفقة على هذا الجامع مئة وعشرين ألف دينار ذهبًا، أما عن سبب خلو الجامع من الأعمدة فتذكر الروايات التاريخية أن الجامع كان يحتاج إلى ٣٠٠ عمود وخشي ابن طولون أن يأخذها من الكنائس فوصل الخبر إلى أحد المهندسين النصارى وكان مسجونًا فعرض أن يبنيه للأمير كما يحب ويختار بلا عمود إلا عمودي القبلة.

أما عن اتخاذ مئذنة الجامع هذا الشكل المميز والمعروف بالملوية (بعد ملويتي جامعي سامرَّا وأبي دلف بالعراق) فتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن ابن طولون كان " لا يعبث بشيء قط فاتفق أنه أخذ درجا أبيض بيده وأخرجه ومده كالحلزون واستيقظ لنفسه وعلم أنه قد فطن به وأخذ عليه لكونه لم تكن تلك عادته فطلب المعماري على الجامع وقال له: تبنى المنارة التي للتأذين هكذا فبنيت على تلك الصورة". [ابن عبد الظاهر، الروضة، ص ٨٠؛ المقريزي، الخطط، ج٤، ص٧٢].

وكان لهذا المسجد الجامع أثره الكبير في تطور عمران المنطقة المحيطة به والقريبة منه، وليس أدل على ذلك مما ورد بالمصادر التاريخية من أنه كان يوجد خلف الجامع مسطبة ذراع في ذراع أجرتها في كل يوم اثنا عشر درهمًا في بكرة النهار لشخص يبيع الغزل ويشتريه والظهر لخباز والعصر لشخص يبيع الحمص والفول. [المقريزي، الخطط، ج٤، ص٧٢، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج٣، ص١١].

والمسجد الطولوني ما زال محتفظًا بحدوده القديمة ومعظم معالمه الأصيلة: الميضأة التي كانت في عهد أحمد بن طولون بجوار المئذنة خارج الجامع للحفاظ على طهارته.

وقد عملت بالجامع تجديدات وإضافات مختلفة لم يتبق منها إلا بعض المحاريب الجصية من العصر الفاطمي وعصر المماليك البحرية بالإضافة إلى القبة الحجرية للميضأة في مكان الفوارة الأصلية بوسط الصحن وهي من عمارة السلطان الملك المنصور لاجين عام ٦٩٦هـ/ ١٢٩٦م.

ومن الراجح أنه أضاف لبناء المئذنة محتفظًا بالملوية التي كانت عليها المئذنة الأصلية، وهي شبيهة بملويتي جامع سامراء الكبير ومسجد أبي دلف شمالي سامراء وإن لم تكن مئذنة ابن طولون مستديرة بكاملها مثلهما حيث إن ثلث ارتفاعها متعامد الأضلاع يعلوه جزء أسطواني وهي مبينة من الحجر.

الزخارف والسمات الفنية للجامع

 ويتكون المسجد من صحن أوسط مكشوف ومقدم ومؤخر ومجنبتين، وحول المسجد زيادات عبارة عن ثلاثة أروقة مكشوفة تحيط به من ثلاث جهات عدا جهة القبلة.

وكانت دار الإمارة تقع في هذه الجهة الأخيرة، بينما تقع الملوية في الزيادة الخلفية مثل جامع سامراء وإن لم تكن على محور الجامع مثلها، والزيادات مستواها منخفض عن مستوى الجامع وربما يرجع ذلك لطبيعة الموقع، ويتكون مقدم المسجد بالضلع القبلي (الجنوبي الشرقي) من خمس بائكات بينها خمسة أروقة موازية لجدار القبلة وتتكون كل بائكة من خمس عشرة دعامة مستطيلة، عليها زخارف من الطراز الثاني والثالث من زخارف سامراء ويعلوها سقف خشبي، وتوجد في قوصرات العقود طاقات معقودة بعقود مدببة، ويعلو مستوى العقود إفريز من زخارف جصية يعلوه إزار خشبي به آيات قرآنية، ويتوسط المحراب المجوف صدر مقدم المسجد وطاقيته مكسوة بالخشب أسفلها شريط من الفُسيفساء وباقي المحراب مزخرف بأشرطة رخامية، وواجهة الحراب جصية، وتعلو المحراب قبة خشبية، والراجح أن الأعمال السابقة الخاصة بالمحراب من عمارة السلطان لاجين، وعن يسار المحراب يوجد محراب جصي مسطح، كما توجد أربعة محاريب جصية مسطحة أخرى بالدعامات الثامنة والتاسعة بالبوائك الثانية والرابعة، ويوجد نقش الإنشاء للمسجد بالدعامة الثامنة من البائكة الثالثة ويوجد المنبر عن يمين المحراب المجوف وهو منبر مملوكي يعود لعام ٦٩٦هـ / ١٢٩٦م أيضًا، وتقع دكة المبلغ الخشبية بين الدعامتين الثامنة والتاسعة من البائكة الثانية وهي مواجهة للمحراب مباشرة وترتفع فوق أربعة أعمدة رخامية مستديرة ويصعد إليها من سلم داخلها.

ويتكون المؤخر من بائكتين موازيتين لجدار القبلة، أما المجنبتان فتتكون كل منهما من بائكتين تسير عقودهما متعامدة على جدار القبلة، وتطل على الصحن أربع واجهات كل منها تتكون من ثلاثة عشر عقدًا مدببًا محمولًا على أربع عشرة دعامة، ويبلغ عدد شبابيك الجامع ١٢٨ شباكًا من الجص المفرغ، وللجامع اثنان وأربعون بابًا، واحد وعشرون بالمسجد وواحد وعشرون بالزيادات سُدَّ أحدها، ويلاحظ وجود أربعة أبواب في صدر مقدم المسجد يرجح أنها كانت تستخدم في دخول الأمير وحاشيته، ويؤيد هذا الرأي أن دار الإمارة كانت من هذه الجهة، ويعلو الجدران صف أفقي من الشرافات الفريدة وقد شكلت بشكل رمزي على هيئة صفوف المصلين خلف الإمام في  الصلاة الجامعة، وتعرف لدى البعض بالعرائس، وهناك من يرى أنها كانت طلسمًا وهذا غير صحيح.

وعند تحليل مسقط المسجد نجد أنه مستطيل لكنه يصبح مربعًا تقريبًا بعد إضافة الزيادات، وأبعاده ١٦٢*١٦٢ مترًا وتبلغ نسبة مسطح الصحن إلى مسطح الجامع بدون الزيادات ١ :٢ تقريبًا، وتكون النسبة بعد إضافة الزيادات ١ :٣ وتبلغ نسبة عرض مقدم المسجد إلى طولها ١: ٣,٦ وهي تقريبًا نفس النسبة لمقدم المسجد الأموي بدمشق، والدعامات والعقود موازية لجدار القبلة في المقدم والمؤخر مما يؤكد صفوف المصلين إلا أنها موازية للحوائط الخارجية في المجنبتين مما يفصلها فراغيًا عن المقدم، وبتحليل الواجهات الداخلية وجد أن الطاقات التي عملت بقوصرات العقود لتخفيف الأوزان عنها، شكلت مع أطر الزخارف الجصية والنباتية والهندسية وحدة في التشكيل الفراغي الداخلي، وقد اتسم الفراغ الداخلي عمومًا بالغنى في  الزخارف والنقوش الجصية.

وقد عملت النوافذ العالية بجدار المسجد على المساعدة في الإضاءة وتحريك السواء بالجامع دون تشتيت ذهن المصلي كما ساعدت على تشكيل الواجهات الخارجية، هذا إلى جانب الشرافات التي تعلو الجامع، وبتحليل هذه الواجهات تبين عدم وجود ارتباطات بين موقع النوافذ ومواقع الأبواب ومحاور العقود والفراغات الداخلية بشكل عام، مما يعكس عدم ارتباط التشكيل الخارجي بالتكوين الفراغي الداخلي، وقد تميز الجامع بتعدد أبوابه والتي لم تتسم بأي معالجة خاصة تؤكد مواقعها وكانت تؤدي مباشرة للصحن عبر الأروقة.

 ويلاحظ أن المسجد به تأثر واضح بعمارة سامراء - موطن أحمد بن طولون - سواء في الملوية أو في استخدام الآجر (الطوب الأحمر) في البناء وهو مادة البناء المستخدمة في العراق أو الزيادات التي حول المسجد، أو في الزخارف الجصية من الطراز الثاني والثالث من زخارف سامراء.

وقد لوحظ أيضا أن الوحدة العضوية بين العمارة والنقوش الكتابية لم يتم تحقيقها كما هو الحال في عمارة أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، ولوحظ وجود علاقة بين تصميمات وأنماط الزخارف بالشبابيك الجصية والزخارف في بواطن العقود بالمسجد والشمسيات الرخامية بالمسجد الأموي.

وبتقويم مبنى المسجد يلاحظ انعكاس البيئة عليه لاستخدام مواد البيئة المحلية فيه من طوب أحمر (الآجر) للحوائط وأسقف خشبية، بما يعكس الارتباط البيئي حيث لم تجلب مواد من الخارج أو من مبان أخرى واستخدمت اليد العاملة المحلية، وقد استخدم أسلوب الإنشاء بالحوائط الحاملة والأسقف الخشبية، وظهر التأثر بأسلوب الإنشاء بجذوع النخيل في تشكيل القطاعات الخشبية الحاملة للأسقف وفي أعتاب الأبواب مما يعكس الصدق في التعبير، كذلك يلاحظ أنه حقق الغرض منه كمسجد جامع وكدليل على قوة حكم ابن طولون، وربما كان ذلك أحد أسباب اتساع مساحة المسجد وزخرفته وبناء ملويته بشكل مشابه لمسجد سامراء حاضرة الخلافة في  ذلك الوقت، كما يلاحظ استخدام الصحن في  المسجد وهو ملائم لمناخ المنطقة كما أنه يساعد على إضاءة الأروقة. [الحداد وآخرون، أسس التصميم المعماري والتخطيط الحضري في العصور الإسلامية المختلفة، دراسة تحليلية على العاصمة القاهرة، جده (١٩٩٠م)، ص ١٩- ٢٤].

هذا وقد وصف المسجد خلال العصر الفاطمي الرحالة الفارسي ناصر خسرو قرب منتصف ٥هـ / ١١م بقوله: " وفي طرف المدينة جامع ابن طولون وهو مشيد على ربوة (يقصد جبل يشكر) وله جداران محكمان ولم أر أعظم منهما غير جدار آمد وميافارقين... ". [ناصر خسرو علوي، سفر نامة، ترجمة يحيى الخشاب، القاهرة، ط٢، (١٩٩٣ م)، ص١١٦].

أما الرحالة الأندلسي ابن جبير فقد وصفه عام ٥٧٨ هـ / ١١٨٢ م بقوله: "وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الوثيقة البنيان. [ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص٤٨ – ٤٩].

الدور الديني والعلمي للجامع الطولوني

أما عن دور الجامع الطولوني في الحركة العلمية فإن ابن طولون عقب فراغه من بناء الجامع أمر بنقل القراء والفقهاء إليه وأملى فيه الحديث الربيعُ بن سليمان تلميذ الإمام الشافعي. [صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص ٧١].

وفي العصر الأيوبي جعله السلطان صلاح الدين مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه (أي إقامة الحلقات العلمية)، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر على حد قول ابن جبير في رحلته. [ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص٤٨ – ٤٩].

وفي عصر المماليك البحرية وتحديدًا في عام ٦٩٦هـ/ ١٢٩٦م قام السلطان حسام الدين لاجين عقب الفراغ من عمارته للجامع بترتيب الدروس فيه ومنها دروس للفقه على المذاهب الأربعة ودرس لتفسير القرآن الكريم ودرس للحديث النبوي الشريف، كما أمر بترتيب درس للطب واشترط فيمن يقوم به أن يكون رجلًا عارفًا بطب الأبدان مشهور المعرفة للأمراض والأدوية ورتب معه١٠من الطلبة لدراسة الطب. [المقريزي، الخطط، ج٤، ص٧٨؛ حجة وقف السلطان لاجين رقم ١٨ محفظة ٢ بدار الوثائق القومية (محكمة)؛ عبد الغني عبد العاطي، التعليم في مصر زمن الأيوبيين والمماليك، القاهرة، ١٩٤٨م، ص ٢٢٧- ٢٣١].

ويذكر المقريزي أن السلطان لاجين قرر للخطيب معلومًا وجعل للمسجد إمامًا راتبًا ومؤذنين وفراشين وعمل بجواره مكتبًا لإقراء أيتام المسلمين كتاب الله عزوجل وغير ذلك من أنواع القربات ووجوه البر فبلغت النفقة على عمارة الجامع وثمن مستغلاته عشرين ألف دينار. [المقريزي، الخطط، ج٤، ص٧٨].

وفي عام ٧٦٧هـ / ١٣٦٥م جدد الأمير يَلْبُغَا العمري الخاصكي درسًا بالجامع فيه سبعة مدرسين للحنفية وقرر لكل فقيه من الطلبة في الشهر أربعين درهمًا وإردب قمح فانتقل جماعة من الشافعية إلى مذهب الحنفية. [المقريزي، الخطط، ج٤ ص ٧٨].

وفي القرن ١٢هـ / ١٨م كان الجامع مهملًا فأنشئ فيه مصنع لعمل الأحرمة الصوفية وظل على إهماله حتى عام ١٢٦٣هـ/ ١٨٤٧م فتحول إلى ملجأ للعجزة والطاعنين في السن تحت إشراف الطبيب كلوت بك فلحق بالجامع تلف كبير.

الترميمات في العصر الحديث للجامع

وعقب تشكيل لجنة حفظ الآثار العربية ١٢٩٩هـ / ١٨٨١م امتدت يد العناية والاهتمام إلى هذا الجامع وبدأ يعود إلى رونقه وسابق عهده بعد إزالة الأبنية المستحدثة والأتربة والأنقاض وتخلية جوانبه وتتميم إصلاحه ونزع ملكية الدور وغير ذلك من أعمال الصيانة والترميم في عهد كل من الملك فؤاد والملك فاروق. [حسن عبد الوهاب، تاريخ المساجد الأثرية، ج١، ص٤٥- ٤٦].

وعقب انتهاء عهد أسرة محمد علي عام١٣٧٢هـ/ ١٩٥٢م وتأسيس النظام الجمهوري بمصر توالت أعمال الإصلاح والصيانة والترميم على هذا الجامع من قبل الجهة المسئولة عن آثار مصر وهي مصلحة الآثار ثم هيئة الآثار المصرية ثم المجلس الأعلى للآثار التابع لوزارة الثقافة وأخيرًا عقب ثورة ٢٥ يناير٢٠١١م وزارة الدولة لشئون الآثار.

الخلاصة

جامع أحمد بن طولون يمثل علامة بارزة في فنون العمارة الإسلامية وأثرًا تاريخيًا فريدًا ظل شامخًا منذ القرن التاسع الميلادي وحتى اليوم، جمع المسجد بين الإبداع البنائي والثراء الفني، واحتضن حلقات العلم والعبادة دون انقطاع عبر العصور، لقد ظلّ الجامع منارة دينية وثقافية لأهل مصر، ومرآة لعظمة عصر الدولة الطولونية وتأثيرها الحضاري والديني في قلب القاهرة.

موضوعات ذات صلة

 أول استقلال حقيقي لمصر عن الخلافة العباسية.

بناها صلاح الدين عام ١١٧٦م فوق جبل المقطم لحماية القاهرة وتوحيد دفاعاتها.

مؤسسة دينيّة علميّة إسلاميةٌ عريقةٌ تأسّست في العصر الفاطميّ.

موضوعات مختارة