قلعة الجبل بناها صلاح الدين عام ١١٧٦م فوق جبل المقطم لحماية القاهرة وتوحيد دفاعاتها، وكانت مركزًا استراتيجيًّا في مشروع تحصين العاصمة ضد الغزو الصليبي، وظلت ذات أهمية عسكرية وسياسية عبر العصور.
قلعة الجبل بناها صلاح الدين عام ١١٧٦م فوق جبل المقطم لحماية القاهرة وتوحيد دفاعاتها، وكانت مركزًا استراتيجيًّا في مشروع تحصين العاصمة ضد الغزو الصليبي، وظلت ذات أهمية عسكرية وسياسية عبر العصور.
أمر بأنشاء هذه القلعة السلطان صلاح الدين الأيوبي عام ٥٧٢هـ/ ١١٧٦م لتكون حامية القاهرة التي تشرف عليها وكجزء من خطة تتمثل في تحصين مصر والقاهرة بسور واحد.
وهذا يعني أن بناء القلعة كان يعتبر جزءًا لا يتجزأ من المشروع الحربي الكبير الذي خطط له صلاح الدين منذ أن كان وزيرًا سنيًا لآخر خليفة فاطمي شيعي إسماعيلي وهو الخليفة العاضد لدين الله، وهو أسوار القاهرة ولم يكن بناء القلعة إذن عملا منفردا قائما بذاته؛ إذ يستكمل هذا المشروع الحربي ببناء القلعة وسائل التنسيق بين جميع وحداته وعناصرها المعمارية وذلك بما يكفل لها رسالتها الوظيفية في تأمين العاصمة والدفاع عنها ضد ما قد يتكرر من هجوم عليها من جانب الحملات التي دأبت مملكة بيت المقدس المسيحية على شنها على مصر. (سوسن سليمان يحيى، منشأت السيف والقلم في الجهاد الإسلامي، العمارة الأيوبية، القاهرة، ٩٩٤ ١م، ص ٤١)
ويؤكد ذلك العلامة كازانوفا بقوله إن صلاح الدين: "أراد ببناء القلعة في الوسط أن تكون بمثابة المفصل القوي الذي يشد هذه الأسوار بعضها ببعض أو بمثابة نقطة ارتكاز قوية في التحصينات" ( كازانوفا، تاريخ ووصف قلعة الجبل، القاهرة، ٩٩٧ ١م)
ويحدد المقريزي موقع القلعة بقوله: "وهذه القلعة على قطعة من الجبل وهي تتصل بجبل المقطم وتشرف على القاهرة ومصر والنيل والقرافة فتصير القاهرة في الجبهة البحرية منها ومدينة مصر والقرافة الكبرى وبركة الحبش في الجهة القبلية الغربية والنيل الأعظم في غربيها وجبل المقطم من ورائها في الجهة الشرفية...." ( المقريزي، الخطط، المجلد ٣، ص ٦٣٧).
هذا، وقد جاء هذا الاختيار لموقع القلعة اختيارا موفقا بالنسبة لرسالة المشروع الحربي الكبير لأسوار القاهرة حيث غدت القلعة بمثابة المفصل القوي الذي يشد هذه الأسوار بعضها ببعض على حد قول كازنواف؛ ذلك أن جبل المقطم يأخذ في الارتفاع فجأة عند موقع القلعة وهو ارتفاع يبلغ حوالي ٢٥٠ قدمًا، مكونا أكبر الكتل الصخرية التي تبرز منفردة من جبل المقطم، مما يتيح لها أن تنعم بكل ما تنعم به الحصون مع الإشراف في الوقت نفسه إشرافا كاملا على ما جاورها من جهات والتحكم فيها أيضا( سوسن سليمان، منشأت السيف والقلم، ص٤٢).
وكان بناء القلعة في عهد صلاح الدين على يد الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي حيث بدأت أعمال البناء عام ٥٧٢هـ/١١٧٦م وفرغت هذه المرحلة عام ٥٧٩ هـ/ ١١٨٣م كما يستدل من نقش الإنشاء الذي ما زال بافيا أعلى باب المدرج وهو الباب الرئيسي للقلعة المواجه للقاهرة، وقد حجب هذا الباب فيما بعد الباب الجديد الذي أضافه محمد علي من جهة الحطَابة عام١٢٤٢هـ/ ١٨٢٦م.
ولحسن الحظ فقد وصف بناء القلعة في مرحلتها الأولى هذه، الرحالة ابن جبير عام ٥٧٨هـ/ ١١٨٢م بقوله: « وشاهدنا أيضا بنيان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصن المنصة يريد السلطان ( أي صلاح الدين) أن يتخذه موضع سكناه ويمد سوره حتى ينتظم المدينتين مصر والقاهرة، والمسخرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤنه العظيمة كنشر الرخام ونحت الصخور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعاول في الصخر فيأتي عجبا من العجائب الباقية الآثار العلوج المسخرون في هذا كله الأسارى من الروم ( أي الصليبيين) وعددهم لا يحصى كثرة...» ( ابن جبير، رحلة ابن جبير، تحقيق حسين نصار، القاهرة ١٩٩٢، ص ٤٧).
أما المقريزي فقد أجمل وصف القلعة بقوله: «وصفة قلعة الجبل أنها بناء على نشز عال يدور بها سور من حجر بأبراج وبدنات حتى تنتهي إلى القصر الأبلق، ثم من هناك يتصل بالدور السلطانية على غير أبراج القلاع، ويدخل إلى القلعة من بابين: أحدهما بابها الأعظم المواجه للقاهرة ويقال له الباب المدرج، وبداخله يجلس والي القلعة ومن خارجه تدق الخليلية ( نوع معين من الطبول تدق كل مساء عند حلول وقت النوبة) قبل المغرب؛ والباب الثاني باب القرافة، وبين البابين ساحة فسيحة في جانبيها [ قبلة بشرق وشمالا بغرب ] بيوت وبجانبها القبلي سوق للمأكل، ويتوصل من هذه الساحة إلى دركاة جليلة كان يجلس بها الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول، وفي وسط الدركاة باب القلة ( وهو الباب الذي يفصل بين القلعة الحصن والقلعة السكنية قصر الحكم وقد جدده محمد علي عام ٢٤٢ ١هـ/ ١٨٢٦م ويقع حاليا تجاه جامع الناصر محمد بن قلاوون) ويدخل منه في دهليز فسيح إلى ديار وبيوت وإلي الجامع الذي تقام فيه الجمعة...» ( المقريزي، الخطط، المجلد ٣، ص ٦٥١- ٢ه٦).
ومهما يكن من أمر فإن القلعة عند إنشائها كانت تتكون من مساحة شبه مستطيلة يبلغ طولها من الشرق للغرب ٦٥٠م وعرضها من الشمال للجنوب ٣١٧م وكانت تمثل الحصن الحربي. وكانت محاطة بسور ضخم به العديد من الأبراج نصف الدائرية. ثم بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي في الشام عام ٥٨٩هـ/ ١١٩٣م توالت على القلعة أعمال التجديدات والإضافات، فعندما خلفه أخوه العادل انتهز فرصة الهدوء النسبي لإعادة تحصين المواقع الحربية الهامة حيث ينسب إليه أبراج الصفة وكركيلان والعلوة والزيادة التي أضيفت لباب القرافة والجزء الخارجي لبرج الرملة وبرج الحداد والبرجان المربعان الكبيران في الركن الشمالي الغربي، وقد استأنف الملك الكامل أعمال الإضافات بعد أن نقل مقر الحكم إلى القلعة عام ٦٠٤ هـ / ١٢٠٧ م، ومن أعماله خزانة الكتب وأبراج الحمام والإسطبلات السلطانية، ثم مع بداية العصر المملوكي ألحقت بالقلعة إضافة أخرى من الناحية الغربية لتضم القلعة السكنية وإن ظل اسم قلعة الجبل مرتبطا بالجزء الحربي القديم.
وفي عهد الملك الظاهر بيبرس أنشئت دار العدل عام ٦٦١هـ/١٢٦٣م، وقد ظلت هذه الدار قائمة حتى جاء السلطان المنصور قلاوون فهدمها وأنشأ عددا من الأبنية لسكن مماليكه بالقلعة.
وفي عهد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون أنشئت القاعة الأشرفية بالقلعة التي ما تزال بقاياها قائمة أمام متحف الشرطة القومي.
أما في عهد الناصر محمد بن قلاوون فقد عمرت القلعة، ومن أبرز أعماله بها مسجده الذي أنشأه عام ٧١٨هـ ١٣١٨ م والقصر الأبلق والقصور الجوانية والقاعات السبع وباب القلعة وثكنات الجند ومجرى المياه فوق السور الشمالي لتوصيل مياه النيل للقلعة، وتوالت الإضافات بعد ذلك في عهد المماليك الجراكسة في القلعة السكنية حتى عهد العثمانيين. وحينئذ أهملت القلعة، وبدأ الخراب يحل عليها حيث نهبت النفائس والتحف والأعمدة والرخام والحليات، ثم قام الأمير خاير بك فأمر بإصلاح ما أفسده العثمانيون، ومن أهم الأعمال التي أنشئت بالقلعة من بعده المسجد الذي أنشأه الوالي سليمان باشا عام ٩٣٥ هـ/ ١٥٢٨ م، والمعروف خطأ بمسجد سيدي سارية أو سارية الجبل والمسجد الذي بناه أحمد كتخدا العزب خلف باب العزب عام ١١٠٩هـ / ٦٩٨ ١م. ثم جاء عهد محمد علي فألحقت عدة إضافات بالقلعة الحربية والسكنية، حيث جددت دار الضرب عام ١٢٢٧هـ / ١٨١٢م وشيد مسجد محمد علي عام ١٢٦٥ هـ / ١٨٤٨ م وقصر الجوهرة في القلعة السكنية وشيد قصر الحريم وجددت الأسوار والأبواب للقلعة بجزئيها، وذلك لتصلح لمرور العربات والمدافع ذات العجلات، وأنشئت أبواب جديدة مثل الباب الجديد والذي مهد طريقا منحدرا لتسهيل الصعود وأبطل استخدام باب المدرج وغير ذلك.
وقلعة صلاح الدين القائمة تشتمل على ثلاث مساحات رئيسية: الأولى تمثل القسم الشرقي - القلعة الحربية، وتضم قصر الحريم والمتحف الحربي الآن ومسجد سليمان باشا المعروف بسارية الجبل، والقسم الغربي يضم الثكنات التي أنشأها الأتراك لجنودهم وبقايا قصر الناصر ومسجد أحمد كتخدا، وفي الجنوب الغربي يوجد بئر يوسف ومسجد الناصر قلاوون ومسجد محمد علي وبقايا قصرالجوهرة، ويتم الدخول للقلعة من ثلاثة مداخل هي: باب العزب في الجهة الغربية، والباب الجديد في الناحية الشمالية الذي يحوي بداخله باب المدرج والذي سمي كذلك نسبة لوجود درج صخري يتقدمه، وباب الجبل في الجهة الشرفية.
وقلعة الجبل محاطة بعدد من الأبراج، يمكن التمييز بين نوعين منها: الأول عبارة عن أبراج نصف دائرية بالجهة الشمالية الشرفية والجنوبية وتنسب لصلاح الدين الأيوبي وهي تتكون من طابقين متشابهين تقريبا كل منهما عبارة عن قاعة مربعة مغطاة بأقبية متقاطعة ويوجد بكل منها ثلاثة مزاغل متصلة بأرض القاعة، مما يساعد على سهولة الحركة، وهذه المزاغل مسقفة بأعتاب حجرية، أما برجا المطار والإمام فتختلف عنها، فكل منها عبارة عن زوج من أنصاف الدوائر يجاور أحدهما الآخر، ويوجد فيما بينهما إما حائط سميك مثل برج المطار، أو مدخل معقود مثل برج الإمام. أما الأبراج الركنية فهي مشابهة للأبراج السابقة فيما عدا أن أذرع المزاغل قد وسعت في نهايتها لتصبح ممرات تؤدي إلي أذرع أكبر وأكثر اتساعا، وهي مسقفة بأقبية وتنتهي بأخرها بفتحة مزغل، أما النوع الثاني من الأبراج فهو عبارة عن أبراج مستطيلة المسقط أو مربعة، تتكون من ثلاثة طوابق يتشابه كل من الطابقين السفلي والأوسط ويتكون كل منهما من قاعة رئيسية مربعة مغطاة بقبو متقاطع عليها أربعة أذرع زودت بمزاغل عبارة عن فتحات ضيقة مدببة، ويحتوي كل طابق على بعض المرافق والمنافع الخاصة به.
أما الطابق الثالث فيمثل سطح البرج وتحيط به دروة تحتوي على دخلات بنهايتها فتحات المزاغل، وقد وسعت فتحات المزاغل أثناء احتلال الفرنسيين للقلعة لتتناسب مع فوهات المدافع، وتعتبر قلعة الجبل بأسوارها وأبراجها من أبرز الأعمال الدفاعية الأيوبية، وإن تعددت أنماط وأشكال هذه الأبراج سواء في المسقط أو الواجهات أو حجارة الإنشاء، فقد استخدمت في إنشاء الأسوار، الأحجار التي يعتقد أنها جلبت من بعض الأهرام الصغيرة في الجيزة، وقد استخدمت هذه الأحجار بأشكال مختلفة، فبعض منها استخدم مصقول الوجه كما في الأبراج التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي، بينما استخدمت حجارة مسننة في الأبراج التي أنشئت في عهد أخيه العادل، أو في عهد محمد علي، وربما يرجع ذلك التباين لاختلاف سنوات الإنشاء والأيدي العاملة، وبصفة عامة كان لاستخدام مواد الإنشاء على طبيعتها مصقولة أو مسننة، أثرها في التعبير عن القوة والعنف لتأكيد وظيفتها الدفاعية، ووجود قلعة الجبل مرتبط بالجهاد ومفهوم الدفاع في الإسلام؛ فقد حفر من حولها خندق لحمايتها والدفاع عنها فضلا عن موقعها المتميز لارتفاعها على ربوة عالية تطل على القاهرة مما يحقق وظيفتين دفاعيتين ألا وهما:
حماية القاهرة من الغزو الخارجي من ناحية، وإحكام الرقابة على الجبهة الداخلية ضد المنشقين عن طاعة السلطان من ناحية أخرى، ويؤكد هذا حرص الفرنسيين والإنجليز من بعدهم على احتلال القلعة عند وصولهم لتمكينهم من السيطرة على القاهرة باعتبارها مقر الحكم الرسمي آنذاك بما له من تأثير معنوي، ويعتبر نقل مقر الحكم للقلعة - أثناء حكم الملك الكامل- انعكاسا للنظام السياسي آنذاك، وتعتبر الإضافات التي أجريت فيما بعد أثناء العصور المتتالية انعكاسا لرغبة الحكام والملوك والسلاطين في ترك بصماتهم واضحة في مقر الحكم الرسمي للدولة مثلما كان يفعل الحكام الفاطميون في مساجدهم؛ حيث بنوا فيها القصور والمساجد التي ألحقت بها مدافن خاصة بهم كما في مسجد محمد علي مما يعكس أيضا الفصل بين الحكام في القلعة والشعب في المدينة ( الحداد وآخرون، أسس التصميم المعماري والتخطيط الحضري، ص٧٢- ٤٨٣ لمزيد من التفاصيل انظر، كازانوفا، تاريخ ووصف قلعة القاهرة، ( ٢٣٧ صفحة)، كريزول، وصف قلعة الجبل، ( ١٢٩ صفحة، ١٣ شكلا، ١٥ لوحة) سوسن سليمان يحيى، منشأت السيف والقلم في الجهاد الإسلامي، العمارة الأيوبية، ص ٤١- ٧٣، نويصر، العمارة الإسلامية، ص٣- ٤٧؛ عزب، أسوار وقلعة صلاح الدين، ص٥٥-١٠٠، العمري والطايش، العمارة في مصر الإسلامية، ص ٤٤/٦٦)
مصادر ومراجع للاستزادة:
أولا: المصادر:
ثانيا: المراجع:
قلعة الجبل هي قلعة تاريخية تقع في قلب العاصمة المصرية القاهرة، وهي من أبرز القلاع الإسلامية في العالم، بناها صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي، وتعتبر رمزاً للعمارة العسكرية الإسلامية، تتميز القلعة بتصميمها الفريد والمباني التاريخية الموجودة بداخلها، وتعد من أهم المعالم السياحية في القاهرة، ولا تزال القلعة حتى اليوم إحدى أهم الوجهات السياحية في القاهرة، شاهدة على تاريخٍ حافلٍ بالعظمة والهوية الحضارية.
أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين.
جماعة من الأتراك سكنوا الجزء الجنوبي الشرقي من التركستان وهضاب أفغانستان وجبالها.
هي حركة فكريّة قوميّة تُنسب إلى هضبة "طوران"، حيث تعود أصول الشعوب التركية.