شُيَّد جامع الزيتونة بتونس، وهو يُعَدُّ من أقدم مساجد إفريقية على الإطلاق، ويرجع
الفضل إلى حسان بن النعمان الغساني في بناء تونس التي تقع على بعد نحو ١٢
ميلًا شرقي قرطاجنة القديمة على البحر، وكان يصل تونس بقرطاجنة طريق روماني قديم،
وبنى حسان مدينة تونس في موضع مدينة ترشيش القديمة التي لم تكن عند اختياره
لها سوى قرية صغيرة، ولكن حسان بن النعمان حولها إلى مدينة كبيرة، وقاعدة
بحرية، لها دارٌ لصناعة السفن، التي ساهم أهالي مصر في بنائها. [المالكي (أبو بكر عبد الله)، كتاب رياض النفوس، تحقيق:
د. حسين مؤنس، القاهرة، ١٩٥١، ص ٣٨، ويذكر البكري: أن عبد العزيز بن مروان
والي مصر أرسل إلى حسان بن النعمان ألف مصري بأسرهم إلى ترشيش؛ ليساعدوه في بناء
الأسطول لخبرتهم في هذا المجال، وكان حسان بن النعمان في أشد الاحتياج لبناء أسطول
إسلامي بتونس؛ لمواجهة البيزنطيين، (البكري "أبو عبيد الله عبد الله بن عبد العزيز"
المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، نشر دي سلان Description de l' Afrique Septentrional، الجزائر، ١٩١١، ص ٣٨]، وشيَّد حسان بتونس مسجدًا جامعًا [المالكي، رياض النفوس، ص٣٧٢]، ودارًا للإمارة.
وفي عهد الوالي الأموي عبيد الله بن الحبحاب نمت مدينة تونس وازدهرت،
واتسع عمرانها، وأنشأ ابن الحبحاب بها مسجدًا جامعًا في سنة ١١٤هـ /٧٢٢م، عُرف
بجامع الزيتونة، وقيل إن اسمه، نسبة إلى القديسة زيتونة التي عاشت في عصر
الوندال. [السيد عبد العزيز سالم، تاريخ
المغرب في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ٢٠١١، ص١٦٣].
وقُدِّر لجامع الزيتونة أن يشتهر، وأن يبرز كجامعة علمية إسلامية
لها وزنها الديني والعلمي عبر العصور الإسلامية المختلفة، ويكتنف تاريخ هذا المسجد
الجامع الكثير من الغموض، وتُعَدُّ كل من الدراسة القيمة التي قدمها الدكتور أحمد
فكري. [Fikry (Ahmed), La Mosque'e Az Zaytouna Tunes: reches
arche'o logigues dans Egyptian Society of Historical Studies, le Caire, ١٩٥٢, ١١,
p٢٩]
وكذلك ما أوضحه الدكتور السيد عبد العزيز سالم عنه، في كتاباته [السيد عبد العزيز سالم، جامع الزيتونة بتونس، مقال بكتاب
بيوت الله مساجد ومعاهد القاهرة،١٩٦٠، كتاب الشعب، عدد ۷۸، ص ١٦٤ - ١٦٨-، السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب في
العصر الإسلامي، ص٣٥٠ وما يليها]، بمثابة أهم الدراسات العلمية التي تناولت هذا
المعلم الإسلامي الجليل.
ويعتبر جامع الزيتونة بما
توالى عليه من إصلاحات بمثابة معرض ومتحف للفنون المعمارية الإسلامية المغربية
المختلفة، نظرًا لما طرأ عليه من إضافات وتطوير في العصور الإسلامية المتأخرة عن
تاريخ بنائه في العصر الأموي، ولذلك فإن الدارس في مجال الآثار والعمارة الإسلامية
في بلاد المغرب، سيجد فيه وفي ملامحه الفنية مجالًا لدراسة مظاهر التطور في فن
العمارة الإسلامية في هذا العصر، كما أننا نجد أن مسجد الزيتونة بما يحتويه
من نقوش كتابية عديدة، إنما يُعَدُّ من أهم السجلات التاريخية الموثوق بها، إذ تُعَدُّ
هذه النقوش التاريخية نصوصًا تاريخية هامة، تؤرخ لكثير من الأحداث السياسية لبلاد
المغرب في العصر الإسلامي. [تُعَدُّ النقوش الكتابية إحدى
مصادر المؤرخ الهامة التي لا يرقى إليها الشك، وعن المصادر الأثرية بوجه عام
وأهميتها للمؤرخ ارجع إلى: السيد عبد العزيز سالم، التاريخ والمؤرخون العرب، طبعة
الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة،٢٠١٠م، ص].
كذلك تشير هذه النقوش إلى أسماء الصنَّاع الذين ساهموا في التجديدات
والإنشاءات التي أجريت بالمسجد. [أحمد فكري، مساجد القاهرة
ومدارسها، الإسكندرية،١٩٦١، ص٢٥٥ وما يليها].