تصدعت الجبهة الداخلية
للدولة الإسلامية بعد استشهاد عثمان بن عفان - رضي الله
عنه -، وتولى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - الخلافة عام ٣٥هـ /٦٥٦م. فقد
خرج عليه طلحة، والزبير، وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهم - ومن
تبعهم ممن يرون أنه لا يخلصهم مما وقعوا فيه من توانيهم في نصرة عثمان، إلا أن
يقوموا في الطلب بدمه، والأخذ بثأره من قتلته [الذهبي: تاريخ
الإسلام ٢/ ١٩٢].
وطلب طلحة
والزبير من
عليّ أن يسمح لهما بالرحيل إلى مكة لأداء العمرة، فأذن لهما على
كره منه [اليعقوبي: تاريخ ٢/ ١٨٠، ابن الأثير: الكامل ٣/ ٩٥]. فاتجها إلى
مكة وأعلنا أنهما بايعا مكرهين وأنهما في حل من هذه البيعة. [الطبري:
تاريخ الرسل والملوك ٤/ ٤٥٩].
وينفي ابن
العربي
هذه الرواية، قائلًا: "حاشا لله أن يُكرها، لهما ولمن بايعهما"، فلم يُكرها،
ولم يُكْرِهُّمَا عليّ – رضي الله عنه -؛ لأن ذلك لا يؤثر في بيعته
[العواصم من القواصم، ص ١٢٢].
والتقيا في مكة بأم المؤمنين عائشة - رضي الله
عنها - وقد كانت غضبت أيضًا لمقتل عثمان - رضي الله عنه -، وكانت
تقول:" قُتل والله مظلومًا والله لأطلبن بدمه"، وأخذت تحث الناس على
الثأر له. ونجح طلحة والزبير في ضمِّها إلى صفهما [الطبري:
تاريخ الرسل الملوك ٤/ ٤٥٩، ابن الاثير: الكامل ٣/ ١٠٠].
ولا نميل إلى القول بأن خروجها كان كراهية
لعليّ منذ حديث الإفك حين أشار على الرسول – صلى الله عليه وسلم -
بتطليقها قائلًا له:" إن النساء غيرها كثير"، فلا يعقل أن تظلَّ عائشة
-
رضي الله عنها – تتحين الفرصة؛ لتثأر لنفسها من عليّ طوال هذه المدة - ثلاثون عامًا
-، خاصة وقد نزل القرآن الكريم ببراءتها.
ولكن الذي وقر في نفسها أن عثمان – رضي الله
عنه - قتل مظلومًا وقصر أهل المدينة - ومنهم عليّ - في الدفاع عنه - كما أن الطريقة
التي استشهد بها عثمان – رضي الله عنه – تؤثر في
نفس أي مسلم، فما بالنا بأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -؟ مما أحدث عندها تعاطفًا
كبيرًا مع مَنْ يعلن الخروج للمطالبة بدم عثمان، واستغل هذا
طلحة والزبير، لعلمهما بمكانتها عند المسلمين.
وحاولت أم المؤمنين أم
سلمة –
رضي الله عنها - أن تثني عائشة عن الخروج، وكتبت إليها:"
لو علم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك، وغدًا
تردين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وأقسم لو قيل لي: يا أم سلمة، ادخلي
الجنة، لاستحييت أن ألقى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - هاتكة حجابًا ضربه عليّ،
فاجعليه سترك، وقاعة البيت حصنك".
فردَّت عليها عائشة
-
رضي الله عنها - بكتاب موضحة فيه أنه لا مناص من المضي فيما اعتزمته. [ابن
عبد ربه: العقد الفريد ٢/ ١٠٢ – ١٠٣].
ونصح أيضًا عبد الله
بن عمر-
رضي الله عنهما - لأم المؤمنين عائشة بعدم الخروج، وأن في
لزومها بيتها المحافظة على كرامتها، والإشفاق على المسلمين من أن تتفرق كلمتهم
وتذهب ريحهم.