Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الغوريون (دولة)

الكاتب

أ.د/ ثريا محمد على

الغوريون (دولة)

نشأت الدولة الغورية في منطقة جبلية وسط أفغانستان، وواجهت صراعات داخلية وغزوات من الغزنويين، تعاقب على حكمها قادة بارزون، واعتنق حكامها المذهب الكرامي قبل أن يتحول بعضهم إلى الشافعية.

الموقع الجغرافي

تُنسب الدولة الغورية إلى المنطقة التي نشأت بها في قلب أفغانستان الحالية، فكلمة غُر بالضم تعنى في لغة البشتو: جبل؛ لذلك كانت التسمية التي أطلقت على بلاد الغور تعني المنطقة الجبلية، وهي تقع في شرق ولاية غرجستان وجنوبها، وتمتد من هراة إلى الباميان وتخوم كابل وغَزْنَة، وهي جنوب نهر هراة وينبع منها أنهار كبيرة يحدها من الشمال منطقة جبلية، ويقع في منطقة الغور خمسة جبال معروفة هي:

١- جبل زارمرغ منديش: وكانت (منديش) منطقة غورية مشهورة، إلا أن هذا الاسم فقد مع الزمن وبقي الاسم (زارمرغ) حتى الآن.

٢- جبل سُرخ غر: ويعني الجبل الأحمر نظرًا للون جبال المنطقة وهضابها، وتعرف الآن باسم ساخر.

٣- جبل ورشك: وهو جبل موجود بالأصقاع الباردة الغورية وما زال معروفًا بهذا الاسم.

٤ - جبل ورني: وتقع في شعابه مدينة داور المعروفة بهذا الاسم حتى الآن، ومدينة قصر كجوران المعروفة حاليًا ب كجران.

٥- جبل خيسار: ويقع على الحدود بين غزنة وهراة [الجوزجاني؛د: طبقات ناصري، تحقيق عبد الحي حبيبي، مجلد أول؛ جاب دوم؛ كابل؛ ٢٤٢ ١ش؛ ص ٣٣٩، ٣٣٦].

أما عاصمة الدولة الغورية فكانت (فيروزكوه) وكانت عامرة حتى اجتياح المغول لها في عام ٦١٩هـ/١٢٢٢م، ويقال إن جنكيز خان قد أنزل بها الخراب والدمار حتى محاها من على وجه الأرض فلا يعرف لها موضع الآن، وجدير بالذكر أن العاصمة فيروزكوه وقلعتها تختلف عن القلعة التي ذكرها ياقوت الحموي [ياقوت الحموي: معجم البلدان، المجلد الرابع، بيروت، ١٩٨٤، ص ٢١٨ - ٢٨٤] بنفس الاسم في بلاد طبرستان والتي تعرف الآن بمازندران.

تحدث الغوريون اللغة الفارسية بلهجة البشتو وهي تختلف عن اللهجة الفارسية في خراسان والمعروفة بالدّرية، وقد ترك هذا أثرًا واضحًا على أسماء بعض المدن والجبال والمناطق في غورستان.

أهم مدنها

ومن المدن التي سيطرت عليها الدولة الغورية أو جاورتها فلعبت دورًا هامًا في تاريخها المدن التالية:

١- هراة وهي تحد منطقة الغور من الغرب، ويقال إنها ازدهرت أيام حكم الغوريين بحيث كان بها آلاف الدكاكين والحمامات والمدارس.

٢- غزنة: وتكتب أحيانًا غزنين، كانت عاصمة الغزنويين حتى انتهت دولتهم واستولى عليها السلطان علاء الدين الغوري عام ٥٤٤ هـ /١١٤٩م وأمر بنهبها وحرقها، ثم جددت فيما بعد وهي عامرة الآن.

٣- الباميان: هي القسم الشرقي من الغور

أجمع الجغرافيون على أنها كانت مركزًا هامًا للديانة البوذية، وذكر القزويني في الآثار أن بها بيتًا مرتفعًا نقشت عليه نقوش من الطير؛ ويوجد به صنمان يطلق عليهما بوذا الأحمر وبوذا الأشهب، ظلت الباميان بلاد كفر فترة طويلة وحتى القرن السابع الهجري /الثالث عشر الميلادي، ثم تحولت تدريجيًا إلى الإسلام خاصة في عهد الغوريين.

٤ - مدينة خوست: وهي قريبة من الباميان عند منابع نهر هري رود، وقد تكون هي مدينة خشت المعروفة الآن.

٥- مدينة داور: وهي مدينة على حد الغور.

٦- كابل: وتقع بلاد الغور إلى الغرب منها.

٧- لاهور: فتحها المملوك الغوري قطب الدين أيبك وجعلها دار الملك للغرويين في الهند ومركز الإسلام وذلك في نهاية عام ٦٠٢هـ/ ١٢٠٥م حيث نزل بالقرب منها بقرية يقال لها داديموه ثم دخل لاهور وأسس بذلك دولة الغوريين في الهند والتي انتقلت عاصمتها إلى مدينة دهلي فيما بعد.

نسبهم وإسلامهم

تجمع المصادر الفارسية على نسبة الأسرة الغورية إلى الضحاك أو بيوراسب كما ذكر المؤرخ المعاصر لهذه الأسرة مباركشاه المروروزي، والضحاك ينتسب إلى العرب طبقًا لرواية الشاهنامه، وقد استولى على الحكم في إيران ثم ثار عليه حداد يُدْعى كاوه فهرب أبناء الضحاك إلى منطقة الغور في وسط آسيا وهناك تناسلوا وخرجت منهم الأسرة الغورية، وتذكر مصادر التاريخ بلغة البشتو اسم الضحاك سهاكا أو ارثادها، والاسم الأخير يقترب من التسمية الفارسية للضحاك وهي أزدها، كما توجد مدينة ضحاك بالقرب من الباميان، كذلك فإن قبيلة سهاكا هي إحدى القبائل الآرية القديمة، ويطلق الاسم سهاكزي علمًا للقبائل الأفغانية القديمة [مباركشاه، اندر: أحوال الهند، ص٥٥].

وتنسب الأسرة الغورية أيضًا إلى بسطام أو وستهم بلغة البشتو، وهو من نسل الضحاك وحكم مناطق شغنان، والباميان وطخارستان والغور، ويقال إنه فر إليها هربًا من جيوش أفريدون وسكن سفح زارمرغ لكثرة عيون الماء فيه.

وهناك رواية آخري عن نسب الأسرة الغورية تتحدث عن ابنين من أبناء الضحاك يُدْعَى الأكبر منهما سور والأصغر ويدعى سام قد فر هربًا من أفريدون إلى منطقة نهاوند وعيّن الأكبرُ أميرًا والأصغر قائدًا للجيش، فلما مات سام وكان ابنه شجاعًا مبارزًا سعى الواشون بالوشاية عند عمه الأمير سور فقرر منح ابنته المُلك من بعده، فلما علم ابن سام بالأمر جمع أتباعه وخيله وكثيرًا من المال وأخذ بنت عمه وهرب الجميع إلى منطقة الغور حيث استقامت الحياة لهما عند سفح جبل منديش.

من هنا اتخذت الأسرة الغورية نسبها إلى منطقة الغور الجبلية، كما اتخذت نسبها الثاني إلى الأمير سور وعرفت قبل الإسلام بـ آل سوري.

أما بعد الإسلام فقد اتخذت الأسرة الغورية نسبًا جديدًا فأطلق عليها الغور الشنسبانية نسبة إلى الأمير شنسب بن خزنك أحد أمراء الغور وكان معاصرًا للخليفة علي بن أبي طالب ويقال إنه أسلم على يديه ونال منه العهد واللواء، وهي قصة لا نجد في تاريخ الفتوحات الإسلامية زمن الخليفة علىَّ ما يؤكدها، لذلك يغلب على الظن أن الغور قد دخلت الإسلام عن طريق الدعاة أو التجار أو عن طريق الاتصال بالمناطق المجاورة لها التي كان الإسلام قد استقربها.

وقفت الأسرة الغورية موقفًا معاديًا من بني أمية ومناصرًا لعلي بن أبي طالب وأرسل الأمير بولاد الغوري - حكم عام ١٣٠هـ/٧٤٧م - مددًا من رجال الغور لمؤازرة أبي مسلم الخراساني في دعوته ضد بني أمية وعمل على تقوية الدعوة لآل العباس، يؤكد هذا تفاخر الشاعر الغوري فخر الدين مباركشاه في إحدى قصائده بأن الأسرة الغورية لم تقم مطلقًا بلعن علي بن أبي طالب على المنابر كما كان هو الحال في العصر الأموي [ثريا محمد علي: الغوريون، القاهرة، ١٩٩٣، ص ٤٤- ٤٥].

حكم بعد الأمير بولاد ابنه الأمير كرور (عام ١٣٩هـ/ ٧٥٦م) وسيطر على مناطق والشتان وخيسار وتمران وكوشك واشترك في الثورة العباسية على بني أمية وأيد أبا مسلم الخراساني

وهناك الكثير من القصائد بلغة البشتو تمتدح هذا الأمير وآل سوري على بطولاتهم تلك، قُتِل الأمير كرور عام ١٥٤هـ/٧٧١م في حرب بوشنج وهي مدينة تقع غربي هراة، وتولى الحكم بعده ابنه الأمير ناصر بن كرور، استمرت العلاقات الحسنة بين الأسرة الغورية والخلافة العباسية حتى أن الأمير بنجي بن نهاران الشنسبي أحد كبار أمراء الغور قد ذهب إلى زيارة الخليفة العباسي هارون الرشيد حوالي عام ١٧٠ه‍ـ/ ٧٨٦م وحظي في هذه الزيارة بلقب قسيم أمير المؤمنين.

الغور إبان العهد الصَّفَّاري والساماني

حكم الغور الأمير سوري بن محمد إبان العهد الصفاري، وكانت بعض مناطق الغور - خاصة والشتان العليا والسفلى - لم تدخل الإسلام حتى هذا الوقت؛ لذلك وقعت مصادمات واختلافات بين القبائل الغورية المسلمة وغير المسلمة، وكانت هذه المنازعات الداخلية سببًا في ضعف الأسرة الغورية مما سهل سقوط بعض المدن والمناطق الخاضعة لها في يد الصفاريين، (من هذه المدن بلاد بُست وزاولستان وزمينداور وغونة) فخرجت بعض طوائف الغور إلى حدود السند وتحصنت هناك فسلمت من القوات الصفارية، وظَلَّ النزاع بين القبائل الغورية مستمرًا طوال العهد الساماني أيضا إلا أن منطقة غورستان ظلت خاضعة للغوريين ولم تسقط في يد الصفاريين أو السامانيين نظرًا لوعورتها.

الغور إبان العهد الغزنوي

أغفلت المصادر الفارسية والعربية فترات طويلة من حكم الأسرة الغورية غورستان، خاصة في فترات النزاع بين القبائل الغورية المسلمة وغير المسلمة، وأرسلت الحملات العسكرية من قبل الدولة الغزنوية على بلاد الغور لإخضاع أهلها أو لدفع القبائل غير المسلمة للدخول في الإسلام، وكان الأمير محمد سوري الشنسباني أميرًا على الغور أثناء حكم السلطان محمود الغزنوي، وتحدثت المصادر الأفغانية بلغة البشتو عن شجاعة الأمير محمد سوري وكيف كان يناوئ الدولة الغزنوية فيدخل في طاعتها تارة ويتمرد عليها تارة أخرى حتى حوصر في قلعة آهنجران فاستسلم مع ابنه الأكبر شيش ولكنه تجرع سُما كان يخفيه بخاتمه بالقرب من غزنة حتى يتخلص من مذلة الأسر[غياث الدين بن همام الدين الحسيني: حبيب السير وأخبار البشر، جلد دوم، جاب دوم، ١٣٥٣ه‍ـ، ص ٦٠١].

تولى الحكم بعده ابنه الأمير أبو علي ابن محمد سوري وأعلن طاعته للغزنويين، واهتم بالعمران فبنى المدارس والمساجد والقصور الفخمة وظل يحكم الغور حتى ثار عليه ابن أخيه عباس بن شيس وخلعه من حكم الغور وكان ذلك في عهد السلطان مسعود الغزنوي

وقد اهتم عباس بن شيش الأكبر بعلم الفلك فبنى مرصدًا بقلعة سنجه بولاية منديش، إلا أنه كان ظالمًا فاستجار أهل الغور بالسلطان إبراهيم الغزنوي الذي أرسل جيشًا إلى الغور قبض على عباس بن شيش وأودعه السجن وأجلس مكانه ابنه الأمير محمد بن عباس.

وفي عام ٤٦٠هـ/١٠٦٧م حاول الأمير قطب الدين حسن بن محمد بن عباس حاكم الغور أن يوجه سياسته الداخلية نحو إخضاع القبائل الغورية المتمردة وجمعها تحت لواء واحد فقُتل في إحدى المعارك جنوبي غزنة، وواصل ابنه عز الدين حسين سياسة أبيه حتى توطد له حكم المنطقة الغورية وإخضاع قبائلها، ثم قام بتعيين أولاده السبعة على المناطق الخاضعة له وكانت خراسان والغور وزابل والباميان وطخارستان.

وتُقَسِّم المصادر التاريخية الغوريين في هذه المرحلة إلى طائفتين: الأولى طائفة ملوك الغور التي كانت تحكم في فيروزكوه، والثانية: طائفة ملوك طخارستان وتقع شمالي الغور وكانت عاصمتهم الباميان ولذلك كان يطلق عليهم ملوك باميان وأحيانًا غورية الباميان، وكان أول ملوكهم فخر الدين مسعود بن حسين.

وحتى حكم عز الدين حسين الغورستان وتوطيد دعائم حكم الأسرة الغورية في فيروزكوه، كان من الصعب أن نطلق على الغوريين مُسمى الدولة؛ ذلك أن قوة الغور في المنطقة كانت قوة قبلية، وليدة عانت من الخلافات والنزاعات؛ وكانت الدولة الغزنوية هي القوة التي لها السيادة في وسط آسيا بالفعل، وما كانت تفعله الأسرة الغورية هو منازعة الغزنويين على السيادة.

 وبداية من حكم السلطان عز الدين حسين الذي لقب بأبي الملوك وأبي السلاطين نستطيع أن نطلق على الغوريين مسمى الدولة الغورية.

الدولة الغورية

حقق الأمير عز الدين حسين الاستقرار والأمان للغوريين بتولية أولاده السبعة على ولايات بلاد الغور، فلم تحدث نزاعات بين القبائل أو خلافات، كما حرص على العلاقات الطيبة والحسنة بجيرانه، خاصة السلاجقة حيث كان يرسل إلى السلطان سنجر السلجوقي الخراج المقرر على الأسلحة والدروع الغورية، فلما توفي الأمير عز الدين حسين وتولى الملك بعده ابنه سيف الدين سوري جعل إخوته في أماكنهم وتلقب بلقب السلطان، فكان أول سلاطين الغوريين وجعل من مدينة استيه دار ملكه ونزل بقلعتها، وجعل أخاه قطب الدين محمد أميرًا على فيروزكوه فاهتم بها وعمرها، إلا أن مناقشة حامية وقعت بين قطب الدين محمد وإخوته خرج على إثرها قطب الدين إلى غزنة وكان ذلك في فترة حكم بهرامشاه الغزنوي

وفي البداية استقامت الحياة لقطب الدين في غزنة إلى أن سعى الواشون عند السلطان الغزنوي فأوغروا صدره على قطب الدين محمد فأمر بوضع السم له في شرابه وقتله ثم دفنه بغزنة عام ٥٤١هـ/١١٤٦م.

 وحينما عرف السلطان سيف الدين سوري بالأمر أعد جيشه وخرج إلى غزنة واستولى عليها وجعل أخاه بهاء الدين سام على غورستان واستقر هو بغزنة، إلا أن السلطان الغزنوي بهرامشاه استطاع استرجاع غزنة وأسر سيف الدين سوري وقتله، وتولى عرش الغور بعده أخوه بهاء الدين سام عام ٥٤٤هـ/١١٤٩م الذي أراد الانتقام من الغزنويين لكن إرادة الله كانت أسبق إليه فمات في الطريق إلى غزنة. 

إن أهم ما في مرحلة حكم سلاطين الغوريين من أبناء عز الدين حسين اهتمامهم البالغ بتعمير بلاد الغور وبناء القلاع والحصون وإعداد الجيوش، كما كان الاهتمام بالشئون الداخلية للغور ورعاية الرعية والاهتمام بالعمران الداخلي هو العامل الرئيسي الذي مكن السلطان علاء الدين حسين من التوسع في عهده وجعل قوة الغوريين قوة إسلامية هامة في منطقة أسيا الوسطى حتى إن الخلافة العباسية استعانت بها ضد قوة الخوارزميين في المنطقة [ثريا محمد علي: الغوريون، ص٥٦- ٥٨].

كان أول الأعمال التي بدأ بها السلطان علاء الدين حسين بن حسين هو الانتقام لمقتل أخويه في غزنة فلم يبق لتلقي العزاء وخرج عازمًا التوجه إليها، ورغم تهديدات بهرامشاه الغزنوي إلا أنه دخل معه في عدد من المعارك انتهت كلها لصالح الغوريين، ولم يكتف السلطان علاء الدين حسين الغوري بالنصر بل دخل غزنة وأضرم فيها النار سبعة أيام وأباحها لجنده ولم يعف النساء والأطفال من انتقامه فألقى القبض عليهم؛ أما الأموات فقد أمر بنبش قبور سلاطين الغزنويين ولم يترك غير قبور محمود ومسعود وإبراهيم الغزنوي، ويقال إنه قضى الليالي السبع في لهو ومرح مع الندماء ينشد الشعر حتى كانت الليلة الثامنة والتي اطمأن فيها إلى خراب غزنة عندئذ أمر بالعفو عن أهل غزنة وأقام عزاء أخويه ثم نقل رفاتهما وعاد بهما إلى غورستان، ومنذ هذه الحادثة تلقب بلقب جهانسوز أي حارق العالم.

لعبت نشوة النصر والاستيلاء على غزنة برأس السلطان علاء الدين حسين جهانسوز وأراد الاستيلاء على بعض أملاك السلاجقة، شجعه على ذلك استمالته لصاحب هراة ولعدد من قبائل الغز، لكن خدعه السلطان سنجر السلجوقي باستمالته لقبائل الغز والأتراك والخلج والتقى الجيشان عند باب أوبة بهراة عام ٥٤٧هـ/١١٥٢م فانهزم الجيش الغوري ووقع السلطان علاء الدين جهانسوز في الأسر، وعانت بلاد الغور من قلاقل المتمردين الذين التفوا حول السلطان ناصر الدين حسين ماديني الذي جلس على عرش الغور مكان عمه جهانسوز وازداد الأمر سوءًا حينما ثارت أطماع القبائل الغزية في المنطقة فدخلت مع السلطان سنجر السلجوقي في معارك انتهت بأسر السلطان السلجوقي، وفكر السلاجقة في إيجاد حائط صد ضد القبائل الغزية ووجدوا الحل في إطلاق سراح السلطان الغوري جهانسوز لإعادة استقرار الغوريين وبذلك يكونون القوة المضادة ضد قوة الغز الناشئة مما يدفع الخطر عن الدولة السلجوقية. 

وعاد علاء الدين جهانسور إلى فيروزكوه، وكان أتباعه قد تخلصوا من ابن أخيه بالقتل فأعاد الاستقرار إلى البلاد الغورية ولم يتوقف عن التوسع فأعاد زمام الأمور في الباميان إلى الغوريين، وضم إليه زمينداور وتولك وساخر؛ كما فتح غرجستان صلحًا بل وصاهر ملك غرجستان، وبعد عودته من غرجستان وافته المنية عام ٥٥١هـ/١١٥٦م تاركًا البلاد الغورية في يد ابنه سيف الدين محمد بن علاء الدين جهانسوز[خوائد مير: حبيب السير، جلد جهارم، ص٦٠٢-٦٠٤، ملكة التركي: السلطان علاء حسين جهانسوز، ص ٦٨، ٦٩].

توجه سيف الدين محمد إلى إصلاح الأحوال الداخلية في الدولة الغورية وكانت أهم إنجازاته رد المظالم ونشر العدل في الدولة؛ كما أعلن سنيته وحربه ضد ملاحدة قلعة ألمُوت من دعاة الشيعة الإسماعيلية ودعاة القرامطة فكان يأمر بقتل كل من تصل إليه يده من هؤلاء الدعاة. 

كما حاول إصلاح ما أفسده والده داخل الأسرة الغورية فأطلق سراح ابني عمه غياث الدين ومعز الدين محمد بن سام وكانا قد أمر علاء الدين جهانسوز بحبسهما في قلعة وجيرستان، ثم حاول سيف الدين الاهتمام بالأحوال الخارجية أيضًا خاصة وقد استفحَلَتْ قوة قبائل الغز التركية التي استطاعت الاستيلاء على بعض أملاك السلاجقة في خراسان وحاول التصدي للغز في غرجستان ومرو ولكن خيانة القائد الغوري أبي العباس شيش وقتله السلطان سيف الدين انتقامًا لمقتل أخيه، عجلت بهزيمة الغوريين أمام الغز.

تولى حكم الدولة الغورية بعد سيف الدين، غياثُ الدين محمد بن بهاء الدين سام بمبايعة من قادة الغور وجلس على العرش في فيروزكوه عام ٥٥٨هـ/ ١١٦٣م وعمل أولًا على استقرار أحواله الداخلية فتخلص من أحد مراكز القوى داخل دولته وهو أبو العباس شيش وذلك بقتله، كما استطاع بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى استمالة عمه فخر الدين مسعود ملك الباميان وتحويل عداوته إلى محالفة، ثم التفت إلى الأحوال الخارجية لتحقيق طموحات الغوريين في التوسع، خاصة وأن أحوال الدولة السلجوقية والغزنوية كانت بسبيلها إلى التدهور والأفول؛ واستعان من أجل ذلك بشقيقه معز الدين محمد - وكان في البداية يلقب بشهاب الدين- الذي عاونه في صد قبائل الغز واسترجاع البلاد التي استولوا عليها، ونجحا في فتح جرمسير وزمينداور، بعد ذلك بعدة سنوات فتح قادش وكاليون وفيوار سيفورد، كما دخلت في طاعة غياث الدين بلاد غرجستان والطالقان والجروم وتكتياباد وقد فوض الولاية الأخيرة إلى أخيه معز الدين محمد، ولما كانت غزنة في يد الغز فقد استجمع غياث الدين قواته وعضَّدها بقوات أخرى من خراسان وأعطى القيادة لأخيه معز الدين محمد الذي نجح في فتحها وطرد الغز منها عام ٥٦٩هـ/١١٧٣م وبذلك قضى على الدولة الغزنوية وحل الغوريون محلهم في محاولات نشر الإسلام في الهند، وقد جعل غياث الدين شقيقه معز الدين واليًا على غزنة وعاد هو إلى فيروزكوه، ونظرًا لقوة الغوريين الواضحة راسل أهالي هراة السلطان غياث الدين للتخلص من حاكمهم السلجوقي طُغُرْل الذي فر إلى الخوارزميين حينما شعر بقدوم الجيش الغوري، كما أعلن ملوك نيمروز وسجستان طاعتهم للغوريين وقرأوا الخطبة باسم سلاطين الغور، أما من بقي من قبائل الغز في جرجان فقد أعلنوا دخولهم في طاعة الغوريين وبذلك وصلت رقعة الدولة الغورية إلى أقصى اتساعها في عهد السلطان غياث الدين محمد [ملكة التركي: السلطان غياث الدين، ص ١٠- ١٤] حتى أصبحت إحدى أهم القوى الإسلامية في آسيا الوسطى في نهاية القرن السادس الهجري وبداية السابع / الثاني عشر والثالث عشر الميلادي بحيث استعانت بها الخلافة العباسية لصد الخوارزميين ونجحوا في التصدي لهم.

من أهم الأدوار التي قامت بها الدولة الغورية استكمال نشر الإسلام في الهند بعد أفول الدولة الغزنوية وحلول الغورية مكانها، وكان فتح غزنة هو بداية توجه السلطان غياث الدين إلى الهند فاتخذ منها قاعدة له ونجح في حملته الأولى عام ٥٧١ه‍ـ / ١١٧٥م في فتح الملتان، وكان يعاونه مملوك له هو قطب الدين أيبك، ثم نجح في فتح دهلي وجعل منها قاعدة لملكه في الهند بدلا من غزنة، وجدير بالذكر أن عهد غياث الدين محمد بن سام الغوري قد شهد فتح الكثير من مدن الهند على يد الجيش الغوري بقيادة شقيقه معز الدين محمد بن سام الملقب بشهاب الدين وقد ذكر هذه الفتوحات شاهد عيان هو المؤرخ مباركشاه المروروزي المعاصر للغوريين وذلك في كتابه عن الهند [فخر الدين مباركشاه: تاريخ مباركشاه في أحوال الهند، ترجمة ثريا محمد علي، القاهرة، ١٩٩١، ص ٥٧- ٥٨]، وقد ذكر فيه هزيمة جيش كوله واسرراجا أجمير وفتح قلعة دهلي وقلعة رنتنبور عام ٥٨٨هـ / ١١٩٢م. وذكر أسر راجا جيتتشند عام ٥٩٠/١١٩٢، وفي عام ٥٩١هـ/١١٩٤م تم فتح أجمير، وفي عام ٥٩٢هـ/١١٩٥ م فتحت تهنكبري وفي العام الذي تلاه فتحت قلعة بوداون، وتم تخريب بيوت أصنام بنارسي عام ٥٩٤هـ/١١٩٧م، كما ذكر الاستيلاء على جنتروال وفتح قنوج وولاية سروه عام ٥٩٥هـ /١١٩٨، أما فتح مالوة ونواحيها فقد كان عام ٥٩٦هـ /١١٩٩م، وفتح كواليور عام ٥٩٧ هـ/ ١٢٠٠م، وفي العام الأخير جاء إلى الهند خبر وفاة السلطان غياث الدين فاضطر معز الدين للعودة إلى فيروزكوه العاصمة وجعل مملوكه قطب الدين أيبك على الهند بدلا منه، وحاول معز الدين محمد بن سام بعد توليه العرش إعادة ترتيب الدولة الغورية بتوزيع أملاكها على أقربائه حتى يتفرغ لنشر الإسلام بالهند خاصة وأن القبائل الهندية قد تحالفت لصد الغوريين عام ٦٠٢هـ/١٢٠٥م، فجمع السلطان معز الدين جيوشه وتوجه إلى الهند وكان بها مملوكه قطب الدين أيبك واستطاعا سويًا التصدي للتحالف الهندي وهزيمته.

وفي طريق عودته إلى غزنة قتل السلطان معز الدين محمد، واختلف فيمن قتله: هل هو من ملاحدة ألَمُوت أم فدائيٌّ من جماعة غكاري الهندية [أحمد السعيد سليمان: تاريخ الدول الإسلامية، ج٢، ص٥٢٦] وبذلك توفي آخر سلاطين الدولة الغورية العظام وتفرقت أملاكها بين أفراد الأسرة الغورية وظهر بينهم النزاع والأطماع مما أنبأ بأفولها.

أما أملاك الغوريين بالهند فقد أعلن قطب الدين أيبك نفسه ملكًا عليها في لاهور عام ٦٠٢هـ/١٢٠٥م، وتسلم الحكم بعده ابنه أرامشاه بن قطب الدين أيبك، وقد عرفوا تاريخيًا بالمماليك المعزية نسبة إلى السلطان معز الدين وذلك حتى استخلص هذه الأملاك أحد أصهار قطب الدين وكان مملوكًا له ويدعى ألتتمش، وتعرض كتب التاريخ لهذا السلطان وأولاده تحت عنوان: دولة السلاطين الشمسية، نسبة إلى لقب ألتتمش وهو شمس الدين، وقد يعرض المؤرخون لهم تحت عنوان جامع وهو دولة المماليك في الهند، وهذا يوضح أن الدولة الغورية لم تنته فقط في غورستان بل وأيضًا في الهند ولكن آثارها الحميدة في إقامة دولة إسلامية ومحاولاتها في نشر الإسلام بقيت في التاريخ.

مذهب الدولة الغورية

اعتنق أهل الغور وسلاطينهم مذهب الكرامية ويقال إن السلطان غياث الدين محمد قد تحول عن هذا المذهب إلى الشافعية بعد رؤيته لمنام رأى فيه الإمام الشافعي، ورغم خروجه من مذهب الكرَّامية إلا أنه أطلق حرية المذاهب وجعل منصب القضاء لقاضيين أحدهما شافعي المذهب والآخر كرَّامي عملًا منه بحرية المذاهب، كما اهتم غياث الدين ببناء مدرسة للفقيه الشافعي الفخر الرازي بالقرب من جامع هراة ظلت هي الملتقى لأتباع المذهب الشافعي وأحباء الفليسوف الفخر الرازي.

ومذهب الكرَّامية هذا ينسب إلى محمد بن كرامً الذي عاش في نيسابور زمن الطاهريين لكنه طرد منها إلى غرجستان.

والكرامية ثلاث فرق لا يكفر بعضها بعضًا، وتدعو إلى تجسيم الإله المعبود، ولهم تأويل لبعض آي القرآن الكريم يميل إلى هذا التجسيم، وزعموا أن الوحي أخطأ، ونزل على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولهم كثير من الأفكار تدخل في باب الكفر، خاصة فيما يتصل بذات الله سبحانه وتعالى [البغدادي: الفرق بين الفرق، تحقيق محمد عثمان الخشت، القاهرة، ص ١٨٩].

إن انتشار الأفكار الضالة عند مسلمي وسط آسيا والهند له جذور عميقة في التاريخ، وساعد على نشرها تقاعس أهل العلم من حملة كتاب الله وأهل اللغة العربية عن تصحيحها بنشر أفكار الإسلام السليمة والعمل على فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا فجاء النخر والضعف في جسد الأمة الإسلامية من داخلها قبل أن يأتي من أعدائها.

الخلاصة

تنسب الدولة الغورية إلى منطقة جبلية في قلب أفغانستان الحالية تُعرف باسم (غور)، وكانت عاصمتها فيروزكوه، وأهم مدنها هراة وغزنة وكابل، ترجع أصول الأسرة الغورية إلى الضحاك بحسب المصادر الفارسية، وواجهت صراعات داخلية بين القبائل المسلمة وغير المسلمة، مما أضعفها وسهّل سقوط بعض مناطقها، وخضعت الغور لحملات الدولة الغزنوية، وكان الأمير محمد سوري من أبرز قادتها الذين قاوموا الغزنويين، كما اعتنقت الدولة لاحقًا المذهب الكرامي، ثم تحول بعض سلاطينها إلى الشافعية.

موضوعات ذات صلة

 إحدى أهم الدول الفارسية الإسلامية خلال العصور الوسطى.

نشأت في اليمن على يد علي بن محمد الصليحي بعد فترة من العمل السري.

أسسها أرتق بن أكسب، ظهرت بعد ضعف الدولة السلجوقية.

موضوعات مختارة