Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الردة

الكاتب

أ.د/ عبد الشافي محمد عبد اللطيف

الردة

شهدت الجزيرة العربية عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطرابات دينية، وسياسية عُرفت بحركة الردة، حيث ارتدت قبائل عن الإسلام وظهرت ادعاءات كاذبة للنبوة، تصدى لها الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بحزم، لتثبيت أركان الدولة الإسلامية وحماية وحدة الأمة.                                                                   

حركة الردة

الردة: الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام [المعجم الوسيط] وحركة الردة مصطلح أطلق على حركة ارتداد بعض القبائل العربية عن الإسلام [القاموس الإسلامي: تأليف: أحمد عطية الله] قبيل وبعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد بدأت قصة الردة قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حين ادعى أكثر من رجل في أكثر من منطقة من بلاد العرب النبوة، مثل مسيلمة بن حبيب - الكذاب- في بني حنيفة في منطقة اليمامة، وطليحة بن خويلد الأسدي في بزاخة، والأسود العنسي في اليمن، ولقيط بن مالك في عُمان، حتى إن امرأة أدلت بدلوها في ميدان النبوات الكاذبة، فادعت سجاح بنت الحارث اليربوعية التميمية النبوة، والعجب أنها لم تكن حين ادعائها النبوة في جزيرة العرب بل كانت في العراق، عند أخوالها من بني تغلب [انظر تاريخ الطبري].

والذي حدا بهؤلاء الرجال إلى ادعاء النبوة حب الزعامة حتى وإن بنيت على باطل، فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد أصبح زعيم كل العرب؛ بالنبوة، وقريش أيضًا بالتبعية سادت العرب؛ بسبب النبوة، فالطريق إلى الزعامة هو ادعاء النبوة، والعجيب أن من تابعوا هؤلاء الأنبياء الكذابين كانوا يعرفون أنهم كذابون، ولكنهم تابعوهم عصبية لهم، فقد قال أحد أتباع مسيلمة: "والله إني لأعلم أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة - قبيلة مسيلمة- خير من صادق مضر- قبيلة محمد صلى الله عليه وسلم- ، وكذلك قال عيينة بن حصن الفزاري لحليفة طليحة بن خويلد الأسدي: إنك كذاب ولكن نبي من الحليفين خير من نبي من قريش.

هذه هي إذن العصبية التي ذمها النبي - صلى الله عليه وسلم - ذمًا شديدًا، وأمر بإماتتها في أحاديث كثيرة [انظر صحيح مسلم بشرح النووي]، وإذا كانت بوادر الردة قد ظهرت قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول وجه جهده لما هو أشد منها خطرًا وهو تهديد الروم، حيث أرسل في أواخر حياته بعث أسامة إلى حدود الروم؛ ليلفت نظر الصحابة - رضوان الله عليهم- إلى أن الخطر الأكبر على دعوتهم ودولتهم هم الروم والفرس، أما أمر الردة فسيكون - رغم فداحته - القضاء عليه ممكنًا.

ولقد بدأت الحركة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  من القبائل العربية القريبة من المدينة مثل عبس وذبيان وغطفان...الخ فهؤلاء عندما سمعوا بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  وأن الصحابة قد اختاروا أبا بكر رضي الله عنه؛ ليخلف الرسول صلى الله عليه وسلم ، أرسلوا وفدًا إلى المدينة لتقديم واجب العزاء في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم - وهو الأهم عندهم - رفضهم دفع الزكاة إلى الخليفة الأول؛ لأنهم يعدونها إتاوة، ودفعها ينقص من كرامتهم، ولم يدركوا مغزاها الاجتماعي العظيم، حيث تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، ثم إنها ركن من أركان الإسلام، فلما عرضوا مطلبهم رفضه الصديق بشكل قاطع، ولم يستجب لمن كان يرى من الصحابة مسايرتهم وقبول مطلبهم، لا سيما وأن المدينة مكشوفة عسكريًا، حيث كان جيش أسامة بن زيد قد توجه إلى الشام طبقًا للخطة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي عبر عن هذا الرأي هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، غير أن الصديق رد على عمر ردًا حازمَا، بل قاسيًا، حيث قال له:" ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ ... والله لو منعوني عقالًا- الحبل الذي يجر به البعير أو يربط - لجاهدتهم عليه" [تاريخ الطبري: مصدر سابق].

 لقد افتتح أبو بكر عهده بقوله: "إنما أنا متبع وليست بمبتدع" يعني أعلن أنه سيسير على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأني به يتمثل موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد ثقيف عندما جاءوه يعلنون إسلامهم، وطلبوا منه أن يعفيهم من الصلاة، فرفض ذلك في حسم، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا خيرَ في دينٍ بلاَ صلاةٍ» [سيرة ابن هشام: ج٤].

ولعل الصديق نفسه - رضي الله عنه - قد قصد ذلك المعنى بقوله: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" فأركان الإسلام ليست للمساومة، ولا للتفريط مهما كانت الأحوال.

ولقد برهن الصديق - رضي الله عنه - على جدارته بحمل المسؤولية التي نيطت به وعلى نفاذ بصيرته، فما أن انصرف وفد القبائل التي امتنعت عن دفع الزكاة حتى جمع الصحابة وأخبرهم أنه رأى الغدر في عيون هؤلاء الأعراب، وأنه يتوقع أن يهاجموا المدينة، وإليك ما يُروَى عن موقف الصديق العظيم في هذا الوقت الحرج، قال أبو بكر للصحابة: “إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلًا يأتون أم نهارًا، وأدناهم منكم على بريد - البريد مسافة قدرها نحو عشرين كيلو مترَا - وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم - يعني عدم الزكاة - وأن نوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم فأعدوا واستعدوا"[تاريخ الطبري: مصدر سابق].

 وعلى الفور اتخذ من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة عمليات عسكرية، وشكل أربع فرق؛ لحراسة مداخل المدينة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه على فرقة، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه على فرقة، والزبير بن العوام رضي الله عنه على فرقة وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه على فرقة.

هزيمة مانعي الزكاة

حدث ما توقعه الصديق - رضي الله عنه - فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم مانعو الزكاة المدينة، فوجدوا الصحابة، ويقودهم إمامهم وخليفتهم، في انتظارهم، فهزموهم وردوهم على أعقابهم إلى ذي القصة - مكان شرقي المدينة المنورة - وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، وكان هذا الانتصار - الأول الذي حققه الصديق بحزمه وعزمه- وعون الله تعالى قبل كل شيء - بالغ الأهمية، وكان دليلًا عمليًا على تصميم الخليفة الأول ورجاله على التصدي لكل من يريد النيل من هذا الصرح العظيم الذي بذل الرسول صلى الله عليه وسلم جهده في بنائه.

 اتخذ الصديق من ذي القصة مركزًا؛ لإدارة المعركة ضد حركة الردة بأكملها والتي سيستفحل أمرها [تفاصيل حرب الردة: المصدر السابق].

 في هذه الأثناء كان الجيش الذي قاده أسامة بن زيد قد عاد بعد أن حقق أهدافه التي من أجلها جهزه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهرع الخليفة العظيم بنفسه؛ لاستقبال قائده الشاب، وإعطائه حقه من التكريم والتهنئة على العودة سالمًا، من براثن الأسد - دولة الروم - وبعد أن احتفى الصديق بأسامة وجيشه أنابه عنه في حكم المدينة وعاد هو إلى ذي القصة؛ ليقود معركته ضد المرتدين بعزيمة لا تلين.

أسباب حركة الردة

قبل الحديث عن مواجهة حكومة المدينة حركة الردة مواجهة حاسمة والقضاء عليها يجب أن نعرف أسبابها، ونتساءل: لماذا ارتد أغلب العرب بهذه السرعة بعد أن كانت وفودهم قد تقاطرت وتزاحمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتعلن إسلامها من بعد فتح مكة وحتى وفاته؟ الحق أن أسباب حركة الردة كثيرة، ولكن أهمها أربعة أسباب:

 ا- السبب الأول أن العرب الذين ارتدوا عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان إيمانهم ضعيفًا، أو قل هم لم يكونوا قد آمنوا بل أسلموا، وأذعنوا للقوة الإسلامية الصاعدة، وهذا هو ما تفيده الآية الكريمة: {قَالَتِ لأعراب ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ} [الحجرات: ١٤] 

٢-السبب الثاني: قوة العصبية القبلية عندهم، فمعظم الذين ارتدوا، والتفّوا حول أنبيائهم الكذابين كانوا يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كل قبيلة كانت تريد أن يكون لها نبي من أبنائها حتى لو كان كذابًا! ولقد عبروا عن ذلك بوضوح، فأحد زعماء بني حنيفة قال لمسيلمة بن حبيب: أشهد أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة - وهي القبيلة التي ينتمي إليها - خير من صادق مضر - وهي القبيلة التي ينتمي إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك قال عيينة بن حصن الفزاري عن حليف طليحة بن خويلد الأسدي: نبي من الحليفين خير من نبي من قريش، ومحمد مات وطليحة حي [انظر أخبار طليحة وتنبئه وحروبه: المصدر السابق].

 ٣- السبب الثالث: وهو في غاية الأهمية أن زعماء القبائل وشيوخها كانوا مستفيدين من الوضع القبلي والحياة البدوية القديمة استفادة مباشرة، فحياة معظم القبائل كما سجلتها وقائع أيام العرب في الجاهلية كانت تقوم على الإغارة على القبائل الأخرى وعلى السلب والنهب، وشيوخ القبائل كانوا يحصلون على ربع ما تحصل عليه القبيلة في إغاراتها وهي ما كان يسمى المرباع، كذلك قام شيوخ القبائل بدور كبير في إذكاء حركة الردة وحرضوا أبناءها على ذلك؛ لتستمر سيطرتهم وفوائدهم المادية الكبيرة.

٤-السبب الرابع: تحريض الدول الكبرى المجاورة لبلاد العرب - فارس والروم - على الردة؛ للقضاء على الإسلام في مهده، فهذه الدول كانت تعي تمامًا معنى قيام دولة عربية إسلامية مستقلة في بلاد العرب وأن هذا سيقضي على نفوذها واحتلالها لبلاد العرب، فالفرس كانوا يحكمون العراق واليمن حكمًا مباشرًا، ونفوذهم في كل منطقة الخليج لا يقاوم، وهم يسمونه الخليج الفارسي تعبيرًا عن السيطرة والهيمنة، ولا يعترفون للعرب بأي دور في شئونه، كذلك كان الروم يحكمون الشام ومصر وما والاها غربًا حكمًا مباشرًا. وكانت السياسة القديمة التي اتبعتها هاتان الدولتان الكبيرتان هي ردع العرب بالعرب، فالفرس أقاموا على أرض العراق الجنوبي إمارة عربية هي إمارة المناذرة الذين كانوا يحكمون الحيرة؛ لتدرأ عنهم إغارات العرب على بلادهم، وأمام الروم أيضًا إمارة عربية في جنوب الشام؛ لتدفع عنهم إغارات القبائل العربية على بلادهم.

واستراحت الدولتان لهذا الأسلوب وظنته ناجحًا دائمًا وحاولت تطبيقه في الحالة الإسلامية، فقد اعتمد الروم على الغساسنة وفشلوا، وكذلك كان حال الفرس، فقد حرض الفرس عرب الخليج على الردة، ثم أمدوا سجاح بنت الحارث اليربوعية التميمية، والتي ادعت النبوة بأربعين ألف رجل جاءت بهم من شمال العراق؛ لتحارب حكومة المدينة ولتقضي على الإسلام، وهذا مثل صارخ على تدخل الفرس في حروب الردة؛ لأن سجاح ادعت النبوة الكاذبة وهي عند أخوالها في بني تغلب في شمال العراق، فلماذا لم تبق هناك وتبلغ رسالتها الكاذبة لأهلها، ولماذا أتت إلى جزيرة العرب التي كانت تعج بالأنبياء الكذابين؟ فقد كان هناك مسيلمة الكذاب في بني حنيفة في منطقة اليمامة، وكان هناك طليحة بن خويلد الأسدي في بُزاخة، وهناك الأسود العنسي في اليمن، وهناك لقيط بن مالك في عمان، ألم يكن هذا العدد من الأنبياء الكذابين كافيًا لجزيرة العرب حتى تأتي سجاح من العراق؟ لكن الفرس سلّحوها وحرّضوها؛ لتسهم في القضاء على الإسلام [تاريخ الطبري: مصدر سابق].

 والروم فعلوا الشيء نفسه، فقد تكررت اعتداءاتهم على المسلمين بدءًا من غزوة مؤتة سنة ٨هـ وفي حروب الردة اعتدوا على أحد جيوش المسلمين الذي كان يقوده خالد بن سعيد بن العاص في منطقة تيماء في شمال الحجاز وهزموه وقضوا على معظم جنوده.

هذا هو مسلك الدول الاستعمارية في كل زمان ومكان، ولما فشلت محاولاتهم ونجح أبو بكر الصديق رضي الله عنه في القضاء على حركة الردة - كما سنشرح قريبًا - تدخلوا - الفرس والروم - تدخلًا مباشرًا للقضاء على الإسلام، فكان المسلمون على وعيٍ بكل ما يدبر لهم، وسيبدأ الصراع بين المسلمين وبين كل من الفرس والروم، ولن يتوقف إلا بعد القضاء على دولة الفرس قضاءً مبرمًا وإقصاء الروم عن الشام ومصر وشمال إفريقيا إلى الأبد.

هذه هي أهم أسباب حركة الردة، فكيف واجه الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الموقف العصيب؟

المواجهة السِّلميِّة

دلت وقائع حروب الردة، بل وقائع خلافة الصديق - رضي الله عنه - من أولها إلى آخرها أنه كان واعيًا للموقف كله وعيًا عميقًا، ومدركًا كل أبعاده فهو أقرب الصحابة قاطبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم فهمًا لمقاصد الرسالة الإسلامية وأهدافها والأخطار المحيطة بها، تصرف طبقًا لفهمه لهذا كله، وفعل ما كان يمكن أن يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لو واجه قبيل وفاته هذا الموقف، فقد رأى أن حركة الردة قد استفحلت واتسع نطاقها، فقرر مواجهتها بكل حزم وعزم دون هوادة؛ لأنه يعرف طبيعة العرب والتراجع أمامهم ولو خطوة واحدة صغيرة قد يجر تراجعات لا تنتهي.

بدأ أبو بكر - رضي الله عنه - مواجهة الموقف مواجهة سلمية، وكان بارعًا ورائعًا في ذلك، فقد كتب إلى العرب المرتدين يبصرهم بخطورة ما أقدموا عليه، وذكرهم بما أكرمهم الله به من الإسلام وبما أعزهم به بعد ذلة، فخير لهم أن يعودوا إلى رشدهم وإلى دين ربهم وإلى وحدتهم السياسية التي حققها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليكونوا أمة محترمة لها رسالة في الحياة ودور تؤديه في التاريخ، وهذا لم يتحقق لهم في كل تاريخهم السابق ، وفي الوقت نفسه إذا لم يعودوا إلى صوابهم ويقلعوا عن ردتهم فإنه لن يتوانى في قمع الحركة والقضاء عليها.

وأرسل لهم خطابًا  بنص موحَّد يُقرأ على كل القبائل، ونص الخطاب طويل وسنكتفي منه بالجزء الأخير الذي قال فيه: "وإني بعثت إليكم جيشًا من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ،وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكفّ وعمل عملًا صالحًا قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم[الخطاب كاملًا: المصدر السابق].

المواجهة العسكرية

كان أبو بكر على يقين أن اللجاجة والعناد قد أخذت العرب المرتدين كل مأخذ، ومع ذلك قرر أن يعذر إليهم وفي الوقت نفسه بدأ استعداداته العسكرية؛ لمواجهة الموقف مواجهة أذهلت ولا زالت تذهل وتبهر المؤرخين [الصديق أبو بكر: الدكتور محمد حسين هيكل].

كيف ومن أين واتت الشجاعة ذلك الرجل الوديع الرقيق؛ ليواجه حركة عمت جزيرة العرب التي تقرب مساحتها من ثلاثة ملايين كيلو متر، بهذه القوة وهذا الإقدام وهذه الجسارة، وأين كانت تختبئ تلك العبقرية الفذة في مواجهة وإدارة هذا الصراع الخطير؟ إن العبقرية البكرية كانت موجودة، ولكنها كانت مدخرة لعمل ذلك اليوم، كانت عبقرية الصديق تتوارى خجلًا من عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بربه جاءت اللحظة التي تجلت فيها عظمة الصديق، وهي بدورها ثمرة من ثمار تربية محمد صلى الله عليه وسلم لرجاله؛ ليؤدوا دورهم العظيم في التاريخ، وليقيموا صرح الإسلام ويحققوا للناس، كل الناس، العدل والحرية والكرامة.

  ذكرنا فيما سبق أن أبا بكر رضي الله عنه اتخذ من ذي القصة ميدانًا عسكريًا؛ لمواجهة حركة الردة، بل كتب هذا الكتاب السلمي من الميدان، ولما كان احتمال الحرب أقوى وأقرب من أن يستجيب العرب المرتدون لدعوته السلمية فقد جهز بعبقرية عسكرية فذة أحد عشر جيشًا في وقت واحد؛ لتغطية كل جزيرة العرب بالجيوش، وليشغل كل تجمع قبلي بالدفاع عن نفسه، ولم يترك لهم فرصة للتجمع والتكتل ضده، وتوزيع تلك الجيوش التي اختار لها أشجع وأمهر قواده يدعو إلى الإعجاب والإكبار كان توزيع الجيوش كالآتي:[ تفاصيل ذلك كله في تاريخ الطبري، مصدر سابق جـ ٣ ص ٢٤٩ وما بعدها]

١-    أول وأعظم جيوش أبي بكر رضي الله عنه أسند قيادته إلى سيف الله خالد بن الوليد وأمره بقتال المرتدين من بني أسد وحلفائهم من غطفان الملتفين حول نبيهم الكذاب طليحة بن خويلد الأسدي في بزاخة، فإذا انتهى منهم توجه إلى قتال المرتدين من بني تميم في البطاح إلى الشرق من آبار بني أسد.

٢-    ثاني الجيوش أسند أبو بكر قيادته إلى عكرمة بن أبي جهل وأمره بالتوجه إلى اليمامة حيث مسيلمة الكذاب في بني حنيفة وأمره ألا يقاتله بل يشغله فقط؛ لأن أبا بكر كان يعرف قوة جيوش مسيلمة وأنها فوق طاقة عكرمة.

٣-    ثالث الجيوش قاده شرحبيل بن حسنة وكان مددًا لجيش عكرمة.

٤-    الجيش الرابع قاده العلاء بن الحضرمي؛ للقضاء على الردة في البحرين وما والاها.

٥-    الجيش الخامس أسند أبو بكر رضي الله عنه قيادته إلى حذيفة بن محصن وأمره بقتال المرتدين في ديار جنوب شرق شبه جزيرة العرب.

٦-    الجيش السادس قاده عرفجة بن هرثمة وأمره بقتال المرتدين في مهرة، في جنوب جزيرة العرب.

٧-    الجيش السابع أسند أبو بكر رضي الله عنه قيادته إلى المهاجر بن أبي أمية المخزومي وأمره بقتال المرتدين في اليمن.

٨-    الجيش الثامن قاده سويد بن مقرن وكانت وجهته قتال المرتدين في تهامة اليمن على ساحل البحر الأحمر.

٩-    الجيش التاسع قاد عمرو بن العاص وأمره أبو بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى قتال قبائل قضاعة في شمال جزيرة العرب.

١٠-   الجيش العاشر قاده معن بن حاجز وكانت مهمته القضاء على الردة في قبائل هوازن وبني سليم.

الجيش الحادي عشر بقيادة خالد بن سعيد بن العاص وأمره أبو بكر أن يعسكر في منطقة تيماء؛ ليراقب تحركات الروم وأمره بعدم القتال، لكن الروم استدرجوه إلى داخل الشام وهزموه وقضوا على معظم جنوده - كما سبقت الإشارة - مما يعكس نيتهم في القضاء على الإسلام والمسلمين قضاءً تامًا

أشهر معارك حركة الردة

لم يستجب المرتدون العرب لدعوة أبي بكر رضي الله عنه السلمية، وركبوا رؤوسهم ولعله كان يتوقع منهم ذلك، ولذلك قرن خطابه السلمي النصوح لهم بالاستعداد العسكري الكبير، والذي ظهرت فيه عبقريته الفذة في ذلك التوزيع الجغرافي للقوات، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجيوش الأحد عشر التي حضّرها ثمانية منها ذهب إلى جنوب وشرق جزيرة العرب، وثلاثة فقط إلى الشمال، والسبب في ذلك الرعب الذي أحدثه جيش أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم  قد أمر بإنفاذه قبيل وفاته للذهاب إلى الحدود الشمالية؛ لتثبيت هيبة المسلمين في عيون الروم والقبائل الموالية لهم والذي لم يتيسر ذهابه؛ لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان أول قرار اتخذه الخليفة الأول أبو بكر إنفاذ ذلك الجيش، فلما مر بالقبائل في شمال شبه جزيرة العرب خافوا وقالوا: "لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا ذلك الجيش في ذلك الوقت إلى ذلك الوجه البعيد" [أخبار جيش أسامة: تاريخ الطبري ج٣ ص٢٤٩].

  رفض المرتدون دعوة الصديق السلمية فكان على الجيوش أن تتحرك، وكان أول الجيوش حركة هو جيش خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وكانت وجهته الأولى القضاء على ردة بني أسد وحلفائهم من غطفان وغيرهم، والذين يقودهم نبيهم الكذاب طليحة بن خويلد الأسدي، وكانت تعليمات أبي بكر لسيف الله ابن الوليد أن ينكل بهم؛ ليكونوا عبرة لغيرهم. [المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٥٣ وما بعدها]

 وقد استطاع خالد وجنوده الأبطال أن يهزموا هذا التجمع القبلي الخطير هزيمة منكرة، وفرّ نبيهم الكذاب [لقد أسلم طليحة بعد ذلك في عهد الصديق نفسه، وقام بدور عظيم في الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بت الخطاب رضي الله عنه]، وتركهم لمصيرهم البائس وبعد أن قضى خالد بن الوليد على قوات بني أسد وحلفائهم اتجه طبقًا لتعليمات أبي بكر إلى بني تميم في منطقة البطاح، وقضى أيضًا على ردتهم، وهنا دعت الضرورة ليذهب إلى اليمامة؛ لمواجهة أخطر المرتدين على الإطلاق مسيلمة بن حبيب – الكذاب.

معركة اليمامة

اليمامة تعبير جغرافي يطلق على الهضبة الوسطى من شبه جزيرة العرب، وهي إقليم نجد الذي توجد فيه الآن الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.

ويقال سميت تلك المنطقة باليمامة على اسم امرأة اسمها اليمامة بنت سهم بن طسم، ويقول أهل السير: كانت منازل طسم وجديس باليمامة [معجم البلدان: ياقوت الحموي ج٥ ص ٢٥٣].

كانت تلك هي المنطقة التي توفرت فيها قوات مسيلمة الكذاب، وقد سبقت الإشارة أن أبا بكر رضي الله عنه أرسل جيشين لشغل مسيلمة وهما جيش عكرمة بن أبي جهل ثم أردفه بجيش شرحبيل بن حسنة لكن كانت أوامره صريحة بعدم الاشتباك معه، ولكنهما خالفا أوامره واشتبكا معه ولم يستطيعا الصمود أمامه فانهزما، وهنا أحس الصديق أنه ليس لهذا الرجل العنيد وجيشه الجرار إلا سيف الله خالد بن الوليد، ومن حسن الحظ أن خالدًا  كان قد أنجز مهماته في بزاخة والبطاح وأصبحت انتصاراته على كل لسان، ودوى اسمه في جزيرة العرب فجاءته الأوامر من الصديق بالتوجه إلى اليمامة؛ لكسر شوكة مسيلمة ومن معه.

 امتثل القائد البطل لأوامر الخليفة العظيم، وتوجه بقواته إلى اليمامة عبر صحراء قاحلة لمسافة تقترب من ألف كيلو متر، ويقال كان عدد قواته ثلاثة عشر ألفًا ، فيما كانت قوات مسيلمة تفوق الأربعين ألفًا ، ودارت معارك شرسة كادت الهزيمة تحل بالمسلمين فيها، وهنا زأر خالد زئير الأسد ونادى بأعلى صوته بشعار المسلمين يومئذ: وامحمداه ، فأشعل جذوة الإيمان في قلوب الجيش فأقبل على القتال دون تفكير في الحياة، وحملوا على المرتدين حملة صادقة فضربوهم في معركة عقرباء التي تعد أهم وأخطر معارك الردة، وقتل زعيمهم وكذابهم مسيلمة وقتل معه نحو عشرين ألفًا، ومن بقي منهم على قيد الحياة، استسلم للقائد البطل خالد بن الوليد[تراجع تفاصيل حروب خالد بن الوليد مع مسيلمة في تاريخ الطبري جـ ٣].

أما شهداء المسلمين فكانوا ألفًا ومائتين، كان منهم عدد من القراء [حفظة القرآن الكريم].

 ليس في وسعنا في هذا الحيز أن نتحدث عن بقية حروب الردة بالتفصيل، ويكفي أن نقول إن جميع القادة الذين وردت أسماؤهم فيما سبق قد أنجزوا مهامهم بنجاح كبير وأبلوا أحسن البلاء.

وقبل مضي عام من بدء الحرب على المرتدين تم القضاء على حركتهم قضاءً تامًا، وعادت شبه جزيرة العرب إلى الوحدة الدينية والسياسية تحت لواء أبي بكر كما كانت في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وانتصرت مبادئ الإسلام على العصبية القبلية ودعاوى الجاهلية، وانتشر سلطان الإسلام في جزيرة العرب، وبدأوا يخرجون إلى العالم؛ ليؤدوا الدور العظيم الذي أدوه في تاريخ البشرية، لأنه ما كاد أبو بكر ينتهي من قمع حركة الردة حتى وجد نفسه مضطرًا لمواجهة الفرس والروم، الذين لما رأوا مشروعهم في القضاء على الإسلام بالعرب المرتدين قد فشل بدأوا التدخل المباشر ضد المسلمين في العراق والشام في وقت واحد.

وكما واجه أبو بكر رضي الله عنه حركة الردة بكل حزم وجرأة، واجه الفرس والروم معًا بنفس الحزم والجرأة والشجاعة، ودارت في أواخر عهده معارك كبيرة مع هاتين القوتين الكبيرتين واستمرت في عهد خلفه، ولم تتوقف إلا بعد أن أجهز المسلمون على دولة الفرس ثم أجلوا الروم عن الشام ومصر إلى الأبد.

الخلاصة

حركة الردة تشير إلى رجوع بعض القبائل العربية عن الإسلام بعد انتقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بدأت هذه الحركة مع انتشار ادعاءات النبوة من قبل عدة أفراد، مثل مسيلمة وطليحة، وتحركت بعض القبائل في رفض دفع الزكاة، معتبرين ذلك إتاوة، ولكن سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه تصدى لهذه الحركة بجمع الصحابة، وتأسيس جيش لمواجهتها، مؤكدًا على أهمية الصلاة والزكاة كأركان أساسية للإسلام.

موضوعات ذات صلة

وفاة النبي ﷺ كانت فاجعة لا مثيل لها.

هو اتفاقٌ جرى بين النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- وقريش في السنة السادسة للهجرة.

جاء فتح مكة تحقيقا للبشارة، وكان ذلك في العاشر من رمضان سنة ٨ هـ.

موضوعات مختارة