كان أبو
بكر على يقين أن اللجاجة والعناد قد أخذت العرب المرتدين كل مأخذ، ومع ذلك قرر
أن يعذر إليهم وفي الوقت نفسه بدأ استعداداته العسكرية؛ لمواجهة الموقف مواجهة
أذهلت ولا زالت تذهل وتبهر المؤرخين [الصديق
أبو بكر: الدكتور محمد حسين هيكل].
كيف
ومن أين واتت الشجاعة ذلك الرجل الوديع الرقيق؛ ليواجه حركة عمت جزيرة العرب التي
تقرب مساحتها من ثلاثة ملايين كيلو متر، بهذه القوة وهذا الإقدام وهذه الجسارة،
وأين كانت تختبئ تلك العبقرية الفذة في مواجهة وإدارة هذا الصراع الخطير؟ إن
العبقرية البكرية كانت موجودة، ولكنها كانت مدخرة لعمل ذلك اليوم، كانت عبقرية
الصديق تتوارى خجلًا من عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما لحق الرسول
صلى الله عليه وسلم بربه جاءت اللحظة التي تجلت فيها عظمة الصديق، وهي
بدورها ثمرة من ثمار تربية محمد صلى الله عليه وسلم لرجاله؛ ليؤدوا دورهم
العظيم في التاريخ، وليقيموا صرح الإسلام ويحققوا للناس، كل الناس، العدل والحرية
والكرامة.
ذكرنا فيما سبق أن أبا بكر رضي الله عنه
اتخذ من ذي القصة ميدانًا عسكريًا؛ لمواجهة حركة الردة، بل كتب هذا الكتاب
السلمي من الميدان، ولما كان احتمال الحرب أقوى وأقرب من أن يستجيب العرب المرتدون
لدعوته السلمية فقد جهز بعبقرية عسكرية فذة أحد عشر جيشًا في وقت واحد؛ لتغطية كل
جزيرة العرب بالجيوش، وليشغل كل تجمع قبلي بالدفاع عن نفسه، ولم يترك لهم فرصة
للتجمع والتكتل ضده، وتوزيع تلك الجيوش التي اختار لها أشجع وأمهر قواده يدعو إلى
الإعجاب والإكبار كان توزيع الجيوش كالآتي:[ تفاصيل ذلك كله في تاريخ الطبري، مصدر سابق جـ ٣ ص ٢٤٩ وما
بعدها]
١- أول وأعظم جيوش أبي بكر رضي الله عنه أسند قيادته
إلى سيف الله خالد بن الوليد وأمره بقتال المرتدين من بني أسد وحلفائهم من
غطفان الملتفين حول نبيهم الكذاب طليحة بن خويلد الأسدي في بزاخة، فإذا
انتهى منهم توجه إلى قتال المرتدين من بني تميم في البطاح إلى الشرق من
آبار بني أسد.
٢- ثاني الجيوش أسند أبو بكر قيادته إلى عكرمة بن
أبي جهل وأمره بالتوجه إلى اليمامة حيث مسيلمة الكذاب
في بني حنيفة وأمره ألا يقاتله بل يشغله فقط؛ لأن أبا بكر كان يعرف قوة
جيوش مسيلمة وأنها فوق طاقة عكرمة.
٣- ثالث الجيوش قاده شرحبيل بن حسنة وكان مددًا
لجيش عكرمة.
٤- الجيش الرابع قاده العلاء بن الحضرمي؛ للقضاء
على الردة في البحرين وما والاها.
٥- الجيش الخامس أسند أبو بكر رضي الله
عنه قيادته إلى حذيفة بن محصن وأمره بقتال المرتدين في ديار جنوب شرق شبه
جزيرة العرب.
٦- الجيش السادس قاده عرفجة بن هرثمة وأمره
بقتال المرتدين في مهرة، في جنوب جزيرة العرب.
٧- الجيش السابع أسند أبو بكر رضي الله عنه قيادته
إلى المهاجر بن أبي أمية المخزومي وأمره بقتال
المرتدين في اليمن.
٨- الجيش الثامن قاده سويد بن مقرن وكانت
وجهته قتال المرتدين في تهامة اليمن على ساحل البحر الأحمر.
٩- الجيش التاسع قاد عمرو بن العاص وأمره
أبو بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى قتال قبائل قضاعة في شمال جزيرة العرب.
١٠- الجيش العاشر قاده معن بن حاجز وكانت
مهمته القضاء على الردة في قبائل هوازن وبني سليم.
الجيش الحادي عشر بقيادة خالد بن سعيد بن العاص وأمره أبو بكر أن
يعسكر في منطقة تيماء؛ ليراقب تحركات الروم وأمره بعدم القتال، لكن الروم
استدرجوه إلى داخل الشام وهزموه وقضوا على معظم جنوده - كما سبقت الإشارة - مما
يعكس نيتهم في القضاء على الإسلام والمسلمين قضاءً تامًا