حصن بابليون هو حصن تاريخي مهم في مصر، ذكره ياقوت الحموي باسم مرتبط بمدينة الفسطاط، تأسس الحصن في العصر الفارسي ثم أكمله الرومان، ولعب دورًا محوريًّا في الحروب التي سبقت الفتح الإسلامي لمصر.
حصن بابليون هو حصن تاريخي مهم في مصر، ذكره ياقوت الحموي باسم مرتبط بمدينة الفسطاط، تأسس الحصن في العصر الفارسي ثم أكمله الرومان، ولعب دورًا محوريًّا في الحروب التي سبقت الفتح الإسلامي لمصر.
ضبط ياقوت هذه اللفظة بالحروف قائلا: (الباء الثانية مكسورة، واللام ساكنة، وياء مضمومة، وواو ساكنة،
ونون). [ياقوت الحموي: معجم البلدان، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، طبعة دار الكتب العلمية -بيروت، ١٤١٠ه/ ١٩٩٠م، ج١، ص٣٧٠(رقم١٢٦٩)]. [ورسمها محمد رمزي بطريقة مختلفة هكذا (باب أليون)، وجعلها مساوية ل (بابليون)، وذكر أنها قرية بمصر، وقعت بها وقعة في أيام الفتوح. (محمد رمزي. القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة ٩٤٥ ١م، البيئة المصرية العامة للكتاب، ٩٩٤ ١م، القسم الأول ص ١٣٨)].
ثم عرفها بقوله: (اسم عام لديار مصر بلغة القدماء، وقيل: هو اسم لموضع الفسطاط خاصة).
قال المؤرخ ابن عبد الحكم، نقلًا عن الليث بن سعد: أسست الفرس بناء حصن بابليون بفسطاط مصر - أي: بالناحية التي أقيمت بها مدينة الفسطاط - فلما انكشفت جيوش الفرس عن الروم، وأجلتهم الروم عن الشام ومصر قام الروم بإتمام بناء ذلك الحصن، وظلت مصر خاضعة لهم حتى الفتح الإسلامي [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، تحقيق: توري، ليدن .١٩٢م، ص ٣٤- ٣٥].
يرى المستشرق (بتلر) أن الإمبراطور الروماني (تراجان) أتى بنفسه إلى مصر سنة ١٠٠م، وبنى بها هذا الحصن، وجعل فيه قلعة منيعة قوية مزودة بمياه كثيرة؛ حفاظًا عليه من ثورات الثائرين المعادين لحكمه
[بتلر: فتح العرب لمصر، تعريب: محمد فريد أبي حديد، سلسلة تاريخ المصرين (رقم ٢٧)، الهيئة المصرية العامة للكتا ب، ١٩٨٩م، ج١، ص ٢١٤].
أهميته
يذكر المقريزي أن بقايا الحصن تعرف ب (قصر الشمع)، وب (الكنيسة المعلقة)، وبه كان ينزل حاكم مصر من قبل ملوك الروم، إلى أن يعود لمقره الرئيسي في العاصمة (الإسكندرية)، وقد كان مطلًا على نهر النيل، وتصل السفن في النيل إلى الباب الغربي منه (باب الحديد) الذي منه ركب المقوقس سفينة، توجه بها إلى جزيرة الروضة المواجهة للحصن، وذلك بعد تغلب المسلمين على الحصن، الذي كان يجاوره مقياس النيل [المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، د. ت، ج ١، ص ٢٨٦].
بناؤه ومحتواه:
استعمل في بناء ذلك الحصن أحجار جلبت من معابد فرعونية، وأتموا بناءه بالطوب الأحمر (مقاس١٥، ٢٠، ٣٠سم)، وتبلغ مساحة ذلك الحصن الروماني حوالي نصف كيلو متر مربع، ولم يبق من مبانيه سوى الباب القبلي، يحيط به برجان كبيران، حيث بنى فوق أحد البرجين- بالجزء القبلي منه - الكنيسة المعلقة، وبنى فوق البرج الآخر - عند مدخل المتحف القبلي - كنيسة منها: المعلقة، وأبو سرجه، ومار جرجس، والعذراء [الشبكة القومية للمعلومات (الإنترنت) على موقع (جوجل)، موسوعة لويكبيديا].
حول مصطلح (قصر الشمع):
تناول ياقوت، والمقريزي (نقلًا عن القضاعي) هذا المصطلح، وأوضح ياقوت أنه كان في موضع الفسطاط من مصر قبل تأسيس المسلمين لها [ياقوت: معجم البلدان، ج٤، ص ٤٠٦ (رقم ٩٦٨٣)].
وقد بدأ الفرس بناءه بعد تغلبهم على الروم، وتملكهم مصر والشام، وجعلت الفرس في هذا القصر هيكلًا لبيت النار، ثم إنهم لم يتموا بناء الحصن - كما بينت من قبل وأتمته الروم.
وهيكل النار هو القبة المعروفة فيه بقبة الدخان [ياقوت: معجم البلدان، ج٤، ص ٤٠٦ (رقم ٩٦٨٣)]. (ويفسر المقريزي تسميته ب (قصر الشمع) - نقلًا عن الواقدي - بأن هذا القصر كان يوقد عليه الشمع في رأس كل شهر عندما تحل الشمس في برج من الأبراج؛ فيعلم الناس أن الشمس انتقلت من البرج الذي كانت فيه إلى برج آخر غيره [ياقوت: معجم البلدان، ج٤، ص ٤٠٦ (رقم ٩٦٨٣)].
ولبتلر رأي آخر في تعليل تلك التسمية، لعله الأقرب إلى المنطق، وهو أن الصروح العالية كانت تتخذ في وقت الحروب مراقب ترسل منها الإشارات عن طريق منارات توقد فيها النيران) [بلتر: فتح العرب لمصر، ج ١، ص ٠٢١٦].
وينقل المقريزي عن القضاعي: أن القصر المعروف ب (باب ليون) يقع في ظاهر الفسطاط، ويعنى: باب (قصر)؛ لأن ليون معناها مصر بلغة السودان والروم، وقد بقيت من بنائه بقية مبنية بالحجارة على طرف الجبل ب (الشرف) [الشرف: قرية بمصر، ينسب إليها علي بن إبراهيم الشافعي الفقيه المتوفى سنة ٠٨ ٥٤، (السمعاني): الأنساب، تحقيق: عبد الله البارودي. دار الجنان - بيروت ٩٨٨ ١م، ج ٣، ص ٠٤١٧ ولم يحدد ياقوت أيضا - المكان بدقة، واكتفى بقوله: موضع بمصر. (معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٨١، رقم ٧٠٦٧)].
ومعنى ذلك - كما يفهم المقريزي - أن قصر باب إليون غير قصر الشمع، فالأخير داخل الفسطاط، والأول خارجها [المقريزي: الخطط، ج ۱، ص ۲۸۷- ۲۸۸]
ويميل بتلر إلى الرأي السابق، حيث يرى أن اسم الحصن (قصر الشمع)، ويضيف جديدًا، وهو أن اسم (بابليون) يطلق على دير صغير على مسافة قليلة من الحصن نحو الجنوب، وهو (دير بابليون) [المقريزي: الخطط، ج ١، ص ٢٨٧- ٠٢٨٨].
وعلى كل، فقد شاع اسم (حصن بابليون) في مصادرنا ومراجعنا التاريخية.
بعد نجاح المسلمين بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه- في فتح (أم دنين)، و (عين شمس) اتجه جيش المسلمين صوب (حصن بابليون)، الذي يمثل الاستيلاء عليه إنجازًا بالغ الأهمية؛ إذ يفتح الطريق نحو العاصمة (الإسكندرية) بعد الإيقاع بعدد من الحصون الموصلة إليها.
نظرًا لما تقدم عزز البيزنطيون قواتهم بقيادة تيودور، وتحت إشراف المقوقس حاكم مصر الديني والمدني من قبل هرقل، وكان الحصن محاطًا بأسوار يبلغ سمكها ثمانية عشر قدمًا، ومحيطها على شكل مربع غير منتظم، ومقدار ارتفاعها نحو ستين قدمًا، إضافة إلى جريان مياه النيل تحت أسوار الحصن، والسفن ترسو هنالك [فتح العرب لمصر، ج ١، ص ٠٢١٥] ، ومما زاد الحصن مناعة وجود جزيرة الروضة الحصينة وسط النهر تملك زمامه، وتحصن بها الروم مدة، ولما طال حصارها هربوا منها، وخرب عمرو بعض أسوارها وأبراجها، وكانت الأسوار محيطة بها، وظلت خرابًا حتى أعاد أحمد بن طولون بناء أسوارها سنة ٢٦٣هـ/٨٦٧م، وقام بتحصينها وأحرز بها حريمه وأمواله [ابن دقماق: الانتصار لواسطة عقد الأمصار، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، د. ت، القسم الأول ص ١٠٩، وفتح العرب لمصر، ج ١ ص ٢١٣].
حشد الروم قادتهم وجنودهم وأسلحتهم ومؤنهم داخل الحصن؛ للدفاع عنه، ومقاومة حصار المسلمين، ونثروا قطع الحديد المدببة الشائكة في طريق المهاجمين، وحفروا خندقًا حول الحصن، وجعلوا له أبوابًا
[ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، ج١، ص١٣]، وقد أغرق الخندق بالمياه وقت الفيضان، فانتظر المسلمون حتى انحسرت مياه الفيضان.
وقد ساعد تأخر وصول المدد إلى الروم، المسلمين، وشرعوا في محاصرة الحصن بدءًا من رمضان سنة ١٩هـ / سبتمبر ٦٤٠م [بتلر: فتح العرب لمصر، ج ٢، ص ٤٨٦]، وبعد شهر من الحصار فر المقوقس وكبار رجاله إلى جزيرة الروضة تحت حماية من الجند، وقطعوا الجسر الموصل إليها؛ حتى لا يلحق بهم أحد، وبعدها لحق به قائد الحصن (الأعيرج)، وبعض الأشراف.
أرسل المقوقس إلى عمرو رسالة تهديد ووعيد، وطالبه بإرسال رجل يفاوضه قبل مجيء جموع الروم، ويبدو أن المفاوضات لم تنجح فتم الاتفاق على مجيء وفد من قبل المقوقس إلى المسلمين، فأجل عمرو لقاءهم مدة؛ حتى يقفوا بأنفسهم على أخلاق المسلمين وقوتهم، ثم عرض عليهم اختيار إحدى ثلاث خصال: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب.
لما رفض المقوقس مطالب المسلمين، تجددت المفاوضات ثانية، فأرسل عمرو وفدًا بقيادة (عبادة بن الصامت) رضي الله عنه فحاور المقوقس طويلًا، مظهرًا نقاء وأصالة وسمو المسلمين، ورقي أهدافهم، وحرصهم على الشهادة، وزهدهم في دنيا الناس [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ص ٦٥- ٦٩].
وقد أثر هذا في معنويات المقوقس ، وحاول إقناع القادة بالصلح ودفع الجزية ، لكنهم لم يقبلوا مدة شهر من الحصار ، ثم عقد صلح رفضه هرقل، فظل المسلمون يحاصرون الحصن، ثم قاموا بالهجوم عليه، حيث نجح الزبير بن العوام، ومحمد بن مسلمة، ومالك بن أبي سلسلة السلامي في صعود سور الحصن عن طريق سلم متحرك، وقابلهم من الجهة الأخرى شرحبيل بن حجية المرادي عن طريق سلم آخر من ناحية زقاق الزمامرة، وتم التعامل مع الحراس، والنزول داخل الحصن وفتح أبوابه، وتتابع جنود المسلمين داخل أرجائه، وذلك بعد حصار دام سبعة أشهر[ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ص ٦٣- ٦٤].
هذا، وقد نصت معاهدة بابليون بين عمرو بن العاص والمقوقس على البنود الآتية [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ص ٧٠]:
١ - فرض الجزية على القبط: بجميع نواحي مصر (أعلاها وأسفلها)، شريفهم ووضيعهم على كل رجل منهم دفع دينارين كل عام، على أن يُعفى من الجزية الشيخ الكبير، والصغير دون الحلم، والنساء، والرهبان الذين يتفرغون للعبادة.
٢- قيام القبط بواجب الضيافة نحو المسلمين النازلين عليهم مدة ثلاثة أيام.
٣- للقبط أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم في شيء منها.
ملاحظة
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعاهدة عقدت - على الراجح - بعد شهر من الحصار (أي: في حوالي شهر شوال سنة ١٩هـ/ أكتوبر سنة ٦٤٠م)، وأوضح المقوقس أنها خاصة بالقبط، ووعد بعرض نصوصها على الروم، فمن وافق منهم لزمته، ومن أراد الخروج عن مصر خرج، وأعلن أنه مرسل وثيقة المعاهدة إلى هرقل، فإن وافق سرت أحكامها على الروم وإلا فلا.
وكانت النتيجة أن هرقل رفض بنودها، ووبخ المقوقس وعنفه، واتهمه بالتخاذل؛ إذ لم يقو- بمن معه من الروم - على إلحاق الهزيمة بالمسلمين. [السابق نفسه: ص ۷۰- ۷۱]
وتذكر بعض المراجع [بتلر: فتح العرب لمصر: ج ١، ص ٢٣٥.]، أنه استدعاه ونفاه؛ جزاء ما قدمت يداه، ولم يمهل القدر المقوقس طويلا؛ إذ مات في صفر سنة ٢٠هـ / الحادي عشر من فبراير سنة٦٤١م) [هارولد إدرس بل الهلينية في مصر، ترجمة: زكي علي: دار المعارف، د. ت ص ١٧٦ ]، ، فأضعف ذلك الروم، وفتّ في عضدهم، وانقسموا على أنفسهم، وانهارت معنوياتهم، واستسلموا بعد طول الحصار ودخول المسلمين الحصن، ونفذت المعاهدة المعقودة من قبل، وتم تسليم الحصن في ربيع الآخر سنة ٢٠هـ / التاسع من إبريل سنة ٦٤١م [بتلر : فتح العرب لمصر، ج ۲، ص ٤٨٦ ]، وهو المعروف ب (تاريخ فتح مدينة مصر).
في أعقاب معاهدة بابليون
١- بعد الاتفاق النهائي على المعاهدة، تم إخلاء الحصن من الجند خلال ثلاثة أيام مع تأمينهم على أرواحهم، ونزول الجند؛ لحمل ما يلزمهم من قوت لبضعة أيام، وبخصوص الذخائر وآلات الحرب، فقد استولى عليها المسلمون، وتم فرض الجزية على أهل المدينة [يوحنا النقيوسي: تاريخ مصر، ترجمه من الحبشية: د. عمر صابر عبد الجليل، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ص ٢٠٤، بتلر: فتح العرب لمصر، ج ١، ص ٢٣٧- ٢٣٨].
٢- حلف عرفاء الناس بالأيمان المؤكدة على الالتزام بما اتفقوا عليه، وتم إحصاء من في مصر من القبط ممن تجب عليهم الجزية، فبلغوا ستة ملايين حصل منهم اثنا عشر مليونًا [ابن عبد الحكم: فتوح مصر ص ٠ ٧. وراجع ما ورد عن وثيقة صلح بابليون لدى الطبري في: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، ط ٥، دار المعارف بالقاهرة ١٩٨٧م، ج ٤، ص ١٠٩، وتعليق د. سيدة كاشف في ((مصرفي فجر الإسلام من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الطولونية). طبعة دار الفكر العربي ١٩، ص ١٨- ١٩، وكتابي: المسلمون في مصر من الفتح الإسلامي حتى نهاية العصر الفاطمي، طبعة دار الهاني ٠٩ ٢٠م، ص ٦٣، وقد رجحت أن المبلغ المذكور (اثنا عشر مليون قيراط لا دينار)].
خاتمة
بعد أن استعرضنا - باختصار وتركيز - ما يتصل بتعريف (بابليون)، وتاريخ إنشائه، وأهميته، وبنائه ومحتوياته، وتحرير مصطلح (قصر الشمع)، ووقائع فتح المسلمين له، ونصوص معاهدته، وما ترتب عليها نختم بقولنا: يقع حصن بابليون - الآن - في منطقة الفسطاط (مصر القديمة) في القاهرة بالمنطقة التي تضم عددًا من الآثار القبطية، قريبًا من جامع (عمرو بن العاص) عند محطة مترو الأنفاق المعروفة ب (مار جرجس).
أسست الفرس بناء حصن بابليون بفسطاط مصر وبقايا الحصن تعرف ب (قصر الشمع)، وب (الكنيسة المعلقة)، واستعمل في بناء ذلك الحصن أحجار جلبت من معابد فرعونية، وأتموا بناءه بالطوب الأحمر وبعد نجاح المسلمين بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه في فتح (أم دنين)، و (عين شمس) اتجه جيش المسلمين صوب (حصن بابليون)، الذي يمثل الاستيلاء عليه إنجازًا بالغ الأهمية.
مصادر ومراجع للاستزادة
١-سير الآباء البطاركة، لساويرس بن المقفع.
٢- حسن المحاضر في تاريخ مصر والقاهرة، للسيوطي.
٣- الكنائس القبطية القديمة في مصر، لبتلر.
٤- فتح العرب لمصر، لبتلر، تعريب محمد فريد أبي حديد.
همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.
أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين.
أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.