كانت الفسطاط تنقسم جغرافيا إلى قسمين: «عمل
أسفل» و «عمل فوق» وكان بكل منها مسجد جامع: جامع عمرو في عمل أسفل وسُميَ لذلك ب
«الجامع السفلاني»، وجامع ابن طولون في عمل فوق وسمى لذلك ب «الجامع الفوقانى».
كان عمل أسفل يمثل المنطقة الجنوبية الغربية
للفسطاط، ورغم كونه أكثر رطوبة، فإنه كان يحوي أغلب مباني المدينة الهامة، ففيه
كان المسجد الجامع ودار الضرب والأسواق والقياسر، وظل هذا الحي الغربي للمدينة
شاهدا على الأحداث الأليمة التي عرفتها الفسطاط طوال تاريخها.
أما
الجزء الآخر للمدينة، فكان يشمل مساحة كبيرة في اتجاه الشرق ويمتد حتى المقابر
القديمة في سفح المقطم، وتمثل بركة الحبش الحد الطبيعي الجنوبي لهذا القسم من
المدينة حيث توجد اليوم ضاحية القاهرة الجنوبية: البساتين، بينما لم يكن لهذ القسم
حد معين؛ ففي ذروة ازدهار ونمو الفسطاط خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة/
العاشر والحادي عشر للميلاد كان هذا القسم يمتد إلى ما يلى الخليج المصريّ في منطقه
يصعب تحديدها تعادل ميدان السيدة زينب الحالي فيما وراء جبل يشكر حيث يوجد منذ القرن
الثالث الهجري/ التاسع الميلادي جامع ابن طولون.
كان هذا
القسم في الأساس حيًّا سكنيًّا رغم حرمانه من المراكز التجارية والحرفية التي كانت مركزة
كلها في القسم الآخر للمدينة القريب من مجرى النيل.
ورغم أن القسمَ الغربي للمدينة أو عمل أسفل قد
دمر أكثر من مرة الا أنه كان يعاد بناؤه دائما ولم يفقد أهميته الاقتصادية
والتجارية، وظل حتى نهاية العصر المملوكي حيث كان يعتبر المدينة الثانية للإقليم
بعد القاهرة بسبب قربه من النيل.
أما القسم الشرقي للمدينة أو عمل فوق فقد دمر
تماما منذ النصف الثاني للقرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي ولم يعاود سكنه
بعد ذلك بسبب الأوبئة والمجاعات والاضطرابات التي اجتاحت مصر كلها في هذه الفترة.
وبسبب
ذلك فقد تخرب القسم الشرقي كله فيما عدا منطقة المشاهد بين المشهد النفيسي وباب
زويلة التي تمثل الضاحية الجنوبية للقاهرة الفاطمية. وطوال العصر الفاطمي (٣٥٨ -
٦٧هـ/٩٦٩ - ١١٧١م) كانت الفسطاط تعد مدينة مصر الرئيسية ومركز نشاطها الاقتصادي والصناعي
والعلمي، بينما كانت القاهرة هي مقر الحكومة الفاطمية ومركز الدولة الإداري والسياسي
والمعقل الرئيسي لنشر الدعوة الإسماعيلية ويكون مجموع المدينتين العاصمة المصرية
في العصر الفاطميّ.