الدولة الحمدانية هي أسرة عربية تأسست في الموصل وحلب واستقلت عن الدولة العباسية خلال فترات ضعفها، وبرزت كقوة إقليمية بارزة تجمع بين الحكم العسكري والإنجازات الثقافية.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الدولة الحمدانية هي أسرة عربية تأسست في الموصل وحلب واستقلت عن الدولة العباسية خلال فترات ضعفها، وبرزت كقوة إقليمية بارزة تجمع بين الحكم العسكري والإنجازات الثقافية.
الحمدانيون أسرة عربية أسست دولة لها في الموصل وحلب، واستقلت عن الدولة العباسية في عصور ضعفها. وينتسب الحمدانيون إلى حمدان بن حمدون وهو من قبيلة تغلب العربية الأصل التي قامت بضواحي مدينة الموصل [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن: ٣/١٢٢]. بداية ثار الحمدانيون على الدولة العباسية، ولكنها عفت عنهم عندما انتصر الحسين بن حمدان على هارون الشاري الخارجي وأسره، وجاء به إلى الخليفة المعتضد (٢٧٩- ٢٨٩ه- ٨٩٢- ٩٠٢م). وقد كان الحمدانيون يمثلون القوة التي تلجأ إليها الخلافة إذا ضاقت بها الأحوال في بغداد، فقد لجأ إليهم الخليفة المتقي (٣٢٩- ٣٣٣ه- ٩٤١- ٩٤٤م) فارًّا من قوات البريدي التي زحفت على العراق، وعجز أمير الأمراء ابن رائق عن الصمود لها، فناصر الحمدانيون الخلافة، وقتلوا ابن رائق وطردوا البريديين، وأعادوا الخليفة إلى عاصمته؛ مما جعل الخليفة المتقي يلقب الحسن بن حمدان بلقب ناصرَ الدولة، ولقَّب أخاه عليًّا بلقب سيف الدولة، وذلك في شهر شعبان سنة (٣٣٠هـ/٩٤٢م)، وقد تولى إمرة الأمراء في بغداد ناصر الدولة أمير الموصل.
لم يستقر الحمدانيون كثيرًا ببغداد؛ لاضطراب أمورها بسبب الحروب الأهلية، وحنق الخليفة علي ناصر الدولة لزيادته الضرائب، مما دفع الخليفة إلى انتهاز فرصة خروج ناصر الدولة إلى الموصل، فاستنجد بتوزون القائد التركي، ومهد له السبيل؛ لدخول بغداد سنة (٣٣١هـ/٩٤٣م).
ولم يستطع زعماء الحمدانيين من العرب البقاء في بغداد أكثر من سنة، واضطروا للعودة للموصل، ومع ذلك ظلت علاقة الحمدانيين حسنة بالخلافة على الرغم من محاولة البويهيين إزالتهم عن إمارتهم.
وفي حلب امتاز عهد سيف الدولة بكثرة حروبه مع البيزنطيين، وكان جهاد الحمدانيين ضد الروم من أبرز الأعمال التي خلدت ذكرى هذه الدولة، وكان ممن خلدوا ذكر الحمدانيين -أيضًا: أبو الطيب المتنبي، وأبو فراس الحمداني.
وعندما أراد سيف الدولة أن يوسع ملكه بالشام؛ ليتمكّن من تقوية جبهته أمام الروم، امتد بنفوذه إلى دمشق، الأمر الذي أدى إلى حرب مع الإخشيد، انتصر فيها الإخشيد (٣٢٣- ٣٣٤هـ/٩٣٤- ٩٤٦م)، وتوصلا أخيرًا إلى صلح يدفع بموجبه الإخشيد جزية سنوية للحمدانيين مقابل احتفاظه بدمشق.
بدأت الدولة الحمدانية في التفكك بعد سيف الدولة، ووقعت في صراعات داخلية أُسرية أدت إلى أن يستعين بعضهم على بعض بالروم والعُبيديين (الفاطميين). ثم سقطت أخيرًا تحت الضغط العبيدي المتعاظم في مصر، والنفوذ البويهي من جهة العراق، فورثها العبيديون في النهاية.
ينتسب الحمدانيون لقبيلة تغلب بن وائل التي ينتهي نسبها إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وقد كانت (تغلب) تعتنق النصرانية قبل الإسلام وكانت مواطنهم في الجزيرة وديار ربيعة ثم ارتحلوا مع هرقل إلى بلاد الروم، ثم رجعوا إلى بلادهم، وفرض عليهم عمر بن الخطاب الجزية، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا تذلنا بين العرب باسم الجزية، واجعلها صدقة مضاعفة ففعل.
غير أنَّا نجدهم في أواخر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي مسلمين، وقد كانت الحالة المادية سيئة، فاضطُرَّ قسم كبير منهم إلى الهجرة، فهاجروا إلى البحرين، وبقي جزء منهم في الجزيرة وبلاد العراق، هذا القسم هو الذي قاد لواء اليقظة الفكرية والسياسية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين/التاسع والعاشر الميلاديين، والذي تزعم هذه اليقظة هم بنو حمدان من تغلب. [تاريخ عصر الخلافة العباسية، يوسف العش ص١٩٩ ،٢٠٠]
كان حمدان بن حمدون جد الأمراء الحمدانيين عاملًا على الموصل للمعتضد بالله العباسي، ثم استقل الحمدانيون عن الدولة العباسية بقيادة ناصر الدولة الحسن في سوريا، وبقي ولاة الحمدانيين في الموصل موالين للخليفة في بغداد، وكان أشهر قادتهم سيف الدولة الحمداني، الذي ضم حلب وحمص إلى سلطانه عام (٣٣٣ه/٩٤٥م)، وأمضى معظم فترة حكمه في غزوات ضد البيزنطيين الصليبيين في الشمال، وقد ازدهرت حلب وشمال الشام في عهد سيف الدولة، ففي بلاطه كتب المتنبي أشهر قصائده، وكذلك أبو فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة، الذي أسره الروم خلال إحدى المعارك، وقد اشتدت الحرب مع البيزنطيين في عهد سعد الدولة (٣٥٧- ٣٨١ه/ ٩٦٧- ٩٩١م)، وبدأت النزاعات مع الفاطميين في الجنوب في عام ٣٩٣ه/١٠٠٢م، وبدأ الحمدانيون يفقدون سيطرتهم على السلطة التي انتقلت فيما بعد إلى الفاطميين [بالنسبة للحمدانيين، المتأمل في أمر التشيع عندهم يجد أنهم يغلب عليهم التشيع السياسي، بسبب تملك الدول الباطنية في تلك الفترة لمعظم البلاد الإسلامية. فهم استخدموا هذا التشيع السياسي في تثبيت الملك]
١- ناصر الدولة أبو محمد الحسن (٣١٧هـ/ ٩٢٩م).
٢- عدة الدولة أبو تغلب الغضنفر (٣٥٨- ٣٦٩هـ/ ٩٦٨- ٩٧٩م).
٣- أبو طاهر إبراهيم (٣٧١هـ/ ٩٨١م). [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن: ٣/١٢٠،١٢١]
٤- أبو عبد الله الحسين. (٣٨٠هـ/ ٩٩١م). ٠
ولاة الدولة الحمدانية في حلب:
١-سيف الدولة أبو المحاسن علي (٣٣٣هـ/ ٩٤٤م).
٢-سعد الدولة أبو المعالي شريف (٣٥٦هـ/ ٩٦٧م).
٣- سعيد الدولة أبو الفضائل سعد (٣٨١هـ/ ٩٩١م).
٤- أبو الحسن علي (٣٩٢هـ/١٠٠١م).
٥- أبو المعالي شريف (٣٩٤هـ/١٠٠٣م) [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن: ٣/١٢٠،١٢١]
قام حمدون بدور مهم في الحوادث السياسية منذ سنة٢٦٠هـ/٨٧٣م؛ فقد تحالف مع هارون الشاري الخارجي في سنة ٢٧٢هـ/٨٨٥م، واستولى على قلعة ماردين بعد ذلك بقليل؛ لذا حاربه الخليفة المعتضد في سنة (٢٨١هـ/٨٩٤م)، فهرب حمدان تاركًا ابنه الحسين عليها، واستولى الخليفة على ماردين، وطارد حمدان وظفر به بعد قليل، فسجنه في بغداد، واستمر في سجنه حتى هزم ابنه الحسين هارون الخارجي حليف أبيه؛ فعفا الخليفة عن حمدون، ووزع الأعمال عليه وعلى أولاده [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن: ٣/١٢٢]
الحمدانيون في الموصل:
قلّد الخليفة المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان إمارة الموصل وما يليها في سنة (٢٩٢ه/٩٠٤م)، وولَّى أخاه إبراهيم ديار ربيعة في سنة (٣٠٧هـ/٩١٩م)، فظلَّ بها إلى أن خلفه عليها أخوه داود سنة (٣٠٩هـ/٩٢١م). كما ولَّى أخاه سعيدًا نهاوند في سنة (٣١٢هـ/٩٢٤م)، وقلّد غيرهم من بني حمدان بعض مناصب الدولة، وأناب عبد الله بن حمدان ابنه ناصر الدولة الحسن عنه في الموصل (٣٠٨هـ/٩٢٠م)، واستطاع أن يحتفظ بنفوذه فيها إلى أن مات في سنة (٥٨ ٣هـ/٩٦٨م)، إلا فترة قصيرة لا تزيد على سنتين (٣١٧- ٣١٩هـ/٩٢٩- ٩٣١م).
كما استطاع أن يمد نفوذه على جميع أرجاء ديار بكر وديار ربيعة، ولقبه الخليفة المتقي في شهر شعبان سنة (٣٣٠هـ/٩٤١م) ناصر الدولة، ولقب أخاه سيف الدولة [حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام ٣/١٢٢]
ناصر الدولة الحمداني (٣١٧- ٨٥٣هـ) (٩٢٩- ٩٦٨م): اشتعلت الحرب الأهلية بين الحمدانيين والبريديين) [ هم جماعة من المتمردين احتلوا بغداد سنة ٣٣٠هـ / ٩٤١م؛ مما أدى إلى قرار الخليفة المتقي منهم إلى الموصل مستنجدًا بالحسن الحمداني الذي قاد جيشه وانطلق نحو بغداد برفقة أخيه الأمير علي، وما كاد الركب يصل بغداد حتى نجا البريديون بأنفسهم، وفروا أمام الجيش الحمداني، وعاد الخليفة إلى قصره آمنا مطمئنًا؛ فأنعم على الحسن بن حمدان بلقب ناصر الدولة، وعلى أخيه علي بلقب سيف الدولة]من ناحية، وبين البويهيين من ناحية أخرى، وانتهز الخليفة العباسي فرصة خروج ناصر الدولة إلى الموصل، فاستنجد بتوزون [أحد القواد الأتراك، وقد سعى للإيقاع بسيف الدولة الحمداني في محاولات عديدة، وحاول سيف الدولة عدم الاحتكاك به؛ خشية من ثورة الجنود الأتراك عليه] ومهَّد له السبيل لدخول بغداد سنة (٣٣١هـ/٩٤٣م)، فاضطروا ناصر الدولة إلى العودة إلى الموصل.
وسرعان ما قام العداء بين توزون والخليفة العباسي الذي لجأ إلى ناصر الدولة ابن حمدان، وقامت الحرب بين الفريقين في عُكْبرا (تبعد عن بغداد نحو عشرة فراسخ)، وانهزم ابن حمدان والخليفة، وكان الخليفة المتقي يستعين على توزون بناصر الدولة بن حمدان تارة، وببني بويه تارة أخرى، ولكن ذلك لم يغنه شيئًا، فقد حبسه توزون وولى المستكفي الخلافة (صفر سنة ٣٣٣هـ/٩٤٤م)، ثم مات توزون في (المحرم سنة ٣٣٤هـ/٩٤٥م) [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٣]
ولقد تعرَّض ناصر الدولة الحمداني في آخر حياته إلى عِدَّة حوادث أثَّرت في حالته النفسية، منها توغُّل البويهيين في البلاد، وموت أخيه سيف الدولة الذي كان شديد المحبة له سنة (٣٥٦هـ/٩٦٦م)، كل ذلك حزَّ في نفسه، حتى تغيرت أحواله، وساءت أخلاقه، وضعف عقله، ولم يبقَ له حرمة عند أولاده الذين اختلفوا على أنفسهم، فقبض عليه ابنه أبو تغلب بمدينة الموصل وحبسه، وظل في حبسه إلى أن تُوفّي في شهر ربيع الأول سنة ٣٥٨هـ/٩٦٩م [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٤،١٢٣].
أبو تغلب بن ناصر الدولة (٥٨ ٣- ٣٦٩هـ/٩٦٩- ٩٨٠م): بعد وفاة ناصر الدولة قام نزاع بين أولاده وانقسموا إلى فريقين: فريق يناصر حمدان بن ناصر الدولة، وفريق آخر يناصر أخاه أبا تغلب، وأصبح الحمدانيون جماعتين: جماعة بزعامة حمدان وإبراهيم يساعدهم بُخْتيَار، وجماعة بزعامة أبي تغلب وأخيه الحسين.
استطاع أبو تغلب الانتصار على حمدان، واستولى على حرَّان، ولكنه عجز عن الوقوف في وجه الروم الذين أغاروا على الرّها، ووصلوا إلى نصيبين وديار بكر.
واستطاع الحمدانيون استعادة الموصل وما يليها في سنة ٣٧٩هـ/٩٨٩م على يد أبي طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة، وأخيه عبد الله الحسين، ولكنهم لم يبقوا فيها أكثر من سنة؛ لأن الأكراد طمعوا في إزالة دولتهم، وانتصر أبو علي ابن مروان الكردي على أبي عبد الله الحسين أخي أبي تغلب بن ناصر الدولة الحمداني، وبعث به إلى مصر بشفاعة الخليفة العبيدي العزيز بالله، كما قتل أبو الزواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل أبا طاهر بن ناصر الدولة الحمداني، واستولى على مدينتي نصيبين وبلد ٣٧٩هـ/ ٩٨٩م، وضم إليهما الموصل في السنة التالية، ولكنه طُردَ منها على أيدي بني بويه، ثم استردها أخوه المقلد بن المسيب العقيلي الذي أقرَّه بهاء الدولة البويهي على هذه البلاد وما يليها في سنة٣٨٦هـ/ ٩٩٦م [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٦]
الحمدانيون في حلب
سيف الدولة الحمداني (٣٣٣- ٣٥٦هـ/٩٤٤- ٩٦٦م):
وُلد الأمير سيف الدولة علي بن أبي البيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي في (٣٠٣هـ/ ٩١٥م) في مدينة مَيَّافارِقين أشهر مدن ديار بكر- على إثر تولى أبيه إمارة الموصل.
وقد عُنِي أبوه بتعليمه وتنشئته على الفروسية منذ نعومة أظافره، وأظهر سيف الدولة استعدادًا كبيرًا ومهارة فائقة في القنص والرمي وركوب الخيل منذ صغره، فلم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى صار فارسًا لا يُشَقُّ له غبار، وخاض العديد من المعارك الطاحنة ضد أعداء الدولة والمتمردين عليها، سواء في الداخل أو في الخارج.
واستطاع الأمير الشاب أن يحقِّق انتصارًا عظيمًا على البريديين الذين اقتحموا بغداد عام (٣٣٠هـ/ ٩٤٢م)، ودفعوا الخليفة العباسي المتقي لله إلى الخروج منها، واللجوء إلى الموصل؛ للاستنجاد بالحمدانيين، فلما حقَّق الأمير الشاب علي بن أبي الهيجاء النصر على البريديين بعد أن تعقبهم إلى المدائن، أنعم عليه الخليفة بلقب (سيف الدولة)، وأمر أن تضرب باسمه الدنانير والدراهم.
امتاز عهد سيف الدولة بكثرة حروبه مع البيزنطيين حتى قيل: إنه غزا بلادهم المجاورة لبلاده أربعين غزوة، انتصر في بعضها وحلَّت به الهزيمة في بعض آخر.
وكان كثير من البلاد الإسلامية مسرحًا للحروب التي دارت بين الحمدانيين والروم في ذلك العصر، فقد أغار سيف الدولة على زبطرة وعرقة وملطية ونواحيها، فقتل وأحرق وسبى، وانثنى قافلًا إلى درب موزار، فوجد عليه قسطنطين الدمستق فأوقع به، وقتل صناديد رجاله، ثم عبر إلى الفرات وأوغل في بلاد الروم والتقى بجيش الروم بمرعش وهزمه، وقتل رءوس البطارقة، وأسر قسطنطين بن الدمستق الذي أصابته ضربة في وجهه، وأكثر الشعراء في هذه الموقعة، فقال أبو فراس الحمداني:
وآبّ بقسطنطين وهو مُكبَّلٌ * * * تحفُّ بطاريق به وزَرَازِر
وولّى على الرسم الدمستق هاربًا * * * وفي وجهه عُذرٌ من السيف عاذِر
[تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٨،١٢٩]
ثم سار سيف الدولة؛ لبناء الحدث - وهي قلعة عظيمة الشأن- فاشتد ذلك على ملك الروم الذي أرسل جيشًا جرارًا يضم عظماء مملكته وعلى رأسهم الدمستق، وأحاطوا بعسكر سيف الدولة الذي حمل على العدو، واخترق الصفوف طلبًا للدمستق فولى هاربًا، وأسر صهره وحفيده، وقتل خلقًا كثيرًا من الروم، وأكثر الشعراء في هذه الموقعة، فقال أبو الطيب المتنبي:
بناها فأعلى والقَنَا تقرعُ القنا * * * وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت * * * ومن جثث القتلى عليها تمائم
[تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٩]
وقد وصف الثعالبي سيف الدولة وما بلغته الدولة الحمدانية في عهده في هذه العبارة؛ قال: "وكان بنو حمدان ملوكًا وأمراء، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة ، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، وكانت وقائعه في عصاة العرب تكُفُّ بأسها وتنزع لباسها، وتفل أنيابها وتذل صعابها، وتكفي الرعية سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم الثار، وتحسم شرهم المثار، وتحسن في الإسلام الآثار، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء وحلبة الشعراء، ويقال: إنه لم يجتمع قَطُّ بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء، ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها ، وكان أديبًا شاعرًا محبًا لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به... وكان كل من أبي محمد بن عبد الله بن محمد القاضي الكاتب، وأبي الحسن علي بن محمد الشمشاطي، قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت،
كقول أبي الطيب المتنبي:
خليليَّ إني لا أرى غير شاعر * * * فَلِمْ منهم الدعوى ومنها القصائد؟
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة * * * ولكن سيف الدولة اليوم واحد.
[تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٩،١٣٠]
وقد أثارت انتصارات سيف الدولة على الروم البيزنطيين حفيظة الإخشيديين، الذين وجدوا عليه تلك البطولات والأمجاد، وخشوا من تعاظم نفوذه وقوة شوكته؛ فتحركوا لقتاله.
بلغ الخبر سيف الدولة، فسار إلى حلب فملكها سنة ٣٣٣هـ/٩٤٤م، وهرب إلى مصر يانس الخصي، وكان واليَها من قِبَل الإخشيد، فأرسل الإخشيد جيشًا؛ لمحاربة سيف الدولة بقيادة كافور ومعه يانس، فتقابلا مع الحمدانيين عند الرَّسْتن - الواقعة على نهر العاصي الذي يمر بالقرب من حماة - فحلت الهزيمة بالمصريين، وأسر منهم أربعة آلاف، عدا القتلى والغرقى.
ثم تقدم سيف الدولة يريد دمشق، فسار إليه الإخشيد الذي حلت به الهزيمة في قنسرين، ولكنه انتهز فرصة انشغال الحمدانيين بجمع الغنائم واقتسامها، فأطلق عشرة آلاف من جنده، بددوا شمل العدو، ودخل حلب حاضرة الحمدانيين، واسترد دمشق إلا أنه - على الرغم من انتصاره- تصالح مع الحمدانيين على أن يترك لهم حلب وما يليها من بلاد الشام شمالًا، كما تعهَّد بأن يدفع لهم جزية سنوية مقابل احتفاظه بدمشق [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٧]
كان الإخشيد في حالة قوة وانتصار، ولكنه كان يرمي من وراء إبرام الصلح على هذه الصورة، أن يُبقِي الدولة الحمدانية حصنًا منيعًا يكفيه مئونة محاربة البيزنطيين، الذين لا يفتُرُون عن مهاجمة الولايات الإسلامية المتاخمة لبلادهم، والذين أغاروا سنة ٣٣١هـ/٩٤٢م على أرزن وميافارقين ونصيبين، فقتلوا وسَبَوا كثيرًا من المسلمين، ثم دخلوا في السنة التالية ٣٣٢ هـ/٩٤٣م رأس العين في ثمانين ألفًا، فقتلوا وسبوا خلقًا عظيمًا من المسلمين.
ولكن هذا الصلح لم يَدُمْ طويلًا؛ فقد تُوُفِّي الإخشيد في سنة ٣٣٤هـ، وتولى كافور الوصاية على ابنه أبي الحسن علي.
انتهز سيف الدولة الفرصة؛ فنقض العهد واستولى على دمشق، ثم سار إلى الرملة؛ لغزو مصر، فحاربه كافور بصحبة الحسن بن عبيد الله بن طغج وانتصر عليه في اللجُّون (تبعد عن طبرية بنحو عشرين ميلًا، وعن الرملة بنحو أربعين ميلًا) في بلاد الأردن، ثم انتصر عليه انتصارًا حاسمًا بالقرب من مرج عَذْراء بجوار دمشق، ودخل الجيش مدينة حلب، وعقدت بين الطرفين معاهدة الصلح بنفس الشروط التي عُقِدت بها أواخر أيام الإخشيد، ما عدا الجزية التي توقف دفعها [تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن ٣/١٢٨]
إنجازات الدولة الحمدانية في مجال العمارة:
بالرغم من الطابع العسكري والحربي لدولة الحمدانيين بصفة عامة، وإمارة سيف الدولة على نحو خاص؛ فإن ذلك لم يصرف الأمير سيف الدولة عن الاهتمام بالجوانب الحضارية والعمرانية.
فقد شيَّد سيف الدولة قصره الشهير بـ (قصر الحلبة) على سفح جبل الجوشن، والذي تميز بروعة بنائه وفخامته وجمال نقوشه وزخارفه، وكان آية من آيات الفن المعماري البديع، كما شيَّد العديد من المساجد، واهتم ببناء الحصون المنيعة والقلاع القوية.
في الحياة الاقتصادية:
شهدت الحياة الاقتصادية ازدهارًا ملحوظًا في العديد من المجالات، فمن ناحية الزراعة كثرت المزروعات، وتنوّعت المحاصيل من الحبوب والفاكهة والثمار والأزهار، فظهر البُرُّ والشعير والذرة والأرز والبسلة وغيرها، كما ظهرت أنواع عديدة من الفاكهة كالتين والعنب والرمان والبرقوق والمشمش والخوخ والتوت والتفاح والجوز والبندق والحمضيات، ومن الرياحين والأزهار كالورد والآس والنرجس والبنفسج والياسمين، كما جادت زراعة الأقطان والزيتون والنخيل، وقامت صناعات عديدة على تلك المزروعات مثل زيت الزيتون، والزبيب.
كما ظهرت صناعات أخرى كالحديد والرخام والصابون والكبريت والزجاج والسيوف والميناء.
وقد نشطت التجارة، وظهر العديد من المراكز التجارية المهمة في حلب والموصل والرَّقّة وحرَّان وغيرها.
في الحياة الفكرية والثقافية:
شهدت الحياة الفكرية والثقافية نهضة كبيرة ونشاطًا ملحوظًا في ظلِّ الحمدانيين، فظهر الكثير من العلماء والأطباء والفقهاء والفلاسفة والأدباء الشعراء.
وقد أرسى سيف الدولة الحمداني دعائم دولته في حلب؛ فاستقطب بلاطه مشاهير العلماء والأدباء والشعراء أمثال المتنبي وأبي الفتح عثمان النحوي الشهير بابن جني، وقد أجزل سيف الدولة العطاء للشعراء؛ بسبب محبته للشعر وإجادته نظمه، وبادله الشعراء شعرًا حسنًا، وفنًّا جيدًا.
كما اشتُهِر جماعة من أهل بيته في نظم الشعر كابن عمه أبي فراس الحمداني، وهو حينما وقع في أسر الروم في إحدى غزواته، كتب أحسن شعره طالبًا من سيف الدولة بحلب أن يفديه؛ لأنه نشأ في رعايته، ومن شعره في الأسر:
ولا تقعدن عنِّي وقد سيم فديتي * * * فلست عن الفعل الكريم بمُقْعَدِ
فكم لك عندي من أيادٍ وأنعمٍ * * * ر فعت بها قدري وأكثرتَ حُسَّدي
[التاريخ العباسي السياسي والحضاري، إبراهيم أيوب، ص١٧٥]
هذا؛ وقد اجتمع في بلاط سيف الدولة أشهر اللغويين والنحويين في زمانه مثل أبي علي الفارسي، وابن خالويه، وابن جني، فضلا عن الفيلسوف الكبير الفارابي الذي كتب في الطب والمنطق والسياسة والرياضة والكيمياء والموسيقى، أما الطبيب عيسى بن الرقي، فقد قال عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه (طبقات الأطباء): إن سيف الدولة كان يعطى عطاء لكل عمل، وكان عيسى الرَّقّي يأخذ أربعة أرزاق: رزقًا بسبب الطب، ورزقًا بسبب ترجمة الكتب من السرياني إلى العربي، ورزقين بسبب علمين آخرين[التاريخ العباسي السياسي والحضاري، إبراهيم أيوب، ص١٧٥]
ولم يلبث سيف الدولة أن عاجله المرض، ثم تُوفي في شهر صفر ٣٥٦هـ / ٩٦٧م.
أمَّا سعد الدولة فبعد أن استولى على الحكم، كان له قائد اسمه قرغويه، أخذ له البيعة في حلب، وقد استقر قرغويه في حلب ولمع فيها، وأراد أن يكون صاحب الأمر، وما كان يستطيع أن يقف في وجه سعد الدولة بمفرده؛ فأرسل إلى الروم وطلب عونهم، وصالحهم على جزية سنوية يؤدِّيها لهم؛ لذا لمَّا هجم سعد الدولة على حلب - لاستخلاصها من بين يديه، أتاه الروم، ودفعوه عن حلب، ثم أعاد سعد الدولة الكَرَّة واستولى على حلب، فسار إليه الروم، ولكنه وجد أنه لا قِبَل له بهم، فصالحهم على الجزية نفسها التي كان يؤديها قرغويه [تاريخ عصر الخلافة العباسية، يوسف العش ص٢٠٤]
ظهر في هذه الأثناء الفاطميون (العُبَيْديُّون) في مصر، وامتدت يدهم إلى سوريا، فوقعت الواقعة بينهم وبين الحمدانيين، ووجد الروم مصلحتهم إلى جانب الحمدانيين؛ ذلك أنه كان أسهل عليهم أن تقوم دويلات صغيرة متفرقة كالدولة الحمدانية من أن تأتي دولة كبرى كدولة العبيديين فتقف إلى جوارهم، ثم يضطرون إلى محاربتهم.
وهكذا ساعد الروم الحمدانيين في حلب ضد العبيديين، وعقدوا معهم صلحًا، حتى إذا سار العبيديون إلى حلب، استنجد الحمدانيون بالروم، فسار إليهم باسيل الثاني بجيش قدره سبعة عشر ألف رجل، فأجلى العبيديين عن حلب، ولم يدخلها، وكان بإمكانه أن يستولي عليها، وكان ذلك بحساب مقدَّر، فلو أنَّه قضى على دولة الحمدانيين، لواجه الفاطميين وجهًا لوجه، والروم كانوا مشغولين بحروب واضطرابات في بلادهم [تاريخ عصر الخلافة العباسية، يوسف العش، ص٢٠٤،٢٠٥]
وأتى بعد سعد الدولة ابنه سعيد الدولة، وكان إلى جانبه قائد اسمه لؤلؤ، وهو والد زوجته، مدَّ لؤلؤ يده إلى الحُكم وسجن سعيد الدولة، فدانت له حلب، ثم تقدَّم نحو العبيديين فطلب حمايتهم، وبذلك انتهى حكم الحمدانيين في سوريا، ودخل العبيديون حلب.
حكم الحمدانيون حلب والموصل كدولة عربية اعتمدت على قوة ساعدها، وبنت أمرها على الحرب والجهاد، واعتمدت بصفة خاصة على تشجيع العلم والثقافة وعلى العناية بالعمران، وقد أخطأت في آخر عهدها؛ فتحالفت مع الروم؛ لتنقذ نفسها من الهلاك، لكن وَحْدة مصر والشام كانت أقوى من أن توقفها المنافع المحلية، فدالت دولتها. [تاريخ عصر الخلافة العباسية، يوسف العش، ص٢٠٥]
الحمدانيون، وهم من قبيلة تغلب العربية، أسسوا دولة مستقلة في الموصل وحلب خلال القرن العاشر الميلادي، وتميزوا بدورهم العسكري في مواجهة البيزنطيين وبصفتهم حماةً للخلافة العباسية عند أزماتها. حقق سيف الدولة الحمداني أبرز إنجازاتهم العسكرية والثقافية، خاصة في حلب، التي أصبحت مركزا للأدب والعلوم.
تعرضت دولتهم لصراعات مع الإخشيديين والفاطميين والبويهيين، مما أدى إلى انهيارها في بداية القرن الحادي عشر الميلادي بعد تحالفها مع البيزنطيين.
هم أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.
هم أول أسرة حاكمة في الإسلام بعد الخلفاء الراشدين.
أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.