Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دنشواي

الكاتب

أ.د/ محمد علي حلة

دنشواي

حادثة دنشواي من الحوادث المهمة في تاريخ مصر الحديث التي أحدثت أثرًا بالغًا في تطور الحركة الوطنية، وأظهرت فضائح الاحتلال البريطاني في مصر، وقد أحسن المصريون استغلالها في مواجهة الاحتلال، وكان الزعيم مصطفى كامل أحد المنددين بهذه الجريمة النكراء.

تفاصيل حادثة دنشواي

هي من حوادث مصر التاريخية التي لا تنسى، لما كان لها من بالغ الأثر في تطور الحركة الوطنية، وتُمثل نهاية عهد كان الاحتلال البريطاني يتمتع فيه بالاستقرار والطمأنينة، وبداية مرحلة جديدة من مراحل الكفاح عمّ فيها الشعور الوطني، بعد أن كان الظن أن سواد الأمة راضٍ عن الاحتلال [مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية].

إن حادثة دنشواي دون غيرها، هي التي أماطت اللثام أمام العالم عن وجه الاحتلال البريطاني القبيح، وكشفت في ذات الوقت عن معدن الفلاح المصري الأصيل الذي يصبر إلى حينٍ على الظلم؛ ولكنه لا يخضع، ولا يستكين لحاكم ظالم، أو محتل غاصب لبلاده.

 كان الريف المصري ينقسم إلى مُلاك أغنياء أفادوا من سياسة الاحتلال الزراعية، وزادت ثرواتهم فرضوا عن ذلك الاحتلال، وفلاحين وصغار مُلاك فقراء لم يفيدوا كثيرًا من تلك السياسة لعدم اتخاذ إجراءات خاصة لتحسين أحوالهم؛ لذلك حقدوا على كبار المُلاك وسخطوا على الأوضاع القائمة، ولم تكن الحال في المدن أفضل كثيرًا عن الحال في الريف، حيث ارتفعت تكاليف المعيشة، وتأثر بذلك الفقراء وذوو الدخل المحدود، وعبر حافظ إبراهيم عن حالة الاستياء العام بقوله:

أيشتكي الفقر غادينا ورائحنا    ***    ونحن نمشي على أرض من الذهب

[محمد جمال الدين المسدي: دنشواي]

في الثـالـث عشر من شهر يونيو ١٩٠٦م، وقعت حادثة دنشواي التي كان مقدرًا لها أن تهز مصر كما لم يهزها حادث من قبل، والتي هدمت كل ما حاول القنصل البريطاني اللورد كرومر LORD CROMER  أن يبنيه من جسور طوال ثلاث وعشرين سنة بينه وبين الشعب المصري عامة والفلاحين خاصة، وقد صدر البلاغ الأول عن هذه الحادثة بما لا يكاد يشير إلى أهميته، وكان يتلخص في إشارة تليفونية أرسلتها نقطة بوليس الشهداء إلى مركز منوف، وخلاصتها أن ضابطًا من البريطانيين الذين قصدوا دنشواي للصيد فقد حياته، بعد أن أصابت نار بنادق البريطانيين بعض الأهالي، وأشعلت النار في جرن قمح فضربهم الأهالي.

ويتلخص تفصيل ما أوجزته الإشارة التليفونية في أن خمسة من ضباط الجيش البريطاني أبلغوا مأمور مركز منوف أنهم يرغبون في الصيد في بلدة دنشواي، وهي قرية تابعة لنقطة بوليس الشهداء، فأجرى المأمور لهم الترتيبات اللازمة، وأرسلهم بصحبة أونباشي وترجمان مصري، وذهب الأول لإعلام عمدة القرية بنبأ هذه الزيارة، ولكن الضباط لم ينتظروا عودة الأونباشي، وشرعوا في عملية الصيد، فجاس بعضهم خلال أجران القمح، وأطلقوا رصاصهم على بعض الحمام، فأصابوا امرأة سقطت جريحة تتخبط في دمائها، كما اشتعلت النيران بالجرن، فهاج صاحبه، وزوج المرأة، وبقية الأهالي، فهاجموا الضباط، فأسرع الضابط المعتدي وزميل له بالفرار خوفًا من نقمة الأهالي، وظلا يعدوان تحت وهج الشمس، وبعد حين سقط أحدهما صريعًا بضربة شمس. [موسوعة تاريخ مصر]

ولم يكد نبأ هذه الحادثة يصل إلى أسماع سلطات الاحتلال حتى فقدت اتزانها، وخف مستشار الداخلية البريطاني إلى مكان الحادث، وألقى القبض على مئات من الأهالي، وساد قرية دنشواي وما حولها جو من الإرهاب.

المحكمة المخصوصة وأحكامها

وفي العشرين من يونيو ١٩٠٦م، صدر الأمر بتشكيل المحكمة المخصوصة، وحدد لانعقادها يوم ٢٤ من ذات الشهر في شبين الكوم، وكان أغلبية أعضائها من البريطانيين، ولم يكن بها من المصريين إلا بطرس غالي وزير الحقانية الذي كان يرأس المحكمة بنص القانون، وأحمد باشا فتحي زغلول رئيس محكمة مصر الابتدائية، وكان عدد المتهمين الذي قدموا للمحاكمة اثنين وخمسين متهمًا قدموا جميعًا مقبوضًا عليهم. [الأهرام ٢٥ يونيو١٩٠٦م].

 وقد قام بالدفاع عن المتهمين أحمد لطفي السيد، بينما اختار البريطانيون للقيام بدور الادعاء، محاميًا مصريًّا هو إبراهيم الهلباوي، الذي استخدم براعته الخطابية في طلب التشديد على المتهمين، واستعمال منتهى الشدة والبطش بهم [مذكرات في السياسة المصرية]، وتركزت مرافعته على الفوائد التي عادت على مصر من نتيجة الاحتلال، ثم تطرق إلى رواية ما حدث في دنشواي على أساس الرواية الإنجليزية، وهي أن الأهالي كانوا يعرفون بوصول الضباط البريطانيين، وأن الرصاص الذي أصاب الأهالي كان كله من طلقة واحدة خرجت من بندقية أحد هؤلاء الضباط بعد أن انتزعها منه الأهالي.[ مذكرات إبراهيم الهلباوي].

وفي السابع والعشرين من شهر يونيو ١٩٠٦م صدر الحكم الذي انتهى إلى أنه في مقابل وفاة إنجليزي واحد، حكم بالإعدام على أربعة، وعلى أربعة عشر متهمًا آخر بأحكام متفرقة، وهو حكم اعتبره البريطانيون قبل المصريين قمة في الظلم والقسوة. [الجريدة في ٢٩ يونيو١٩٠٦م، اللواء في ٣٠ يونيو١٩٠٦م].

نفذ الحكم في المتهمين في اليوم التالي، فكان ذلك يومًا أسود من أيام الاحتلال، لم يَعْتد فيه الإنجليز على كرامة وحقوق المصريين فحسب؛ بل لقد داس الإنجليز بأقدامهم العدالة وحقوق الإنسانية، ولم يستطع المصريون صبرًا على هذه الهمجية، وحملوا حملة شعواء على سياسة إنجلترا، ونددت الحركة الوطنية التي تزعمها مصطفى كامل بالمهمة الحضارية التي كان الإنجليز دائما يتشدقون بها. [مصر المعاصرة وقيام الجمهورية العربية المتحدة].

على أنه أيًّا كانت قسوة الحكم، أو ظلمه، فقد كان يمكن أن تطوى صفحته كما تُطوى صفحات أمثاله من الأحكام الظالمة، ولكن سلطات الاحتلال سرعان ما حولت الحكم من دائرة الظلم والقسوة إلى دائرة الوحشية والبربرية، حيث اختار البريطانيون أن يكون التنفيذ في اليوم التالي لصدور الحكم؛ حتى لا يفسحوا مجالًا لمراجعة الحكم، أو تخفيفه، ثم نصبوا المشانق في القرية التعسة، وأجروا تنفيذ الحكم في المتهمين المنكوبين على مرأى ومسمع من زوجاتهم وأبنائهم، [الأهرام، ٢٩يونيو١٩٠٦م]، فكانوا يسوقون المحكوم عليه بالإعدام، وينفذون الحكم فيه، ثم يتركونه معلقًا بالمشنقة، وجسده يترنح ريثما ينفذون حكم الجلد في أحد المحكوم عليهم، وهكذا تحول الأمر إلى مجزرة بشرية. [موسوعة تاريخ مصر].

أثارت حادثة دنشواي إحساسًا بالإثم بين البريطانيين المعادين للاستعمار، فسرعان ما أمسكوا بالحادث، وكأنه عصا أخذوا يهوون بها فوق رأس كرومر، فها هو ذا ولفريد بلنت Wilfred BLUNT الذي سبق أن ناصر عرابي، يكتب نشرة عنيفة بعنوان "بشاعات العدالة في ظل الحكم البريطاني لمصر"، ثم يكتتب مع بعض أصدقائه بأكثر من مائتي جنيه لإصدار كتاب عن دنشواي، ووجدت آراؤه تأييدًا لدى كتاب مبرزين من أمثال جورج برنارد شو الذي وصف حادث دنشواي في مقدمة مسرحيته "جزيرة جون بول الأخرى" كما تعرض وزير الخارجية إدوارد جراي  Edward gray لاستجوابات عديدة حول الحكم البريطاني لمصر؛ وكون جماعة من الأحرار برئاسة عضو البرلمان البريطاني جون روبرتسون Roberson اللجنة المصرية لاستطلاع الأحوال في تلك البلاد. [الحزب الوطني المصري].

ووجد الخديوي عباس حلمي الثاني، معونة غير متوقعة من المستر موزلي  Mr. MOSLY وكان هذا المواطن البريطاني قاضيًا في المحاكم المصرية؛ ولكن سرعان ما قدم استقالته وهو يفكر -وله الحق في ذلك- في أن ضمير القاضي ليست له أية علاقة بجنسيته، وخاصة عندما يشرفونه باستدعائه للجلوس في محكمة أجنبية، وكان موزلي قد تتبع عن قرب السياسة البريطانية في مصر، ولم يوافق عليها، ودفعه شعور نبيل؛ لكي يقف موقف الدفاع عن الضعفاء، وفضل هذا القاضي العدل على العدالة البريطانية، وحينما أصبح حرًّا وهب نفسه للدفاع عن القضية المصرية بكل قوة، وكل ما يملكه رجل شريف من ضمير. [مذكرات خديوي مصر الأخير].

الأثر السياسي والوطني لحادثة دنشواي

لقد ألهبت حادثة دنشواي الحركة الوطنية، وزادت السخط على بريطانيا، والتذمر من سياستها، وأظهرت الاستعمار على حقيقته الظالمة المستبدة، ولم يكن مصطفى كامل ينتظر إلا هذه القارعة لكي ينطلق كالإعصار متحديًّا البريطانيين في عقر دارهم، وملطخًا صفحة حكمهم في مصر بالخزي والعار، وكان يقيم في باريس عندما وصلته أنباء مجزرة دنشواي، وفي ١١ يوليو ١٩٠٦م، بدأ حملته بتوجيه رسالة مفتوحة على صفحات جريدة الفيجارو الفرنسية بعنوان: "إلى الأمة البريطانية والعالم المتمدين" بسط فيها مجريات الحادثة، وهاجم المحكمة المخصوصة، وما أصدرته من أحكام.

كما استنكر الطريقة البربرية التي نفذت بها الأحكام، ثم هاجم سياسة كرومر في مصر، وما فرضه من حكم استبدادي مطلق، وذكر مطالب المصريين؛ وهي التوسع في التعليم، والحصول على الدستور والاستقلال.

وحين صرح إدوارد جراي، في البرلمان البريطاني، بوجود تعصب في مصر، وطالب بعدم نقد السياسة المتبعة فيها؛ حتى لا يُضْعِفَ ذلك من سيطرة الحكومة المصرية، نفى مصطفى كامل ذلك؛ وأكد أن الأوروبيين يعيشون في صفاء مع المصريين، وطالب بإجراء تحقيق في السياسة البريطانية المتبعة في مصر، وراح يندد بفظاعة الحكم، وظلم الاحتلال، وهاجم البريطانيين في المحافل الدولية والبرلمانية، وفي العاصمة البريطانية وجد آذنًا صاغية من رجال الساسة البريطانيين. [مصطفى كامل كمدرسة وطنية وسياسية.].

لقد ألقت حادثة دنشواي على شخصية اللورد كرومر عبئًا كبيرًا من التبعات الجسام، لا من الوجهة السياسية فحسب؛ بل من الوجهة الإنسانية، فرأت الحكومة البريطانية إقصاءه عن منصبه إنقاذًا لسمعتها، وتخفيفًا لهياج الشعور الوطني في مصر، وقد استقر رأيها على هذه النية عقب استفاضة الأنباء عن فظائع التنفيذ، ولكنها أرجأت تنفيذ نيتها حتى يعود كرومر إلى مصر؛ استبقاء لكرامة رجالهـا، وعاد كرومر إلى مصر مزودًا بتعليمات جديدة تبعًا لتغيير سياسة الاحتلال، تمثلت في توجيه تحذير للموظفين البريطانيين، قال في ختامه: "فليتذكر كل موظف إنجليزي أن كل ازدراء، أو استخفاف يقع منه في المعاشات الاجتماعية يؤدي بكل تأكيد إلى إخفاق المسعى، وأن كل كلمة تقال بلا تَرَوّ، وكل فعل يفعل بلا تأن واعتبار، يمكن أن يجرح العواطف حيث لا يقصد جرحها، ويفضي إلى عواقب لا يعلم إلا الله مؤداها".

وليس هذا التحذير بدوره إلا ثمرة من ثمار المناخ الذي أنشأته حادثة دنشواي، والتي جعلت البريطانيين يفكرون مرتين قبل أن يستهينوا بعواطف هذا الشعب. [موسوعة تاريخ مصر].

وإزاء التيار الوطني المتدفق؛ لم تجد الحكومة البريطانية بدًّا من التراجع قليلًا بمواراة كرومر عن مصر، وفضلت أن تضحي بشخص اللورد على أن تضحي بمصالحها العامة؛ وإن كان كرومر وحكومته صرحا بأن استقالته لأسباب صحية، وتناولت الصحف تلك المسألة بالتحليل، ولكنها لم تشر إلى أن تلك الحكومة أيقنت بوجوب التساهل مع المصريين فيما كانوا يتشددون فيه من قبل. [صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية في مصر].  

ولم ينجح كرومر في سياسته إزاء القومية المصرية، وبلغ الاستياء من سياسة الاحتلال غايته، سواء في ذلك الخديوي والشعب المصري؛ وعرف البريطانيون أن نفوذهم الذي عمل كرومر على تقويته وتدعيمه، منذ تعيينه ممثلا لإنجلترا سنة ١٣٠١هـ/ ١٨٨٣م، بدأ يتضاءل ويضعف على يد كرومر نفسه بسبب أخطائه الأخيرة، ولا سيما فيما يختص بحادثة دنشواي التي صدعت من هيبتهم في نظر أوروبا كلها، ولما أحدثته هذه السياسة الغاشمة من رد الفعل وتقوية النزعة الوطنية، ووضعت بريطانيا سياسة جديدة تقوم على اجتذاب الخديوي إلى جانب إنجلترا، واستمالة الأحزاب الوطنية التي كانت تتمخض عن الظهور. [مذكراتي في نصف قرن، أحمد شفيق باشا].

يتضح من هذا أن حادثة دنشواي ساعدت على بلورة الوضع في مصر، بما أدى إلى أن ظهرت بشكل رسمي الأحزاب المصرية الرئيسية الثلاثة المعروفة حينئذ، وهي الحزب الوطني، وحزب الأمة، وحزب الإصلاح الدستوري.

الأول برئاسة مصطفى كامل وهو يعادي الاحتلال، والثاني برئاسة محمود باشا سليمان وهو متعاون مع الاحتلال، والثالث بزعامة الشيخ علي يوسف وتقوم سياسته على التعايش مع الاحتلال، كما أنه كان حزب الخديوي. [محمد جمال الدين المسدي: دنشواي]

الخلاصة

حادثة دنشواي من الحوادث المهمة في تاريخ مصر الحديث؛ لأنها كشفت الوجه القبيح للاحتلال البريطاني، وأثارت موجة سخط محلية ودولية، وانتقد كتاب ومفكرون بريطانيون هذه الفظائع، من بينهم ولفريد بلنت وبرنارد شو، كما استغلها مصطفى كامل في كفاحه ونضاله ضد الإنجليز، وطالب بالاستقلال والدستور.

موضوعات ذات صلة

كانت الجامعة تتويجًا لحركة القومية العربية الممتدة عبر التاريخ.

هو الجماعات السياسيّة المختلفة المبادئ في الأمة الواحدة.

هو القانون الأساسي الذي يوضح النظام السياسي الذي تتبناه الدولة.

موضوعات مختارة