لقد ألهبت حادثة دنشواي الحركة الوطنية، وزادت السخط على بريطانيا،
والتذمر من سياستها، وأظهرت الاستعمار على حقيقته الظالمة المستبدة، ولم يكن مصطفى
كامل ينتظر إلا هذه القارعة لكي ينطلق كالإعصار متحديًّا البريطانيين في عقر
دارهم، وملطخًا صفحة حكمهم في مصر بالخزي والعار، وكان يقيم في باريس عندما وصلته
أنباء مجزرة دنشواي، وفي ١١ يوليو ١٩٠٦م، بدأ حملته بتوجيه رسالة مفتوحة
على صفحات جريدة الفيجارو الفرنسية بعنوان: "إلى الأمة البريطانية والعالم
المتمدين" بسط فيها مجريات الحادثة، وهاجم المحكمة المخصوصة، وما أصدرته من
أحكام.
كما استنكر الطريقة البربرية التي نفذت بها الأحكام، ثم هاجم سياسة كرومر
في مصر، وما فرضه من حكم استبدادي مطلق، وذكر مطالب المصريين؛ وهي التوسع في
التعليم، والحصول على الدستور والاستقلال.
وحين صرح إدوارد جراي، في البرلمان البريطاني، بوجود تعصب في
مصر، وطالب بعدم نقد السياسة المتبعة فيها؛ حتى لا يُضْعِفَ ذلك من سيطرة الحكومة
المصرية، نفى مصطفى كامل ذلك؛ وأكد أن الأوروبيين يعيشون في صفاء مع
المصريين، وطالب بإجراء تحقيق في السياسة البريطانية المتبعة في مصر، وراح يندد
بفظاعة الحكم، وظلم الاحتلال، وهاجم البريطانيين في المحافل الدولية والبرلمانية،
وفي العاصمة البريطانية وجد آذنًا صاغية من رجال الساسة البريطانيين. [مصطفى كامل كمدرسة
وطنية وسياسية.].
لقد ألقت حادثة دنشواي على شخصية اللورد كرومر عبئًا كبيرًا
من التبعات الجسام، لا من الوجهة السياسية فحسب؛ بل من الوجهة الإنسانية، فرأت
الحكومة البريطانية إقصاءه عن منصبه إنقاذًا لسمعتها، وتخفيفًا لهياج الشعور الوطني
في مصر، وقد استقر رأيها على هذه النية عقب استفاضة الأنباء عن فظائع التنفيذ،
ولكنها أرجأت تنفيذ نيتها حتى يعود كرومر إلى مصر؛ استبقاء لكرامة رجالهـا،
وعاد كرومر إلى مصر مزودًا بتعليمات جديدة تبعًا لتغيير سياسة الاحتلال،
تمثلت في توجيه تحذير للموظفين البريطانيين، قال في ختامه: "فليتذكر كل موظف
إنجليزي أن كل ازدراء، أو استخفاف يقع منه في المعاشات الاجتماعية يؤدي بكل تأكيد
إلى إخفاق المسعى، وأن كل كلمة تقال بلا تَرَوّ، وكل فعل يفعل بلا تأن واعتبار،
يمكن أن يجرح العواطف حيث لا يقصد جرحها، ويفضي إلى عواقب لا يعلم إلا الله مؤداها".
وليس هذا التحذير بدوره إلا ثمرة من ثمار المناخ الذي أنشأته حادثة دنشواي،
والتي جعلت البريطانيين يفكرون مرتين قبل أن يستهينوا بعواطف هذا الشعب. [موسوعة تاريخ مصر].
وإزاء التيار الوطني المتدفق؛ لم تجد الحكومة البريطانية بدًّا من
التراجع قليلًا بمواراة كرومر عن مصر، وفضلت أن تضحي بشخص اللورد على أن
تضحي بمصالحها العامة؛ وإن كان كرومر وحكومته صرحا بأن استقالته لأسباب
صحية، وتناولت الصحف تلك المسألة بالتحليل، ولكنها لم تشر إلى أن تلك الحكومة
أيقنت بوجوب التساهل مع المصريين فيما كانوا يتشددون فيه من قبل. [صفحات مطوية من تاريخ
الحركة الاستقلالية في مصر].
ولم ينجح كرومر في سياسته إزاء القومية المصرية، وبلغ
الاستياء من سياسة الاحتلال غايته، سواء في ذلك الخديوي والشعب المصري؛ وعرف
البريطانيون أن نفوذهم الذي عمل كرومر على تقويته وتدعيمه، منذ تعيينه
ممثلا لإنجلترا سنة ١٣٠١هـ/ ١٨٨٣م، بدأ يتضاءل ويضعف على يد كرومر نفسه
بسبب أخطائه الأخيرة، ولا سيما فيما يختص بحادثة دنشواي التي صدعت من
هيبتهم في نظر أوروبا كلها، ولما أحدثته هذه السياسة الغاشمة من رد الفعل وتقوية
النزعة الوطنية، ووضعت بريطانيا سياسة جديدة تقوم على اجتذاب الخديوي إلى جانب
إنجلترا، واستمالة الأحزاب الوطنية التي كانت تتمخض عن الظهور. [مذكراتي في نصف قرن، أحمد
شفيق باشا].
يتضح من هذا أن حادثة دنشواي ساعدت على بلورة الوضع في مصر، بما أدى
إلى أن ظهرت بشكل رسمي الأحزاب المصرية الرئيسية الثلاثة المعروفة حينئذ، وهي الحزب الوطني، وحزب الأمة، وحزب الإصلاح الدستوري.
الأول برئاسة مصطفى كامل وهو
يعادي الاحتلال، والثاني برئاسة محمود باشا سليمان وهو متعاون مع الاحتلال،
والثالث بزعامة الشيخ علي يوسف وتقوم سياسته على التعايش مع
الاحتلال، كما أنه كان حزب الخديوي. [محمد جمال الدين المسدي:
دنشواي]