Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جامعة الدول العربية

الكاتب

أ.د/ محمد علي حلة

جامعة الدول العربية

إن قيام جامعة الدول العربية لم يكن حدثًا طارئًا في العلاقات العربية، بل كان تتويجًا لحركة القومية العربية الممتدة عبر التاريخ، خصوصًا في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ورغم الجهود العربية لتحقيق الوحدة، فإن المؤثرات الخارجية، مثل دور بريطانيا، كانت عاملًا مهمًا في التحضير لإنشاء الجامعة وإخراجها بشكلها الحالي.

أهمية إنشاء جامعة الدول العربية

لم يكن قيام جامعة الدول العربية يمثل حدثًا جديدًا على صعيد العلاقات العربية/ العربية، فالمؤكد أن فكرة الوحدة العربية كانت دومًا تأتي على قائمة الطموحات الكبرى التي تَحَمَّس لها الإصلاحيون العرب على اختلاف أفكارهم، ولذلك فليس من قبيل المبالغة التوكيد هنا على حقيقة أن قيام هذه الجامعة إنما عُدَّ تتويجًا لحركة القومية العربية على امتداد التاريخ، وبخاصة منذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، وبدايات القرن العشرين/ الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، على أن أحدًا لا يستطيع في هذا المقام أن ينكر دور المؤثرات الخارجية في مرحلة التحضير لإنشاء الجامعة العربية وفي إخراجها على نحوٍ معين.

ويمكن القول بأن بريطانيا كانت هي القوة الدولية التي اضطلعت بدور مهم في مجال الإعداد لإنشاء جامعة الدول العربية؛ وذلك تحقيقًا لأهداف سياستها في المنطقة، فلم تكن قد انقضت سوى أيام قليلة على قيام الحرب العالمية الثانية، حين وضعت وزارة الخارجية البريطانية مذكرة شاملة عن الوحدة العربية، بدأت برسم خريطة الوطن العربي، بمفهومه القائم وقتئذ، ثم تحولت إلى ما أسمته الحلم العربي، وأنه ليس ثمة ما يمنع من توحيد البلاد العربية، التي يحدها شمالًا الأناضول، وشرقًا الهضبة الإيرانية، وإن كان من المحتمل أن تبقى مصر بعيدة عن تلك الوحدة ، وأشارت المذكرة إلى أن الحدود بين تلك البلاد هي حدود سياسية، عدا مصر والعراق صاحبتي الحدود الجغرافية الطبيعية، كما أشارت إلى صعوبة احتفاظ الكيانات الصغيرة باستقلالها في عالم يشهد بداية الحرب العالمية الثانية، وأن عليها أن تعتمد على مساعدة جارٍ قوي، مما يعني أن قيام دولة كبيرة سيكفل لها الاستقلال.

ثم تضمنت المذكرة في نهايتها السياسات الواجب على حكومة لندن اتباعها حيال فكرة الوحدة العربية، وإذا ما اتخذ العرب زمام المبادرة لتلك الفكرة، فإن حكومة لندن لن تقف من تلك الحركة موقف العداء حتى يتبنى الاتحاد الذي يفترض قيامه سياسة الصداقة مع بريطانيا.

وفي ٢٩ مايو١٩٤١م/ جمادى الأولى سنة١٣٦٠هـ، كان إيدن يلقي تصريحه الشهير أمام مجلس العموم البريطاني، والذي كان بمثابة بداية مرحلة جديدة نحو الوحدة العربية وقتذاك، وقد ورد في نص التصريح: "ويسعى عديد من المفكرين العرب إلى درجة من الوحدة بين الشعوب العربية عما هو قائم الآن، وهم في تطلعهم إلى الوحدة يأملون في الحصول على دعمنا، ويعسر ألا نستجيب لمثل هذا المطلب من أصدقائنا، ويبدو لي أن من الطبيعي والصحيح العمل على تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية، فضلًا عن الروابط السياسية، وأن حكومة جلالته سوف تقدم من جانبها كل تعضيد لأي مشروع من هذا القبيل يلقى تأييد الرأي العام العربي" [يونان لبيب رزق، موقف بريطانيا من الوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ١٩٩١، ص١٠٣]. وكان هذا التصريح محاولة من جانب بريطانيا لاستيعاب تيارات الحركة العربية المنادية بالاستقلال والوحدة العربية، والرد على دعاية المحور التي تشجع هذه التيارات.

موقف مصر من الوحدة العربية

لم تهتم الحكومة المصرية، حكومة علي ماهر، بتصريح إيدن؛ فقد كان اهتمام مصر بمحاولة تجنيب مصر ويلات الحرب والتطورات العسكرية على حدودها الغربية يطغى على اهتمامها بهذا التصريح.

وبعد أن تولى مصطفى النحاس باشا الحكومة في فبراير ١٩٤٢م/ صفر١٣٦٠هـ، بدأت مصر من جانبها في إعطاء اهتمام متزايد للأمور العربية، وبدأت بعض خطوات التشاور في مجال الوحدة العربية تأكيدًا لدورها القيادي لكل المجموعة العربية. [Glubb (L.G.J)Britain and The Arabs A study of Fifty years ١٩٠٨-١٩٥٨, London (۲) ١٩٥٩.p.٢٧١].

وتعبيرًا عن معارضة مصر لمشاريع الهاشميين، دعا النحاس باشا في يونيو١٩٤٢م/ جمادى الآخرة ١٣٦١هـ كلا من جميل مردم رئيس وزراء سوريا، والشيخ بشارة الخوري رئيس الكتلة الوطنية اللبنانية للتباحث معهما بشأن الوحدة العربية ، وسارت حكومة النحاس باشا على استحياء في فكرة الوحدة، وكانت المسألة الثقافية هي البداية، حيث وجهت دعوة إلى سائر الحكومات العربية، للاشتراك في مكتب ثقافي جديد تنوي إقامته لتدعيم العلاقات الثقافية بين الأقطار العربية، وأكدت الحكومة المصرية أن الأمر لن يزيد عن إرسال مبعوث لحضور اجتماعات المكتب، وتبادل المعلومات في الشئون الثقافية والتعليمية، وبحث أسس معاهدة ثقافية يمكن أن تعقد بين البلاد العربية، وجاءت الاستجابة الأولى من العراق، وأسفرت عن اتفاق الطرفين المصري والعراقي على عقد معاهدة ثقافية، تنص على تبادل الطلاب والمعلمين والإصدارات العلمية والمناهج، وتشجيع أعمال النشر في العلوم والآداب.

وأعقب ذلك تشكيل ما سُمّي بعصبة العروبة في جامعة فؤاد الأول من الطلاب الوافدين، والتي أخذت في التحضير لانعقاد مؤتمر للطلاب العرب تحت رعاية النحاس باشا، وكان من أهم أغراض هذا المؤتمر الدعوة لفكرة الوحدة العربية، ولم يتوقف الأمر عند العلاقات الثقافية، إذ لم يمض وقت طويل حتى بدأ التحرك إلى المسار السياسي، ففي أواخر عام ١٩٤٢، حدث تحول في ميدان المعارك بين الحلفاء والمحور، وأدى انتصار بريطانيا في معركة العلمين إلى إبعاد خطر الحرب عن مصر، وإلى استعادة بريطانيا لمكانتها في المنطقة العربية.

وفي تصريح آخر أدلى به المستر إيدن في مجلس العموم في ٢٤ فبراير عام ١٩٤٣م/ صفر ١٣٦٢هـ، وكانت ظروف الحرب العالمية هي الدافع لإدراك بريطانيا أنها ستحتاج إلى البلاد العربية في معاركها التالية. وتخطيطًا لما بعد الحرب، أكد على نفس الشرط الذي جاء في تصريحه الأول، وهو أنه يجب أن يكون مشروع الوحدة حائزًا على تأييد الرأي العام العربي، ولعل بريطانيا ارادت بذلك أن تحمّل الحكام العرب مسئولية عدم التوصل إلى مشروع للوحدة العربية؛ لتأكدها من صعوبة اتفاقهم في ظل ما يوجد بينهم من صراع على النفوذ [عبد الحميد موافي، مصر في جامعة الدول العربية ١٩٤٥- ١٩٧٠م، هيئة الكتاب ١٩٨٣م، ص٧٦].

وكانت الكلمة من لندن وقتذاك: إذا لم تقم جامعة للدول العربية فسوف تقوم جامعة للشعوب العربية وساعتها قد يكون الخطر، وليس معنى ذلك أن الجامعة العربية هو اختراع بريطاني، فذلك تجن على الحقيقة غير صحيح، إنما الصحيح أن بريطانيا كانت ترى المشاعر الجياشة التي تموج في أعصاب الأمة العربية خلال دراما الحرب العالمية الثانية، وأرادت بذكائها أن تسبق التطورات لتقدر على استغلالها، وأن تسايرها لتستطيع تحديد حركتها.

ولكن عبد الرحمن عزام (أول أمين عام للجامعة) رأى أن الوحدة العربية كانت هدفًا تسعى الجماهير العربية لتحقيقه، وأنه لا سبيل لتحقيق مطالبها الوطنية بدون التضامن والوحدة بين الشعوب العربية، وكان من رأيه أنه إذا كان الإنجليز قد بادروا بطرح فكرة إنشاء الجامعة العربية، فإن هذه الجامعة ما كان في وسعها أن تقوم ما لم يعمل العرب بأنفسهم على إنشائها [جميل عارف، صفحات من المذكرات السرية لأول أمين عام للجامعة العربية، عبد الرحمن عزام، القاهرة، المكتب المصري الحديث، ج١ ١٩٧٧، ص ٢٦١].

وقد اتخذت المشاورات بين مصر وكل من الدول العربية التي دعتها، طابع المشاورات الاستطلاعية، تقوم فيها مصر بالتعرف على وجهة نظر كل منها في مشروع الوحدة، وإلى أي مدى تستطيع هذه الدولة أن تسير فيه، وذلك دون أن يتم البت في شيء في هذه المرحلة، وأعرب مصطفى النحاس باشا عن ذلك بقوله: "إنه سيواصل استطلاع آراء مندوبي الدول العربية".. وذلك دون أن يبت في شي؛ لأن الأمر في طوره الحالي لا يعدو أن يكون مجرد مشاورات للتعرف على الآراء المختلفة.

موقف الدول العربية من التعاون العربي

وقد عكست هذه المشاورات قيادة مصر، واعتراف الدول العربية بهذه المكانة لمصر، ففي بداية المشاورات مع سعد الله الجابري رئيس وزراء سوريا في ١٦ أكتوبر ١٩٤٣م قال الجابري: "إن دمشق تعترف وتسلم بزعامة مصر راضية مختارة، وهي لا تقول ذلك اعتباطًا بل نتيجة تفكير عميق، ودراسة للواقع، فإن وراء مصر تاريخًا من الجهاد القومي".

وأما الوفد السعودي، برياسة الشيخ يوسف ياسين، فقد صرح برغبة مليكة عبد العزيز في العمل لما فيه تأييد الصلات بين السعودية ومصر، ثم أكد أن جمع الأمم العربية كلها في دولة واحدة يتعارض مع الأوضاع القائمة، وقد ينشأ عنه صدام ليس لأحد مصلحة فيه، ولذا فإن المملكة السعودية لا تمانع في التعاون بين البلاد العربية في المسائل الاقتصادية والثقافية، أو أي تعاون ممكن عندما يكون ذلك في الإمكان، ويكون الوقت ملائمًا، وأن تشترك البلاد العربية على قدم المساواة التامة.

وقد رحبت اليمن بفكرة التعاون الثقافي والاقتصادي بين البلدان العربية بحيث تحتفظ كل دولة منها بكامل سيادتها وحقوقها، ويكون هذا التعاون قائمًا على التساوي بين جميع الدول في الحقوق والمصالح المتبادلة. [جامعة الدول العربية، ملخص محاضر المشاورات مع العراق، شرق الأردن، المملكة العربية السعودية، سوريا، لبنان، اليمن، القاهرة، مطبعة فتحي سكر١٩٤٩، ص٥ - ٣٢].

 ولكننا نرى أن اليمن أيضًا استبعدت مسألة التعاون السياسي، وهو نفس الموقف الذي اتخذته كل من المملكة العربية السعودية ولبنان، وهي نفس الدول أيضًا التي حرصت على تأكيد التعاون على أساس سيادة كل دولة والمساواة بين الدول جميعًا، حيث أعرب الوفد اللبناني عن استعداده للتعاون مع البلاد العربية التي تتفهم موقفه المتحفظ من الوحدة العربية، تفهمًا جعلها تعترف بكيانه وحدوده الحالية دولة مستقلة ذات سيادة، على أن يكون التعاون بين لبنان والدول العربية الأخرى قائمًا على أساس السيادة والمساواة، وكان وفد لبنان يؤثر الانفراد بمسألتي الدفاع والشئون الخارجية.[جامعة الدول العربية، ملخص محاضر المشاورات، ص٣٣] .

وبدأت، مع قدوم شهر سبتمبر عام ١٩٤٣، المشاورات لعقد المؤتمر المأمول، ولقد كان هناك ميل واضح في مصر لأن تحتفظ كل دولة عربية في إطار الاتحاد العربي باستقلالها، وليس من شك في أن مصر لم توضح آراءها وتصورها لما يجب أن تكون عليه الوحدة بين الدول العربية أثناء المشاورات التي أجرتها مصر بشأن الوحدة العربية؛ نظرًا لأنها قامت بدور المقرب بين الدول العربية ومحاولة التوفيق بينها؛ لتحقيق أكبر قدر من الآمال، والقضاء على كل المخاوف، والوصول في النهاية إلى تصور مشترك يجمع البلاد العربية جميعًا.

وشهدت العاصمة المصرية إبان شهري أكتوبر ونوفمبر عام ١٩٤٣، نشاطًا ملحوظًا في المشاورات الأولية لعقد المؤتمر، ثم فرضت قضية التمثيل الفلسطيني في المؤتمر نفسها خلال ربيع عام ١٩٤٤، فقد وجه النحاس مذكرة إلى السفير البريطاني في القاهرة يطالبه فيها أن تعيد حكومته النظر في موقفها القائم على عدم السماح للقادة العرب الفلسطينيين بالتوجه إلى القاهرة، بيد أن الحكومة البريطانية حذرت النحاس من إثارة مسألة فلسطين في سياق دعوته للمؤتمر العربي المزمع، وأن يترك فكرة المؤتمر لتمر بسلام.

وأخيرًا فرضت قضية التمثيل الفلسطيني في اللجنة التحضيرية نفسها؛ حيث وقع في يوم ٢٥ سبتمبر ١٩٤٤م/١٣٦٤هـ اختيار زعماء الأحزاب الستة الفلسطينية علي موسى العلمي وهو يوم انعقاد تلك اللجنة، وكان حضور العلمي إلى اللجنة بصفة مراقب.

وقد عرفت الاتصالات العربية التي جرت في هذا الشأن بالمباحثات التمهيدية، حيث ترأست مصر اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام، وفي الجلسة الثانية ٢٨ سبتمبر ١٩٤٤م، عرض مصطفى النحاس باشا المسائل المتفق عليها من جانب الدول العربية، وهي الاشتراك في وجوه التعاون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وقد تشكلت لجنة فرعية لمعالجة كل هذه المسائل، كما تشكلت لجنة للتنسيق والتحرير لمراقبة عمل تلك اللجان وتراسها النحاس بنفسه.

وإذا كان الاتفاق بين الدول العربية قد تم بسرعة حول التعاون في المجالات غير السياسية، فإن الأمر كان مختلفًا عندما تناولت اللجنة التعاون في المجال السياسي وإدارته، حيث وافقت الدول العربية على استبعاد فكرة تأليف حكومة مركزية للبلاد العربية؛ لتعذر ذلك ومساسه باستقلال كل بلد من البلاد العربية.

 وبعد المناقشات عبَّرت مصر، رسميًا ولأول مرة عن وجهة نظرها في صورة متكاملة للتعاون بين الدول العربية، حيث عرض النحاس باشا الصيغة التي وضعها، وأهم ما ورد فيها: "تؤلف لجنة للدول العربية من الدول العربية المستقلة، ويكون لهذه الجامعة مجلس يُسمّى (مجلس جامعة الدول العربية)، تمثل فيه الدول المشتركة على قدم المساواة، وأن تكون قراراته ملزمة لمن يقبلها، فيما عدا الأحوال التي يقع فيها خلاف بين دولة عربية وأخري، ففي هذه الأحوال تكون قرارات مجلس الجامعة نافذة وملزمة" [ جامعة الدول العربية، محاضر اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام بالإسكندرية، القاهرة ١٩٤٩، ص ٣٥- ٣٩].

 وفي ٧ أكتوبر١٩٤٤م وافقت اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام بإجماع الوفود السورية والأردنية والعراقية واللبنانية والمصرية بعد تعديلات طفيفة على نص البيان والبروتوكول الذي عُرف ببروتوكول الإسكندرية، أما وفدا المملكة العربية السعودية واليمن فقد أرجأ إبداء الرأي إلى ما بعد عرض القرارات المذكورة على الملك عبد العزيز آل سعود والإمام يحيى حميد الدين [يونان لبيب رزق، موقف بريطانيا من الوحدة العربية، ص ١٩٣] وكانت قرارات اللجنة خمسة:

  • الأول: خاص بقيام جامعة الدول العربية، ولها مجلس يُسمَّى مجلس جامعة الدول العربية، تمثل فيه الدول المشتركة في الجامعة على قدم المساواة وقرارات المجلس ملزمة لمن يقبلها ولا يجوز اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أية دولة منها.
  • الثاني: متعلق بالتعاون "في الشؤون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها".
  • الثالث: عن تدعيم هذه الروابط في المستقبل.
  • الرابع: قرار خاص باحترام استقلال لبنان وسيادته بحدوده القائمة.
  • الأخير: خاص بفلسطين التي طالبت بريطانيا بوقف الهجرة اليهودية إليها، والمحافظة على الأراضي العربية، والعمل على تحقيق آمال الفلسطينيين المشروعة وحقوقهم العادلة.

وإجمالًا يمكن القول إن بروتوكول الإسكندرية في مجموعه كان اقتراحًا مصريًا أدخلت عليه تعديلات قللت من فعالية الجامعة العربية التي أراد هو أن يحققها، وقد ترأس محمود فهمي النقراشي، وزير خارجية مصر، اجتماعات اللجنة الفرعية السياسية التي بدأت في ١٤ فبراير ١٩٤٥، من أجل إعداد مشروع ميثاق لمجلس جامعة الدول العربية، وقد ارتكزت مباحثات تلك اللجنة على بروتوكول الإسكندرية، واقترح هنري فرعون، وزير خارجية لبنان، أن تكون مصر هي المقر الدائم لمجلس الجامعة، وأن يكون رئيس الوزراء المصري هو الداعي لعقد أول اجتماع لمجلس الجامعة؛ وذلك مجاملة لمصر صاحبة الدعوة للجامعة العربية.

وقد عرض عبد الرحمن عزام تعديلًا للمادة الرابعة نص على أن: "تكون القاهرة المقر الدائم لجامعة الدول العربية، ولمجلس الجامعة أن يجتمع في أي مكان آخر يعينه"، وقد وافقت اللجنة على ذلك.

 ثم ظهر خلاف في الرأي حول بعض المسائل ومن أهمها:

مدى اختصاص مجلس جامعة الدول العربية بنظر الخلاف بين الدول العربية أعضاء الجامعة والفصل فيه، حينذاك اقترحت مصر الأخذ بنص البروتوكول حول هذه المسألة لتفادي هذا الخلاف، ووافقت اللجنة على أن يتوسط المجلس في الخلاف الذي يُخشى منه وقوع حرب بين دولة وأخرى من دول الجامعة أو غيرها للتوفيق بينهما.

 ثم وضع عبد الرحمن عزام نص المادة ٢٢ التي تنص على: "أنه إلى أن تؤسَسَ الأمانة العامة للجامعة تتولى وزارة الخارجية للحكومة المصرية المهام المشار إليها في المادتين ٢٠، ٢١"، وقد تمت الموافقة على هذه المادة التي بموجبها تقوم وزارة الخارجية المصرية بمهام الأمانة العامة للجامعة حتى يتم تأسيسها.

كان هناك خلاف حول أحقية موسى العلمي، ممثل عرب فلسطين، في حضور جلسات اللجنة وحقه في التصويت، وحاولت مصر التوفيق بين الآراء، فاقترح النقراشي أن يسير ممثلو الدول العربية المستقلة في وضع مشروع ميثاق الجامعة، على أن يتضمن الميثاق نصًا خاصًا يشعر باهتمام الدول العربية بقضية فلسطين، وانتهت المناقشات بالاتفاق على دعوة العلمي لحضور الجلسات بصفة استشارية. [محاضر جلسات اللجنة الفرعية السياسية لوضع مشروع ميثاق لجامعة الدول العربية، الجلسة الثالثة، ص٨- ٣٨].

وبعد الانتهاء من وضع مشروع الميثاق، اقترح عبد الرحمن عزام باشا نصًا للقرار الخاص بفلسطين، وقد وافقت عليه اللجنة، وقد مثَّل هذا النص الملحق الخاص بفلسطين في ميثاق جامعة الدول العربية، ويمثل القسم الخاص بفلسطين في بروتوكول الإسكندرية، وقد عملت مصر على إتاحة الفرصة أمام البلاد العربية غير المستقلة لأن تشارك في نشاط جامعة الدول العربية والتعاون العربي في المجال غير السياسي؛ نظرًا لأن الجامعة العربية تعمل لأمة عربية آتية، وقد اقترح عبد الرحمن عزام نص الملحق الخاص بالبلاد العربية الأخرى وجاء فيه: يتعاون مجلس الجامعة مع الأقطار العربية غير الممثلة في الجامعة، وأن يسعى بالوسائل الممكنة ليحقق لها الاشتراك في الجامعة على قدم المساواة مع الدول المؤسسة لها ، ويجوز للمجلس أن يدعو من الأقطار العربية للاشتراك في جلساته كممثلين أو مستشارين أو خبراء من يستعين بهم في جميع الأمور التي تهم تلك الأقطار" [المرجع ذاته، الجلسة الرابعة عشرة، ص ٩١، ٩٢].

ظهور جامعة الدول العربية إلى الوجود

وفي يوم ١٧ مارس ١٩٤٥م قدم النقراشي باشا للمجتمعين أعمال اللجنة الفرعية التي أقرت الصيغة النهائية لميثاق جامعة الدول العربية بعد أن تؤخذ في الاعتبار المقترحات والصياغات التي أعدها أستاذ القانون الدولي (المصري) الدكتور عبد الحميد بدوي.

وخرج الميثاق إلى الوجود يوم ١٩ مارس ١٩٤٥م، مؤلفًا من ديباجة، و٢٠ مادة، وثلاثة ملاحق، الأول يتعلق بوضع فلسطين، والثاني يتعلق بالتعاون مع الدول العربية غير المشتركة في الجامعة، وأما ثالثها فكان يختص بتعيين أول أمين عام للجامعة وهو عبد الرحمن عزام.

ووقَّع على الميثاق مندوبو الدول العربية في احتفالٍ كبيرٍ أقيم لهذا الغرض بقصر الزعفران في القاهرة يوم ٢٢ مارس ١٩٤٥، وقد صدَّق على هذا الميثاق الدول السبع الأعضاء المؤسسون، وهي كل من المملكة المصرية، والمملكة العراقية، وإمارة شرق الأردن، والجمهورية السورية، والجمهورية اللبنانية، ثم المملكة العربية السعودية، والمملكة المتوكلية اليمنية، وبذلك ظهرت جامعة الدول العربية إلى الوجود ابتداء من يوم ١١ مايو ١٩٤٥؛ لتصبح أول منظمة عربية جامعة تنشأ في تاريخ العرب الحديث والمعاصر.

 وكان هذا بمثابة نهاية مرحلة في التاريخ العربي وبداية مرحلة جديدة، وقد توالى بعد ذلك، انضمام بقية الدول العربية، وذلك بعد حصول كل دولة منها على الاستقلال وبيانها كما يلي: في ٢٨ مارس ١٩٥٣م انضمت المملكة الليبية، وفي ١٩ يناير ١٩٥٦م انضمت جمهورية السودان، وشهد أكتوبر ١٩٥٨م، انضمام كل من المملكة المغربية في أوله، وجمهورية تونس في العاشر منه، وفي ٠ ٢ يوليو ١٩٦١، تم قبول دولة الكويت، وانضمت جمهورية الجزائر إلى الجامعة في١٦أغسطس١٩٦٢م، وفي عام ١٩٧١م، انضمت بقية دول الخليج العربي، حيث انضمت قطر وعمان في شهر سبتمبر، وفي نوفمبر انضمت دولة البحرين، وفي ديسمبر انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي ٩ سبتمبر ١٩٧٦م أضحت فلسطين عضوًا كامل العضوية في الجامعة، وبالرغم من استقلال جمهورية موريتانيا في نوفمبر ١٩٦٠م إلا أنها أثبتت هويتها العربية وأصبحت عضوًا بالجامعة في ٢٦ نوفمبر ١٩٧٣، وانضمت جمهورية الصومال في ديسمبر من العام التالي ١٩٧٤م، ثم دولة جيبوتي في سبتمبر ١٩٧٧م ، وقد أثار انضمامهما إلى الجامعة جدلًا بين الدول العربية، على اعتبار أن لغتهما الرسمية ليست العربية، ولكن مجلس الجامعة رأى أن أصل الشعبين عربي فقبل انضمامهما، وكانت جزر القمر هي آخر دولة تُقبل عضوًا في ٢٠ نوفمبر ١٩٩٣، وبها بلغ عدد الأعضاء بالجامعة اثنتين وعشرين دولة.

وقد تكونت جامعة الدول العربية من ثلاثة فروع رئيسية أنشئت بمقتضى الميثاق وهي:

  • مجلس الجامعة، ويُعَدُّ أعلى سلطة في الجامعة، ويتألف من ممثلي الدول الأعضاء، ولكل دولة صوت واحد مهما كان عدد ممثليها.
  • الأمانة العامة، ووظيفتها الأساسية تصريف الأمور الإدارية والمالية والسياسية للجامعة.
  • أجهزة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، حيث وافق مجلس الجامعة في ١٣ إبريل ١٩٥٠على إبرام معاهدة الدفاع المشترك، والتعاون الاقتصادي لسد الثغرات التي ظهرت في الميثاق، وخاصة في مجالي الدفاع والاقتصاد، وقد ترتب على هذه المعاهدة ما يلي:

في مجال الدفاع: إنشاء هيئات جديدة في نطاق الجامعة العربية، ولكنها لا تدخل ضمن فروعها الرئيسية، وهي مجلس الدفاع المشترك، ويتألف من وزراء الخارجية والدفاع أو من ينوب عنهم، والهيئة الاستشارية العسكرية، وتضم رؤساء أركان جيوش الدول المتعاقدة، واللجنة العسكرية الدائمة، ومن مهامها: إعداد الخطط العسكرية لمواجهة كل الأخطار المتوقعة أو أي اعتداء مسلح، إلى جانب مهام أخرى تتعلق بالتدريبات المشتركة والمعلومات المتعلقة بإمكانيات كل دولة من الناحية الحربية ومقدرتها في المجهود الحربي.

وفيما يخص القيادة العربية الموحدة، تنص المعاهدة على إنشاء قيادة عامة للقوات المشتركة في الميدان تكون رئاستها للدول التي تكون قواتها المشتركة في العمليات أكثر عددًا وعدة.

وفي مجال الاقتصاد: تأسس المجلس الاقتصادي، ومهمته: تسهيل عمليات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وفي إطار هذا المجلس وقعت العديد من الاتفاقيات الخاصة بتجارة الترانزيت والوحدة الاقتصادية والسوق العربية المشتركة.

من الآليات التي اتخذتها جامعة الدول العربية لتحقيق أهدافها إنشاء المجالس الوزارية المتخصصة، مثل: مجلس وزراء الصحة، ومجلس وزراء الشباب والرياضة، ومجلس وزارة التعليم العالي، ومجلس وزراء الزراعة، ومجلس وزراء الإعلام.

كما يوجد بالجامعة العربية العديد من المنظمات المتخصصة التي أنشئت لحاجة بعض اللجان إلى تخصصات بعينها، ومنها اتحاد البريد العربي، والاتحاد العربي للمواصلات السلكية واللاسلكية، واتحاد الإذاعات العربية. والمنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، والمنظمة العربية للعلوم الإدارية، والمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمة العمل العربية، ومجلس الطيران المدني للدول العربية، والمنظمة العربية للمواصفات والمقاييس، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والمنظمة العربية للصحة [مفيد محمود شهاب، جامعة الدول العربية ميثاقها وإنجازاتها، القاهرة معهد البحوث والدراسات العربية، ٩٧٨ ١، ص ١٠٠، ١١٦].

وليس من شك أن كل هذه المجالس واللجان والمنظمات قد أنشئت بغرض تدعيم التعاون العربي، وتوثيق عرى الأخوة بين الدول والشعوب العربية، ولا شك أن الجامعة العربية جمعت الدول والشعوب العربية تحت علم واحد، وحمت هويتها من التنافر والاندثار، وهي في هذا ولوجه الحقيقة والتاريخ قادرة على الفعل والتأثير على قيادة حركة تنمية عربية ونهضة حضارية؛ لولا المعوقات التي توضع في طريقها، والشد إلى الخلف الذي تتعرض له.


مصادر ومراجع للاستزادة

  • سامي حكيم، الضمان الجماعي العربي، مكتبة الأنجلو، القاهرة ١٩٦٥م.
  • محمد علي علوبه، مبادئ السياسة المصرية، القاهرة، دار الكتاب، يوليو١٩٤٢م.
  • سيد نوفل، العمل العربي المشترك، ماضيه ومستقبله، الكتاب الأول، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة ١٩٦٨م.
  • طلعت مسلم، التعاون العسكري العربي، مركز دارسات الوحدة العربية، بيروت ١٩٩٠م.

الخلاصة

الجامعة العربية هي منظمة إقليمية تضم الدول العربية، تأسست في عام ١٩٤٥م بهدف تعزيز التعاون والتضامن بين الدول العربية، وبدأت فكرة إنشاء الجامعة تتبلور خلال الحرب العالمية الثانية، حيث قامت بريطانيا بدور مهم في الدفع باتجاه إقامة جامعة الدول العربية، وتم التوقيع على ميثاق الجامعة في ٢٢ مارس ١٩٤٥، وبدأت الجامعة نشاطها في ١ مايو ١٩٤٥، وتضم الجامعة حاليًا ٢٢ دولة عضوًا، وتعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي والسياسي بين الدول العربية.

موضوعات ذات صلة

واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني.

بلد ذو تاريخ عريق، وموقع جغرافي استراتيجي جعلها ملتقى للحضارات.

كلمة (باكستان) مكونة من كلمتي (باك) ومعناها طاهرة و(ستان) معناها أرض، أي الأرض الطاهرة.

موضوعات مختارة