في سجلِّ التاريخ الإسلامي المجيد، تبرز الدولة الخوارزمية كقوةٍ فاعلة ومحورية في المشرق، فانطلقت من إقليم خوارزم لتتوسع وتفرض سيطرتها على مساحات شاسعة محققة استقلالها عن السلاجقة، ومواجهة لأبرز القوى المعاصرة لها.
في سجلِّ التاريخ الإسلامي المجيد، تبرز الدولة الخوارزمية كقوةٍ فاعلة ومحورية في المشرق، فانطلقت من إقليم خوارزم لتتوسع وتفرض سيطرتها على مساحات شاسعة محققة استقلالها عن السلاجقة، ومواجهة لأبرز القوى المعاصرة لها.
اتفق المؤرخون والجغرافيون المسلمون على تحديد إقليم خوارزم وذكروا أنه يحده غربًا بلاد الترك الغزية، وجنوبًا خراسان، وشرقًا بلاد ما وراء النهر، وشمالًا بلاد الترك أيضًا، وعاصمته جرجانية [الإصطخري: المسالك والممالك، ليدن، ١٩٢٧م، ص ٢٩٩، ابن حوقل: صورة الأرض، بيروت، ١٩٧٩م، ص٤٧٧]، وتقع خوارزم حاليًا ضمن جمهوريتي أوزبكستان وتركمانستان.
تعاقب على حكم إقليم خوارزم عدة أسر أهمها جميعًا أسرة أنوشتكين أتباع السلاجقة، الذين بسطوا سلطانهم على خوارزم منذ عهد طغرلبك، فظل الإقليم تابعًا لورثته من بعده.
كان أنوشتكين المؤسس عبدًا اشتراه أحد أمراء السلاجقة، وعمل عنده في وظيفة (الطشت دار) أو الساقي، وهي من وظائف البلاط المعروفة، كما أسندت إليه وظيفة (شحنة خوارزم) باعتبار هذه الوظيفة تابعة للطشت دار، إلى أن قام السلطان (بركياروق) بتنصيبه حاكمًا على خوارزم، وتلقب بلقب خوارزمشاه سنة ٤٩٠هـ/ ١٠٦٩م. مكافأة له على خدماته للبيت السلجوقي.
توفي أنوشتكين سنة٤٩٠هـ وخلفه ابنه قطب الدين محمد، الذي بذل جهدًا كبيرًا وسعيًا متواصلًا في إدارة شئون الإقليم، وحظي بمنزلة كبيرة عند سلاطين السلاجقة، خاصة السلطان سنجر الذي آل إليه حكم خراسان من قبل أخيه السلطان بركياروق.
ظل محمد بن أنوشتكين تابعًا مخلصًا للسلطنة السلجوقية حتى وفاته سنة٥٢١هـ/ ١١٢٦م في الوقت الذي كان ابنه آتسز يعمل في البلاط السلطاني.
تولى آتسز بعد وفاة والده سنة ٥٢٢هـ/١١٢٧م؛" فمد ظلال الأمن، وأفاض العدل"[ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتاب العربي، ج٨/ص١٨٤]. وكانت قواعد الألفة والمحبة مستحكمة بينه وبين السلطان سنجر، حتى "إن السلطان قربه إليه، واعتضد به، واستصحبه معه في أسفاره وحروبه، وزاده تقدمًا وعلوًا عنده". [المصدر السابق].
ظل الوفاق مدة ثماني سنوات، وعندما اطمأن آتسز إلى قوته سعى إلى الاستقلال عن السلاجقة، متخذًا من التمرد والعصيان وسيلة للوصول إلى هدفه، فثار على السلطان سنجر سنة ٥٢٩هـ/١١٣٤م، وشرع في مهاجمة ممتلكاته الواقعة أسفل نهر جيحون، وضمها إلى نفوذه، فكان ذلك أول صدام بين السلاجقة والخوارزميين.
كانت أول معركة قادها السلاجقة ضد آتسز عند مدينة هزار سب- وهي من قلاع خوارزم- سنة ٥٣٣هـ/١١٣٩م. وقد انتهت بانتصار سنجر، وهروب آتسز الذي عزله السلطان عن منصبه في خوارزم وعين مكانه ابن أخيه غياث الدين سليمان بن محمد السلجوقي، لكن آتسز نجح في العودة إلى خوارزم، وتمكن بمساعدة الأهالي من طرد الحاكم السلجوقي.
تأزمت العلاقة بين السلاجقة والخوارزميين حتى إن آتسز بدأ في مهاجمة أملاكهم وبعدها اتصل بالأتراك الخطا الوثثيين" وهم بما وراء النهر يُطمعهم في البلاد، ويروج لهم أمرهم، ويحثهم على قصد مملكة السلطان سنجر [أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، بيروت، دار المعرفة، د.ت، جـ٣/ ص١– ١٦]. لذلك هاجموا البلاد، مما أدى إلى هزيمة السلطان السلجوقي في موقعة قطوان بالقرب من سمرقند سنة ٥٣٦هـ/١١٤١م.
انتهز آتسز فرصة هزيمة سنجر، وأغار على خراسان، وقطع الخطبة للسلطان في عام خمسمائة وسبعة وثلاثين، ثم أعيدت مرة أخرى، وعمل آتسز على تأليب الأقطار الإسلامية عليه، فتوعده سنجر فلم يرتدع، لذلك قرر الانتقام منه، فجمع جنوده وقصد خوارزم سنة ٥٣٨هـ/١١٤٢م في الوقت الذي تحصن فيه آتسز ببلاده، ودارت بين الفريقين مناوشات من وراء الأسوار مدة عشرين يومًا، ولما طال الحصار على آتسز بعث إلى السلطان يعلن تراجعه عن موقفه، فعفا عنه بشرط أن يرد إلى السلطان الأراضي الخراسانية التي استولى عليها.
ومع ذلك شعر الخوارزميون بقوتهم وقرر آتسز الانفصال عن السلاجقة نهائيًا، وأعلن قيام الدولة الخوارزمية المستقلة سنة ٥٣٨هـ/١١٤٣م، وبعث إلى الخليفة العباسي المتقي لأمر الله (٥٣٢-٥٥٥هـ/١١٣٧-١١٦٠م) يشرح له مواقف السلاجقة السيئة، وعدد مواقف سنجر، وهجماته العسكرية على الخوارزميين، ومما جاء في هذه الرسالة طلبه من الخليفة" أن يصدر باسمه منشورًا برسمه على ولاية خوارزم شرقيها وغربيها، ومما ينضاف إليها وينعطف من بلادها وديارها".[الوطواط رشيد الدين: مجموعة رسائل رشيد الدين الوطواط، مطبعة المعارف، مصر، سنة، ١٣١٥هـ، جـ١/ص٩].
وقد بعث إليه الخليفة العباسي بالخلع والتشريفات، مما يدل على قيام هذه الإمارة المستقلة عن السلاجقة الذين فشلوا تمامًا في جميع الحملات التي وجهوها ضد الخوارزميين، مما جعل السلطان سنجر يعترف بآتسز حاكمًا مستقلًا عن السلاجقة.
بدأ نجم السلاجقة في الأفول نتيجة لعوامل كثيرة منها: النزاع والصراع بين أبنائهم بعد وفاة السلطان ملكشاه سنة ٤٨٥هـ/١٠٩٢م إلى جانب هجمات قبائل الأتراك الخطا، وكذلك الإسماعيلية الباطنية في فارس، وما كان بين الأتابكة والوزراء من صراع، هذا إلى جانب هزيمة السلطان سنجر على يد الأتراك الغز سنة ٥٤٨هـ/ ١١٥٣م، وأسـره ثـلاث سنـوات ثم مـوته سنة ٥٥٢هـ/١١٥٧م، وبوفاته لم يجد الخوارزمية منافسًا يقف أمامهم فتوسعوا على حساب الأراضي السلجوقية.
توفي آتسز سنة ٥٥١هـ/١١٥٦م، وتولى بعده ابنه آيل أرسلان الذي عاصر السلطان سنجر لمدة عام واحد فقط، ويذكر كل من المؤرخ skrin والمؤرخ " Rossأن آيل أرسلان يعتبر أول سلاطين الخوارزمية المستقلين". [Skrin,and Ross,Hhe Heart of Asia,London,١٨٩٩,p.١٤٠].
ومن معالم سياسته أنه لجأ إلى تسخير كل ممالك أبيه، وإخضاع حكامها لسلطانه، ودفع ثمن الخطأ الذي وقع فيه أبوه آتسز الذي استعان بالأتراك الخطا الوثنيين ضد السلطان سنجر، وفي نظير مساعدتهم له كان يدفع لهم الأموال، لكن آيل أرسلان امتنع عن الدفع مما دفع الترك إلى مهاجمة الأراضي الخوارزمية غربي نهر جيحون، كما دخل أرسلان في صراع مع سلاجقة خراسان خلفاء سنجر وأتابكتهم، واستغل ضعفهم وبدأ يسقط تدريجيًا أملاكهم ويستولي عليها تباعًا- في الوقت الذي كان يدافع عن أملاك سلاجقة خراسان آنذاك حاكم يدعى (المؤيد أي أبه)، لذلك احتدم الصراع بين الخوارزمية وبينه على نيسابور، واستعان (المؤيد) بحاكم أذربيجان (ألدكز) لإنقاذ المدينة، ومع ذلك رجحت كفة الحاكم الخوارزمي حتى أن (المؤيد) سعى لمصالحته، وتقديم الولاء له.
أما عن موقف آيل أرسلان من سلاجقة العراق العجمى، فقد استغل الصراع الدائر هناك بعد وفاة السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة ٥٥٤هـ/١١٥٩م. وانقسامهم حول ثلاثة من المرشحين، فحاول السلطان الخوارزمي مساعدة فريق على الآخر، وذلك لتحقيق مصلحته في أن يضم العراق العجمى إلى أملاكه ويقضي على نفوذ الأتابكة هناك لكنه فشل في ذلك.
ولكي يُكسب وضعه شرعية أرسل إلى الخلافة العباسية يعلن ولاءه وخضوعه لها، وحاول في نفس الوقت تصحيح مساره بتوجيه جهوده نحو محاربة الأتراك الوثنيين والامتناع عن دفع الجزية لهم، فخرج إليهم عام ٥٦٧هـ/١١٧٢م، ولكنه هُزم، وما لبث أن مرض وتوفي في نفس العام.
علاء الدين تكش بن آيل أرسلان (٥٦٧-٥٩٦هـ/١١٧٢-١١٩٩م):
بعد وفاة آيل أرسلان تولى ابنه الأصغر سلطان شاه محمود بعهد من أبيه، وعندما علم الابن الأكبر علاء الدين تكش بذلك وهو خارج البلاد، ثارت ثائرته، واتصل بخان الأتراك الخطا ليساعدوه ضد أخيه، في الوقت الذي استعان سلطان شاه بحاكم خراسان (المؤيد أي أبه)، والنتيجة هزيمة الأخير، وهروبه، ودخول تكش خوارزم، والجلوس على عرش السلطنة.
تبدلت العلاقة السلمية بين الأتراك الخطا وتكش بعد انتصاره على أخيه لرفضه الخضوع لسيطرتهم عليه، وامتناعه عن دفع الجزية، فكانت هذه فرصة لسلطان شاه للتحالف معهم ضد أخيه تكش، وإعداد حملة عسكرية ضد خوارزم، انتهت بهزيمة الخطا وحليفهم سلطان شاه الذي لم يتوقف عن أعمال الشغب والمحاولات العديدة للوصول إلى العرش الخوارزمي.
علاء الدين تكش والسلاجقة:
نجح تكش في الاستيلاء على نيسابور، وضمها إلى الأملاك الخوارزمية، فخابت آمال سلطان شاه الذي كان على رأس الجيش هناك، لذلك لجأ إلى محالفة دولة الغور في غزنة، لكن الحلف فشل، وانتهى الأمر بهزيمة الثائر الخوارزمي على يد الغوريين أنفسهم لعدم تلبيته لمطالبهم، وعندما علم بذلك تكش حاول القبض على أخيه لكنه فشل، كما حاول كسب صداقة السلطان الغوري، لكنه لم ينجح، ولم تستقر أموره إلا بوفاة أخيه سلطان شاه ٥٨٩هـ/١١٩٣م، لذلك تمكن من ضم جميع البلاد التي كانت تحت يد أخيه، وقبض وحده على زمام الأمور.[خواندامير: تاريخ حبيب السير في أخباري، نشر وتحقيق د/ سياقي، طهران، سنة ١٣٣٣هـ، جـ٢/ص٦٣٤].
أما عن علاقة تكش بالسلطان طغرل بن أرسلان السلجوقي٥٨٢-٥٩٠هـ/١١٨٧-١١٩٤م. فإنه لم يتخذ موقفًا أمام ما يجري من أحداث بين الخوارزميين والأتابكة التابعين له، ولم يحرك ساكنًا على ضياع أملاك سلاجقة خراسان التي استولى عليها السلطان تكش؛ بل تعدى ذلك إلى "التودد إلى الخوارزمي فراسله، وصادقه، وصافاه". [الحسيني صدر الدين علي: زبدة التواريخ، أخبار الأمراء والملوك السلجوقية، تحقيق/ محمد نور الدين، بيروت، ١٩٨٥م، ص٢٨٥] لكن هذه العلاقة الودية لم تستمر طويلًا لاختلافهما على امتلاك مدينة الري، وتدخل الخليفة العباسي الناصر لدين الله وأرسل منشورًا إلى تكش "يُقطِعه بلاد السلاجقة".[الذهبي: العبر في خبر من غبر، الكويت، سنة ١٩٦٣م، ص ٢٨٥] لذلك اندلعت الحرب بين تكش وطغرل سنة ٥٩٠هـ/١١٩٤م. وانتهت بهزيمة الجيش السلجوقي وقتل السلطان طغرل، وكان ذلك إيذانا باستيلاء الخوارزميين على العراق العجمى، ودخولهم همذان وتربع تكش على العرش السلجوقي.
علاء الدين تكش والخلافة العباسية:
كانت العلاقة بين القوتين طيبة منذ بداية دولتهم، وكانوا حريصين على الحصول على الخلع والتشريفات التي تصل إليهم من دار الخلافة؛ ليكسبوا حكمهم صبغة شرعية، وعندما أسقط الخوارزميون السلطنة السلجوقية تنفست الخلافة العباسية الصعداء، وبعث الخليفة الناصر لدين الله خلع الولاية إلى تكش مع مؤيد الدين بن القصاب، الذي لم يتوجه مباشرة إلى تكش في همذان، وإنما بقي على حدودها، وطلب منه القدوم اليه ليلبسه الخلعة فرفض تكش، مما أدى إلى توتر العلاقات بينهما، خاصة وأن الخوارزميين أصبحوا على مقربة من بغداد، فتوجس الخليفة منهم خيفة؛ لذلك بدأ الصدام الحربي منذ سنة ٥٩١هـ/١١٩٥م، حيث تحالفت قوات الخلافة العباسية مع قوات الأتابكة الذين تمكنوا وبزعامة ابن القصاب من بسط نفوذ الخلافة على ما كان بيد الخوارزميين في العراق العجمى، لذلك بعث تكش إلى ابن القصاب منكرًا عليه أخذ البلاد" وطلب منه إعادتها وتقرير قواعد الصلح".[ابن الأثير: الكامل، جـ٩/ص٢٣٢].
رفض قائد الخلافة هذا الطلب، واستأنف الحرب، وشاء حُسن حظ تكش أن تُوفي ابن القصاب، فتمكن من استعادة الأراضي في همذان والري وأصفهان، لكن أهل هذه البلاد كرهوا الخوارزمية، وتمنوا العودة إلى طاعة الخلافة العباسية؛ لأن الخوارزمية " حملوا كل ما وجدوه من متاع، ولم يتركوا شيئًا قط، فصارت تلك البلاد خاوية على عروشها، وتجاوز ظلمهم كل حد، وأسلموا الناس للهم والغم".[الراوندي: راحة الصدور وآية السرور: ترجمة/ عبد النعيم حسانين وآخرين، القاهرة، ١٩٦٠م، ص٣٨٢] وقد استجار أهل البلاد بالخليفة الناصر فلبى نداءهم بجيش أجبر الخوارزميين على ترك أصفهان، وبعدها همذان.
استعان الخليفة بسلطان الغور(غياث الدين)، وأمره بمهاجمة أراضي تكش حتى يبعد عن مهاجمة العراق العجمى، فاضطر تكش إلى الاستعانة بالأتراك الخطا الذين تمكنوا من غزو بلاد الغور "فقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا". [ابن الأثير: الكامل، جـ٩/ص٢٤١]، لكن غياث الدين ردهم وكبدهم خسائر كبيرة وقتلى قُدِّروا باثني عشر ألفًا.
لذلك بعث خان الترك إلى تكش يعنفه ويحمله مسئولية هؤلاء القتلى وطلب عن كل قتيل "عشرة آلاف دينار"، [المصدر السابق] واستمروا في غاراتهم مما دفع تكش إلى التصدي لهم ومهاجمة بخارى أهم مدنهم سنة ٥٩٤هـ/١١٩٧م.
وفي نفس الوقت تحسنت العلاقة بين الخوارزميين والغوريين الذين تدخلوا في الصلح بين تكش والخليفة الناصر، حتى إن تكش بعث إلى الخليفة ابنَ أخيه عام ٥٩٦هـ/١١٩٩م "ليظهر الطاعة والعبودية والاعتذار للخليفة.. وخلع عليه الخليفة وأكرم مثواه". [ابن الساعي تاج الدين: الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، نشر مصطفى جواد، بغداد سنة ١٩٣٤ م، جـ٩/ص١٩] وأرسل معه إلى تكش الخلع والهدايا ومنشورًا جديدًا، اعترافًا من الخلافة بحقه في ضم إقليم الجبل إلى الأراضي الخوارزمية.
وقد انشغل تكش بعد ذلك بمحاربة الشيعة الباطنية الإسماعيلية في قلاعهم بفارس، وتُوفي بعدها في العشرين من رمضان٥٩٦هـ/١٢٠٠م.
علاء الدين محمد خوارزمشاه (٥٩٦-٦١٧هـ/١٢٠٠-١٢٢٠م):
تولى بعد وفاة والده، وقد واجه مشاكل كثيرة من القوى الداخلية والخارجية أهمها خروج ابن أخيه (هندوخان) عليه ولجوؤه إلى الدولة الغورية طالبًا للحماية، وكذلك ما خاضه من معارك حربية ضد الغور، والخطا، والخلافة العباسية، ثم بعد ذلك مواجهته للخطر الأعظم وهو الهجوم المغولي على بلاده.
علاء الدين محمد والدولة الغورية:
عندما لجأ (هندوخان) إلى الغوريين، قاموا بالهجوم على الأراضي الخوارزمية في خراسان وقاموا بتولية الأمير الهارب أميرًا عليها، وعملوا على تصفية الأملاك الخوارزمية في فارس؛ لكنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها لنجاح علاء الدين محمد في استردادها منهم بعد وفاة سلطانهم غياث الدين الغوري، ثم هزيمة خوارزمشاه للسلطان شهاب الدين الغوري بمساعدة الأتراك الخطا سنة ٦٠١هـ/١٢٠٤م الذين خافوا بأس الغوريين الذين يمثلون خطرًا على بلادهم.
ولحسن حظ الخوارزميين والأتراك فإن شهاب الدين الغوري قُتل على يد إحدى القبائل الهندية، مما أدى إلى انقلاب ميزان القوى في الجبهة الشرقية حيث اندلع النزاع بين أبناء البيت الغوري مما سهل لعلاء الدين محمد تصفية ممتلكاتهم والاستيلاء عليها، ودخلت بلادهم غزنة وفيروزكوه داخل نطاق الدولة الخوارزمية.
علاء الدين محمد والأتراك الخطا:
رفض علاء الدين دفع الأموال للترك الوثتيين لعجزه عن السداد، كما رغب في تلبية نداء أهل سمرقند وبخارى الذين استجاروا به من ظلم كورخان حاكم الترك.
تعرض علاء الدين في لقائه الأول إلى هزيمة كبيرة أدت إلى وقوعه ومعظم جنوده أسرى في أيدي الأتراك؛ لكنه ما لبث أن هرب عن طريق خدعة ماكرة، وعاد إلى بلاده.
كرر علاء الدين المحاولة ضد الخطا الذين تصدوا له بقوات على رأسها قائد محنك يدعى (بطانيكو)؛ لكن خوارزمشاه هزمه هزيمة ساحقة حتى انساح الخوارزميون في بلادهم "فملكوها مدينة مدينة، وناحية ناحية" [ابن الأثير: الكامل، جـ٩/ ص٢٩٤، ص ٢٩٥]. وتحرر سلطان سمرقند المسلم من الوثنيين، وصاهر علاء الدين محمد، لكن السلطان المسلم ما لبث أن انقلب على علاء الدين محمد واتصل بخان الخطا المهزوم كورخان، وتزوج ابنته، وأهان ابنة خوارزمشاه، وقطع علاقته به، فتجددت الحرب بين علاء الدين محمد وحاكم سمرقند انتهت بانتصار الخوارزميين، ودخول علاء الدين محمد سمرقند التي اتخذها عاصمة له حتى سقوط الدولة.
علاء الدين محمد والخلافة العباسية:
كانت العلاقة بينهما في بداية حكمه طيبة، وتبادلا الرسل والهدايا، لكن ما لبثت أن تدهورت عندما طمع خوارزمشاه في إقامة الخطبة له في بغداد مع الخليفة الذي رفض مطلبه، لذلك أظهر علاء الدين التمرد والعصيان، واتخذ من بعض الموضوعات أساسًا للتصدي للخليفة الناصر لدين الله منها: عزل الخليفة لابنه الظاهر من ولاية العهد، وكذلك قيام الخليفة بالتآمر على قتل شريف مكة على يد أحد الباطنية، كما ادعى أنه بعد سقوط الدولة الغورية وجد في خزائنهم وثائق تحوي أوامر من الخليفة تحرض على القضاء على الخوارزميين، وادعى أيضًا أنه وجد وثائق مماثلة في خزائن الأتراك الخطا تحض على نفس الموضوع؛ لذلك قام بتأييد حركات التمرد ضد الخلافة، ثم بدأ يروج على أن العباسيين اغتصبوا الخلافة من العلويين، فأصدر أمره بعزل الخليفة، وإسقاط اسمه من السكة والخطبة، وحصل على فتوى شرعية على العزل، ثم خرج بحملة عسكرية سنة ٦١٤هـ/١٢١٧م، لكنه توقف في العراق العجمى؛ لمقتل نائبه بها على يد الباطنية، واستأنف الهجوم في العام التالي، لكنه مُنى بهزيمة اضطرته إلى العودة إلى بلاده حيث ندم على فعلته في حق خليفة المسلمين، وبعث بالشيخ السهروردي إلى دار الخلافة "مستشفعا بالله منذرًا وعن البغي محذرًا".[النسوي: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، تحقيق حافظ أحمد حمدي، القاهرة، سنة ١٩٥٣م، ص٦٤].
وقد اتفق رأى المؤرخ النسوي مع ابن الأثير في أن من يتجرأ على حرمة الخلافة يخسر الدنيا والآخرة" لأن بيت الخلافة يؤيده الله بملائكة سمائه، وله سر في إدامته وبقائه". [المصدر السابق ابن الاثير: الكامل، جـ٩/ص٣١٣] وقد توقفت جميع مشاريع خوارزمشاه ضد الخلافة للظروف التي واجهها فيما بعد.
الخوارزميون والمغول:
عاصر علاء الدين محمد حركة الاجتياح الكبرى للمغول، وقد حاول بعض المؤرخين القدامى والمحدثين صبّ اللوم على الخليفة العباسي الناصر لدين الله على أنه هو الذي حرض المغول على غزو الأراضي الخوارزمية، منهم ابن الأثير، وابن الفرات المتوفى سنة ٨٠٧هـ/١٤٠٤م، وميرخوند الفارسي الذي عاش بعد ابن الفرات بقرن من الزمان، والذي نسج على هذا الاتهام، ورتب طريقة اتصال الخليفة بالمغول، كما أيد هذه الرواية أبو الفدا والمقريزي، وكثير من المؤرخين المحدثين من المسلمين والأجانب، وهناك من يرفض ويبعد عن الخليفة شبهة كهذه.
بدأ الصدام المغولي الخوارزمي مبكرًا عندما التقى علاء الدين محمد بمحض الصدفة وأثناء عودته من صحراء القرغيز مع جوجي بن جنكيزخان القائد المغولي، فقامت قوات خوارزمشاه بملاحقة الجيش المغولي، لكن القائد جوجي لم يشتبك معهم؛ لأن الخاقان الأعظم أمر ألا يدخل في حرب مع المسلمين، وكتب إلى خوارزمشاه رسالة بهذا المعنى، لكن السلطان المسلم رد عليه قائلًا: "إن كان جنكيزخان قد أمرك ألا تقاتلني، فالله تعالى أمرني أن أقاتلك، ووعد لي على قتالك الحسنى". [النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص٤٧] لذلك احتدمت الحرب بين الطرفين وانتهت بانسحاب المغول وعودتهم إلى بلادهم.
ومع ذلك فقد اعتبر كل واحد من - الفريقين أن هذا القتال نتيجة خطأ يؤسف له، حتى أن جنكيزخان نفسه عندما جاور الدولة الخوارزمية لم يشأ أن يجاهر سلطانها العداء؛ بل حرص على أن يسالمه، كما أن خوارزمشاه كان يتتبع أخبار جنكيزخان وهو بالصين، وكانت قوافل التجار تروح وتجيء بين ممالك جنكيزخان وخوارزمشاه وهي تحمل الأمتعة والبضائع ليتبادلها الطرفان في حرية وأمان. [الجوزجاني: طبقات ناصري].
وحدث أن استقبل علاء الدين محمد بعد عودته من حملته على العراق سنة ٦١٥- ٦١٨هـ/١٢١٨-١٢٢١م ثلاثة من التجار وهم رسل جنكيزخان" مصحوبين بمجلوبات الترك من نقر المعادن، ونصب الحنو، ونوافج المسك، وأحجار الشب، والثياب التي تسمى طرقوا". [النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص٨٣]، وكانوا يحملون رسالة من جنكيزخان فَهِم منها خوارزمشاه أنها تحمل طابع التهديد والوعيد، حيث اعتبره جنكيزخان مثل أعز أولاده، ومعناها التبعية للخاقان المغولي.
وليس بخافٍ أن جنكيزخان أراد أن يخبر السلطان الخوارزمي أنه فتح الصين، وأخضع كافة الطوائف التركية، واعتبرهم رعاياه، وبما أن علاء الدين محمد تركي الأصل، فإن هذا القول يحمل معنى التهديد والوعيد، ومع ذلك كظم السلطان غيظه، ثم صرف الرسل بعد أن رد عليهم ردًا حسنًا، ووقع على معاهدة تجارية مع المغول.
بعد ذلك، قام جنكيزخان بإخضاع القبائل التركية وغيرها المنتشرة في آسيا الوسطى بحجة تأمين الطرق التجارية، فاعتبر خوارزم شاه ذلك عملًا عدوانيًا.
كما حدثت حادثة أخرى أثرت على العلاقات بين القوتين، فقد خرج ثلاثة من التجار الخوارزميين إلى أقصى الشرق- حيث معسكرات المغول وبلاط جنكيزخان-، يحملون معهم البضائع من الثياب المذهبة، وقد خفرهم حراس الطرق (المستحفظون) وقادوهم إلى بلاط جنكيزخان الذي أعجب بما معهم، فطلب الأول ثمن البضاعة فقبض عليه، لذلك فطن الآخران للموقف فأبلغا جنكيزخان أن ما معهما هدايا له، لذلك عاملهم معاملة طيبة، وعندما قررا العودة اختار جنكيزخان مجموعة من رجاله لتكوين قافلة تحمل الأمتعة، وصل عدد أفرادها أربعمائة وخمسين رجلًا، وعندما وصلوا إلى مدينة (أوترار) على نهر سيحون، التي كان يحكمها ابن خال خوارزمشاه المدعو(ينال خان) تعدى هذا صلاحياته، ولم يستمع لرأى خوارزمشاه في التحفظ على رجال القافلة؛ بل قام بقتل رجالها، رغم أن المؤرخين مثل ابن الأثير والجوزجاني الفارسي وكثير من المؤرخين الأجانب ذكروا أن السلطان الخوارزمي أمر نائبه الحاكم على (أوترار) أن يقتلهم جميعًا، وأن يحوز على سلعهم؛ لأن السلطان شك في أمرهم وأنهم لم يكونوا تجارًا إنما جواسيس للمغول أرادوا أن يعرفوا المسالك والطرق، ومداخل البلاد ومخارجها.
استاء جنكيزخان تمامًا من هذا التصرف، وبعث إلى السلطان الخوارزمي يطلب منه تسليم (ينال خان) إليه " وتوعده إن لم ينفذ طلبه بحرب ترخص فيها غوالي الأرواح، وتتعضد معها عوامل الرماح". [النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص٨٧].
رفض السلطان تسليم (ينال خان)؛ بل قرر قتل جميع الرسل الذين قدموا إليه، ويذكر النسوي:" فيا لها من قتلة هددت دماء الإسلام، وجرت بكل نقطة سيلا من الدم الحرام". [المصدر السابق، ص٨٨]. فكانت مذبحة أوترار هي الشرارة التي فجرت رغبة جنكيزخان، وجعلته يسرع للتنفيس عن غريزته الطبيعية في الذبح والحرق والتدمير، فزحف بجيوشه الجرارة، يساعده في قيادتها أبناؤه الأربعة.
يذكر المؤرخ بارتولد: أن مسألة اتجاه جنكيزخان لمحاربة السلطان لا ترجع إلى مذبحة (أوترار)؛ بل إنها ترتبط بخطة جنكيزخان في الفتح والغزو [بارتولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة/ أحمد السعيد سليمان، القاهرة، ٩٨٠ ١م، ص١٤٩]، لذلك استعد السلطان الخوارزمي بالجيوش والتحصينات، واستنفر الناس للدفاع عن الإسلام، وجمع التبرعات والمعونات لإيقاف المغول ومنعهم من عبور نهر سيحون، لكن بعضًا من أمراء الجيش لم يستحسنوا الفكرة، ورأوا "أنه من الأفضل ترك المغول يعبرون النهر" ثم اصطيادهم بعد ذلك في بلاد ما وراء النهر التي لا يعرف مسالكها؛ بل وقطع المدد عنهم وإهلاكهم".[ابن الأثير: الكامل، جـ٩/ص٣٣١]. وقام خوارزمشاه بتفريق عساكره بمدن ما وراء النهر وبلاد الترك، أما جنكيزخان فقد وزع قيادة جيشه بين أبنائه الأربعة، ووجه كل واحد منهم ناحية، وذلك للحيلولة دون اتصال السلطان محمد ببقية جنوده الذين يدافعون عن البلاد المحاصرة.
بدأ الهجوم المغولي على أوترار مفتاح ما وراء النهر، فقاوم حاكمها ينال خان مقاومة باسلة، لكن المغول تمكنوا من السيطرة على المدينة، وأسروا حاكمها، وتوزعت جيوش المغول على مدن ما وراء النهر، وأمر جوجي بن جنكيزخان جنوده بالعبور إلى خوارزم، وبذلك سيطر المغول على القسم الغربي من بلاد ما وراء النهر، وقطعوا اتصال الخوارزميين به، ثم توجهوا للسيطرة على بخارى وسمرقند، التي أفاض المؤرخون في وصف ما أصابها من قتل وسلب ونهب وتدمير، وقع على مسامع السلطان وقع الصاعقة.
استعد السلطان للقاء المرتقب، في الوقت الذي تعرض فيه لخيانة بدرالدين العميد نائب وزيره على أوترار، فقد كان كارهًا للسلطان حتى دبر خطة الغرض منها التفريق بين خوارزمشاه وجنوده، وبينه وبين أمه تركان خاتون، وفعلا نجحت الخطة، وهربت أمه من البلاد حاملة متاعها ومجوهراتها وحاشيتها متوجهة إلى العراق العجمى، لكن المغول كانوا أسرع منها فقبضوا عليها وأسروها وقادوها وحاشيتها وأبناء السلطان إلى معسكر جنكيزخان، فظلت أسيرة لديهم حتى وفاتها.
أما عن السلطان علاء الدين محمد فقد لاحقته قوات جنكيزخان تحت قيادة القائدين تشيبي وسبوتاي، اللذين كانا يستوليان على كل مدينة يبحثون فيها عن السلطان الهارب الذي هام على وجهه لا يلوي على شيء، يخرج من مدينة إلى أخرى، والقوات المغولية تلاحقه، ففكر في التوجه إلى بغداد، لكنه تخوف من ملاحقة المغول له هناك، وأخيرًا لم يكن أمامه سوى الهروب إلى مدينة مازندران فوصل إليها، واستقر في قرية على بحر الخزر (قزوين) قريبة من استراباد، ومع ذلك دلهم على مكانه بعض أقاربه الناقمين عليه، فعندما علم خوارزمشاه بنبأ وصول المغول إلى مكانه، ركب سفينة وأسرع بها، بينما سهام الأعداء تنهال عليه من كل جانب، فوصل إلى الجزائر الصغيرة المنعزلة في بحر قزوين" فأقام بها طريدًا فريدًا، لا يملك طارقًا ولا تليدًا"[المصدر السابق، ص١٠٨، الذهبي: العبر في خبر من غبر، جـ٥/ص٧٠]، وكان أهل المنطقة يعطفون عليه ويقدمون له الطعام، لكن المرض اشتد عليه عندما علم بأخبار القبض على أمه وزوجاته وأبنائه وبناته، وغلب عليه الحزن الذي أدى إلى وفاته في نفس الجزيرة التي نزل بها" ولم يجدوا ما يكفنونه به، فكفن بقميص الشخص الذي غسله"، [ المصدر السابق، ص٠٨ ١، الذهبي: العبر في خبر من غبر، جـ٥/ ص٧٠] ودفن بالجزيرة سنة ٦١٧هـ/١٢٢٠م، وآلت السلطنة بعده إلى ابنه جلال الدين منكبرتي.
جلال الدين منكبرتي (٦١٧- ٦٢٨هـ/١٢٢٠- ١٢٣١م):
ورث جلال الدين تركة مثقلة بالهموم، ومملكة متداعية، وعدوًا لا يرحم استولى على معظم أرجائها، فقد ولّاه أبوه بعد أن غيَّر العهد من أخيه (أوزلاغ شاه) إليه، وذلك قُبيل وفاته، فقد ذكر الأب: "أن عرى السلطنة قد انفصمت والدولة قد وهت قواعدها وتهدمت، وهذا العدو قد تأكدت أسبابه، وتشبثت بالملك أظفاره، وتعلقت أنيابه، وليس يأخذ ثأري منه إلا ولدي منكبرتي".[النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص١٢٠].
بعد هروب الأسرة الخوارزمية حكم بلادهم حاكم يدعى (كوه دورغان) الذي أساء معاملة الأهالي، لذلك عمل منكبرتي وأخوه على إنقاذهم، فعندما وصلا استقبلهما من بقي من أهلها استقبالًا طيبًا، لكن القبائل التركية المختلفة تآمرت ضدهما مما دفع منكبرتي للهروب وحده إلى مدينة (نسا) بخراسان، تاركًا أخاه (أوزلاغ شاه) وأخًا آخر بالبلاد التي وصلت إليها القوات المغولية راغبة في القبض على الأخوين؛ لكنهما تمكنا من الهرب، فلحق بهما المغول، وتمكنوا من القبض عليهما وقتلهما، وبذلك أصبح منكبرتي وحيدًا.
تعقب المغول منكبرتي من مدينة إلى أخرى، وفي كل واحدة تستعر المعارك الحربية، وكان أهمها في نيسابور، وزوزن، وبست، وقندهار، وقد تمكن منكبرتي من الانتصار على الجيوش المغولية التي ظلت تلاحقه حتى وصل إلى غزنة "فدخلها ظاهرًا، ظافرًا، ولله على تيسير النجح شاكرًا"، [النسوي: المصدر السابق، ص١٣٤] حيث استطاع أن يجمع بها جيشًا كبيرًا ليتصدى به للمغول الذين دخلوا آنذاك خوارزم وأسقطوها، وتلاها خراسان التي هاجمها المغول من قبل أثناء ملاحقة أبناء البيت الخوارزمي، فسقطت ترمذ، وبلخ، ثم الطالقان، وكانت مهمة بقية المدن الخراسانية تقع على عاتق تولودي بن جنكيزخان، الذي أسقط نسا، ثم مرو، ونيسابور. ويذكر الجويني عطا ملك: "أنهم قطعوا رؤوس القتلى وبنوا منها أهرامات عالية أحدها للرجال، والآخر للنساء، والثالث للأطفال"[Juwaini,Ala-Al-din Ata Malik,Tarikh Jahan-GushaymP.٤٠٨] وتلا ذلك مدينة هراة تمهيدًا للوصول إلى جلال الدين في غزنة.
كان جيش منكبرتي الذي أعده لمهاجمة المغول مختلف الأجناس والأعراق، حقق به نصرًا عام ٦١٨هـ/١٢٢١م. عند (بيروان) في شمال شرقي غزنة، فارتفعت معنوياته، وجهز للقاء آخر، لكن الفرقة دبت بين جيشه للصراع الذي احتدم بين الترك والخلج الأفغان؛ لأن السلطان كان يميل إلى الترك أبناء جنسه، لذلك انسحب الخلج تاركين منكبرتي وحده مع عصبته التي لا تقوى على التصدي وحدها للمغول، الذين هاجموه هجومًا لم يستطع مواجهته، لذلك هرب إلى نهر السند، ولحقت به قوات المغول حيث دار القتال على ضفة النهر في الثامن من شوال سنة ٦١٨هـ/١٢٢١م، تعرض فيه منكبرتي لهزيمة ساحقة وتم أسر ابنه، وقد رأى والدته وزوجته يَصحن بأعلى أصواتهن ليخلصهن من الأسر" فأمر بإغراقهن في ماء السند حتى لا يَمتن على يد المغول".[النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص١٥٩].
لم يصبح أمام منكبرتي مفرٌّ سوى الهروب إلى بلاد الهند؛ لذلك عبر نهر السند، وحطت به الأمواج في منطقة بعيدة، ومعه ثلاثة من رجاله، وما لبث أن لحق بهم غيرهم، لكنهم للأسف أساءوا إلى أهل البلاد فظلوا يقتلون وينهبون حتى يحصلوا على السلاح والمال، كما حدثت مشاكل بينهم وبين الولاة الهنود، وقاموا بمحاربتهم، وقضى منكبرتي فترة كلها صراع وقتال، حتى كرهه أهل الهند، فاضطر إلى تركها وما بها من مشاكل والتوجه صوب العراق العجمى، أي إلى أملاكه السابقة والانتقام من كل من تصور أن له يدًا في استدعاء المغول خاصة الخليفة العباسي، منتهزًا فرصة انحسار المد المغولي.
تنقل جلال الدين من كرمان إلى شيراز، ووجه نظره ناحية العراق العربي، وأكثر رجاله من السلب والنهب وقطع الطريق، حتى وصلوا إلى (يعقوبا) بالقرب من بغداد، حتى أن أهلها "تجهزوا للحصار، وأسلحوا السلاح من الجروخ والقسي والنشاب". [ابن الأثير: الكامل، جـ٩/ص٣٥٦].
ورغم هذه الاستعدادات، إلا أن منكبرتي ترك الاتجاه ناحية بغداد وتوجه إلى البصرة، ثم تركها إلى خوزستان، وأخذت فرقة من جيشه طريقها ناحية تكريت حتى وصلت إلى الموصل.
معنى ذلك أن الفترة التي هدأ فيها الغزو المغولي، استغلها جلال الدين في الانتقام من الخلافة العباسية، وكثير من البلدان التي ليس لها ناقة ولا جمل في هذه الظروف والحروب الدائرة.
وصل منكبرتي إلى أذربيجان وحاصر عاصمتها تبريز، فسلمتها له زوجة أتابكها (أزبك البهلوان) سنة ٦٢٢هـ/١٢٢٥م، وبعدها هاجم مملكة الكرج المسيحية وعاصمتها تفليس في بلاد الأبخاز والذين اعتادوا على مهاجمة المسلمين، ثم استغلوا فترة الغزو المغولي فركزوا هجماتهم، حتى أنهم بدأوا بالعدوان، فهاجم منكبرتي عاصمتهم - التي كانت محصنة تحصينًا كبيرًا، وتمكن من الانتقام من الكرج، حتى هربت ملكتهم (روسودان) إلى (كوتاهية).
منكبرتي والباطنية:
كان لهجمات الباطنية الإسماعيلية المستمرة على القيادات السنية، أن حاول منكبرتي استئصال شأفتهم؛ لأنهم اعتدوا على الأراضي الخوارزمية، وأرسلوا مجموعات من فدائييهم ليندسوا بين صفوفهم، فعندما اكتشف منكبرتي خمسة منهم أمر بإحراقهم، لذلك بعث إليه زعيمهم (شيخ الجبل) يطلب دفع دية عن كل فدائي، تقدر بحوالي عشرة آلاف دينار، فاضطر منكبرتي إلى الموافقة.
كثرت المواقف التي أدت إلى اشتعال الموقف بين الخوارزميين والباطنية مما جعلهم يحاولون التقرب من الخوارزميين، لكن إلى حين، أي أثتاء فترة قوة منكبرتي، لكن عندما حلت به الهزائم على يد الأيوبيين والسلاجقة تحالفوا ضده مع المغول.
منكبرتي والقوى الإسلامية: الأيوبيون - السلاجقة:
اكتمل نمو الدولة الخوارزمية على عهد علاء الدين محمد الذي عاصر السلطان الملك العادل الأيوبي، الذي حاول كسب ود السلطان الخوارزمي.
بعد وفاة العادل حدث انقسام بين أبنائه، مما دفع المعظّم عيسى حاكم دمشق إلى مراسلة الخوارزمية طالبًا مساعدتهم ضد أخيه الكامل محمد سلطان مصر، كما تنازع أخوه الأشرف موسى مع أخيه شهاب الدين غازي على مدينة خلاط المجاورة لأملاك منكبرتي، ونجح الأشرف موسى في انتزاعها منه.
قام منكبرتي بمهاجمة خلاط وانتزعها من الأشرف موسى٦٢٧هـ/١٢٣٠م، في الوقت الذي لم يحرك أبناء البيت الأيوبي ساكنًا لدفع الخوارزميين الذين قاموا بأعمال وحشية في خلاط، لكن سلاجقة الروم في آسيا الصغرى توجسوا خيفة من منكبرتي واعتقدوا أنه سيهاجم بلادهم، فاتصلوا بالأيوبيين وكوّنوا معهم حلفًا ضد منكبرتي برئاسة الأشرف موسى الأيوبي وعلاء الدين كيقباذ السلجوقي، ومع ذلك قرر منكبرتي مبادرتهم قبل أن يجتمعوا، لكنه هزم هزيمة كبيرة أدت إلى عودة كل واحد منهم إلى بلاده.
حاول منكبرتي في نهاية أيامه جمع الشمل الإسلامي لمواجهة المغول الذين تحركوا مرة أخرى بعد توقفهم لمدة عامين بسبب وفاة جنكيزخان سنة ٦٢٤هـ/١٢٢٧م، حتى تم تعيين ابنه أوكتاي خانًا على المغول سنة ٦٢٦هـ/١٢٢٩م.
ولم يَكد منكبرتي يحط الرحال في خلاط حتى وردت الأنباء أن جيش المغول وصل إلى آران، وأنه قادم من ناحية تبريز، الأمر الذي سبب قلقًا كبيرًا لمنكبرتي، وجعله يغير من سياسته الهجومية الوحشية ضد الحكام المسلمين، فعمد إلى طلب المساعدة منهم، للوقوف أمام الغزو المغولي، إلا أنهم لم يستجيبوا له؛ بل تركوه وحيدًا أمام عدو جبار حتى لقى مصرعه على يد أحد الأكراد في ميافارقين سنة ٦٢٨هـ/ ١٢٣١م.
وهكذا سقطت الدولة الخوارزمية التي لعبت دورًا مهمًا كدولة من دويلات المشرق الثغرية، وسقط آخر سلاطينها، الذي اختلفت حوله الآراء؛ فنرى المؤرخين الفرس والترك يضفون عليه هالة من القداسة، في حين أن المؤرخين العرب تحاملوا عليه، ووصفه معظمهم بأحط صفات الغدر وسوء الأخلاق.
البقايا الخوارزمية في العالم الإسلامي:
تشتتت القوات الخوارزمية بعد مقتل منكبرتي، واستيلاء المغول على معظم أراضي الجزيرة، وأرمينية، وخلاط، وأصبحوا جنودًا مرتزقة لمن يدفع أكثر، فشاركوا علاء الدين كيقباذ سلطان سلاجقة الروم في حروبه ضد الأيوبيين والأراتقة، كما قدموا خدماتهم للخلافة العباسية، حيث استخدمهم الخليفة المستنصر بالله ٦٣١هـ/١٢٣٤م، ثم قدموا خدماتهم للأيوبيين في خلافاتهم الأسرية خاصة الصالح نجم الدين أيوب وأخاه العادل الثاني، فناصروا نجم الدين حتى استقرت له السلطنة في دمشق وأصبحوا هم خاصته؛ لكنهم كانوا يعيثون فسادًا في البلاد التي دخلوها، فقد" وضعوا السيف في أهلها، وقتلوا منهم ما لا يحصى عدده، وارتكبوا الفواحش بالنساء".[ابن العديم كمال الدين: زبدة الحلب في تاريخ حلب، تحقيق/ سامي الدهان، دمشق، سنة ٩٦٨ ١م، جـ٣/ص ٢٥٣]، في وقت كان لا بد من اتحاد القوى الإسلامية المتناحرة للتصدي للخطر الزاحف، كما كان لا بد أيضًا أن يعتبر الخوارزمية مما أصابهم، لكنهم استمروا على سياستهم.
ولعل العمل الإيجابي الذي قاموا به آنذاك هو نجاح هذه الفرق الخوارزمية في استعادة بيت المقدس من الصليبيين سنة ٦٤٢هـ/١٢٤٤م بعد أن سلمها لهم الصالح إسماعيل الأيوبي، كما أنهم قاموا بتعقب الفرنج الفارّين من المدينة إلى غزة.
وبعد أن أنهى الخوارزميون خدماتهم للصالح أيوب ضاق بهم ومن أطماعهم، فتخلص منهم حتى تشتتت قواتهم في البلدان الإسلامية، ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك.
غلبت على الدولة الخوارزمية السمات الحضارية التي كانت سائدة آنذاك في بلاد المشرق الإسلامي، خاصة مظاهر الحضارة السلجوقية.
فإذا تكلمنا عن السلطنة الخوارزمية نجد أن حكامهم تلقبوا منذ عهد محمد بن أنوشتكين بلقب (خوارزم شاه) أي ملك خوارزم. ولما اتسع نطاق حكمهم منذ عهد علاء الدين تكش تلقبوا بلقب (سلطان) وفي عهد علاء الدين محمد أطلق على نفسه لقب (إسكندر). [خواندامير: حبيب السير، جـ٢/ص٦٤٦].
كانت سلطة السلطان الخوارزمي غير محدودة في العزل والتولية لجميع موظفي الدولة، وله سلطان إعلان الحرب وقيادة الجيوش، وإقطاع الأراضي وفرض الضرائب.
كما كان نظام الحكم وراثيًا، حيث جرت العادة أن يعين السلطان ولي عهده في حياته، ولا بد أن يكون الابن الأكبر، كما كان يعين نوابًا عنه في المدن بالأقاليم التابعة له، ولم تكن السلطة الممنوحة لهم كاملة؛ بل كان السلطان يتدخل في شئونهم. [عن مظاهر التدخل وكيفيته انظر: الراوندي: راحة الصدور، ص ٥٥١- ٥٥٢].
ومن أهم الوظائف:
وظيفة الوزير التي ظهرت منذ عهد آتسز، وكان تعيينه من صلاحية السلطان، لذلك كانت سلطة الوزير محدودة، وكان عدد الوزراء يتباين حسب السلاطين، حيث إن علاء الدين محمد اتخذ أكثر من وزير، كما كان الوزراء يعيشون في الإقطاعات الممنوحة لهم، ومن أبرز الوزراء: محمد بن أحمد النسوي، مؤلف سيرة السلطان جلال الدين.
أما عن دواوين الدولة فأبرزها ديوان الجيش الذي كان يسمى أحيانًا "ديوان العرض" [النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص٤٩]، كما كان هناك ديوان الإنشاء وهو من الدواوين المُهمة، واعتبرت وظيفة كاتب الإنشاء من الوظائف الرئيسية لدي الخوارزميين، ومن أبرز من تولوا هذه الوظيفة: رشيد الدين محمد العمري المعروف "برشيد الوطواط" على عهد آتسز. [انظر: رشيد الدين الوطواط: حدائق السحر في دقائق الشعر، نقله عن الفارسية/ إبراهيم الشواربي، القاهرة، ١٩٤٥م، انظر مقدمة المترجم].
وهناك وظيفة الحاجب، حيث ثبت أن أغلب سلاطين الخوارزميين اتخذوا عددًا من الحجاب، كما كانت هناك وظيفة مشابهة للحجابة وهي الوكيلدارية [النسوي: المصدر السابق، ص٨٢]، ويبدو أن صاحبها كان يلازم السلطان ويحادثه في أوقات فراغه.
ومن وظائف الدولة: وظيفة "الطغراء" والمقصود به رئيس الديوان السلطاني، ويلقب بالطغرائي، ومنزلته دون منزلة كاتب الإنشاء، أي: عكس ما كان عليه الحال عند السلاجقة [النسوي: المصدر السابق، ص٥٧، ٥٨]، كما وجدت وظيفة الاستيفاء وصاحبها من كتاب الأموال بالدواوين، وهو أشبه بوزير المالية، وإلى جانبه الخازن الذي يقوم بالإشراف على بيت المال فيما يتعلق بالوارد والمنصرف من الأموال، وهناك أستاذ الدار الذي يشرف على المطابخ والشراب خاناه، والحاشية والغلمان.
أما أبرز وظائف الدولة فهي وظيفة القاضي الذي عليه أن يتناول الفصل في القضايا العامة والخاصة، ويقوم بتدريس العلوم الدينية في المدارس والمساجد، ومن أبرز هؤلاء القضاة العلماء: القاضي عز الدين القزويني الذي درس بمدارس تبريز وعدة مدارس أخرى. [النسوي: المصدر السابق، ص٢٠٨].
وكان هناك قضاة العسكر الذين يفصلون في الخصومات بين الجند، وقضاة المظالم، والمحتسبين، إلى جانب وظائف خدمات السلطان.
كان الإقطاع أسلوبًا من أساليب الإدارة الخوارزمية، وكان هدفهم من توزيع الإقطاعات مشابهًا لأهداف السلاجقة؛ وذلك لأن الخوارزميين قضوا حياتهم كلها في حالة حرب مما استدعى استخدام نظام الإقطاع الحربي. كما كانت حياتهم العسكرية هذه وحروبهم الطويلة سببًا لاهتمامهم بالنظام العسكري وبتسليح الجيش، وحسن تدريبه.
فقد كان معظم جيشهم يتكون من مجموعة قبائل تركية تأصلت في نفوسهم صفات الحرب والخشونة، وبعدها دخلت قبائل أخرى فارسية، وهندية، وخطائية، وخلجية، ولم يكونوا جميعهم جنودًا نظاميين، لذلك كان عدد الجيش يختلف باختلاف السلاطين والظروف المحيطة بالدولة.
وكانت هناك وظائف عسكرية مثل: صاحب الديوان، أي: ديوان الجيش، وناظر الجيش الذي يقوم بالإشراف على ديوان الجيش، والسرهنك [النسوي: سيرة السلطان جلال الدين، ص١٠٧ –٢٤١]، ويبدو أنها تقابل وظيفة القائد الذي يقوم بإدارة شئون الجيش المختلفة، وربما يطلق على القائد اسم المقدم، كما أوردت المصادر الجاويش ومقدم الجاويشية [النسوي، المصدر السابق: ص١٠٨] وهو جندي بسيط يكلّفه سيده بإعداد الرسائل وتبليغها، وكذلك المستحفظ الذي يعينه السلطان على الولايات التابعة لهم ويمنحه سلطة عسكرية، إلى جانب وظيفة الشحنة، ويقوم صاحبها بواجباته معتمدًا على الشرطة في استتباب الأمن وحفظ النظام.
هذه بعض الملامح العامة عن المؤسسات الإدارية والعسكرية في الدولة الخوارزمية.
مراجع للاستزادة:
بدأت الدولة الخوارزمية كإمارةٍ تابعةٍ للسلاجقة على يد أسرة أنوشتكين في أواخر القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وتوطدت أركانها على يد ابنه (قطب الدين محمد)، وعلى يد حفيده (آتسز) في منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، ولقد شهدت الدولة الخوارزمية خاصة في عهود سلاطينها الأقوياء توسعات في الفتوحات؛ لكن الصراعات الداخلية على السلطة، والعداء المستمر مع الخلافة العباسية، كلها عوامل أضعفت من الدولة الخوارزمية وجعلتها فريسةً سهلةً للغزو المغولي المدمر، وبعد سقوط الدولة الخوارزمية تشتت جيشها، وتحول إلى فرق مرتزقة لعبت أدوارًا متناقضةً في التاريخ الإسلامي كان أبرزها المساهمة في استعادة بيت المقدس من الصليبيين، قبل أن تتلاشى الدولة الخوارزمية تمامًا.
هم أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.
همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.
جماعة من الأتراك سكنوا الجزء الجنوبي الشرقي من التركستان وهضاب أفغانستان وجبالها.