يُعَدُّ بيت الحكمة أحد أعظم رموز الازدهار العلمي والثقافي في التاريخ الإسلامي، ومثالًا فريدًا على التلاقح الحضاري بين الشرق والغرب، تأسّس في بغداد خلال العصر العباسي؛ ليكون مركزًا للعلم والمعرفة.
يُعَدُّ بيت الحكمة أحد أعظم رموز الازدهار العلمي والثقافي في التاريخ الإسلامي، ومثالًا فريدًا على التلاقح الحضاري بين الشرق والغرب، تأسّس في بغداد خلال العصر العباسي؛ ليكون مركزًا للعلم والمعرفة.
أطلقت المصادر العربية على دور الكتب العديد من الأسماء التي استخدمت عبر التاريخ بدءًا من (بيت الحكمة، وخزانة الحكمة، ودار الحكمة، ودار العلم، حتى نصل إلى دار الكتب، وخزانة الكتب).
وقد استخدمت كلمة (دار) لأكثر من ثلاثة قرون للدلالة على المكتبات المهمة حتى ولو كانت دون بناء مخصص لها ثم استعيض عنها بعد إنشاء المدارس في أواخر القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي بكلمة (خزانة) التي أصبحت تدل على مكان حفظ الكتب في المدرسة.
وأول بيت من بيوت الحكمة وصل إلينا خبره كان لمعاوية أول الخلفاء الأمويين، كما بيَّن عثمان بن سعيد الدارمي في إحدى مناظراته أنه سمع أبا الصلت يذكر أنه كان لمعاوية بن أبي سفيان بيت يسمى (بيت الحكمة)، وقد انتقلت كتب بيت الحكمة إلى خالد بن يزيد بن معاوية الذي رُوِيَ عنه قوله: "ما أنا من العلماء ولا من الجهال، لم أصنع سوى أن جمعت الكتب".
أما أول مؤسسة شبه عامة جمعت الكتب فهي دون شك (بيت الحكمة) الذي أنشأه هارون الرشيد وازدهر في عهد ابنه المأمون، فقد جلب الرشيد إليه "مما وجده بأنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم حين غزاها المسلمون"، وحدث هذا على الأرجح سنة ١٩٠هـ/٨٠٥م، وقلّد الرشيد يحيى بن ماسويه مهمة ترجمة هذه الكتب القديمة، وجعله أمينًا على الترجمة، ورتب له كتَّابًا حذَّاقًا يكتبون بين يديه.
واستخدم محمد بن إسحاق النديم، المتوفى سنة ٣٨٠هـ/ ٩٩٠م، اسم (خزانة الحكمة) مرادفًا لـ(بيت الحكمة)، يقول في ترجمة أبي سهل الفضل بن نوبخت: "فارسي الأصل .. وكان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد؛ ولهذا الرجل نقل من الفارسي إلى العربي ومعوله في علمه على كتب الفرس"، وعندما ذكر علان الشعوبي قال: إن أصله من الفرس، وكان ينسخ في (بيت الحكمة) للرشيد والمأمون وللبرامكة.
وبلغ (بيت الحكمة) أَوْجَ ازدهاره في عهد المأمون الذي أظهر نشاطًا ملحوظًا في طلب الكتب اليونانية القديمة والبحث عنها، فراسل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه مما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبقراط وإقليدس وجالينوس وبطليموس القلوذي وغيرهم، ولم يكتف المأمون بذلك بل أرسل بعثة إلى بلاد الروم؛ لانتقاء ما يجدونه من كتب العلوم القديمة، كان من بين أعضائها: الحجاج بن مطر، وابن البطريق، وسَلْم صاحب بيت الحكمة، ويوحنا بن ماسويه "فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمَرهم بنقله فنُقل".
وفي الوقت نفسه اعتنى بنو شاكر المنجم (محمد وأحمد والحسن) بإخراج الكتب من بلد الروم وبذلوا الرغائب، وأنفذوا حنين بن إسحاق، وقسطا بن لوقا البعلبكي وغيرهما، فجاؤوهم بطرائف الكتب وغرائب المصنفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى والأرثاطيقى والطب فنقلوها إلى العربية.
وإلى جانب الترجمة والنقل اهتم المأمون كذلك بالدراسات الأدبية والتاريخية فاستخرجت له من مجموع كتب التاريخ التي اشتملت عليها خزانته "حكاية ملوك الفرس، "وصنف له أبوسعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي" تاريخ ملوك بني هود وغيرهم"، كما كتب سهل بن هارون - أحد خزَّان بيت الحكمة - للمأمون كتابًا سمَّاه "ثَعْلة وعَفْرة" يعارض به كتاب (كليلة ودمنة).
نستنتج مما سبق أن بيت الحكمة كان مركزًا للترجمة وللتأليف، وأن مكتبة هذه المؤسسة تكونت من مجموعة كتب قديمة: يونانية وفارسية، وبعض الكتب السريانية إضافة إلى الكتب المنقولة إلى العربية، والكتب التي ألفت بناء على تكليف من الخليفة، وأخيرًا ما نسخه النُسَّاخ مثلما فعل علان الشعوبي.
ومع بداية القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ظهرت في أماكن متفرقة من العالم الإسلامي مكتبات عامة، من أهمها: خزانة كتب الخليفة الأموي الحكم المستنصر بقرطبة، والتي بلغ عدد فهارسها التي تشتمل على أسماء الكتب المحفوظة فيها أربعًا وأربعين فهرسًا، وفي كل فهرسة خمسون ورقة.
وأطلق على خزائن الكتب التي نشأت في هذه الحقبة في الشرق اسم جديد هو (دار العلم)، وارتبطت نشأة هذه الخزائن الجديدة ببدء تقنين (وقف الكتب) الذي أقرَّه الفقهاء بعد إقرارهم لوقف المصاحف؛ حيث كان المعتاد أن يقتصر الوقف على العقار ولا يسري على المنقول.
وكانت أهم دور الحكمة (العلم) التي ظهرت - حينئذ - هي دار الحكمة (دار العلم) الفاطمية بالقاهرة، التي أراد مُنْشِئُها أن تكون شبيهة ببيت الحكمة الذي كان ببغداد.
ويتألف تاريخ دار الحكمة (العلم) الفاطمية - على امتداد ١٧٢ عامًا مليئة بالتقلبات - من ثلاث مراحل مختلفة: فقد كان عليها منذ نشأتها في سنة ٣٩٥هـ/ ١٠٠٤م أن تثبت حماس الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله لأهل السنة، إلا أنها سرعان ما غيرت من طبيعتها بعد سنة ٤١٠هـ / ١٠٢٠م لتصبح مركز الدعوة الإسماعيلية في العالم المعاصر آنذاك غير أنها أغلقت سنة ٥١٣هـ/ ١١١٩م؛ لإسهامها في الأنشطة المناهضة لمذهب الدولة، ثم أعيد افتتاحها سنة ٥١٧هـ / ١١٢٣م، ولكن بعد أن تغير موضعها لتحيا فيها مرة أخرى الدعوة الإسماعيلية حياة هادئة انتهت بانقلاب صلاح الدين الذي قضى نهائيًّا على الدولة الفاطمية في سنة ٥٦٧هـ /١١٧١م.
دار الحكمة (دار العلم):
في بداية الفصل الذي خصصه المقريزي في (الخطط) لذكر مدارس مصر أورد فقرة هامة أبان فيها عن نشأة المدارس وتطورها فيما يلي نصها: "والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تُعرف في زمن الصحابة والتابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأول من حُفظ عنه أنه بَنَى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبُنِيَتْ بها المدرسة البيهقية، وبَنَىَ بها - أيضًا - الأمير نصر بن سبـكتكين مدرسة، وبَنَى بها أخوه السلطان محمود بن سبكتكين مدرسة، وبُنِىَ بها - أيضًا - المدرسة السعدية، وبُنِيَ بها - أيضًا - مدرسة رابعة، وأشهر ما بُنِيَ في القديم المدرسة النظامية ببغداد؛ لأنها أول مدرسة قرر بها للفقهاء معاليم، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي، وزير ملك شاه بن ألب أرسلان بن داوود بن ميكال ابن سلجوق في مدينة بغداد، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة وفرغت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة، ودَرَّس فيها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الفيروزآبادي صاحب كتاب (التنبيه في الفقه) على مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه ورحمه - فاقتدى الناس به من حينئذ في بلاد العراق وخراسان وما وراء النهر وفي بلاد الجزيرة وديار بكر.
وأما في مصر فإنها كانت حينئذ بيد الخلفاء الفاطميين ومذهبهم مخالف لهذه الطريقة، وإنما هم شيعة إسماعيلية...".
بناء على ما تقدم فإنه لم يكن من الطبيعي أن يتخذ الفاطميون مؤسسات تشبه المدارس، يقول ابن عبد الظاهر عند ذكره لدار العلم: "بناها المصريون (يقصد الخلفاء الفاطميين)؛ لأنهم لم يكونوا يعرفو المدارس"، فقد كانوا يتزعمون حركة دينية فلسفية اجتماعية عظمى كان هدفها لا يقل عن تحويل وتجديد كل الإسلام، ويمثلون التحدي الأكبر للإسلام السني الذي أنشأ المدارس لمحاربة مذهبهم.
وكانت بداية التدريس في جامع القاهرة (الأزهر) في سنة ٣٦٥هـ/ ٩٧٥م بعد ثلاث سنوات من وصول الخليفة المعز لدين الله إلى مصر، ففي صفر من هذا العام جلس القاضي علي بن النعمان في الجامع وأملى مختصر أبيه في الفقه المعروف بـ(الاقتصار) في جمع حافل من العلماء والكبراء وأثبت أسماء الحاضرين، فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر.
ولما تولى يعقوب بن كِلِّس الوزارة للعزيز بالله سنة ٣٦٨هـ/ ٩٧٩م رتب في العام التالي في داره (مجالس) للعلماء والشعراء والفقهاء والمتكلمين، وأجرى لجميعهم الأرزاق، وكان يقرأ على الناس (الرسالة الوزيرية)، وهي كتاب ألفه في فقه الإسماعيلية يتضمن ما سمعه من المعز لدين الله وابنه العزيز بالله.
وشهدت سنة ٣٧٨هـ /٩٨٨م أول محاولة لترتيب درس منظم في جامع القاهرة الذي عُرف فيها بعد باسم (الجامع الأزهر)، فقد استأذن الوزير يعقوب بن كِلِّس الخليفة العزيز بالله في تعيين جماعة من الفقهاء بجامع القاهرة (الأزهر)، كان عددهم سبعة وثلاثين فقيهًا يرأسهم الفقيه أبـو يعقوب قاضي الخندق، كانـوا يتحلَّقون كل يوم جمعة بجامع القاهرة بعد الصلاة، ويتكلمون في الفقه حتى وقت العصر، ورتب لهم العزيز بالله أرزاقًا وجرايات شهرية، وأقام لهم دارًا للسكنى بجوار الجامع الأزهر، وخلع عليهم في يوم عيد الفطر وحملهم على بغـلات تشريفًا لهم وتكريمًا، كما أجرى عليهم - الوزير ابن كِلِّس – أيضًا - أرزاقًا من ماله الخاص، يقول المقريزي: "وهي أول مرة يقام فيها درس في مصر بمعلوم جار من قبل السلطان"، ويضيف المسبِّحي أنه ما إن اختط جامع الخطبة (الحاكم) في سنة ٣٨٠هـ/ ٩٩٠م حتى تحلّق فيه الفقهاء الذين كانوا يتحلَّقون في جامع القاهرة - يعني الجامع الأزهر.
ولا شك أن الجهد الواضح للفاطميين في مجالي الثقافة والتعليم تركز في دار الحكمة (العلم) التي أنشأها الخليفة الحاكم بأمر الله سنة ٩٥٣هـ / ١٠٠٥م، والتي عدها الباحثون استمرارًا لتقاليد هللينستية، يقول المسبِّحي: "وفي يوم السبت هذا، يوم السبت العاشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فُتحت الدار الملقبة بـ(دار الحكمة) بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور المعمورة، ودخل الناس إليها ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، بعد أن فُرشت هذه الدار وزُخرفت وعُلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأقيم قُوَّام وخدَّام وفراشون وغيرهم رسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعًا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها، فكان ذلك من المحاسن المأثورة – أيضًا - التي لم يسمع بمثلها من إجراء الرزق السني لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة بها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم: فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم ... وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر، وهي الدار المعروفة بـ(مختار الصقلبي)".
ففي السنوات الأولى لإنشائها حاول الحاكم أن يكسب حماس أهل السنة، فولي أمرها جماعة من شيوخ السنة كان على رأسهم الحافظ عبد الغني بن سعيد وأبو أسامة جنادة بن محمد اللغوي، وأبو الحسن علي بن سليمان المقرئ الأنطاكي، وربما قصد الحاكم من وراء ذلـك أن يسحب من جامع عمرو دوره المميز في صنع الفكر الديني في مصر، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلًا، ففي نهاية عام٣٩٩هـ/١٠٠٩م قتل الشيخان أبو أسامة اللغوي، وأبو الحسن الأنطاكي، واضطر الشيخ عبد الغني بن سعيد إلى التستر.
وفي سنة٤٠٠هـ/١٠١٠م وقف الحاكم أوقافًا على عدد من المنشآت الدينية هي جامع القاهرة (الأزهر)، وجامع المقس، وجامع راشدة، بالإضافة إلى دار الحكمة، وأورد ابن عبد الظاهر والمقريزي نص هذه الوقفية، أغلب الظن نقلًا عن المسبحي، وعين فيها الرباع والمواضع التي وقفت فيها على باب الحكمة، والتي حددت بـ٢٥٧ دينارًا من الذهب المعزى تفصيلها: ١٢دينارًا لثمن الماء، ١٥ دينارًا للفراش، ١٢دينارًا للورق والحبر والأقلام، دينار واحد لمرمة الستارة، ١٢دينار لمن يرم ما ينقطع من الكتب وما عساه أن يسقط من ورقها، خمسة دنانير لثمن لبود الفرش في الشتاء، أربعة دنانير لثمن طنافس في الشتاء، وما بقي يصرف على سائر ما يحتاج إليه.
ويبدو أن دار الحكمة استمرت في أداء دورها كمكتبة عامة فترة طويلة، غير أن ما نملكه من معلومات عن نشاط هذه الدار لا يتعدى بحال عصر الحاكم بأمر الله (٤١١هـ/١٠٢٠م)، ومنذ هذه الفترة وحتى عام ٥١٣هـ/١١١٩م لا تشير المصادر إطلاقًا إلى دار الحكمة (العلم)، ولكن يغلب على الظن أنها كانت فيما بين هذين التاريخين مركزًا لنشاط جدير بالاهتمام هو الدعوة الإسماعيلية، وإن كنا لن نستطع أن نحدد الفترة التي دخل فيها هذا النشاط في حياة هذه المؤسسة، ولكننا نعرف - عن طريق ابن عبد الظاهر - أن واحدًا من كبار الدعاة الإسماعيليين هو المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي، دفن في دار العلم عند وفاته سنة٤٧٠هـ/١٠٧٧م، الأمر الذي يؤكد أهمية المؤسسة للدعوة الإسماعيلية.
وفي الفترة التي تولى فيها المؤيد في الدين أمر الدعوة الإسماعيلية في مصر نزل عليه وهو في دار العلم قاضي قضاة اليمن وهادي دعاتها لمك بن مالك الحمادي - الذي وصل إلى بلاط الإمام المستنصر برسالة من داعي اليمن علي بن محمد الصليحي يطلب له الإذن "في الحج إلى مكة، والمسير بعد ذلك للهجرة إلى شريف الحضرة"، ويذكر الداعي حاتم بن إبراهيم الحامدي أن المؤيد عَلَّم (لمك) العلوم الدينية، وجعله خبيرًا بخفايا الدعوة، وأمضى لمك بالقاهرة خمس سنوات (٤٥٤ - ٤٥٩هـ) لم يفارق فيها مجلس المؤيد في الدين "يسأله ويأخذ عنه ويكتب ما استفاده منه إلى أن استوعب ما عنده"، وفي النهاية تقدم إليه بسبع وعشرين مسألة يطلب جوابها منه، فأجابه المؤيد بأن جوابها عند الإمام، وأنه بعد هذا الإعداد والتلقي على يدي المؤيد في الدين لا يوجد بينهما الآن حائل، فتقدم لمك بأسئلته إلى الإمام فأجابه عليها بسبعة وعشرين جوابًا، وكساه بعد كل جواب قميصًا من ملابسه، إشارة من الإمام إلى رفعه له وإعلائه.
هذه الرواية التي وردت في المصادر اليمنية تعرفنا بكيفية إعداد دعاة الجُزُر (ج. جزيرة) الفاطمية المختلفة، والوقت المناسب الذي يمكن أن يلتقوا فيه بالإمام، وهو أحد أهم وظائف دار العلم وداعي الدعاة.
ويبدو لي أنه بعد وفاة المؤيد في الدين الشيرازي وتعيين أحد رجال السيف وهو أمير الجيوش بدر الجمالي في رئاسة الدعوة، فإن دار الحكمة لم تفقد فقط أهميتها، بل أصبحت مرتعًا لنمو مذاهب معادية للإسماعيلية؛ مما دفع السلطات الفاطمية إلى وضع نهاية لنشاط هذه الدار.
ولا تحدثنا المصادر عن أي نشاط لهذه الدار حتى عام ٥١٣ هـ / ١١١٩م عندما حدثت الأحداث الآتية التي وصلت إلينا تفاصيلها عن طريق روايتين؛ الأولى: أوردها ابن المأمون وابن ميسر تفيدنا أنه في هذه السنة قام شخص يدعى حميد بن مكي الأطفيحي القصار وزميل له يدعى بركات بالاجتماع في دار العلم التي بالتبانين مجاورة القصر الصغير مع جماعة يعرفون بالبديعية كانوا على المذاهب السنية الثلاثة المشهورة، تقول الرواية: إن بركات استفسد عقول جماعة من جملتهم وأخرجهم عن الصواب، فأمر الأفضل بغلق دار العلم والقبض على بركات، ولكنه تمكن من الهرب وأخفاه أستاذان من القصر من جملة من اعتقدوا فيه داخل القصر إلى أن توفي من مرض ناله وانكشف أمرهما وقتلا.
وبعد وفاة الوزير الأفضل سنة ٥١٥هـ / ۱١٢١م أمر الخليفة الآمر وزيره المأمون البطائحي بإعادة فتح دار العلم على الأوضاع الشرعية إلا أن حميد القصار عاد وأخذ يتردد على دار العلم، وادعى في هذه المرة (الربوبية)، فحذر الداعي ابن عبد الحقيق الوزير المأمون من عواقب ذلك، وعرفه أن حميد القصار يتحدث كذلك بشيء من علم الكلام على مذهب الأشعري، ثم انسلخ عن الإسلام وسلك طريق الحلاج واستهوى بعض ضعاف العقول وقليلي البصيرة، فاعتقله المأمون، ولكنه لم يلبث أن توفي في الحبس، كما قتل أتباعه في سنة ٥١٧هـ / ١١٢٣م وأغلقت دار العلم للمرة الثانية.
أما الرواية الثانية فأوردها ابن عبد الظاهر، وتفيدنا بأن هذا الإبطال كان بسبب اجتماع الناس بها، والخوض في المذاهب، والخوف من الاجتماع على المذهب النَّزَاري.
وواضح أن واقعة بركات وحميد القصار لم تكن السبب الرئيس وراء إبطال دار العلم، وأغلب الظن أن ذلك كان بسبب اجتماع الناس بها وإخفاقها في أداء دورها الأساسي، وهو الدعوة إلى المذهب الإسماعيلي مذهب الدولة الحاكمة، ونتيجة لوساطة خدام القصر وافق الآمر بأحكام الله على إعادة دار العلم بشرط أن يتولاها رجل دين، وأن يكون داعي الدعاة هو الناظر فيها، وأن يقام فيها متصدرون برسم قراءة القرآن، فقام الوزير المأمون البطائحي بإعادة فتحها، ولكنه امتنع عن إعادتها في موضعها الأول بالتبانين شمال القصر الغربي الصغير، وأقامها في موضع آخر جنوب القصر الشرقي الكبير بجوار باب تربة الزعفران في ظهر خزانة الدرق في ربيع الأول سنة ٥١٧هـ / ١١٢٣م، وجعل على رأسها الداعي أبا محمد الحسن ابن آدم.
واعتبارًا من هذا التاريخ أصبحت دار العلم - وهو اسمها الذي يقابلنا في مصادر هذه الفترة - المقر الرسمي للدعوة الإسماعيلية.
مراجع للاستزادة:
بيت الحكمة هو مؤسسة علمية وثقافية بارزة ازدهرت في العصر العباسي، وتحديدًا في عهد الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، كان مركزًا للترجمة والبحث العلمي؛ حيث جُمعت فيه الكتب من مختلف الحضارات، كاليونانية والفارسية والهندية، وتمت ترجمتها إلى العربية، ويُعَدُّ بيت الحكمة رمزًا للتسامح الفكري والانفتاح الثقافي، وقد ترك أثرًا بالغ الأهمية في تاريخ الحضارة الإنسانية.
أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.
أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.
هي كل بلد صالح الإمام أهلها بترك القتال.