Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دار السكة

الكاتب

أ.د/ محمد حمزة الحداد

دار السكة

تُعَدُّ دار السِّكَّة من أبرز المؤسسات الاقتصادية في التاريخ الإسلامي، فكانت مسئولة عن صكّ العملات وفق معايير دقيقة تعكس قوة الدولة واستقرارها المالي، ولم تكن مجرد مصنع للنقود، بل كانت رمزًا للسيادة الاقتصادية، وأداة فعّالة لتوحيد التعاملات التجارية داخل الدولة وخارجها.

تعريف السكة ومعانيها

ينبغي قبل أن نتحدث عن دار السكة (دار الضرب) في الحضارة العربية الإسلامية: أن نحدد أولًا مدلول بعض المصطلحات المتعلقة بالسكة الإسلامية وأنواعها وفئاتها، ثم نشير إلى تعريب السكة أو الإصلاح النقدي في خلافة عبد الملك بن مروان (٦٥- ٨٦هـ/٦٨٤- ٧٠٥م).

  •  السكة:

يعبر لفظ السكة عن معانٍ متعددة تدور كلها حول النقود المتعامل بها بين الناس؛ فها هو الماوردي يقول: "والسكة هي الحديدة التي يُطبع عليها الدراهم؛ ولذلك سميت الدراهم المضروبة سكـه ..." [الأحكام السلطانية].

أما ابن خلدون فيزودنا بتفاصيل أكثر فيقول: "إن السكة هي الختم على الدنانير والدراهم المتعامل بها بين الناس بطابع حديد يُنقش فيه صور أو كلمات مقلوبة، ويُضرب بها على الدينار أو الدرهم فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة، بعد أن يعتبر عيار النقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسبك مرة بعد أخـرى، وبعد تقدير أشخاص الدراهم والدنانير بوزن معين صحيح يصطلح عليه فيكون التعامل بها عددًا، وإن لم تقدر أشخاصها يكون التعامل بها وزنًا" [مقدمة ابن خلدون].

ويضيف ابن خلدون فيذكر أن لفظ السكة "كان اسمًا للطابع وهي الحديدة المتخذة لذلك، ثم نُقل إلى أثرها وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم، ثم نقل إلى القيام على ذلك والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة، فصار علمًا عليها في عُرف الدول، وهي وظيفة ضرورية للملك؛ إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات، ويثقون في سلامتها من الغش بختم السلطان عليها بتلك النقوش المعروفة ..." [مقدمة ابن خلدون، والنقود للكرملي].

مما تقدم يتضح أن لفظ السكة يُقصد به تلك النقوش التي تزدان بها النقود على اختلاف أنواعها، ويعني -أيضًا- قوالب السك التي يُختم بها على النقود المتداولة، كما يطلق -أيضًا- على الوظيفة التي تقوم على سك العملة تحت إشراف الدولة، غير أن المعنى الشائع هو إطلاق كلمة السكة على النقود التي تُضرب في دور الضرب أو السبك، والتي أصبحت وسيلة التعامل الرئيسية في العصور الوسطى بين مختلف شعوب العالم، تشهد بذلك تلك المجموعات الضخمة من النقود الإسلامية التي عثر عليها في روسيا وبولندا وفنلندا وألمانيا، وقد عاش لفظ السكة في أوروبا غريبًا عن وطنه وأمعن في الاغتراب حتى تبنته الفرنسية باسم sequin  واشتقت منه الإيطالية لفظ zucchini. [النقود العربية].

  • الدينار:

هو العملة الذهبية الإسلامية في العصور الوسطى، ولفظة دينار مشتقة من اسم عملة ذهبية بيزنطية كانت تُعرف باسمDenarius ، وكان يقال لها -أيضًا-Aureus ، وأحيانًا  Denarius Aureusواستخدم العرب قبل الإسلام الديناريوس، وعُربت اللفظة إلى دينار، وورد ذكره في القرآن الكريم: {وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ} [آل عمران: ٧٥].

وعيار الدينار -أي الوزن الشرعي له- منذ تعريبه على يد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ٤,٢٥ جرامًا، (أي ٦٦ حبة).

وبالإضافة إلى الدينار استخدمت مضاعفاته وأجزاؤه ومنها الثلث، ووزنه ١,٤٠جرام (٢٢حبة)، وكذلك النصف.

  • الدرهم:

عملة فضية عرفها العرب من الساسانيين وكانت تسمى بالفارسية درم، وتعرف عند اليونانيين باسم دراخما، وورد ذكر الدرهم في القرآن الكريم: {وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ} [يوسف: ٢٠].

وكان الوزن الشرعي للدرهم ٢,٩٧ جرام على اعتبار أن الدرهم يمثل ٧/١٠ من الدينار، وكان للدرهم -أيضًا- مضاعفات، كما كانت له أجزاء لتسهيل العمليات التجارية.

  • الفلس (والجمع فلوس):

عملة نحاسية واللفظة مستمدة من كلمة يونانية، وهذه مأخوذة بدورها من الكلمة اللاتينية Follis، وفوليس هو اسم العملة النحاسية البيزنطية التي تعادل ٤٠ نوميا Nomia، ومن ثَمَّ كانت عملة الفوليس البيزنطية تحمل على ظهرها العلامة التي تدل على قيمتها، وهي حرف M وترمز إلى ٤٠ نوميا، وكان وزن الفوليس في الأصل أوقية (حوالي ٣٠ جرامًا)، وكانت النسبة الشرعية بين الفوليس والدرهم  لو أن النسبة بين العملتين كانت مجــال اختلاف مستمر.

ومن المعروف أن الأصل في ضرب هذا النوع من النقود النحاسية أن تكون عملة تساعد على إجراء العمليات التجارية البسيطة، ولكن رغم ذلك كان هناك اهتمام بنقوشها وأوزانها، وصنعت لضبط أوزانها وتحديدها صنج زجاجية خاصة مقدرة بالقراريط والخراريب (مفردها الخروبة) [النقود العربية، موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية، الدرهم الإسلامي، الدرهم الإسلامي المضروب على الطراز الساساني، الدرهم الأموي المعرب]. 

  • صنج السكة:

الصنجة -بالصاد أو السنجة بالسين كلاهما بالفتح- من الفارسية سنكة، وتعني الحجر والوزن، ويراد بها العيارPoids ، وتحمل جميع الصنج الزجاجية الخاصة بالسكة الإسلامية ما يعبر عن العيار أو الوزن بلفظ مثقال أو ميزان، ولا شك أن المقصود بلفظ ميزان هنا: هو مقدار ثقل الصنجة التي تُعَيَّر عليها قطعة العملة، ويشير ورود لفظ المثقال على الصنج إلى ما يوزن به، وهو من الثقل وذلك اسم لكل سنج، وقد صنعت صنج زجاجية لا تستحيل إلى زيادة أو نقصان لتقدير أوزان السكة على وجه التحديد [صنج السكة في فجر الإسلام، الصنج الزجاجية للسكة الفاطمية المحفوظة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة].

هذا وتُعَدُّ دراسة السكة الإسلامية على جانب كبير من الأهمية في الدراسات التاريخية والحضارية والآثارية على السواء؛ حيث إنها تعتبر وثائق رسمية صحيحة لا يسهل الطعن في قيمتها أو التشكك في أصالتها، ومن ثم يمكن الاعتماد عليها في تصحيح الكثير من الأخطاء التاريخية من جهة، وإضافة حقائق تاريخية جديدة مستمدة منها، ولم ترد في المصادر التاريخية المعاصرة من جهة أخرى.

ونستطيع أن نجمل أهمية دراسة السكة في النقاط التالية:

  • يمكن من خلال دراسة النقود الإسلامية ملاحظة التطور في تكون الدولة الإسلامية وتوسعها.
  • إذا صنفنا النقود نحصل على قوائم الأسرات الحاكمة في العالم الإسلامي، وضبط تواريخ حكمها بكثير من الدقة.
  • أكثر النقود تحمل مكان الضرب، كما أن أسماء المدن التي ضربت بها النقود تحدد امتداد نفوذ كل دولة وكل حاكم، وهي تمدنا بمعلومات جغرافية واسعة، ومن حسن الحظ أن كتب البلدانيين والجغرافيين والرحالة يمكن أن تعطينا وصفًا لكل مدينة، وتحدد موقعها، وتبين أهميتها الاقتصادية والسياسية، ولكن الكثير من هذه المدن قد اندثر الآن، ومن ثم فإن النقود تحفظ لنا ذكراها.
  • جميع النقود تحمل بالإضافة إلى التاريخ الهجري اسم الخليفة أو الملك أو السلطان أو الأمير أو الوالي، وأحيانًا اسم المشرف على الضرب والوزير، ويفيدنا ظهور أسماء بعض الثوار والمغتصبين للحكم في استنباط الكثير من الحقائق التاريخية.
  • نستطيع من خلال فحص هذه النقود أن نتعرف على نقاء المعدن الذي سُكَّت منه النقود أو على الخلائط المعدنية، كما نتعرف على طريقة السك ودقة صنعه.
  • تُعَدُّ النقود مجالًا مهمًّا للغاية في تتبع تطور الخط العربي ومراحل تطوره عبر العصور المتلاحقة.
  • تفيدنا أيضًا في دراسة أنواع الزخارف النباتية والهندسية والكائنات الحية. [النقود العربية الإسلامية المحفوظة في متحف قطر الوطني، النقود، النقود الإسلامية منذ بداية القرن السادس وحتى نهاية القرن التاسع الهجري، موسوعة النقود في العالم الإسلامي، نقود الدولة العيونية في بلاد البحرين، المجمل في الآثار والحضارة الإسلامية].

مراحل تعريب السكة في عهد عبد الملك بن مروان

تعريب السكة (الإصلاح النقدي):

أ- قبل التعريب: من الثابت أن العرب قبل الإسلام قد عرفوا الدراهم الساسانية والدنانير البيزنطية، وقد ورد ذكرها في أخبارهم وأشعارهم، وقيل: إنهم كانوا يتبايعون بالدنانير على أنها تبر ويطلقون عليها العين، كما يطلقون على الدراهم الفضية الورق [النقود العربية].

فلما جاء الإسلام أقرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم النقود على ما كانت عليه، وتعامل الرسول نفسه بهذه النقود وزوج عليًّا رضي الله عنه ابنته فاطمة رضي الله عنها على ٤٨٠ درهمًا وزن ستة دوانيق [الأموال].

وكذلك فرض الرسول صلى الله عليه وسلم زكاة الأموال بهذه النقود السائدة، فجعل في كل خمس أوقيات من الفضة خمسة دراهم، كما جعل في كل عشرين دينارًا نصف دينار.

ولما أقرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه النقود عمل خليفته أبو بكر (١١ - ١٣هـ/٦٣٢ - ٦٣٤م) رضي الله عنه بسنته في تَبَنِّي النقود الجارية بين المسلمين ولم يغير منها شيئًا.

ولما استُخلِف عمر بن الخطاب رضي الله عنه (١٣ - ٢٣هـ/ ٦٣٤ - ٦٤٤م) وفتح الله على المسلمين بلاد الفرس أمر بضرب النقود الساسانية في إيران والعراق كما هي بلغتها وحروفها البهلوية، وكذلك بشاراتها وشعائرها غير الإسلامية، كما حافظ على أسماء دور السك وتاريخ الضرب باللغة البهلوية كذلك.

ويذكر المقريزي أن عمر بن الخطاب في عام ١٨هـ/٦٣٩م ضرب الدراهم على نقش الكروية وشكلها وأعيانها (صورها)، ولكنه زاد عليها عبارة (الحمد لله)، وفي بعضها (محمد رسول الله)، وفي البعض الآخر (لا إله إلا الله وحده).

ولما استُخلِف عثمان رضي الله عنه (٢٤- ٣٥هـ/٦٤٤- ٦٥٦م) ضرب دراهم في خلافته ونقش عليها عبارة التكبير (الله أكبر) [شذور العقود].

ومن العبارات التي نُقشت على الدراهم التي ضربت في عهد عثمان رضي الله عنه كلمة (جيد) وكلمة (بركة)، وهو ما يستدل عليه من الدراهم الآثارية الباقية المؤرخة سنة ٢٠ يزدجري؛ أي ٣١هـ/٦٥١م - ٣٢هـ/٦٥٢م.

واستمرت الدراهم في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ٣٥ - ٤٠هـ/٦٥٦ - ٦٦١م، وكان ينقش عليها عبارة (بسم الله)، وعبارة (بسم الله ربي)، كما نقش اسم (محمد) بالخط الكوفي على بعض الدراهم المؤرخة بعام ٣٩هـ/٦٥٩م، [موسوعة النقود].

واستمرت النقود تُضرب في عصر الدولة الأموية حتى خلافة عبد الملك بن مروان ٦٥-٨٦هـ/٦٨٤- ٧٠٥م دونما إحداث تغييرات جوهرية كما كان عليه الحال في عصر الخلفاء الراشدين، فالدراهم ظلت تُضرب على الطراز الساساني مع إضافة الكتابات العربية عليها، وكان التاريخ يسجل أسماء عليها أحيانًا وفقًا للتقويم الفارسي (اليزدجردي) أو التقويم الهجري، كما سجلت أسماء بعض الخلفاء الأمويين وألقابهم باللغة البهلوية، ومن ذلك (معاوية أمير ورشينكان أي: معاوية أمير المؤمنين) على دراهم مؤرخة بـ٤١هـ و٤٣هـ.

كما سجل أمراء الأقاليم الشرقية أسماءهم على الدراهم المضروبة على الطراز الساساني باللغة البهلوية، ويُستثنى من هؤلاء الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان أول من سجل اسمه على هذه الدراهم بالحروف العربية (في ضوء الدراهم الآثارية الباقية والمعروفة حتى الآن)، كما يُعَدُّ الحجاج -أيضًا- هو أول من أضاف إلى الدراهم شهادة التوحيد والرسالة المحمدية.

وهناك نوع من الدراهم اصطلح على تسميتها بالدراهم العربية الساسانية المغفلة؛ أي التي تخلو من أسماء الخلفاء وأمراء الأقاليم، وقد استمر ضربها حتى عام ٦٤هـ/٦٨٤م (في ضوء ما هو معروف منها حتى الآن) [موسوعة النقود، النقود العربية الإسلامية، الدرهم الإسلامي، الدرهم الإسلامي المضروب على الطراز الساساني، الدرهم الأموي المعرب].

ب- تعريب السكة في عهد عبد الملك بن مروان (٦٥ - ٨٦هـ/٦٨٤ - ٧٠٥م). [النقود العربية الإسلامية، النقود في العراق، الدرهم الأموي المعرب، النقود العربية]،

مــرَّ الإصلاح النقدي في عهد عبد الملك ابن مروان ببضعة مراحل حتى تَمَّ التعريب الكامل للنقود، ويمكن في ضوء الأدلة الآثارية المعروفة والمتوفرة حتى الآن أن نقسم هذه المراحل إلى ثلاث:

  • المرحلة الأولى: مرحلة الصور الإمبراطورية (٧٢ - ٧٤هـ/٦٩٢ - ٦٩٤م).
  • المرحلة الثانية: مرحلة الصور العربية (٧٤ - ٧٧هـ/٦٩٤ - ٦٩٧م).
  • المرحلة الثالثة: مرحلة التعريب النهائي وظهور الطراز الإسلامي الخالص.

أما عن المرحلة الأولى فتتميز بنقش صورة الأباطرة البيزنطيين على النقود الذهبية والنحاسية أو صورة كسرى الفرس على الدراهم الفضية فضلًا عن بعض المظاهر الأخرى، ومنها العمود القائم على مدرجات على الدنانير، وحرف M الكبير وحرفm  الصغير على الفلوس أو رسم معبد النار الزرادشتية على الدراهم الساسانية، وكذلك ظهور بعض الكائنات والحروف اللاتينية على الدنانير والفلوس والكتابات البهلوية على الدراهم.

أما المرحلة الثانية فتتميز بظهور صورة بمركز وجه الدينار تمثل الخليفة عبد الملك واقفًا بملابسه العربية تعلو رأسه كوفية، ويضع يده اليمنى على مقبض سيفه يهم باستلاله، وفي الهامش نقش بالخط الكوفي البسيط نصه (بسم الله لا إله إلا الله وحده محمد رسول الله)، أما الظهر فيوجد به عمود قائم على مدرجات أربعة ينتهي في أعلاه بكرة، بينما نقش بالهامش بالخط الكوفي البسيط نص يتعلق بتاريخ الضرب بصيغة (بسم الله ضرب هذا الدينار سنة ... ٧٤ أو ٧٥ أو ٧٦ أو ٧٧هـ) = ٦٩٣، ٦٩٤، ٦٩٥م، ٦٩٦م.

أما الدراهم التي تنتمي إلى هذه المرحلة فتتميز بأن صورة كسرى قد اختلفت في بعض تفاصيلها، كما حذفت الكتابة البهلوية وحلت محلها الكتابة العربية، كذلك حذف معبد النار ونقشت بدلًا منه صورة الخليفة عبد الملك مماثلة لما هو منقوش بالدنانير، وعلى جانبي صورة الخليفة نقشت ألقابه بصيغة (خليفة الله - أمير المؤمنين).

وهناك إصدارات أخرى من الدراهم لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة.

كذلك فإن النقود النحاسية والبرونزية في هذه المرحلة تتميز بأنها تحمل صورة الخليفة عبد الملك تحيط بها -أحيانًا- نفس العبارات (بسم الله لا إله إلا الله وحده محمد رسول الله) أو بدون عبارة (بسم الله) أو تنقش عليها عبارة (لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين) أو (خليفة الله أمير المؤمنين)، أما الظهر فيوجد فيه العمود القائم على مدرجات يعلوه كرة ونقش مدينة الضرب يمينه ويساره، وأحيانًا تنقش كلمة (واف)، وأحيانًا يضاف هامش كتابي يشتمل على شهادة التوحيد والرسالة المحمدية.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فتخلو تمامًا من كافة التأثيرات الفارسية والبيزنطية التي سبق أن شاهدناها في المرحلتين السابقتين، ومن ثَمَّ فهي تتميز بظهور الطراز الإسلامي الخالص؛ حيث حلت الكتابات الإسلامية محل الصور وذلك على النحو التالي:

الدنانير الذهبية:

الوجه

الظهر

مركز: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

مركز: الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد.

هامش: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.

هامش: بسم الله ضرب هذا الدينار في سنة سبع وسبعين.

 هـ- الدراهم الفضية:

وأقدم المعروف منها حتى الآن مؤرخ بـ ٧٨هـ.

الوجه

الظهر

مركز: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

مركز: الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

هامش: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

هامش: ضرب هذا الدرهم + مدينة الضرب وتاريخه.

وهناك إصدار آخر نقوشه:

الوجه

الظهر

مركز: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

مركز: الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

هامش: بسم الله ضرب هذا الدرهم + مدينة الضرب وتاريخه.

هامش: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

الفلوس:

الوجه

الظهر

مركز: لا إله إلا الله وحده.

مركز: محمد رسول الله.

هامش: أمر به عبد الله الوليد أمير المؤمنين.

هامش: بسم الله، ضرب هذا بدمشق سنة سبع وثمنين.

وهناك فلوس أخرى عديدة تحمل أسماء الخلفاء والولاة وتحمل اسم مدينة الضرب وتاريخ الضرب.

هذا وقد كانت وراء تعريب السكة عدة دوافع دينية وسياسية واقتصادية وقومية. [المحاسن والمساوئ، حياة الحيوان الكبرى، النقود والموازين والمكاييل، شذور العقود، مقدمة ابن خلدون، النقود العربية، تعريب النقود ومدلوله الحضاري].

أما عن دار السكة (أو دار الضرب) فيمكن القول إنها كانت المؤسسة الصناعية الرسمية التي تقوم بإنتاج وإصدار النقود بمختلف أنواعها وفئاتها المشار إليها سابقًا، أما ما كان يُسَكُّ من نقود خارج تلك الدار فيُعَدُّ من النقود المزيفة وغير القانونية؛ ذلك لأن السكة إحدى شارات الملك الثلاث، وحق خاص للخليفة أو السلطان أو من ينوب عنهما.

وهو ما ذكره الماوردي بقوله: "فإن كان من ضرب سلطان الوقت أجيب إليه؛ لأن في العدول عن ضربه مباينة له في الطاعة" [الأحكام السلطانية]، وأكده أبو يعلى بقوله: "فقد منع من الضرب بغير إذن السلطان لما فيه من الافتئات عليه" [الأحكام السلطانية]، وهذا يدل على أن التعامل بأية نقود أخرى لا تحمل اسم الخليفة (أو السلطان) أو علامته يعتبر خروجًا عن الطاعة، "وتندرج تحت ما يسمى بنقود الثوار أو الخارجين" [النقود الإسلامية، نقود الخارجين على الخلافة العباسية في شرق العالم الإسلامي].

وكانت مهام دار السكة (أو دار الضرب) تتمثل في استقبال المواد الخام التي ترد إليها وتجهيزها، ومن ثم سكها نقودًا تفي باحتياجات الدولة أولًا والمجتمع ثانيًا، وذلك وفق موازنة معدة حسب مصروفات الدولة وحاجة السوق من تلك العملات، كما أنها تقوم بدور كبير في عملية استبدال النقود القديمة أو تلك التي ألغيت أو سحبت واستبدلت بها نقود جديدة، وهو ما يعرف اليوم في البنوك المركزية بعملية السحب والطرح.

مهام دار السكة وجهازها الإداري والفني

ويضاف إلى ما تقدم أن دار السكة كانت تقدم خدمات أخرى لا تقل شأنًا عن سابقتها فهي مفتوحة للجميع، فقد كان من حق كل فرد أن يحضر إلى الدار الذهب أو الفضة التي يرغب بسكها نقودًا وبعد مطابقتها للعيار (ومن الألفاظ المرادفة له الإمام) تقوم الدار بتحقيق رغبته وسكها مقابل أجر معلوم، وهذا ما يعرف حديثًا بضريبة الإصدار [التعدين وسك النقود في الحجاز ونجد وتهامة في العصرين الأموي والعباسي]، ونتيجة لاتساع الرقعة الجغرافية لدار الإسلام وامتدادها من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب على شكل شريط يكاد يحزم الأرض من وسطها، ويقع هذا الحزام الجغرافي الإسلامي بصفة عامة بين خطي عرض ٢٠ و ٤٠ شمال خط الاستواء [المجمل في الآثار والحضارة الإسلامية]، وقد انتشرت دور السك في جميع الأرجاء والنواحي بالإضافة إلى ما كان معروفًا منها في عصر ما قبل الإسلام، فقامت الدول الإسلامية المتعاقبة بإنشاء العديد من دور السكة الرئيسية منها وغير الرئيسية أو الفرعية.

ولحسن الحظ فقد أمدتنا نماذج السكة الإسلامية المحفوظة في العديد من المتاحف ودور الكتب والمجموعات الخاصة بالعديد من أسماء مدن السك، وقد أحصى العلماء والباحثون حتى الآن ما يقرب من ١٥٠٠ اسم لمدينة وإقليم وولاية وكورة وقرية ونهر ومعسكر وقصر على امتداد رقعة دار الإسلام؛ مما يجعل من هذه الأسماء المسجلة على السكة الإسلامية ثروة هائلة للجغرافيين والباحثين في جغرافية أرض الإسلام، خاصة وأن كثيرًا من هذه المدن والأقاليم والنواحي قد اندثرت وأصبحت أثرًا بعد عين ولم يبق لنا سوى اسمها المسجل على تلك النقود [مدن الضرب على النقود الإسلامية، مجلة المسكوكات، النقود الإسلامية]، وحتى تستطيع دار السكة أن تؤدي مهمتها على خير وجه وأكمل حال كان لابد من توافر جهاز إداري وفني على أعلى مستوى؛ وذلك للإشراف المباشر والدقيق على كل أعمالها إداريًّا وفنيًّا، ولحسن الحظ فقد زودتنا بعض المصادر المتخصصة -رغم قلتها- بالكثير من التفاصيل عن دور السكة ونظام العمل بها فضلًا عن أماكن وجود المعادن وكيفية الاستدلال عليها وطرق استخراجها وتصفيتها واستخلاصها من الشوائب، ومن هذه المصادر:

  • الهمداني، الحسن بن أحمد بن يعقوب، ت ٣٤٥هـ/٩٥٦م، كتاب الجوهرتين العتيقتين الماتعتين الصفراء والبيضاء، أعده للنشر حمد الجاسر، الرياض، دار اليمامة، ١٩٨٧م.
  •  البيروني، أبو الريحان محمد بن أحمد، ت ٤٤٠ هـ / ١٠٤٨م، الجماهر في معرفة الجواهر، بيروت، ط٣، ١٩٨٤م.
  • ابن بعرة، منصور بن بعرة الذهبي الكاملي، ت النصف الأول من القرن ٧هـ/١٣م، كتاب كشف الأسرار العلمية بدار الضرب المصرية، تحقيق: عبد الرحمن فهمـي، القاهرة ١٣٨٥هـ/١٩٦٦م.
  • ابن يوسف الحكيم، أبو الحسن علي، النصف الثاني من القرن ٨هـ/ ١٤م، الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، تحقيق حسين مؤنس، القاهرة، ط٢، ١٤٠٦هـ/١٩٨٦م.

     هذا بالإضافة إلى ما ورد في ثنايا المصادر التاريخية من معلومات متناثرة تفيد في دراسة هذا الجانب كالقلقشندي -على سبيل المثال- فضلًا عن المراجع والدراسات الحديثة [دار السكة نشأتها أعمالها إدارتها، مجلة الدارة، نميات نحاسية أموية جديدة من مجموعة خاصة، مساهمة في إعادة نظر في نميات بلاد الشام، النقود ودور الضرب في الإسلام]، وكانت هناك بعض الشروط والصفات المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها من يعمل في دار السكة ومنها:

  • شروط أخلاقية: ينبغي أن يكون عفيفًا ذا ثقة ورعًا متدينًا صحيح اليقين.
  • شروط علمية: ينبغي أن يكون فقيهًا عارفًا بما يَحْرُمُ ويَحِل ولا يلتبس على علمه شيء.
  • شروط فنية: ينبغي أن يكون ذا تجربة ودراية بالعمل كفؤًا له. [دار السكة]

    أما دار السكة فكانت تخضع للإشراف المباشر للخليفة منذ تم التعريب الكامل للنقود في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (٦٥ - ٨٦هـ/٦٨٤ - ٧٠٥م)، وذلك عام (٧٧هـ/٦٩٦م) وحتى العصر العباسي الأول، وتحديدًا في خلافة هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣هـ/٧٨٦ - ٨٠٨م) حين تنازل عن هذا الحق لوزيره جعفر البرمكي ثم صرفه إلى السندي بن شاهك الذي أعاد ضبط أمور دار السكة وجودة عيار النقود حتى صارت نقوده تضرب الأمثال بها في الجودة [النقود الإسلامية، دار السكة].

      ورغم ذلك فقد كان للخلفاء تعليمات يصدرونها إلى من يعهدون إليه بالإشراف على أعمال دار السكة، ومنها:

  1. التشديد في النظر في جودة النقد.
  2. أن تضرب العملة وفقًا للعيار المتفق عليه والصادر من دار الخلافة.
  3. إثبات اسم الخليفة على السكة.
  4. التحذير من تلاعب التجار بسبائك الذهب والفضة.
  5. التشديد في مراقبة دار السكة وحراستها [دار السكة].

كذلك فقد تمتع الولاة والوزراء والأمراء بحق الإشراف على دار السكة، وحسبنا أن نشير من بين هؤلاء وأولئك إلى كل من الحجاج بن يوسف الثقفي وعمر بن هبيرة وخالد القسري من العصر الأموي، وعلي بن سليمان بن علي العباسي، وعلي بن عيسى بن ماهان، وجعفر البرمكي، والفضل بن الربيع، والأمير بجكم، والأمير ناصر الدولة من العصر العباسي.

وتمتع بهذا الحق -أيضًا- الأمراء الذين نجحوا في الاستقلال الاسـمي عن دار الخلافة، كالأمير أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية (٢٥٤ - ٢٩٣هـ/٨٦٨ - ٩٠٥م)؛ حيث كان يشرف بنفسه على دار السكة، كما كان يحضر ما يعلق من الذهب ويختم بنفسه، كذلك كانت دار السكة تخضع لإشراف دقيق من محمد بن طغج الإخشيد مؤسس الدولة الإخشيدية (٣٢٣ - ٣٥٨هـ / ٩٣٤- ٩٦٩م).

كذلك كان يعهد بالإشراف على دار السكة للقضاة ونواب القضاة، وذلك من باب الحرص على جودة النقود ومنع الغش فيها، وكان على القاضي أن يجتهد في خلاص الذهب وتحرير عياره، وكان هذا بمثابة ضمان شرعية الإصدارات، كما كان المحتسب يقوم بالإشراف على دار السكة ومراقبة أعمالها ومنع الغش وغير ذلك من المهام، أما أهم موظف إداري بدار السكة فهو ناظر دار الضرب أو متولي دار الضرب، وله السلطة المباشرة والإشراف الكامل على كل العاملين والموظفين بدار السكة إداريين وفنيين، وكان دائم الوجود في الدار فيحضر فتحها والختم عليها عقب الانتهاء من الأعمال.

وبالمصادر التاريخية قائمة بأسماء العديد من النُظَّار أو متولي دار السكة بدءًا من العصر الأموي حتى نهاية المملوكي.

ومن الموظفين الإداريين -أيضًا- المشرف والشاهد، والأول يختص بحفظ جميع الحواصل من فضة وذهب وسكك وعدد وغيرها وآلات وصنج العيار وختم الأقداح وختم الألوان وتحرير وزن عياري الذهب والفضة والمقابلة بالحساب وخطه بذلك، والشاهد عليه "أن يشهد على جميع من حوت الدار بما عاينه من أعمالهم ومباشرته إياهم ومقابلته على الحساب وخطه بذلك عليه"، ومن الموظفين الإداريين -أيضًا- شاد دار الضرب ومن يقوم بعمليتي النسخ والتحرير [النقود ودور الضرب، دار السكة، النقود الإسلامية].

وفي العصر العثماني بمصر وصل عدد المشتغلين بدار الضرب العثمانية إلى أكثر من ٢٨٠ عاملًا (نصفهم من الأقباط)، ومنهم صاحب العيار والوزان وأمين المخزن والمُعَيِّر والرقاق والقطاع والرصاع والجلاء والحفار والحدادون والسكاؤون والبوابون والحراس وعامل ميكانيكي يسمى الساعاتي؛ لدقة عمله، وكاتب قبطي وإمام واعظ إسلامي [دور الضرب بالقلعة].

أما عن الجهاز الفني لدار السكة فكان يختص بصناعة النقود وكل ما يرتبط بها من صهر الذهب والفضة والنحاس وتحديد عيارها وصناعة قوالب السك ونقشها والختم على النقود وعمل الصنج الخاصة بوزن النقود، ويتكون هذا الجهاز الفني من:

  • المقدم: ومهمته الحفاظ على عيار الذهب والفضة، والختم على الآتون بعد معرفة ما به من سبائك حتى يمنع أبواب الفساد، كما عليه -أيضًا- معرفة المزيفين وأساليبهم.
  • السبَّاك: ويختص بإذابة المعادن وتجهيزها على شكل صفائح تصلح لعملية السك.
  • النقَّاش: ويعرف -أيضًا- بالطبَّاع والفتاح، ومهمته نقش الكتابات التي تسجل على النقود.
  • الضرَّاب: وهو الذي يقوم بضرب النقود أو سكها، وكان يشد عليه في ضرب النقود بقالب السك حتى لا ينحرف القالب فيتسبب ذلك في عدم استواء الدائرة والكتابات على النقد، ويكون هناك ما يعرف بالشايط والذي يتيح الفرصة لقرض الدنانير والدراهم.
  • الناقد: وهو الذي ينقد الدنانير والدراهم؛ أي يميز الجيد منها من الردي، والصحيح من المغشوش، وذلك قبل طرحها للتداول، والتأكد من عيارها وحسن ضربها ودقة وزنها ومطابقتها للمواصفات المطلوبة.

    أما عن كيفية صناعة النقود بدار السكة (أو دار الضرب) فكانت تتم من خلال اتباع عدد من الخطوات، وذلك على النحو التالي:

  1.  الخطوة الأولى: وتتمثل في تحضير السبيكة وصناعة الأقراص، أي تحضير المعدن الذي ستصنع منه النقود سواء كانت ذهبًا أو فضة أو نحاسًا، وبسبب لين هذه المعادن لم تكن تستخدم بصورة كاملة النقاء إذ كان من الضروري إذابة المعدن وتنقيته ثم خلطه مع معدن آخر أو أكثر لصنع السـبيكة اللازمة والتأكد من عيارها، ثم تصنع منها الأقراص أو القطع لختمها نقودًا، والسبائك قد تكون مطروقة أو مصبوبة.
  2. الخطوة الثانية: وتتمثل في صناعة القوالب ونقشها وهي من الخطوات المهمة لضرب النقود وختمها بشعار السلطة التي قامت بإصدارها ليجري التداول بها، وكانت هذه القوالب تصنع من معدن أشد صلابة من معدن القطع (الأقراص) التي ستضرب بتلك القوالب لتصنع منها المسكوكات، وكان نقش وحفر الطراز على القوالب يتم على سطح القالب مباشرة أو يصنع القالب بطريقة النسخ عن القالب الأم بواسطة الطرق باستعمال أزاميل تحمل رؤوسها جزءًا من الطراز على شكل حرف أو أكثر أو يحفر الطراز على سطح القالب أو كلمات أو زخارف [النقود ودور الضرب، النقود الإسلامية].

ويحسن بنا ونحن نتحدث عن صناعة النقود الإسلامية بدار السكة أن نشير إلى وجود أخطاء وهفوات نتجت أثناء عملية التصنيع، وقد حصرها العلماء في أربعة أنواع رئيسية، هي:

  1.  عيب أو خطأ في نقش الطراز الذي على القالب.
  2.  سوء تصنيع في القطع (الأقراص) المراد الضرب عليها.
  3.  أخطاء في الفئة أو القيمة.
  4.  عيب أو خطأ أثناء عملية الضرب.

ونضيف إلى ذلك: أن هناك ما يعرف بالمسكوكات الجينية، ويُقصد بها تلك النقود التي جرى ضربها بقالبين غير متزاوجين، أي لا يمت أحدهما للآخر بصلة [دار السكة، نميات نحاسية ، دور الضرب بالقلعة، المسكوكات الهجينية، مجلة المسكوكات].

وختامًا، تجدر الإشارة إلى أن دراسة التخطيط المعماري لدور السكة (أو دور الضرب) الإسلامية وما يرتبط بهذا التخطيط من وحدات وعناصر ومفردات وملاحق ومنافع ومرافق يكاد يكون متعذرًا؛ وذلك لاندثارها جميعًا، بل لا يكاد يعرف مواقعها بالتحديد.

ورغم ذلك فإن مصر ما تزال تحتفظ بنموذج فريد على مستوى العالم وهو دار الضرب بقلعة صلاح الدين المعروفة بقلعة الجبل بالقاهرة.

وقد عكف على دراستها أستاذنا الدكتور/ محمد مصطفى نجيب دراسة علمية تحليلية دقيقة وموثقة، وهي دراسة لم يسبق إليها؛ حيث أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن دار الضرب الحالية بالقلعة هي نتاج ثلاث مراحل:

  1. المرحلة الأولى: وهي مرحلة العصر المملوكي الجركسي (٧٨٩ - ٩٣٠هـ / ١٣٨٧ - ١٥٢٤م) وتقع في أقصى الركن الجنوبي لسور القلعة الذي يحدها من جهتها الجنوبية والشرقية خلف سراي العدل (ديوان الكتخدا) محجوبة بها عن حوش الباشا (الحوش السلطاني).
  2. المرحلة الثانية: وهي مرحلة العصر العثماني (١١٢١ - بعد ١٢٢٧هـ/١٧٠٩ - بعد ١٨١٢م)، وهي الدار العثمانية الثانية التي أمر بإنشائها داماد حسن باشا إلى الشمال من الدار الجركسية، محل معمل البارود الذي نُقل إلى محل بجوارها، وأتمها من بعده إبراهيم باشا القبطان، وقد جددها محمد علي عام ١٢٢٧هـ/١٨١٢م قبل أن يلحقها بداره، وأثبت هذا التجديد في لوح رخامي ما زال موجودًا على بابها.
  3. المرحلة الثالثة: وهي مرحلة عهد محمد علي وأسرته (قبل ١٢٤٣ - ١٣٠٥هـ/ قبل ١٨٢٧ - ١٨٨٨م) وقد استوعبت هذه المرحلة الدار العثمانية الثانية التي ما زالت أجزاء كبيرة منها قائمة للآن مع إضافة مبان إليها من الشمال والغرب مشرفة على حوش الباشا (الحوش السلطاني) أمام سراي العدل (ديوان الكتخدا).

ومهما يكن من أمر فإن التخطيط المعماري بعناصره ومفرداته وملحقاته يشتمل بصفة عامة على الصحن المكشوف وعدد من القاعات والحجرات الأمامية والخلفية فضلًا عن مصلى وضريح ومساحة خربة وبناء بيضاوي يشبه الجواسق أو الأكشاك التي تتوسط الحدائق العثمانية.

ومن المفردات والعناصر الباقية المهمة مصاطب وأفران سبك المعادن وأحواض التبريد والجلوة وجرن القص الذي لم يبق منه سوى غطائه فضلًا عن سندان الطرق [دور الضرب بالقلعة، دراسة أثرية معمارية].

الخلاصة

السكة: هي المؤسسة المسئولة عن سك النقود في الدولة الإسلامية، وقد نشأت لضمان دقة العيار وتحت إشراف الخليفة، وبدأت بتأثير ساساني وبيزنطي ثم تَمَّ تعريبها في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فظهرت نقود تحمل عبارات التوحيد وأسماء الخلفاء وتواريخ الضرب، وانتشرت دور السكة في مختلف المدن الإسلامية ما أتاح معلومات ثمينة للباحثين في مجالات التاريخ والجغرافيا.

موضوعات ذات صلة

هم أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.

همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.

أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.

موضوعات مختارة