تعريب السكة (الإصلاح النقدي):
أ- قبل التعريب: من الثابت أن العرب قبل الإسلام قد عرفوا الدراهم
الساسانية والدنانير البيزنطية، وقد ورد ذكرها في أخبارهم وأشعارهم، وقيل: إنهم
كانوا يتبايعون بالدنانير على أنها تبر ويطلقون عليها العين، كما يطلقون على
الدراهم الفضية الورق [النقود العربية].
فلما جاء الإسلام أقرَّ الرسول
صلى الله عليه وسلم النقود على ما كانت عليه، وتعامل الرسول نفسه بهذه النقود وزوج
عليًّا رضي الله عنه ابنته فاطمة رضي الله عنها على ٤٨٠ درهمًا وزن
ستة دوانيق [الأموال].
وكذلك فرض الرسول صلى الله
عليه وسلم زكاة الأموال بهذه النقود السائدة، فجعل في كل خمس أوقيات من الفضة خمسة
دراهم، كما جعل في كل عشرين دينارًا نصف دينار.
ولما أقرَّ الرسول صلى الله
عليه وسلم هذه النقود عمل خليفته أبو بكر (١١ - ١٣هـ/٦٣٢ - ٦٣٤م) رضي الله
عنه بسنته في تَبَنِّي النقود الجارية بين المسلمين ولم يغير منها شيئًا.
ولما استُخلِف
عمر بن الخطاب رضي الله عنه (١٣ - ٢٣هـ/ ٦٣٤ - ٦٤٤م) وفتح الله على
المسلمين بلاد الفرس أمر بضرب النقود الساسانية في إيران والعراق كما هي بلغتها
وحروفها البهلوية، وكذلك بشاراتها وشعائرها غير الإسلامية، كما حافظ على أسماء دور
السك وتاريخ الضرب باللغة البهلوية كذلك.
ويذكر المقريزي أن عمر
بن الخطاب في عام ١٨هـ/٦٣٩م ضرب الدراهم على نقش الكروية وشكلها وأعيانها
(صورها)، ولكنه زاد عليها عبارة (الحمد لله)، وفي بعضها (محمد رسول الله)، وفي
البعض الآخر (لا إله إلا الله وحده).
ولما استُخلِف عثمان رضي الله عنه (٢٤- ٣٥هـ/٦٤٤- ٦٥٦م) ضرب دراهم في
خلافته ونقش عليها عبارة التكبير (الله أكبر) [شذور العقود].
ومن العبارات التي نُقشت على الدراهم التي ضربت في عهد عثمان رضي
الله عنه كلمة (جيد) وكلمة (بركة)، وهو ما يستدل عليه من الدراهم الآثارية الباقية
المؤرخة سنة ٢٠ يزدجري؛ أي ٣١هـ/٦٥١م - ٣٢هـ/٦٥٢م.
واستمرت الدراهم في خلافة علي
بن أبي طالب رضي الله عنه ٣٥ - ٤٠هـ/٦٥٦ - ٦٦١م، وكان ينقش عليها عبارة (بسم الله)،
وعبارة (بسم الله ربي)، كما نقش اسم (محمد) بالخط الكوفي على بعض الدراهم
المؤرخة بعام ٣٩هـ/٦٥٩م، [موسوعة النقود].
واستمرت النقود تُضرب في عصر الدولة الأموية حتى خلافة عبد الملك بن
مروان ٦٥-٨٦هـ/٦٨٤- ٧٠٥م دونما إحداث تغييرات جوهرية كما كان عليه الحال في
عصر الخلفاء الراشدين، فالدراهم ظلت تُضرب على الطراز الساساني مع إضافة الكتابات
العربية عليها، وكان التاريخ يسجل أسماء عليها أحيانًا وفقًا للتقويم الفارسي
(اليزدجردي) أو التقويم الهجري، كما سجلت أسماء بعض الخلفاء الأمويين وألقابهم
باللغة البهلوية، ومن ذلك (معاوية أمير ورشينكان أي: معاوية أمير
المؤمنين) على دراهم مؤرخة بـ٤١هـ و٤٣هـ.
كما سجل أمراء الأقاليم الشرقية أسماءهم على الدراهم المضروبة على الطراز الساساني
باللغة البهلوية، ويُستثنى من هؤلاء الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان أول من
سجل اسمه على هذه الدراهم بالحروف العربية (في ضوء الدراهم الآثارية الباقية
والمعروفة حتى الآن)، كما يُعَدُّ الحجاج -أيضًا- هو أول من أضاف إلى
الدراهم شهادة التوحيد والرسالة المحمدية.
وهناك نوع من الدراهم اصطلح على
تسميتها بالدراهم العربية الساسانية المغفلة؛ أي التي تخلو من أسماء الخلفاء
وأمراء الأقاليم، وقد استمر ضربها حتى عام ٦٤هـ/٦٨٤م (في ضوء ما هو معروف منها حتى
الآن) [موسوعة النقود، النقود العربية الإسلامية، الدرهم الإسلامي،
الدرهم الإسلامي المضروب على الطراز الساساني، الدرهم الأموي المعرب].
ب- تعريب السكة في عهد عبد الملك بن مروان (٦٥ - ٨٦هـ/٦٨٤ - ٧٠٥م). [النقود العربية
الإسلامية، النقود في العراق، الدرهم الأموي المعرب، النقود العربية]،
مــرَّ
الإصلاح النقدي في عهد عبد الملك ابن مروان ببضعة مراحل حتى تَمَّ
التعريب الكامل للنقود، ويمكن في ضوء الأدلة الآثارية المعروفة والمتوفرة حتى الآن
أن نقسم هذه المراحل إلى ثلاث:
- المرحلة الأولى: مرحلة الصور الإمبراطورية (٧٢ - ٧٤هـ/٦٩٢ - ٦٩٤م).
- المرحلة الثانية: مرحلة الصور العربية (٧٤ - ٧٧هـ/٦٩٤ - ٦٩٧م).
- المرحلة الثالثة: مرحلة التعريب النهائي وظهور الطراز الإسلامي الخالص.
أما عن المرحلة الأولى
فتتميز بنقش صورة الأباطرة البيزنطيين على النقود الذهبية والنحاسية أو صورة كسرى
الفرس على الدراهم الفضية فضلًا عن بعض المظاهر الأخرى، ومنها العمود القائم على
مدرجات على الدنانير، وحرف M الكبير
وحرفm الصغير على الفلوس أو رسم معبد النار الزرادشتية على الدراهم الساسانية،
وكذلك ظهور بعض الكائنات والحروف اللاتينية على الدنانير والفلوس والكتابات البهلوية
على الدراهم.
أما المرحلة الثانية فتتميز بظهور صورة بمركز وجه الدينار تمثل الخليفة عبد الملك
واقفًا بملابسه العربية تعلو رأسه كوفية، ويضع يده اليمنى على مقبض سيفه يهم
باستلاله، وفي الهامش نقش بالخط الكوفي البسيط نصه (بسم الله لا إله إلا الله وحده
محمد رسول الله)، أما الظهر فيوجد به عمود قائم على مدرجات أربعة ينتهي في أعلاه
بكرة، بينما نقش بالهامش بالخط الكوفي البسيط نص يتعلق بتاريخ الضرب بصيغة (بسم
الله ضرب هذا الدينار سنة ... ٧٤ أو ٧٥ أو ٧٦ أو ٧٧هـ) = ٦٩٣، ٦٩٤، ٦٩٥م، ٦٩٦م.
أما الدراهم التي تنتمي إلى هذه
المرحلة فتتميز بأن صورة كسرى قد اختلفت في بعض تفاصيلها، كما حذفت الكتابة
البهلوية وحلت محلها الكتابة العربية، كذلك حذف معبد النار ونقشت بدلًا منه صورة
الخليفة عبد الملك مماثلة لما هو منقوش بالدنانير، وعلى جانبي صورة الخليفة
نقشت ألقابه بصيغة (خليفة الله - أمير المؤمنين).
وهناك إصدارات أخرى من الدراهم لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة.
كذلك فإن النقود النحاسية والبرونزية في هذه المرحلة تتميز بأنها تحمل صورة
الخليفة عبد الملك تحيط بها -أحيانًا- نفس العبارات (بسم الله لا إله إلا
الله وحده محمد رسول الله) أو بدون عبارة (بسم الله) أو تنقش عليها عبارة (لعبد
الله عبد الملك أمير المؤمنين) أو (خليفة الله أمير المؤمنين)، أما الظهر
فيوجد فيه العمود القائم على مدرجات يعلوه كرة ونقش مدينة الضرب يمينه ويساره،
وأحيانًا تنقش كلمة (واف)، وأحيانًا يضاف هامش كتابي يشتمل على شهادة التوحيد
والرسالة المحمدية.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة فتخلو تمامًا من كافة التأثيرات
الفارسية والبيزنطية التي سبق أن شاهدناها في المرحلتين السابقتين، ومن ثَمَّ فهي
تتميز بظهور الطراز الإسلامي الخالص؛ حيث حلت الكتابات الإسلامية محل الصور وذلك
على النحو التالي:
الدنانير الذهبية:
|
الوجه
|
الظهر
|
|
مركز: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
|
مركز: الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد.
|
|
هامش: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
|
هامش: بسم الله ضرب هذا الدينار في سنة سبع وسبعين.
|
هـ- الدراهم
الفضية:
وأقدم المعروف
منها حتى الآن مؤرخ بـ ٧٨هـ.
|
الوجه
|
الظهر
|
|
مركز: لا إله إلا الله وحده لا شريك
له.
|
مركز: الله أحد الله الصمد لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
|
|
هامش: محمد رسول الله أرسله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
|
هامش: ضرب هذا الدرهم + مدينة الضرب وتاريخه.
|
وهناك
إصدار آخر نقوشه:
|
الوجه
|
الظهر
|
|
مركز: لا إله إلا الله وحده لا شريك
له.
|
مركز: الله أحد الله الصمد لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
|
|
هامش: بسم الله ضرب هذا الدرهم +
مدينة الضرب وتاريخه.
|
هامش: محمد رسول الله أرسله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
|
الفلوس:
|
الوجه
|
الظهر
|
|
مركز: لا إله إلا الله وحده.
|
مركز: محمد رسول الله.
|
|
هامش: أمر به عبد الله الوليد أمير
المؤمنين.
|
هامش: بسم الله، ضرب هذا بدمشق سنة
سبع وثمنين.
|
وهناك
فلوس أخرى عديدة تحمل أسماء الخلفاء والولاة وتحمل اسم مدينة الضرب وتاريخ الضرب.
هذا وقد كانت وراء تعريب السكة
عدة دوافع دينية وسياسية واقتصادية وقومية. [المحاسن والمساوئ، حياة
الحيوان الكبرى، النقود والموازين والمكاييل، شذور العقود، مقدمة ابن خلدون،
النقود العربية، تعريب النقود ومدلوله الحضاري].
أما
عن دار السكة (أو دار الضرب) فيمكن القول إنها كانت المؤسسة
الصناعية الرسمية التي تقوم بإنتاج وإصدار النقود بمختلف أنواعها وفئاتها المشار
إليها سابقًا، أما ما كان يُسَكُّ من نقود خارج تلك الدار فيُعَدُّ من النقود
المزيفة وغير القانونية؛ ذلك لأن السكة إحدى شارات الملك الثلاث، وحق خاص للخليفة
أو السلطان أو من ينوب عنهما.
وهو ما ذكره الماوردي بقوله: "فإن
كان من ضرب سلطان الوقت أجيب إليه؛ لأن في العدول عن ضربه مباينة له في الطاعة" [الأحكام السلطانية]، وأكده أبو يعلى بقوله: "فقد منع
من الضرب بغير إذن السلطان لما فيه من الافتئات عليه" [الأحكام السلطانية]، وهذا يدل على أن التعامل بأية نقود
أخرى لا تحمل اسم الخليفة (أو السلطان) أو علامته يعتبر خروجًا عن الطاعة، "وتندرج
تحت ما يسمى بنقود الثوار أو الخارجين" [النقود الإسلامية، نقود
الخارجين على الخلافة العباسية في شرق العالم الإسلامي].
وكانت مهام دار السكة (أو دار
الضرب) تتمثل في استقبال المواد الخام التي ترد إليها وتجهيزها، ومن ثم سكها
نقودًا تفي باحتياجات الدولة أولًا والمجتمع ثانيًا، وذلك وفق موازنة معدة حسب
مصروفات الدولة وحاجة السوق من تلك العملات، كما أنها تقوم بدور كبير في عملية
استبدال النقود القديمة أو تلك التي ألغيت أو سحبت واستبدلت بها نقود جديدة، وهو
ما يعرف اليوم في البنوك المركزية بعملية السحب والطرح.