ينتمي العباسيون إلى نسل العباس بن عبد المطلب عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتمكنوا من تأسيس دولتهم بعد سقوط الدولة الأموية، معتمدين على الدعوة الهاشمية.
ينتمي العباسيون إلى نسل العباس بن عبد المطلب عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتمكنوا من تأسيس دولتهم بعد سقوط الدولة الأموية، معتمدين على الدعوة الهاشمية.
ينتمي العباسيون إلى العباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أسلم بعد موقعة بدر، ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه فتح مكة، وشهد غزوة حنين، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزم الناس بحنين.
وقد كان العباس أسن من الرسول صلى الله عليه وسلم بسنتين، وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الإناث وهم: الفضل وبه كان يُكنى، وعبد الله، وعبيد الله، وقُثَم، وعبد الرحمن، ومَعْبَد، والحارث، وكثير، وعون، وتمّام، وكان أصغر أولاد العباس - رضي الله عنه -، وقد توفي العباس بالمدينة في رجب سنة (٣٢هـ/٦٥٣م) وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
وعبد الله بن العباس هو بلا جدال أبرز أولاد العباس -رضي الله عنه-، وهو الذي قامت عليه شهرة العباسيين في التاريخ، وقد ولد قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين، وتوفي سنة ثمان وستين من الهجرة، واشتهر بغزارة علمه، فكان يُسمّى "البحر" و "حبر الأمة"، وقد تولى البصرة لعلي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين وشهد معه معركة صِفِّين وكان أحد الأمراء فيها.
ومن بين أولاد عبد الله بن العباس علي بن عبد الله، وهو أصغر أولاد أبيه، وكان من أكثر الناس صلاة؛ ولذا اشتهر بلقب السجاد، وقد آثر الابتعاد عن معترك السياسة، وانتقل هو وأسرته من الحجاز إلى قرية صغيرة من قُرى الشام تُسمّى الحُمَيْمَة (انظر هذه المادة)، أقطعها له الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سنة (٩٥هـ / ٧١٤م)، فأقام بها حتى وفاته في حدود سنه (١١٨هـ / ٧٣٦م)، وظل أولاده يقيمون بها من بعده حتى قيام الخلافة العباسية.
خلف عليَّ بن عبد الله بن العباس نيفًا وعشرين ولدًا ذكرًا [ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية بيروت، د. ت، ج١، ص ١٤٩]، برز من بينهم بصفة خاصة ابنه "محمد"، وهو الذي يرجع إليه الفضل الأول في وضع الخطة المحكمة للدعوة التي أسفرت عن سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية.
ولد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في حدود سنة (٦٠هـ /٦٧٩م)، ولم يكن كوالده يؤثر البعد عن معترك السياسة بل كان يتمتع بطموح سياسي بعيد المدى ودهاءٍ واسعٍ، ولم يكن يرضى بأقل من تأسيس "خلافة" تحمل اسم آبائه العباسيين.
وقد سنحت الفرصة لمحمد بن علي لكي يبدأ وضع اللبنات الأولى في تأسيس مشروعه الطموح وذلك حين اتصل أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية - زعيم الشيعة الكيسانية - بعلي بن عبد الله بن العباس في الحُمَيْمَة، وكان قد انتقل إليها من الحجاز مع أسرته، وأوصى له بتسليم أمانة الدعوة لإمام من آل البيت من بعده.
وذلك أن أبا هاشم كان قد أحس بدنو أجله بعد زيارة قام بها للخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك (٩٦ - ٩٩هـ/٧١٥- ٧١٧ م)، فرأي أن يسلم أمانة تلك الدعوة لأحد أبناء عمومته القريبين منه وهو علي بن عبد الله بن العباس -رضي الله عنه-.
والجدير بالذكر هنا أن محمد بن علي بن أبي طالب المشهور باسم محمد بن الحنفية - وهو أول أئمة الخلافة العباسية - انتهت إليه مسئولية الدعوة لإمام من آل البيت بعد استشهاد أخيه الحسين بن علي في كربلاء سنة (٦١هـ/٦٨٠م).
على أن الذي استغل وصية أبي هاشم هذه أحسن استغلال لم يكن هو علي بن عبد الله بن العباس بل كان ابنه محمدًا الذي وجدها فرصة حقيقية لتحقيق مطامحه السياسية.
وهكذا تهيأت أمامه الظروف لكي يبدأ خطواته الجادة في هذا السبيل - وقد تمثل ذلك فيما عرف باسم "الدعوة الهاشمية"، والملاحظ أن هذه الدعوة بدأت في أواخر القرن الأول الهجري إبان حكم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (٩٩ – ١٠١هـ/ ٧١٧- ٧٢٠م)؛ هذا الخليفة الذي أشاع جوًا من الطمأنينة والأمن بين رعاياه وأمر بالتوقف عن ملاحقة آل البيت واضطهادهم، وقد كان ذلك من بين العوامل المهمة التي أغرت محمد بن علي بأن يبدأ دعوته في هذا التوقيت بالتحديد، ولم يكن يدير دعوته في البداية علنًا بل كان يديرها سرًا، ولم يشأ أن يدعو إلى نفسه أو إلى إمام عباسي بل اكتفي بأن يدعو إلى الرضا من آل محمد؛ أي إلى من يرضاه المسلمون إمامًا من آل البيت، وقد ضمن بهذا الشعار أن يضم إلى صفوف دعوته أنصار العلويين وهم كثيرون.
اعتمد محمد بن علي في إدارة دعوته على مراكز أساسية ثلاث هي: الحُمَيْمَة التي مثلت الرأس المُدَبِّر للدعوة بوصفها موطن الأئمة العباسيين؛ ثم خراسان، معقل الموالي المتعاطفين مع آل البيت والمعادين للأمويين لسوء معاملتهم لهم، ثم الكوفة التي كانت همزة الوصل بين خراسان والحُمَيْمَة، حيث ينقل كبير الدعاة في الكوفة توجيهات إمام الحميمة إلى دعاته في خراسان.
وقد استمر محمد بن علي في إدارته السرية الناجحة للدعوة حتى وفاته سنة (١٢٥هـ/٧٤٣م)، وخلفه في هذه المهمة ابنه إبراهيم الذي اشتهر بالإمام، وفي عهده برزت شخصية خطيرة على المسرح العملي للدعوة وهي شخصية أبي مسلم الخراساني الذي قلده إبراهيم إمارة الدعوة في خراسان سنة (١٢٨هـ /٧٤٦م)، وفي سنة ١٢٩هـ أمره بإظهارها بعد أن كانت تَدار سرًا، ولم يحدث هذا التطور إلا بعد أن كانت الدعوة قد مكنت لنفسها في خراسان ولم يعد يُخشى عليها من مقاومة الأمويين.
وخلال هذه المرحلة استطاع أبو مسلم أن يستولى على مدينة مرو عاصمة خراسان في سنة (١٣٠هـ/٧٤٨م) بعد معركةٍ حاسمة خاضها ضد نصر بن سيار الوالي الأموي على خراسان، وبهذا أصبح الطريق ممهدًا أمامه للزحف إلى العراق بعد أن دانت له خراسان.
وقد أعد أبو مسلم جيشًا قويًا لإنجاز هذه المهمة وأسند قيادته إلى أحد كبار قواده وهو قَحْطَبة بن شبيب الطائي الذي عبر نهر الفرات في سنة (١٣١هـ/٧٤٨م)، وفي طريقة إلى مدينة الكوفة عاصمة العراق في ذلك الوقت التقى بالجيش الذي أعده يزيد بن عمر بن هبيرة الوالي الأموي على العراق وأنزل به هزيمة ساحقة.
وقد قُتِل قَحْطّبة أثناء المعركة فخلفه على قيادة الجيش العباسي ابنه الحسن الذي واصل الزحف نحو الكوفة وتمكن من دخولها دون مقاومة تذكر، وذلك في الحادي عشر من المحرم سنة (١٣٢هـ /٧٤٩م).
ولكن الدعوة الهاشمية التي كانت تسير من نصر إلى نصر تعرضت قبل ذلك بقليل لنكسة كادت تقضي عليها؛ فقد استطاعت عيون الأمويين أن تقبض على إبراهيم الإمام في سنة ١٣١هـ حيث أرسلوه إلى الخليفة الأموي مروان بن محمد الذي كان يقيم حينذاك في حران من أرض الجزيرة بشمال العراق، وقد أمر مروان بحبس إبراهيم الإمام فظل في محبسه حتى مات في نفس العام، ويقال إن مروان دبَّر قتله في محبسه.
تولى قيادة الدعوة بعد القبض على إبراهيم الإمام أخوه أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن العباس (الذي اشتهر فيما بعد بلقب السفاح)، وتجدر الإشارة إلى أن إبراهيم الإمام عندما أيقن بمصيره أوصى أسرته العباسية التي كانت تقيم بالحميمة، وفيهم أخوه أبو العباس، بأن تنتقل فورًا إلى الكوفة؛ فهي مكان أكثر أمنًا لأنها بمنأى عن معقل الأمويين بالشام.
وقد استجابت الأسرة لتوجيهات إبراهيم الإمام وشدت رحالًا إلى الكوفة فدخلوها في أوائل سنة (١٣٢هـ / ٧٤٩م)، وبويع أبو العباس السفاح بالخلافة من كبار القادة وأنصار الدعوة في ١٢ من ربيع الأول سنة (١٣٢هـ / نوفمبر٤٩ ٧م) بعد القضاء على محاولة فاشلة قام بها أحد كبار الدعاة - وهو أبو سلمة الخلال؛ لتحويل الخلافة من الفرع العباسي من بني هاشم إلى الفرع العلوي.
وهكذا كشفت الدعوة الهاشمية عن وجهها الصريح، فتبين أنها دعوة عباسية خالصة تدثرت منذ بدايتها بشعار الرضا من آل محمد أي من بني هاشم لتجذب إلى صفوفها كل المتعاطفين مع آل البيت [محمد حلمي أحمد: الخلافة والدولة في العصر العباسي، مكتبة الشباب، ١٩٧٢م، ص ٣١ - ٣٨].
عصور الخلافة العباسية منذ قيامها سنة (١٣٢هـ /٩ ٤ ٧م) حتى سقوطها سنة (٦٥٦هـ /١٢٥٨م):
يقسم الباحثون في العادة التاريخ الطويل للخلافة العباسية إلى عصور خمسة متميزة هي: عصر نفوذ الخلفاء، وعصر نفوذ الأتراك، وعصر البويهيين وعصر السلاجقة، وعصر ما بعد السلاجقة وهو العصر الأخير.
أولًا: عصر نفوذ الخلفاء (١٣٢- ٢٣٢هـ/ ٧٤٩- ٨٤٧م):
هذا هو العصر الذي شهد مجد الخلافة العباسية وهيبتها؛ فقد تمتع فيه الخلفاء بالقوة والسيطرة على مقاليد الأمور في الداخل كما جعلوا من الخلافة قوة مرهوبة الجانب في الخارج، وقد تقلد منصب الخلافة خلال هذا العصر تسعة خلفاء هم:
أبو العباس عبد الله السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، ومحمد المهدي بن المنصور، وموسى الهادي بن المهدي، وهارون الرشيد بن المهدي، ومحمد الأمين بن هارون الرشيد، وعبد الله المأمون، وأبو إسحاق المعتصم ابنا هارون الرشيد، وأخيرًا هارون الواثق بن المعتصم.
وقد بدأ أبو العباس السفاح خلافته في الكوفة التي أصبحت أول عاصمة للدولة العباسية، وكان شغله الشاغل خلال فترة حكمه (١٣٢- ١٣٦ هـ / ٧٤٩ - ٧٥٤ م) هو ملاحقة فلول الأمويين وأنصارهم، فنجح الجيش العباسي في هزيمة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين في معركة دارت رحاها على الزاب الأعلى (بين الموصل واربل)، وفر مروان هاربا إلى الشام ثم مصر، والعباسيون في أثره، حتى قتلوه في قرية أبو صير (من أعمال بنى سويف حاليًا) في أواخر ذي الحجة سنة (١٣٢هـ /٧٥٠م).
كما تخلص السفاح أيضًا من يزيد بن عمر بن هبيرة الذي كان والي العراق من قبل الأمويين، ولم يكتف الخليفة بذلك بل تتبع الأمويين حيث وجدوا وأعمل فيهم السيف دون هوادة [تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بالقاهرة، ج٧، ص ٤٥٠].
ثم جاء الدور على أبي سَلَمَة الخَلَّال (حفص بن سليمان) الذي كان من كبار الدعاة العباسيين كما أشرنا، وقد استوزره السفاح في مطلع خلافته، فهو أول وزير في الإسلام، ولكنه لم ينس له ما قام به من محاولة تحويل الخلافة إلى الفرع العلوي من آل البيت، فدبر مقتله في رجب سنة (١٣٢هـ / ٧٥٠م) واستوزر بعده - على أرجح الآراء - خالد بن برمك [ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٧٧، ج٢، ص ١٩٦].
لم يستقر السفاح طويلًا في مدينة الكوفة، فقد انتقل منها بحكومته إلى مدينة بناها بجوارها وسماها الهاشمية، ثم انتقل من الهاشمية إلى الحيرة بالقرب من الكوفة، وانتقل من الحيرة إلى الأنبار في عام (١٣٤هـ/ ٧٥١م)، وبها تَوفي.
وقد تولى الخلافة بعد السفاح أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد الشهير بالمنصور، وهو يعد المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية، وقد أتاح له حكمة الطويل الذي امتد من سنة ١٣٦هـ إلى سنة ١٥٨هـ (٧٥٤- ٧٧٥م) أن يحقق إنجازات هائلة في الداخل والخارج وأن يسلم ابنه وخليفته محمد المهدي دولة ذات مكانة متميزة على المستوى العسكري والاقتصادي والثقافي.
كان على الخليفة المنصور في بداية حكمه أن يقضي على التهديدات الداخلية التي مثلت خطرًا حقيقيًا على خلافته، وتأتي في مقدمتها ثورة عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس الذي ادّعى أنه أحق بالخلافة من ابن أخيه المنصور؛ فأرسل له المنصور جيشًا بقيادة أبي مسلم الخراساني تمكَّن من هزيمته في معركة دارت رحاها في نصيبين من أرض الجزيرة في شهر جمادى الآخرة سنة(١٣٧هـ/٧٥٥م). وقد أمر المنصور بحبس عبد الله وظل في محبسه حتى مات سنة ١٤٧هـ [ابن الأثير: الكامل، ج٥، ص ٥٨١ – ٥٨٢].
وتَمَتَّل التهديد الداخلي الثاني في أبي مسلم الخراساني نفسه رغم مكانته المتميزة في الدعوة والدولة، ذلك أن سلطة أبي مسلم تنامت إلى الحد الذي جعل أبا جعفر المنصور يحس أنه بدأ يكون في خراسان دولة داخل الدولة، ومن هنا وضع الخليفة خطة محكمة لاستدراجه إلى مقر حكمه حيث كان يقيم حينذاك في مكان يقال له رومية المدائن، وهناك تخلص منه في شعبان سنة (١٣٧هـ/٧٥٥م) [تاريخ الطبري، ج٧، ص ٤٨٣].
أما التهديد الداخلي الثالث والأخطر فقد تمثل في الثورة العلوية التي قادها محمد ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب (الذي يقال له النفس الزكية) وأخوه إبراهيم، وقد اندلعت ثورة النفس الزكية في المدينة بالحجاز في ٢٨ من جمادى الآخرة سنة (١٤٥هـ/٧٦٢م)، واندلعت ثورة أخيه إبراهيم في البصرة بالعراق في الأول من رمضان سنة (١٤٥هـ/ ٧٦٢م).
ومَكْمَنُ خطورة هذه الثورة لم يكن في جانبها العسكري فحسب، بل كان قبل ذلك في الأساس الشرعي الذي حاول الأخوان محمد وإبراهيم أن يقيماها عليه، فهما من أبناء علي وفاطمة معًا، ومكانة علي وسبقه إلى الإسلام وجهاده في سبيله مما لا يحتاج إلى بيان، وهو زوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمحمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم من أحفاد علي ومن أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما أحق بشعار الرضا من آل محمد من العباسيين.
ومن هنا نجحت هذه الثورة في أن تضم إلى صفوفها أنصارًا كثيرين من أعيان المسلمين في الحجاز والعراق، ولكن المنصور لم يصمت إزاء هذه المحاولة التي كانت تهدف إلى إسقاط شرعية الخلافة العباسية، فذكر أن العباس بن عبد المطلب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أولى بميراث ابن أخيه من علي بن أبي طالب وهو ابن عمه، كما أن أولاد البنت وهي فاطمة، أقل استحقاقًا للإرث من العم، ثم قارن بين العباس الذي أسلم وبين أبي طالب الذي لم يُسلم، وبعد أن انتهت تلك المعركة النظرية في ميدان الجدل السياسي جاء دور المعركة العسكرية في ميدان القتال، وقد حسمت لصالح المنصور تمامًا في مواجهتين: المواجهة الأولى في المدينة مع جيش محمد النفس الزكية الذي هزم وقتل في الميدان في رمضان سنة (١٤٥هـ/٧٦٢م)، والمواجهة الثانية في مكان يقال له "بَاخَمْري" في العراق مع جيش إبراهيم حيث لقى نفس مصير أخيه، وذلك في ذي القعدة سنة(١٤٥هـ /٧٦٣م)، وكان قائد الجيش العباسي في المواجهتين عيسى بن موسى بن محمد بن علي (ابن أخي الخليفة المنصور) [المصدر السابق، ص ٥٧٧، ص٦٤٧- ٦٤٨].
بعد أن قضى المنصور على أهم المشاكل الداخلية التي هددت استقرار حكمه، بدأ يوجه مزيدًا من الاهتمام لدعم اقتصاد الدولة وتنظيم إدارتها وتأكيد هيبتها الخارجية.
ولابد من الإشارة هنا إلى تأسيسه لعاصمة دائمة للدولة العباسية؛ وهي بغداد (١٤٦هـ/٧٦٣م)، بعد أن ظل العباسيون أربعة عشر عامًا، ينتقلون من مكان إلى مكان بحثًا عن مركز دائم لخلافتهم؛ فقد بدأ السفاح حكمه في الكوفة كما رأينا، ثم انتقل منها إلى إحدى ضواحيها وهي الهاشمية، ثم انتقل إلى الحيرة، ثم الأنبار، وبها توفي.
وعندما تولى المنصور رجع إلى هاشمية الكوفة، ثم انتقل منها إلى رومية المدائن، ثم عاد إلى هاشمية الكوفة، ومنها انتقل إلى بغداد.
إن هذا يعني أن العباسيين لم يعرفوا الاستقرار الحقيقي من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل أن ينقلوا إدارتهم إلى بغداد، وقد حقق موقع بغداد كل ما كان الخليفة المنصور ينشده في عاصمة دولته؛ فهي تقع من دجلة على نقطة هي أقرب ما تكون إلى نهر الفرات، وقد أحاطت بها - بالإضافة إلى دجلة والفرات - مجموعة من القنوات والأنهار الفرعية التي تجعل وصول العدو إليها أمرًا شاقًا، ويضاف إلى ذلك أن المنصور وطَّنَ بها من العناصر السكانية من يضمن ولاءهم السياسي، سواء أكانوا من العباسيين أم من رجال دولتهم.
شهدت الدولة العباسية ازدهارا كبيرًا على يد المنصور بعد تأسيس بغداد، وقد أحسن المنصور استغلال الموارد الهائلة للدولة، فلم ينفق المال إلا في موضعه وبالقدر المطلوب تمامًا، وبالرغم من أنه اشتهر بالبخل فإن الحقيقة أنه " كان رجلًا حازمًا يعطي في موضع العطاء ويمنع في موضع المنع [ابن الطقطقي: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، شركة طبع الكتب العربية بمصر ١٣١٧هـ، ص ١٤٢].
وقد أنفق الكثير من المال لتحصين مدن الثغور التي تقع على حدود الدولة البيزنطية التي كانت تمثل أكبر تهديد للدولة الإسلامية، ولم يدخر وسعًا في سبيل شحن هذه المدن بالعتاد والرجال، فاستطاع أن يضع حدًا لأطماع الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الخامس الذي استغل فترة الضعف التي شهدتها الدولة الإسلامية في أواخر العصر الأموي، الأمر الذي شجعه على محاولة انتهاك حدودها.
ولكن المنصور نجح في أن يعيد للدولة الإسلامية هيبتها أمام أعتى أعدائها، ثم إن المنصور لم يغفل رعاية الجانب الثقافي في الدولة، فكان أول من اهتم اهتمامًا حقيقيًا بحركة الترجمة من التراث العالمي إلى اللغة العربية كما سنشير إلى ذلك في موضعه، وازدهرت في عهده حركة التصنيف في العلوم المختلفة.
ويضاف إلى ذلك اهتمامه الملحوظ بالجوانب الإدارية؛ فقد كان يحسن اختيار قضاته ووزرائه، فقد استوزر في البداية خالد بن برمك رأس أسرة البرامكة، ثم استوزر أبا أيوب المورياني، واستوزر بعده الربيع بن يونس صاحب الخبرة الإدارية الواسعة، كما استخدم أصحاب البريد استخداما فعالا؛ فكان يتابع عن طريقهم تصرفات الولاة وأحكام القضاة، بل إنه كان يتابع أيضًا أسعار السلع.
وكان أصحاب البريد يوافونه بكل جديد في أنحاء دولته المترامية الأطراف مرتين كل يوم: مرة في أول النهار ومرة في آخره، ومن هنا تمكن من الإحاطة التامة بكل ما كان يحدث في الدولة، وورث خلفاؤه عنه هذا النظام الإداري الدقيق [حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن: النظم الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية. بالقاهرة، ١٩٧٠م].
وبالرغم من كل مظاهر القوة التي اتسمت بها خلافة المنصور فقد شهدت بداية ظاهرة سلبية خطيرة وهي انسلاخ بعض الولايات من جسم الدولة، فقد استقلت الأندلس في عصر المنصور عن دولة الخلافة، وذلك علي يد الفتى الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (عبد الرحمن الداخل) الذي فرمن مطاردة العباسيين لفلول الأمويين وعبر البحر إلى الأندلس، وهناك أسس إمارة أموية في سنة (١٣٨هـ/٧٥٥م)، سوف يحولها أحد أحفاده فيما بعد، وهو عبد الرحمن الناصر (٣٠٠- ٣٥٠هـ/٩١٢- ١ ٩٦م) إلى خلافة، وسوف يتنامى هذا الاتجاه الانفصالي في العصور العباسية اللاحقة.
ومع أن الخليفة أبا العباس السفاح كان قد أوصى بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور ثم إلى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، القائد الكفء، فإن المنصور أعمل الحيلة والدهاء، ونجح في تحويل الخلافة إلى ابنه محمد الذي لقب بالمهدي على أن يكون عيسى بن موسى وليًا لعهد المهدي.
وهكذا تولى المهدي الخلافة عقب وفاة أبيه في سنة (١٥٨هـ / ٧٧٥م)، وقد استمر في الحكم حتى وفاته في المحرم سنة(١٦٩هـ/أغسطس ٧٨٥م)، وقد جنى المهدي ثمار سياسة أبيه في دعم اقتصاد الدولة وتوطيد أمنها في الداخل وتأكيد هيبتها في الخارج، فكان عصره عصر استقرار سياسي وازدهار اقتصادي.
ولعل من أهم ما شغل به نفسه في الداخل ملاحقته للزنادقة في محاولة منه لاستئصال شأفتهم، كما حدثت في عهده بعض الثورات المحدودة التي نجح نجاحًا تامًا في القضاء عليها؛ وأهمها ثورة المقنع الخراساني في خراسان، التي قد ينظر إليها على أنها كانت محاولة للثأر لأبي مسلم الخراساني، ولكن الواضح أنها كانت حركة قومية تهدف إلى إحياء الملك الفارسي الداثر بكل عقائده وتقاليده، وقد تمكن المهدي من القضاء عليها في سنة(١٦٣هـ/٧٧٩م) [تاريخ الطبري، ج٨، ص١٤٤].
وبجانب ذلك تمكن المهدي من تأكيد السيادة الإسلامية في وجه البيزنطيين الذين هاجموا بعض مدن الثغور الإسلامية، فوجه ضدهم ثلاث حملات ناجحة كانت الأولى منها في سنة (١٦٢هـ/٧٧٩م) بقيادة الحسن بن قحطبة، وكانت الثانية والثالثة في سنة (١٦٣هـ/٧٨٠م) وسنة(١٦٥هـ /٧٨٢م) على التوالي، وكلتاهما بقيادة هارون بن المهدي وهو فتى دون العشرين من عمره - واستطاع المهدي خلال هذه الحملات أن يضع حدًا لجموح البيزنطيين وأن يجعل من دولة الخلافة قوة مرهوبة الجانب في العالم كله [المصدرالسابق، ج ٨، ص ١٤٢].
ولم يغفل المهدي الجانب الاجتماعي والعمراني في دولته؛ فقد أنفق من بيت المال على المسجونين والمجذومين وذوي الحاجات، كما اهتم بإنشاء الطرق وحفر الآبار والترع، وظفرت العاصمة بغداد منه بعناية خاصة؛ فاتسعت نتيجة لذلك اتساعًا عظيمًا، وخصوصًا ضاحية الرصافة أو بغداد الشرقية التي ازدانت بالمباني الفخمة والحدائق الغناء وأصبحت منافسًا لبغداد الأصلية أو مدينة المنصور في العظمة والبهاء.
والملاحظ أن المهدي حذا حذو أبيه المنصور في قضية ولاية العهد؛ فقد حمل عيسى بن موسى على خلع نفسه، وعين بدلًا منه ابنيه: موسى الهادي ثم هارون الرشيد على الترتيب.
وعندما توفي محمد المهدي في المحرم سنة (١٦٩هـ/٧٨٥م) كانت الخلافة العباسية في سبيلها إلى أن تبلغ ذروة قوتها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
وهكذا تسلم ابنه وخليفته موسى الهادي دولة مزدهرة مهيبة الجانب، وقد كان في حدود الخامسة والعشرين من عمره عندما تسلم زمام السلطة، ولكن خلافته لم تزد عن العام إلا قليلًا، فقد توفي في ربيع الأول سنة (١٧٠هـ/٧٨٦م)، ولهذا لم يترك بصمات واضحة على مجرى الأحداث، وقد حذا حذو أبيه في مطاردة الزنادقة ومحاولة القضاء عليهم.
على أن أهم ما واجهه من أحداث ثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في المدينة في ذي القعدة سنة (١٦٩هـ/٧٨٩م)، ولم يجد الهادي صعوبة في القضاء على هذا الثائر العلوي؛ فقد وجه إليه جيشًا عباسيًا بقيادة محمد بن سليمان بن علي، حيث التقى به في مكان يقال له فخ بين مكة والمدينة وتمكن من هزيمته وقتله [تاريخ الطبري، ج٨، ص ١٩٢-٢٠٣].
وقد أراد الهادي أن يجعل ولاية العهد لابنه جعفر بدلًا من أخيه هارون الرشيد، ولكنه لقي معارضة شديدة من أمه الخيزران ويحيى بن خالد البرمكي، الذي كان الخليفة المهدي قد عينه كاتبًا وناصحًا لابنه هارون الرشيد، ولكن وفاة الهادي المفاجئة والغامضة في ريعان شبابه حالت دون تحقيق ما أراد.
هكذا تولى الرشيد الخلافة خلفًا لأخيه موسى الهادي، وكان في الثالثة والعشرين من عمره حينذاك وطالت مدة حكمه حتى بلغت ثلاثة وعشرين عامًا (١٧٠- ١٩٣هـ/ ٧٨٦- ٨٠٩م). والحقيقة أن عصر الرشيد حظي بشهرة واسعة في التاريخ العباسي بل في التاريخ الإسلامي كله لما تحقق فيه من إنجازات وما حفل به من أحداث جسام.
ويمكن تقسيم هذا العصر إلى مرحلتين غير متكافئتين زمنيًا: المرحلة الأولى مرحلة نفوذ البرامكة؛ والمرحلة الثانية مرحلة نفوذ الفضل ابن الربيع.
مرحلة نفوذ البرامكة (١٧٠- ١٨٧هـ/٧٨٦- ٨٠٣م): اصطبغت هذه المرحلة بالنفوذ الطاغي للبرامكة؛ وهم أسرة فارسية ظهر نفوذها في البلاط العباسي منذ عهد الخليفة الأول أبي العباس السفاح الذي استوزر خالد بن برمك كما أشرنا، كما استوزره المنصور أيضًا.
أما الخليفة المهدي فقد وضع ثقته في يحيى بن خالد بن برمك وعينه ناصحًا وكاتبًا لابنه هارون الذي كان يضعه في منزلة أبيه، وعندما تولى هارون الخلافة فوض إليه إدارة شئون دولته، وقرب أولاده وبخاصة جعفر والفضل وولَّاهم الأعمال الجليلة.
وبجانب الدور السياسي الكبير في هذه المرحلة من حكم الرشيد كان لهم دور اجتماعي وثقافي بارز؛ فقد اشتهروا بالإحسان إلى كل من يقصدهم، كما شجعوا العلماء والشعراء بالعطايا السابغة.
وهكذا ارتفعت مكانتهم الاجتماعية والفكرية في المجتمع العباسي فضلًا عن مكانتهم السياسية. ولكن الذي حير المؤرخين حقا هو تلك النكبة التي أنزلها بهم الرشيد وهم في عنفوان مجدهم وأوج نفوذهم؛ ففي صفر سنة (١٨٧هـ/٨٠٣م) أمر بقتل جعفر بن يحيى بن خالد وحبس يحيى بن خالد وبقية أولاده، واستصفى أموالهم واستولى على ضياعهم.
وبالرغم من تعدد الآراء التي طرحت لتفسير هذه النكبة فإن ابن خلدون يقدم رأيًا قد يكون أدنى إلى القبول وهو أن سبب نكبة البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجانهم أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه، فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه [ابن خلدون: المقدمة، طبعة المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، د. ت، ص ١٦]، ومن أهم الأحداث التي شهدتها تلك المرحلة قيام دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى، وهي تنتسب إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي فر إلى المغرب بعد هزيمة الحسين ابن علي بن الحسن في موقعة (فخ) أثناء حكم الهادي.
وبالرغم من أن الرشيد أرسل إليه من تخلص منه فقد توفي عن أمة وضعت بعد وفاته غلامًا سماه البربر إدريس على اسم والده، ثم بايعوه بالإمامة مكان أبيه، فكان ذلك إيذانا بقيام دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى.
وهكذا استقل ذلك الإقليم استقلالًا تامًا عن دولة الخلافة العباسية [أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين، تحقيق السيد أحمد صقر، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة. ٢٠٠٣م، ج٢، ص٤٨٧-٤٩١].
كما شهدت تلك المرحلة أيضًا قيام دولة الأغالبة بتونس (إفريقية) على يد إبراهيم بن الأغلب الذي استقل عن الخلافة العباسية استقلالًا فعليًا ولكنه كان يدين بالولاء الأسمَّى للخلافة، وهكذا تزايد عدد الدويلات المستقلة في عصر الرشيد، وسوف يتنامى هذا الاتجاه الاستقلالي بعد عصره [حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ٩٩٦ ا، ج ٢، ص ١٧٢- ١٨٠].
ومن المشكلات المهمة التي واجهت الرشيد في تلك الفترة ثورة الخوارج في نصيبين من بلاد الجزيرة بقيادة الوليد بن طريف الشاري "الشيباني" في سنة (١٧٨هـ /٧٩٤ م)، وقد تمكن الرشيد بعد جهود مضنية من القضاء على هذه الثورة في سنة (١٧٩هـ/٧٩٥م) على يد القائد العباسي المشهور يزيد بن مزيد الشيباني [ابن خلكان، مصدر سابق، ج ٢، ص ٣١- ٤ ٣]
على أن أعظم إنجاز حققه الرشيد خلال تلك الفترة تمثل في نجاحه في كبح جماح البيزنطيين وتأكيد سيادة الدولة الإسلامية أمام أعدائها، وقد كان من عوامل تحقيق هذا الإنجاز إعادة بناء وتحصين مدينة طرسوس التي تسيطر على المدخل الجنوبي للممر الجبلي المعروف عند الجغرافيين العرب باسم ممر طرسوس أو ما يُسمى في المراجع الأجنبية باسم بوابات قيليقية: Cilician Gtes، وهذا الممر يربط بين شمال الشام وآسيا الصغرى.
ولذا كان موقع طرسوس يمثل نقطة دفاع وهجوم على جانب كبير من الأهمية في الصراع الإسلامي البيزنطي، وقد أضاف الرشيد إلى ذلك إنشاءه لمنطقة العواصم التي أريد منها أن تكون حماية وعاصما لمنطقة الثغور التي تقع في نحر العدو [Philip Hitti, History of the Arabs, London, p ١٩٧ - ٢٠٠]، واللافت للنظر أن الرشيد خلال هذه المرحلة قاد بنفسه أول حملة ضد بيزنطة ١٨١هـ (٧٩٧م) واستطاع أن يقتحم ويدمر قلعة حصينة في آسيا الصغرى اسمها الصفصاف [تاريخ الطبري، ج ٨، ص ٢٦٨]. وقد تصاعدت حملات الرشيد ضد الروم (البيزنطيين) في المرحلة التالية من حكمه.
وقبل أن نختم حديثنا عن هذه المرحلة الأولى من حكم الرشيد ينبغي أن نشير إلى موقفه من قضية خطيرة كانت لها آثارها البعيدة المدى بعد ذلك، وهي قضية ولاية العهد؛ فقد قرر الرشيد أن يعهد لابنه محمد الأمين بالخلافة من بعده، على أن يكون ابنه الآخر عبد الله المأمون وليًا لعهد الأمين وأن تكون للمأمون ولاية خراسان أثناء خلافة الأمين.
ومع أن المأمون كان أسن من الأمين بستة أشهر وكان أرجح منه عقلًا - وهو ما تبينه الرشيد بوضوح بعد ذلك فإن أمه كانت فارسية الأصل (وهي مراجل)، أما أم الأمين فهي زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور فهي بنت عم الرشيد، وهذا ما جعل الرشيد يقدمه على المأمون، فمهد بذلك لحرب أهلية سوف تدفع الخلافة ثمنها غاليًا [تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، ٢ ١٩٩، ج ٢، ص ٤٠٨].
٢- أما مرحلة نفوذ الفضل بن الربيع فقد بدأت بعد سقوط البرامكة سنة (١٨٧هـ/٨٠٣م) واستمرت إلى وفاة الرشيد سنة (١٩٣هـ ٨٠٩م)، وقد تربّى الفضل في بلاط العباسيين؛ فقد كان والده الربيع بن يونس وزيرًا للمنصور، كما كان من كبار رجال الحاشية في عهد المهدي، ولذا حذق ابنه الفضل أساليب البلاط وكان مقربًا إلى الخلفاء، وقد تولى الوزارة في خلافة هارون الرشيد بعد سقوط البرامكة وأصبح هو الرجل الأول في بلاطه، ولكن الرشيد لم يسمح لأحد أن يكون صاحب نفوذ مطلق في دولته بعد سقوط البرامكة.
وقد توزع اهتمام الرشيد في تلك المرحلة الثانية من خلافته بين أمرين أساسيين: أولهما: صراعه ضد البيزنطيين، وثانيهما: محاولة القضاء على الاضطرابات في خراسان والمشرق.
أما صراعه على الجبهة البيزنطية فقد وصل الذروة في تلك الفترة؛ حيث قاد بنفسه أضخم حملتين عباسيتين ضد الروم حتى ذلك الوقت، وقد حدثتا في عامي ١٨٧هـ(٨٠٣م) و١٩٠هـ(٨٠٦م) على التوالي، وحققت كلتا الحملتين نجاحًا باهرًا، ولم يجد إمبراطور الروم (نقفور) في الحملة الثانية بُدًا من أن يطلب الصلح، فوافق الرشيد على طلبه بعد أن تعهد الإمبراطور أن يدفع إتاوة مقدارها ثلاثمائة ألف دينار وأن يدفع الجزية عن نفسه وولده وبطارقته وأهل بلده [تاريخ الطبري، ج ٨، ص ٣٠٧- ٣٠٨، ٣٢٠- ٣٢٢].
أما الاضطرابات في خراسان والمشرق فقد كانت وليدة السياسات الغاشمة التي انتهجها علي بن عيسى بن ماهان، الوالي هناك من قبل الرشيد، وقد تزعم الثورة في تلك البقاع رافع بن الليث بن نصر بن سيار، وقد بلغت هذه الثورة حدًا جعل الرشيد يقرر أن يذهب بنفسه لإخمادها، وعند وصوله إلى طوس أحس بالمرض فحط رحاله، وهناك وافاه أجله في الثالث من جمادى الآخرة سنة (١٩٣هـ/ ٨٠٩م) وفي نهاية حديثنا عن هارون الرشيد ينبغي أن نشير إلى أن عصره شهد ازدهارًا حضاريًا غير مسبوق، فاستحق أن يعرف بالعصر الذهبي للخلافة العباسية؛ فقد ازدهرت حركة الترجمة وحركة التصنيف في العلوم ونشطت حركة الفن والأدب واتسع العمران وازدادت قوة الدولة الاقتصادية إلى غير ذلك مما سوف نتناوله عند استعراضنا لأهم الجوانب الحضارية في العصر العباسي.
تولى محمد الأمين الخلافة في سنة (١٩٣هـ /٨٠٩م) عقب وفاة أبيه، وقد شغلت الحرب الأهلية التي اندلعت بينه وبين أخيه عبد الله المأمون مدة حكمه الذي انتهي في صفر سنة (١٩٨هـ/٨١٣م)، وسبب هذه الحرب محاولة الأمين تعيين ابنه الطفل موسى وليًا لعهده ليحل محل المأمون.
وقد شجعه على ذلك كبار رجال حاشيته وعلى رأسهم الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى بن ماهان، ولم يكن من المستغرب أن يرفض المأمون هذا التصرف الذي يعد نقضًا صريحًا لعهد الرشيد؛ ومن هنا اتخذ من ولاية خراسان التي كانت تحت إدارته مركزًا للمقاومة، وكان من أكبر أنصاره في هذه المواجهة وزيره الفضل بن سهل والقائد المشهور طاهر بن الحسين بن مصعب، وكلاهما من أعيان الفرس.
وقد انتهت هذه الفتنة التي استمرت بضع سنوات بدخول طاهر ابن الحسين - قائد جيش المأمون - بغداد في المحرم سنة (١٩٨هـ/٨١٣م)، بعد أن حل بها الدمار، ثم قام جنود طاهر بقتل الأمين في صفر من نفس العام؛ وبذلك انتهت هذه المحنة التي كادت أن تقضي على البيت العباسي.
وهكذا تقلد المأمون زمام الخلافة العباسية وهو في "مرو" عاصمة خراسان، وعين الحسن بن سهل (وهو أخو وزيره الفضل بن سهل) واليًا على العراق والحجاز واليمن وعلى كل ما كان طاهر بن الحسين قد تغلب عليه أثناء الحرب ضد الأمين.
استمر المأمون يدير شئون الخلافة من خراسان حتى سنة (٢٠٤هـ /٨١٩م)، وواجه بعض المشاكل الداخلية التي استطاع التغلب على معظمها، ولكن أخطر تصرف قام به خلال تلك الفترة هو محاولته تحويل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي، ففي رمضان ٢٠١هـ/ ٨١٧م أعلن أنه عين علي بن موسى بن جعفر (من نسل الحسين بن علي) وليًا لعهده ولقبه الرضا من آل محمد.
وقد ترتب على هذه المحاولة ردود فعل غاضبة في البيت العباسي عبرت عن نفسها في بيعه العباسيين في بغداد لإبراهيم بن المهدي (عم المأمون) بالخلافة في أول المحرم سنة(٢٠٢هـ/ يوليو٨١٧م)، ومن هنا قرر المأمون أن ينتقل إلى بغداد ومعه كبار قواده وحاشيته.
وقد تُوفي علي ابن موسى الرضا فجأة في الطريق وهو في صحبة المأمون في ظروف غامضة [تاريخ الطبري، ج ٨، ص ٥٥٤].
وعندما وصل المأمون بغداد في ربيع الأول سنة ٢٠٤هـ اختفي إبراهيم بن المهدي وظل مختفيًا حتى سنة ٢١٠هـ حيث قبض عليه فعفا عنه المأمون" [ابن الأثير: الكامل، ج ٦، ص ١٩٥].
واجه المأمون بعد استقراره في بغداد عددًا من المشاكل لعل أهمها ثورة بابك الخُرَّمي، وهي الثورة التي كانت قد نشبت في أذربيجان سنة(٢٠١هـ/ ٨١٦م)، ثم امتدت إلى أرمينيا، وكانت تهدف إلى هدم كيان الدولة الإسلامية وإحياء المجد الفارسي الغابر.
وقد اتسعت هذه الثورة بعد انتقال المأمون من خراسان إلى العراق، ولم يتمكن المأمون من القضاء عليها رغم محاولاته المتكررة، وعهد بهذه المهمة من بعده إلى أخيه وخليفته المعتصم.
وهناك مشاكل داخلية أخرى واجهها المأمون خلال تلك الفترة ومن بينها اضطراب الأحوال في مصر، وقد وصل هذا الاضطراب مدى جعل المأمون يقرر أن يذهب بنفسه إلى مصر ليعيد الأمور إلى نصابها.
على أن المشكلة التي صنعها المأمون لنفسه وكان في غنى عنها، هي مشكلة خلق القرآن التي جعل منها مشكلة سياسية خطيرة، وأمر بامتحان العلماء فيها، فمن لم يُقر بخلق القرآن تعرض لأقسى عقوبة، وقد استمرت هذه المشكلة في عهد خليفتيه: المعتصم والواثق وكانت لها آثار اجتماعية وسيا سية خطيرة [عبد الرحمن سالم: التاريخ السياسي للمعتزلة. دار رؤية. القاهرة، ص ٣٠١-٣٢٠].
وقد حشد المأمون - خلال السنوات الثلاث الأخيرة من خلافته ٢١٥- ٢١٨هـ / ٨٣٠-٨٣٣م، - كل جهده لحرب البيزنطيين؛ فانتقل إلى منطقة الثغور واتخذها مقرًا له، وقاد بنفسه أربع حملات ضخمة ضد الامبراطور البيزنطي "ثيوفيل" الذي حاول الهجوم على مدن الثغور الإسلامية، وقد حقق المأمون خلال حملاته تلك انتصارات مدوية ضد البيزنطيين، وكان ينوي الاستمرار في تلك الحملات حتى يخضع امبراطورية الروم، ولكن الأجل لم يمهله فتوفي في "طرسوس" وهو في طريقه لغزو الروم في رجب سنة( ٢١٨هـ/أغسطس٨٣٣م)، ودفن هناك [تاريخ الطبري، ج ٨، ص ٦٢٥]، وأوصى بالخلافة من بعده لأخيه أبي إسحاق المعتصم، ولعل أعظم إنجازات المأمون تتمثل في الجانب الحضاري، حيث شهدت الخلافة في عهده ازدهارًا حضاريًا واسع المدى، وهو ما سنشير إليه في موضعه.
وبالرغم من قصر خلافة المعتصم (٢١٨-٢٢٧هـ / ٨٣٣-٨٤٢م) فقد تحققت خلالها إنجازات عسكرية كبرى، يأتي على رأسها دون شك تمكن الخليفة من القضاء على ثورة بابك الخُرَّمي سنة (٢٢٢هـ/٨٣٧م) بعد أن تعاظم خطرها واستمرت أكثر من عقدين من الزمان.
ويرجع الفضل في القضاء النهائي على هذه الثورة إلى خبرة القائد التركي (الأفشين) الذي عينه المعتصم قائدًا عامًا للعمليات ضد (بابك) في سنة ٢٢٠هـ، فاستطاع الأفشين بعد سلسلة معارك مظفرة استمرت حوالي عامين أن يهزمه ويأسره ويسلمه إلى الخليفة ليقضي عليه ويخلص الدولة الإسلامية من شروره [تاريخ الطبري، ج٩، ص١١].
ومن بين الإنجازات العسكرية الكبرى للمعتصم أيضًا انتصاره الحاسم في معركة عمورية ضد الامبراطور البيزنطي (ثيوفيل) الذي انتهز فرصة انشغال الخلافة بحرب بابك الخُرَّمي فهاجم منطقة الثغور الإسلامية وعاث فسادًا في مدينة زبطرة ومدينة ملطية وقتل النساء والأطفال وانتهك الحرمات، فأعد المعتصم جيشًا هائلًا قاده بنفسه واقتحم به آسيا الصغرى وتوجه نحو مدينة عمورية، وهي مسقط رأس الإمبراطور البيزنطي، فحاصرها ثم أسقطها ودمرها في رمضان سنة (٢٢٣هـ /أغسطس ٨٣٨هـ)، وانسحب منها بعد أن لقن الامبراطور والبيزنطيين درسًا قاسيًا [تاريخ الطبري، ج ٩ ص ٥٧].
وقد شهدت خلافة المعتصم تطورًا مهمًا وهو ظهور النفوذ التركي بقوة في البلاط العباسي. وكان الخليفة المأمون أول من استعان بالعنصر التركي في جيشه، ولكن المعتصم استكثر من الجنود الأتراك وأخذ يستغني بهم عن العنصرين العربي والفارسي.
وقد أدى تكاثر الجنود الأتراك في بغداد إلى ضيق السكان بهم نتيجة ما كانوا يحدثونه من أذى وهم يتراكضون بخيولهم، وقد رفعوا شكايتهم هذه إلى المعتصم فقرر أن ينتقل بجهازه الإداري وجنوده إلى مدينة سامرا التي تبعد عن بغداد نحو ستين ميلا إلى الشمال، وكان ذلك في سنة (٢٢١هـ/٨٣٦م) [ياقوت الحموي: معجم البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٢م، مادة سامرا، ج٣، صا١٩]، وهكذا أصبحت سامرا عاصمة الخلافة العباسية وظلت كذلك مدة تقرب من ستين عامًا حتى عصر الخليفة المعتضد بالله.
بقي أن نشير إلى أن المعتصم حذا حذو أخيه المأمون في محنة خلق القرآن، فأخذ يمتحن الفقهاء والقضاة والمحدثين، فمن لم يقر بخلق القرآن تعرض للعقاب، وكان أبرز من تعرضوا لذلك في خلافة المعتصم الفقيه والمحدث المشهور أحمد بن حنبل الذي جلد وسجن لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وهي القضية التي وقفت وراءها فرقة المعتزلة بالتشجيع والتحريض منذ خلافة المأمون.
توفي المعتصم في ربيع الأول سنة (٢٢٧هـ/يناير٨٤٢م) عن حوالي سبعة وأربعين عامًا، فخلفه على كرسي الخلافة ابنه هارون الواثق (٢٢٧- ٢٣٢هـ/ ٨٤٢- ٨٤٧م).
وقد استمر النفوذ التركي في التزايد في عهد الواثق، كما اتبع الواثق أسلوب أبيه المعتصم وعمه المأمون في امتحان العلماء في خلق القرآن بتشجيع من المعتزلة الذين مارسوا دورًا سياسيًا خطيرًا في عهد هؤلاء الخلفاء الثلاثة، ولكن الواثق قرر في العام الأخير من خلافته أن يوقف كل الإجراءات التي ارتبطت بمحنة خلق القرآن حين اقتنع بعدم جدواها، ولكنه ظل في الوقت نفسه مؤمنًا بعقائد المعتزلة وأفكارهم.
وقد كانت وفاة الواثق في ذي الحجة سنة (٢٣٢هـ /٨٤٧م) إيذانًا بنهاية عصر نفوذ الخلفاء وبداية عصر النفوذ التركي في دولة الخلافة العباسية، وهو العصر الثاني بين العصور الخمسة التي أشرنا إليها في صدر هذا المدخل.
ثانيًا: عصر نفوذ الأتراك (٢٣٢ -٣٣٤هـ / ٨٤٧- ٩٤٥):
يفتتح هذا العصر فترة طويلة من التدهور الذي حل بالخلافة العباسية حتى بلغت نهايتها المحتومة، وليست بنا حاجة إلى الدخول في تفاصيل الأحداث التاريخية التي شهدتها العصور الأربعة التي تلت العصر العباسي الأول، لأن تاريخ هذه العصور في الحقيقة يمثل تاريخًا للقوى التي بسطت نفوذها على الخلافة العباسية وليس تاريخًا للخلافة العباسية بالمعنى الدقيق، ومن هنا نكتفي بالحديث الموجز عن علاقة هذه القوى بالخلافة.
يبدأ عصر نفوذ الأتراك سنة (٢٣٢هـ/٨٤٧م) وينتهي سنة (٣٣٤هـ /٩٤٥م) بظهور النفوذ البويهي.
وقد تقلد منصب الخلافة خلال هذا العصر ثلاثة عشر خليفة هم على الترتيب:
والملاحظ أن الخلافة في عصر نفوذ الأتراك فقدت هيبتها، ولم يَعُد للخلفاء سلطان حقيقي حيث تركزت السلطة في يد الأتراك، فكانوا يعينون الخلفاء ويعزلونهم وفق مشيئتهم.
ولكن الخلافة استطاعت أن تسترد نفوذها خلال حكم الخليفة المعتمد والخليفة المعتضد، فكان ذلك صحوة مؤقتة في تاريخها في ذلك العصر.
وبوفاة المعتضد عاد الاستبداد التركي يمارس هيمنته على الخلافة من جديد.
وقد استمر الاتجاه الانفصالي في دولة الخلافة دون توقف في عصر نفوذ الأتراك؛ فقد أسس الفاطميون دولتهم في بلاد المغرب سنة (٢٩٦هـ/٩٠٩م) تحت زعامة أول أئمتهم وهو عبيد الله المهدي.
كما أسس الحمدانيون دولتهم في الموصل أولا بزعامة أبي الهيجاء عبد الله ابن حمدان، ثم في حلب بعد ذلك بزعامة سيف الدولة الحمداني، كما ظهرت الدولة الصفارية في بلاد فارس وخراسان على يد يعقوب بن الليث الصفار، كما ظهرت الدولة السامانية في سمرقند وبلاد ما وراء النهر، والدولة الطولونية ثم الإخشيدية في مصر.
ومن التطورات المهمة التي حدثت خلال تلك الفترة ظهور حركة القرامطة في الكوفة سنة (٢٧٨هـ/٨٩١م) بزعامة رجل اسمه حمدان ويشتهر بلقب "قرمط"، وهي حركة هدامة تظاهرت بالتشيع وعاثت فسادًا في بلاد المسلمين، واستمر خطرها فترة طويلة بعد ذلك العصر.
وهناك تطور سياسي مهم حدث في ذلك العصر أيضًا وهو ظهور منصب (أمير الأمراء) في سنة (٣٢٤هـ/٩٣٦م) في عهد الخليفة الراضي بالله، وكان أول من تقلد هذا المنصب محمد بن رائق حاكم البصرة.
ويعكس ظهور هذا المنصب مدى التدهور الذي وصلت إليه سلطة الخلفاء في ذلك العصر؛ فقد أصبح أمير الأمراء هو الحاكم الفعلي لدولة الخلافة، وتنافس في سبيل الفوز بهذا المنصب كبار رجال الدولة وفي مقدمتهم الأتراك [محمد حلمي محمد أحمد: الخلافة والدولة في العصر العباسي، ص٨٣].
وكانت هذه الأحوال المضطربة في دولة الخلافة في تلك الفترة عاملًا أساسيًا وراء ظهور قوة جديدة على مسرح الأحداث هي قوة البويهيين.
ثالثًا: عصر نفوذ البويهيين (٣٣٤- ٤٤٧هـ/٩٤٥- ١٠٥٥م):
البويهيون، أو بنو بويه، أسرة فارسية تنتمي إلى رأس الأسرة أبي شجاع بويه الذي نشأ في بلاد الديلم، وهي البلاد الواقعة في الجنوب الغربي لبحر قزوين أو بحر الخزر بين منطقة طبرستان والجبال.
وقد نشأ بويه هذا فقيرًا، وكان له ثلاثة أولاد، هم: أحمد وعلي والحسن الذين لقبوا فيما بعد بمعز الدولة وعماد الدولة وركن الدولة على الترتيب.
وقد كانت بلاد الديلم معقلًا لنفوذ العلويين فانتشر فيها التشيع، وتشرب أبو شجاع وأولاده روح التشيع هذه، وقد التحق الإخوة الثلاثة، أحمد وعلي والحسن، بجيش (ما كان بن كالي) أحد قادة العلويين ببلاد الديلم؛ فقد كانت الجندية في ذلك الوقت موردًا للرزق، ولم يلبث هؤلاء الإخوة أن أظهروا في خدمتهم في جيش (ما كان) مهارة عسكرية عالية فارتفع شأنهم ولكن ما كان دخل بعد ذلك في صراع مع منافس فارسي آخر في تلك المناطق اسمه مردا ويج بن زيار، وأحس البويهيون الثلاثة أن انضمامهم لجيش مردا ويج سيكون أكثر تأمينًا لمستقبلهم لأن مردا ويج كان قد قوي أمره في حين ضعف أمر ما كان.
وهكذا انضموا لمردا ويج الذي رحب بهم، بل إنه ولَّى أحدهم، وهو علي بن بويه، إقليم الكرج، فكان ذلك نقطة انطلاق للبويهيين نحو المجد؛ فقد نجح علي بعد ذلك في السيطرة على معظم بلاد فارس، كما استطاع أخوه أحمد بن بويه - بتشجيع منه- أن يتقدم صوب العراق وأن يستولي على الأهواز وواسط.
وكانت الخلافة في تلك الفترة- كما أشرنا- تعاني من الفوضى والتنافس حول منصب أمير الأمراء، ومن هنا شجعت انتصارات أحمد بن بويه عددًا من قواد بغداد أن يكاتبوه ويطلبوا منه القدوم إلى عاصمة الخلافة لوضع حد للفوضى بها، ووجدت تلك المبادرة ترحيبًا كاملًا من الخليفة المستكفي الذي أحسن استقبال أحمد بن بويه وعينه أميرًا للأمراء وخلع عليه لقب معز الدولة، كما لقب أخاه عليًا عماد الدولة وأخاه الحسن "ركن الدولة، وكان علي حاكمًا لإقليم فارس، وكان الحسن حاكمًا لعدة أقاليم أهمها الري والجبل وأصفهان.
كان دخول أحمد بن بويه بغداد في الحادي عشر من جمادى الأولى سنة (٣٣٤هـ/ديسمبر ٩٤٥م) إيذانًا ببداية عصر جديد متميز الملامح في تاريخ الخلافة العباسية وهو: عصر نفوذ البويهيين.
تولى منصب الخلافة في ذلك العصر أربعة خلفاء هم:
قد استمر القائم في منصبه بعد ظهور السلاجقة حتى سنة (٤٦٧هـ/١٠٧٥م).
والجدير بالملاحظة أن الخليفة المستكفي بالله الذي كان آخر خلفاء عصر نفوذ الأتراك استمر في منصب الخلافة مدة تقل عن شهرين بعد ظهور النفوذ البويهي؛ فقد خلعه معز الدولة في أول جمادى الآخرة سنة (٣٣٤هـ/٩٤٥م)، وبايع بعده الفضل بن المقتدر ولقبه المطيع لله، وهناك عدة ملاحظات أساسية حول وضع الخلافة في فترة النفوذ البويهي:
هذا؛ وقد كان من أهم التطورات التي شهدها عصر النفوذ البويهي سيطرة الفاطميين على مصر وقيام الدولة الغزنوية.
أما الفاطميون فقد سبق أن ذكرنا أنهم أسسوا دولتهم في بلاد المغرب في سنة (٢٩٦هـ/٩٠٩م) في عصر نفوذ الأتراك.
أما في هذا العصر فقد نجحوا في دخول مصر والسيطرة عليها في سنة (٣٥٨هـ/٩٦٩م) في عصر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، وأسسوا القاهرة واتخذوها عاصمة لهم، وأنشأوا الجامع الأزهر، ومن مصر امتد نفوذهم إلى أماكن أخرى داخل المنطقة العربية.
أما الدولة الغزنوية فقد أخذت اسمها من مدينة غزنة بأفغانستان الحالية، ومؤسس هذه الدولة هو (سبكتكين)؛ وهو تركي الأصل عمل في خدمة الدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر، واتسع نفوذه وتقلد إمارة غزنة وأسس بها نواة الدولة الغزنوية، وقد استطاع ابنه محمود المشهور باسم السلطان محمود الغزنوي أن يوسع حدود الدولة الغزنوية، وخاصة في شبه القارة الهندية وفي خراسان.
وتوفي في غزنة سنة (٤٢١هـ/١٠٣٠م)، واستمرت الدولة الغزنوية بعد وفاته حتى أواخر القرن السادس الهجري /الثاني عشر الميلادي، وقد اعترفت هذه الدولة بالسلطة الروحية للخلافة العباسية ودانت لها بالولاء [محمد حلمي محمد أحمد: الخلافة والدولة في العصر العباسي، ص ١٦].
وقد أخذ النفوذ البويهي يتدهور بالتدريج في دولة الخلافة العباسية حتى برزت قوة أخرى فتية استطاعت أن تزيحه من الميدان وهي قوة الأتراك السلاجقة.
رابعًا: عصر نفوذ السلاجقة (٤٤٧- ٥٩٠هـ/١٠٥٥- ١١٩٤م):
السلاجقة أسرة كبيرة تركية الأصل تنتمي إلى زعيمها سلجوق بن تقاق، وقد نشأت في بلاد ما وراء النهر، ثم هاجرت في الربع الأول من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي إلى خراسان التي كانت تحت نفوذ الغزنويين، ولكن السلاجقة بقيادة زعيمهم طغرل بك استطاعوا بسط نفوذهم على خراسان والقضاء على نفوذ الغزنويين بها وعلى نفوذهم في بلاد ما وراء النهر بصفة عامة.
وقد كان السلاجقة يعتنقون المذهب السني، وقد أتيحت لهم الفرصة لأن ينالوا حظوة عالية لدى الخلافة العباسية السَنَّية إبان الفتنة المعروفة بفتنة البساسيري - وهو أبو الحارث أرسلان المظفر بن عبد الله- كان من أكابر العسكريين الأتراك في بغداد في أواخر عصر النفوذ البويهي، وكان بمثابة الحاكم العسكري لمدينة بغداد، وقد استغل البساسيري الظروف المضطربة التي كان يمر بها العراق في تلك الفترة فأعلن ولاءه للخليفة الفاطمي المستنصر بالله (الذي حكم في مصر من سنة ٤٢٧هـ) إلى سنة (٤٨٧هـ/١٠٣٦- ١٠٩٤م) وحاول أن يجعل بغداد خاضعة للفاطميين في القاهرة.
ولم يجد الخليفة العباسي القائم بأمر الله من يستنجد به إلا طغرل بك الذي خف لنجدته مسرورًا بهذا التشريف من الخليفة السُنِّي.
وقد تقدم طغرل بك بجيوشه صوب بغداد فدخلها في سنة (٤٤٧هـ /١٠٥٥م)، فاستقبله الخليفة القائم بحفاوة بالغة ولقبه (ملك المشرق والمغرب)، فكان ذلك إيذانًا ببداية العصر السلجوقي في تاريخ الخلافة العباسية ونهاية عصر النفوذ البويهي [ابن الأثير: الكامل، ج٩، ص٦٠٩- ٦١٠، ص٦٣٤].
أما البساسيري فقد هرب من بغداد، ولكنه لم يستسلم بسهولة، فقد كاتب الخليفة الفاطمي المستنصر في مصر يستعين به، بل إنه شجع إبراهيم ينَّال - وهو أخو طغرل بك لأمه- على الثورة على أخيه، وبذلك ضمن انشغال طغرل بك عنه، واستطاع البساسيري- بعد أن قوي نفوذه- أن يدخل بغداد سنة (٤٥٠هـ/١٠٥٩م) وأن يقيم بها الخطبة للخليفة الفاطمي، فاضطر الخليفة العباسي القائم بأمر الله إلى الهرب من بغداد.
ولكن طغرل بك تمكن في النهاية من القضاء على فتنة أخيه لأمه، فاستطاع أن يحشد جهوده ضد البساسيري، وتوجت جهوده بالنجاح، حيث أنزل به هزيمة ساحقة انتهت بقتله في ذي الحجة سنة (٤٥١هـ/١٠٦٠م)، وبالقضاء على فتنة البساسيري عاد الخليفة العباسي القائم إلى بغداد في ظل الحماية السلجوقية [ابن الأثير: الكامل، ج٩، ص ٦٤]، وبدأت بذلك حقبة النفوذ العملي للسلاجقة في دولة الخلافة العباسية.
هكذا كان الخليفة القائم بأمر الله (٤٢٢-٤٦٧هـ/١٠٣١- ١٠٧٥م) هو أول الخلفاء العباسيين في العصر السلجوقي، وقد شهد نهاية النفوذ البويهي في سنة ٤٤٧هـ، وكان آخرهم هو الناصر لدين الله (٥٧٥ -٦٢٢هـ/١١٨٠-١٢٢٥م)، وهو الذي استطاع أن يستقل عن السلاجقة سنة (٥٩٠هـ/١١٩٤م) كما سيأتي.
أما الخلفاء العباسيون الذين ينتمون تمامًا إلى العصر السلجوقي فهم سبعة:
والجدير بالملاحظة أن سلاطين السلاجقة - رغم إحكام سيطرتهم على الخلافة العباسية في ذلك العصر- كانوا حريصين على أن يحتفظوا للخلفاء العباسيين بمكانتهم الروحية وأن يحيطوهم بما يستحقونه من توقير وإجلال، ومن هنا لم يتعرض الخلفاء على أيديهم للقتل أو الخلع أو التعذيب كما كان الحال في عصر النفوذ البويهي أو العصر الذي سبقه، ومما يعكس هذه المكانة أن السلاجقة سمحوا للخلفاء باتخاذ الوزراء.
فأصبح للسلطان السلجوقي وزيره، وللخليفة وزيره؛ وإن كان وزير السلطان بالطبع أوسع نفوذا من وزير الخليفة، وقد شهدت فترة النفوذ السلجوقي في الخلافة العباسية عددا من الأحداث المهمة، يأتي على رأسها قيام الحروب الصليبية ٤٨٩هـ (١٠٩٦م) نتيجة تهديد السلاجقة للإمبراطورية البيزنطية وخاصة في آسيا الصغرى، وهي تلك الحروب التي استمرت زهاء قرنين من الزمان.
ومن الأحداث المهمة أيضًا خلال تلك الفترة قيام دولة بني زنكي في بلاد الجزيرة والشام في النصف الأول من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وهي الدولة التي قامت بدور رائع في الجهاد وضد الصليبيين.
وهناك حدث آخر بالغ الدلالة في هذا السياق وهو سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية على يد صلاح الدين الأيوبي في سنة (٥٦٧هـ/١١٧١م)، وهي الدولة التي قامت بالدور الأعظم في الجهاد ضد الصليبيين، وذلك من خلال توحيد الجبهتين المصرية والسورية وحشد جهودهما ضد هذا العدو الأكبر.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أيضًا ظهور الحركة الباطنية في تلك الفترة على يد مؤسسها الحسن بن الصباح المتوفى سنة (٥١٨هـ/١١٢٤م) [دائرة المعارف الإسلامية. الطبعة العربية. دار الشعب، القاهرة، ج٤ ١، مد٣٤٩- ٣٥١]، وهي حركة شيعية غامضة تنتمي إلى فرقة الإسماعيلية وتجعل الباطن لا الظاهر أساسًا لفهم أمور الدين وتلجأ إلى تأويل النصوص.
ويطلق عليها أحيانًا اسم الحشاشين، وقد عاث الباطنية فسادًا في العالم الإسلامي مدة قرنين من الزمان تقريبًا، واتخذوا من قلعة الموت ببلاد فارس مركزًا لعملياتهم الإجرامية.
وقد ضعف السلاجقة في أواخر فترة نفوذهم وتبعثرت قواهم وتراخت قبضتهم على العراق، الأمر الذي أتاح للخليفة الناصر لدين الله "أحمد بن المستضئ بأمر الله" أن يستقل ببغداد وما حولها سنة (٥٩٠هـ/١١٩٤م) ليبدأ العصر الخامس والأخير من عصور الخلافة العباسية.
خامسًا: عصر ما بعد السلاجقة وهو العصر الأخير (٥٩٠- ٦٥٦هـ/١١٩٤- ١٢٥٨م):
رغم أن خلفاء تلك الفترة تمتعوا بالسيادة والاستقلال فإن الرقعة التي مارسوا عليها استقلالهم لم تكن تتجاوز بغداد وما حولها، فقد خرجت سائر بلدان الخلافة العباسية - بما في ذلك معظم أنحاء العراق - عن سيطرة الخلافة، وأصبح الخليفة أقل نفوذًا بكثير من حاكم إحدى الولايات حين كانت دولة الخلافة متماسكة الأطراف، ولهذا أصبح لقب "خليفة" في هذه المرحلة الأخيرة شكلًا بلا مضمون، وفقد هذا المنصب هيبته ومكانته.
وقد استمر الخليفة الناصر لدين الله في منصبه حتى وفاته في سنة (٦٢٢هـ/١٢٢٥م).
وقد تولى الحكم بعده ثلاثة خلفاء ينتمون تمامًا لهذا العصر الأخير؛ وهم:
كان العالم الإسلامي في هذا العصر الأخير من تاريخ الخلافة العباسية قد وصل إلى حالة يُرثى لها من الضعف والتفكك؛ فالبيت الأيوبي في مصر والشام كان منقسمًا على نفسه، ولم يكن البيت السلجوقي في المشرق بأحسن حالًا، وكان الصليبيون مازالوا يجثمون على صدر الأمة الإسلامية.
وقد أضيف إلى الخطر الصليبي في هذا العصر الأخير خطر آخر أشد فتكًا وأوسع مدى وهو خطر المغول أو التتار، فقد استطاع جنكيز خان في أواخر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) أن يوحد قبائل المغول، وأصبحت منغوليا كلها تحت سلطانه في أوائل القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، وزحف إلى مشرق العالم الإسلامي فاستولى على بخارى وسمرقند وخوارزم.
وعندما تولى هولاكو - حفيد جنكيزخان - قيادة المغول تقدم نحو العراق واقتحم بغداد عاصمة الخلافة في العاشر من المحرم سنة (٦٥٦هـ /١٧ من يناير سنة ١٢٥٨م) ودمرها وقتل أهلها بلا رحمة، ومن بين القتلى الخليفة المستعصم بالله.
وبهذه النهاية المأساوية، زالت دولة العباسيين من المشرق بعد أن استمرت أكثر من خمسة قرون، تولَّى الحكم خلالها سبعة وثلاثون خليفة. والمُلاحَظ أن الدولة المملوكية في مصر والشام نقلت مَقَرّ الخلافة العباسية إلى مصر، ولكن هذا كان محاولةً من المماليك لإضفاء الشرعية على حكمهم، ولم يكن امتدادًا حقيقيًا للخلافة في بغداد.
أهم المظاهر الحضارية في دولة العباسيين: وصلت الحضارة الإسلامية - بجانبيها النظري والتجريبي- خلال العصر العباسي إلى مستوى أهلها لأن تتبوأ مركز الصدارة في العالم كله، فقد شهد هذا العصر منذ بدايته ازدهار حركة التدوين في العلوم المختلفة.
ونكتفي هنا برصد بعض الأمثلة، فقد صنف الإمام مالك بن أنس كتاب الموطأ في الحديث بتوجيه من الخليفة أبي جعفر المنصور.
كما صنف ابن المقفع في عهد المنصور أيضًا كتاب "الأدب الصغير" و"كتاب الأدب الكبير" وكتاب "الدرة اليتيمة في طاعة الملوك"، ونقل كتاب "كليلة ودمنة" إلى العربية في أسلوب أدبي رفيع.
كما ظهرت المدارس الفقهية الأربعة في هذا العصر: مدرسة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك بن أنس والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل، وصنفت الكتب الفقهية في هذه المذاهب إما على يد مؤسسيها أنفسهم أو على يد تلاميذهم.
كما صنفت كتب الصحاح الستة المشهورة في الحديث وهي: صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، وظهرت كتب المسانيد وعلى رأسها مسند الإمام أحمد بن حنبل.
وظهر في مجال التفسير العديد من المؤلفات المهمة ويأتي على رأسها كتاب جامع البيان في تفسير القرآن للإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠هـ / ٩٢٣م) في ثلاثين مجلدًا، ويضم - هذا الكتاب بين دفتيه خلاصة الفكر والتراث الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى للهجرة.
وازدهر التصنيف في مجال العلوم اللغوية، وظهر علماء من أمثال سيبويه صاحب أشمل وأشهر كتاب في هو المعروف باسم الكتاب، وقد توفي سيبويه في حدود سنة (١٧٧هـ/٧٩٣م) في خلافة هارون الرشيد، وكان تلميذًا للخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى في حدود سنة (١٧٥هـ/٧٩١م) وهو مؤلف أول معجم في اللغة العربية وهو كتاب العين الذي رتبه طبقًا لمخارج الحروف من العين إلى الياء.
ويرجع إليه الفضل أيضًا في ابتكار علم العروض، وتوالت بعد الخليل وسيبويه المؤلفات الجليلة في النحو واللغة على يد علماء مثل أبي زكريا الفراء وابن السكيت والمبرد وابن الأنباري وأبي سعيد السيرافي وأبي علي الفارسي وابن جني، وغيرهم كثير.
وظهرت في هذا العصر أيضًا الموسوعات الأدبية الضخمة مثل موسوعة "البيان والتبيين" و
"الحيوان للجاحظ" المتوفى سنة (٢٥٥هـ/٨٦٩م)، وموسوعة "عيون الأخبار" لابن قتيبة المتوفى سنة (٢٧٦هـ/٨٨٩م)، وموسوعة "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى سنة (٣٥٦هـ/٩٦٧م) وموسوعة "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر" لأبي منصور الثعالبي المتوفى سنة (٤٢٩هـ / ١٠٣٨م).
وذلك على سبيل المثال لا الحصر، وحظيت الكتابة التاريخية بنصيب وافر من الازدهار في هذا العصر.
وقد بدأ المسلمون يدونون أولًا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أسبق المصنفات في هذا المجال كتاب السيرة النبوية لمحمد بن إسحاق المتوفى حوالي سنة (١٥١هـ /٧٦٨م)، وقد ألفه لمحمد "المهدي" ابن الخليفة أبي جعفر المنصور بناء على طلب الخليفة، وهذا الكتاب هو الذي اختصره عبد الملك بن هشام المتوفى حوالي سنة (٢١٨هـ /٨٣٣م) في الكتاب الذي اشتهر باسم سيرة ابن هشام.
ومن أبرز المؤلفات في هذا المجال أيضًا كتاب المغازي للواقدي محمد بن عمر المتوفى سنة (٢٠٧هـ /٨٢٣م)، وكتاب الطبقات الكبرى لتلميذه وكاتبه محمد بن سعد المتوفى سنة(٢٣٠ هـ /٨٤٥م)، ثم اتسعت دائرة التأليف في التاريخ لتغطي كل مجالاته.
ومن أشهر المصنفات في التاريخ العام كتاب تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري، وكتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي "علي بن الحسين" المتوفى سنة (٣٤٦هـ /٩٥٧م).
ومن أشهر المصنفات في تواريخ المدن وتراجم أعلامها كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المتوفى سنة (٤٦٣هـ/١٠٧١م)، وكتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عسا كر.
وقد أبدع المسلمون في هذا العصر أيضًا في مجال البحوث الجغرافية، ومن أمثلتها كتاب مسالك الممالك للإصطخري، وهو من علماء القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وكتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي، وهو كذلك من علماء القرن الرابع الهجري، وكتاب معجم البلدان لياقوت الحموي وهو من علماء القرنين السادس والسابع الهجريين / الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.
كما كان للمؤلفات الفلسفية نصيبها الواضح من الاهتمام في العصر العباسي، ومن بين الفلاسفة المرموقين في هذا العصر أبو نصر الفارابي (ت ٣٣٩هـ /٩٥٠م)، وهو صاحب إحصاء العلوم وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة.
ولعل أبرز فلاسفة هذا العصر دون منازع الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا (ت ٤٢٨هـ/ ١٠٣٦م)، ومن أهم كتبه الفلسفية كتاب الإشارات، وكتاب الشفاء، وكتاب النجاة.
ولم تقل مكانة ابن سينا الطبية عن مكانته الفلسفية، وكتابه القانون كان من أهم الموسوعات الطبية في العصر الوسيط، وحديثنا عن ابن سينا ومكانته الطبية في هذا العصر يدفعنا إلى إشارة موجزة عن إسهامات المسلمين في تلك الفترة في مجال الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم المدنية، وتبرز هنا أسماء عديدة كالبيروني (المتوفى ٤٤٠هـ/١٠٤٨م)، فقد برع في الفلك والرياضيات والطب.
ومن الأسماء البارزة أيضًا الخوارزمي (المتوفى ٢٣٢هـ/ ٨٤٦م). وكان مقربًا من الخليفة المأمون، وهو صاحب كتاب الجبر والمقابلة [عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار المعارف، القاهرة، ٢٠٠١م، ص٠٧ ١.]، وله بحوث مبتكرة في علم الفلك.
وممن برعوا في الرياضيات والفلك أولاد موسى ابن شاكر الثلاثة وهم محمد وأحمد والحسن، وكانوا محل رعاية المأمون.
ومن العلماء الذين تجدر الإشارة إليهم أيضًا أبو بكر الرازي (المتوفى في حدود سنة (٣١٣هـ/٩٢٥م)، وقد اشتهر بالطب والكيمياء، وظل حجة الطب في أوروبا حتى القرن الحادي عشر الهجري /القرن السابع عشر الميلادي [المرجع السابق، ص١١١].
هذه مجرد لمحات خاطفة عن إسهامات المسلمين في العصر العباسي في مجال العلوم الرياضية والتجريبية.
وقد كان لحركة الترجمة من التراث العلمي إلى اللغة العربية أثر واضح في اتجاه المسلمين إلى دراسة هذه العلوم والإبداع فيها. وقد بدأت حركة الترجمة على يد الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، وازدهرت ازدهارًا كبيرًا في عصر هارون الرشيد وابنه المأمون [See, Philip Hitti, opacite ٣١١-٣١٦, M. Watt, opacite., pp. ٤١-٤٨].
وكان لوضع نواة بيت الحكمة في عصر الرشيد واكتماله في عصر المأمون أثر كبير في رعاية هذه الحركة، وكان بيت الحكمة يتمتع بمكتبة ضخمة وأكاديمية بحثيه وقسم للترجمة (انظر مادة بيت الحكمة).
إن الازدهار الحضاري الذي شهده العصر العباسي اتسع ليشمل الجوانب العمرانية والإدارية والاقتصادية، فقد ازدهرت الحركة العمرانية في تلك الفترة ازدهارًا كبيرًا، وقدمت بغداد أعظم مثال لهذا الازدهار، فلم يمر على إنشائها سنة (١٤٥هـ/٧٦٢م) في عصر المنصور وقت طويل حتى أصبحت من أهم مدن العالم في عمارتها وقصورها ومؤسساتها، وأصبحت تنافس القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية في عظمتها وبهائها.
وقد تمكنت بعد دمارها في فتنة الأمين والمأمون من أن تنهض سريعًا من كبوتها وأن تستعيد رونقها القديم وتضيف إليه، فقد شهدت العصور المتوالية للخلافة العباسية مزيدًا من الازدهار العمراني في بغداد، ففي عصر النفوذ البويهي تمتعت بغداد بنهضة عمرانية واسعة، فجددت عمارة مبانيها وأعيد حفر أنهارها وعمرت مساجدها وأسواقها وأنشئ بها المستشفى الكبير الذي ينسب إلى عضد الدولة وهو البيمارستان العضدي الذي يشبه المستشفيات التعليمية الجامعية في عصرنا.
وحظيت بغداد كذلك بمثل هذه النهضة العمرانية في العصر السلجوقي وخاصة في زمن وزارة الوزير المشهور نظام الملك الذي تولى الوزارة للسلطان ألب أرسلان ثم لابنه ملكشاه وظل في منصبه ثلاثين عامًا تقريبًا، فقد أنشأ سلسلة المدارس النظامية في أهم بلدان الخلافة العباسية وعلى رأسها بغداد، وذلك بهدف نشر المذهب السني المعتدل ومقاومة البدع والأهواء.
وقد كان إنشاء المدارس النظامية بداية للتوسع الكبير في إنشاء المدارس والمؤسسات الثقافية المختلفة في أنحاء دولة الخلافة في الأزمنة اللاحقة.
أما الجانب الإداري فقد شهد تطورًا ملحوظًا في العصر العباسي، وكان للخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور الفضل الأكبر في إرساء القواعد الإدارية للدولة العباسية كما سبقت الإشارة.
ويؤثر عنه قوله في هذا الصدد: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر... هم أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم... أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية، والرابع... صاحب بريد يكتب إلى بخبر هؤلاء على الصحة [حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن: النظم الإسلامية، ص ٢١٠].
والملاحظ أن نظام البريد في العصر العباسي اتسع بشكل غير مسبوق، فقد كانت مهمة البريد في بداية نشأته توصيل رسائل الخليفة إلى ولاته وعماله ونقل رسائلهم إليه، وكذلك نقل أخبارهم؛ ولكن مهمة البريد في العصر العباسي اتسعت، فأصبح على صاحب البريد أن يقدم تقارير دورية وافية إلى الخليفة أو السلطان عن كل ما يحدث في مكان عمله، فأصبحت مهمة البريد شبيهة بقلم المخابرات في عصرنا.
كما تطور منصب الكتابة في العصر العباسي واتسعت سلطة الكاتب وأصبح يرأس ديوان الرسائل الذي كان يعد من أخطر دواوين الدولة العباسية.
ومن هنا كان الخلفاء يسندون أمر هذا الديوان في كثير من الأحيان إلى وزرائهم، ولم يكن الوزير هو الذي يتولى الكتابة الفعلية للرسائل بل كان يقرؤها ويجيزها بتوقيعه، وأشهر من اشتهر بذلك يحيى البرمكي وابنه جعفر.
وفي المراحل الأخيرة للدولة العباسية استقلت الكتابة وأسندت إلى غير الوزراء وأصبح ديوان الرسائل يعرف بديوان الإنشاء [For more details see: Philip Hitti, opacite. pp ٣١٧-٣٣١. (٤١) Philip Hitti, op-cit., pp. ٣٤٣-٣٥٢].
وقد برز دور الشرطة بروزًا كبيرًا في العصر العباسي، وارتقى هذا الجهاز إلى مرتبة الديوان المستقل، فلم تعد الشرطة تابعة للقضاء كما كانت في العصر الأموي.
كما ظهر في العصر العباسي ديوان النظر في المظالم وديوان الحسبة، فكان الديوان الأول يختص بالنظر فيما عجزت الإجراءات القضائية العادية عن تنفيذه، وحسم القضايا المعقدة التي يحتاج حسمها- مع الفقه بالقضاء- إلى سطوة السلطة، ولهذا كان الخلفاء في العادة يتولون بأنفسهم النظر في المظالم.
أما الديوان الثاني- وهو ديوان الحسبة - فمهمته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيعين الخليفة لذلك من يراه أهلًا له ويتخذ الأعوان على ذلك، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة.
ومن الدواوين الأخرى التي ظهرت في العصر العباسي الديوان العزيز وديوان النفقات وديوان السر.
فالديوان العزيز هو الذي يمثل السلطة العليا في حكومة الخلافة، ولهذا يرأسه الوزير في العادة، وهو الذي يمثل الساعد الأيمن للخليفة، ويضم هذا الديوان رؤساء الإدارات الحكومية المختلفة، والديوان العزيز هو ما أطلق عليه في الدولة العثمانية (الباب العالي).
ويختص ديوان النفقات بكل ما يخص الإنفاق على دار الخلافة من رواتب الموظفين والمؤن اللازمة للقصر والإشراف على المباني التابعة لدار الخلافة.. إلى غير ذلك مما يتصل بنفقات دار الخلافة.
أما ديوان السر فيختص بوسائل المحافظة على الأسرار العليا للدولة والحرص على ألا يتسرب من هذه الأسرار ما يعود على الحكومة أو الرعية بالأذى.
نأتي أخيرًا إلى الجانب الاقتصادي في دولة الخلافة العباسية، ويرجع إلى الخليفة الثاني أبي جعفر المنصور الفضل الأكبر في إرساء الأسس الاقتصادية لدولة الخلافة؛ فقد أحسن استغلال الموارد الهائلة للدولة كما سبقت الإشارة.
ويؤثر عنه أنه قال لابنه محمد المهدي قبيل وفاته: قد جمعت لك من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور، فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزًا ما دام بيت مالك عامرًا [مقدمة ابن خلدون، ص ٢٢٥].
وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على خلفائه في العصر العباسي الأول، وخاصة في خلافة المهدي والرشيد والمأمون.
أما في العصور العباسية التي تلت العصر الأول فقد توافرت مصادر القوة الاقتصادية لدى العديد من الدول التي كانت تخضع اسميًا للخلافة خلال تلك العصور، ومن أبرز أمثلتها الدولة الصفارية والسامانية والطولونية والغزنوية والأيوبية.
فقد ترك يعقوب بن الليث الصفار- مؤسس الدولة الصفارية- في بيت المال عند وفاته ثمانين مليون دينار وخمسين مليون درهم.
وكانت الدولة السامانية التي قامت في بلاد ما وراء النهر تتمتع بإمكانات اقتصادية هائلة، وكذلك الدولة الغزنوية التي اتسعت فتوحاتها اتساعًا هائلًا في بلاد الهند.
وقد ازدهرت الزراعة في تلك الدول وظهرت فيها صناعات تعتمد على الإنتاج الزراعي كمصانع النسيج ومعامل تكرير السكر، كما ازدهرت في مصر والشام وسمرقند صناعة الورق وازدهرت صناعة الحديد في بلاد فارس.
ولا شك أن الازدهار الزراعي والصناعي ترتب عليه ازدهار تجاري، وكان هذا الازدهار داخليًا وخارجيًا؛ فقد تبادلت دول الخلافة منتجاتها، وظهر الاهتمام- من أجل هذا- بتوفير الطرق التجارية المناسبة والعناية بالموانئ والأساطيل التجارية.
كما ازدهرت تجارة المسلمين في ذلك العصر مع الهند والصين والبلاد الأوروبية [تاريخ الطبري، ج۸، ص ۱۰۳].
والجدير بالملاحظة هنا أن الإسلام بدأ ينتشر في العديد من بقاع العالم عن طريق التجار المسلمين الذين كانوا يحملون - بجانب تجارتهم في تلك البقاع- عقيدتهم أيضًا ويعملون على نشرها بالأساليب الإسلامية الصحيحة القائمة على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
مراجع للاستزادة:
بدأت الدعوة العباسية سرًا في الحُميمة، وقادها محمد بن علي ثم ابنه إبراهيم، حتى ظهرت علنًا بقيادة أبي مسلم الخراساني، وبعد مقتل إبراهيم، تولى أبو العباس السفاح الخلافة وأسس الدولة العباسية سنة ١٣٢هـ. شهدت الخلافة العباسية عصر قوة وازدهار في عهد الخلفاء الأوائل كأبي جعفر المنصور وهارون الرشيد، ورغم النجاحات، بدأت بوادر الانفصال تظهر مع استقلال بعض الولايات كالأندلس والمغرب.
هم أول أسرة حاكمة في الإسلام بعد الخلفاء الراشدين.
همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.
فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).