نالت مدينة القيروان عناية خاصة من
ولاة الأمر ومن جاء بعدهم من الأمراء كالأغالبة، والفاطميين، والزيريين
وذلك باعتبارها قاعدة البلاد وعاصمة للإقليم في فترات كثيرة.
وقد تعددت المظاهر الحضارية:
ففي مجال الزراعة: أشار الباحثون إلى كثرة محصولات
القيروان وتنوعها، وكانت زراعة الزيتون تُدِرُّ دخلًا كبيرًا لأهل إفريقية؛ وفي
عهد الولاة اهتم بنو المهلب بتوزيع موات الأرض على من يستحقها، كما خففوا عن أهل
البادية الخراج ولم يثقلوا كواهلهم بالضرائب.
وفي عهد الأغالبة اهتم إبراهيم بن
الأغلب بتوفير الأمن والقضاء على قُطَّاع الطرق والذين كانوا مصدر فوضى في
الريف، وانقسم نشاط الفلاحين إلى ثلاثة ميادين: ميدان زراعة الحبوب في الحقول
الكبيرة، وميدان البساتين وما يزرع فيها من خضر وفواكه، وميدان تربية الماشية.
وساعد نظام الري على تطور الزراعة وغرس
الخضر والأشجار وتعددت أنواع المحاصيل ومنها القطن وقصب السكر والعنب، يضاف إلى
ذلك استيراد كميات أخرى من الحاصلات؛ نظرًا لكثرة سكان القيروان، كالثمر
والخضراوات والفواكه، كما اهتم سكان القيروان بتربية الماشية ولا سيما الأغنام [القيروان
عبر عصور ازدهارها ص١٣١].
أما الصناعة: فقد تنوعت المصنوعات في مدينة
القيروان ومنها: صناعة السفن حيث اهتم ولاة القيروان بصناعتها وبخاصة في
عهد الأغالبة؛ لاحتياجهم إلى أسطول حربي وتجاري.
كذلك من الصناعات التي ازدهرت في
القيروان: المنسوجات الصوفية والقطنية والحريرية، يضاف إلى ذلك عدة صناعات
أخرى، كدبغ الجلود ومنها تصنع السروج والأحذية، كما اشتهرت القيروان
بالصناعات الخشبية وصناعة الزجاج والبللور الذي يستخدم في صناعة الأواني،
ومما اشتهرت به القيروان صناعة المعدنيات من نحاس وفضة وذهب ومجوهرات، وهذه
النهضة الصناعية دفعت الولاة إلى تخصيص مكان لكل صناعة في المدينة [القيروان
ودورها في الحضارة الإسلامية، مرجع سابق، ص ١٦١]
وفي مجال التجارة: ازدهرت التجارة ازدهارًا كبيرًا، إذ
اشتهرت أسواق القيروان في عالم التجارة وصارت قبلة تجار الشرق والغرب، وساهم موقع
القيروان الجغرافي والسياسي في ربط المشرق بالأندلس وبجنوب أوروبا عن طريق موانئ
إفريقية.
وأول من بدأ تنظيم التجارة في القيروان
هو يزيد بن حاتم الذي رتب الأسواق وخصص لكل صناعة سوقًا خاصًا بها.
وقد بلغت التجارة في القيروان أوجَّ
ازدهارها في فتراتها السياسية المختلفة: العصر الأغلبي، والفاطمي، والصنهاجي. [القيروان
عبر عصور ازدهارها ص ١٣٤].
ويؤكد ذلك ما قاله ابن حوقل: "وكانت
القيروان أعظم مدينة في المغرب وأكثرها تجارةً وأموالًا". [صورة
الأرض ص ٦ ٩]
وكانت المنتجات الزراعية والصناعية حول
القيروان تُحْمَل إليها فكانت بذلك سوقًا كبيرًا للمنتجات الزراعية والصناعية ومقرًّا
للتجارة الداخلية والخارجية يقصدها التجار من داخل الإقليم ومن خارجه.
ويشير البكري إلى أنه كان يصل
من مدينة جلولاء - وهي تبعد أربعة وعشرين ميلًا عن القيروان- من أحمال الفواكه
والبقول ما لا يحصى كثرة [المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص٢ ٣].
ومن العوامل التي ساهمت في رواج
التجارة في القيروان انتشار الأمن وتعبيد الطرق للتيسير على نقل البضائع
والمنتجات.ِ