Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

القــيــروان

الكاتب

أ.د/ حسن علي حسن

القــيــروان

تأسست مدينة القيروان سنة ٥٠هـ / ٦٧٠م بأمر القائد عقبة بن نافع لتكون قاعدة عسكرية ومدنية مهمة لنشر الإسلام في بلاد المغرب، وتميزت بموقع استراتيجي وتجاري هام جعلها مركزًا حضاريًا وسياسيًا بارزًا. لعبت القيروان دورًا رياديًا في المجالات السياسية، الاقتصادية، الزراعية، الصناعية، والفكرية عبر قرون عدة قبل أن تتعرض للسقوط بعد عدة غزوات وتغيرات سياسية

القيروان

بعد إتمام فتح مصر سنة ٢١هـ /٦٤٢م أدرك المسلمون أهمية مواصلة أعمال الفتح في بلاد المغرب وفي اتجاه برقة وطرابلس باعتبارهما امتدادًا طبيعيًا للمسرح الجغرافي للمنطقة وحتى يؤمن الفتح الإسلامي لمصر ضد أطماع البيزنطيين الذين فقدوا مصر، وفي نفس الوقت ما زالوا يحكمون الشمال الإفريقي، يضاف إلى ذلك أن استمرار النشاط العسكري في المغرب سيحقق الأهداف الأصيلة؛ لعمليات الفتح وهي تخليص الشعوب من قبضة المستعمرين وإتاحة الفرصة لهذه الشعوب للتعرف على الإسلام، والإيمان به والدخول فيه.

وقد حمل لواء الإسلام في بلاد المغرب مجموعة من القادة العظام منهم عقبة بن نافع الفهري الذي تولَّى قيادة المسلمين سنة٥٠هـ /٦٧٠م متجهًا صوب بلاد المغرب، وحقق العديد من الانتصارات؛ ونتيجةً لإقامة عقبة بالمنطقة ومعايشته للأحداث، وَجَدَ أنَّ أَسْلَم الطرق لتثبيت الفتح الإسلامي في المنطقة هو بناء مدينة تتخذ كقاعدة عسكرية وفي نفس الوقت يسكنها الناس، وتكون المدينة الجديدة المنطَلق لأعمال الفتح القادمة.

وقد عبَّر عقبة عن هذه الحقيقة بقوله: "إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينةً تكون عزًّا للإسلام إلى آخر الدهر" [ابن عذاري: البيان المغرب ج ١، ص١٩].

والواقع أن القائد معاوية بن حديج القائد السابق في أعمال الفتح بالمغرب سبقه في ذلك حين اختط مدينة عند القرن وحفر بها الآبار، إلا أن هذا المكان لم يستحسنه عقبة؛ وذلك لقربه من البحر، وغارات البيزنطيين المستمرة.

تأسيس وبناء القيروان

لقد بذل عقبة بن نافع ومن معه جهودًا كثيرةً في اختيار المكان المناسب؛ لإنشاء مدينة القيروان، وكان التوفيق حليفهم، إذ كان المكان الجديد يتمتع بموقع استراتيجي هام، كما يتمتع بموقع تجاري يربط الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب، فضلًا عن ذلك تتمتع بعدد من القرى المحيطة بها، التي تمدها بما تحتاج إليه.

ومما يدل على أهميتها طيلة عدة قرون لاحقة، ما أشار إليه ابن حوقل من: أنها أعظم مدينة بالمغرب وأكثرها تجارة، وأحسنها منازل وأسواقًا، وظلت المدينة شامخة حتى أواسط القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي؛ عندما غزا العرب الهلالية البلاد وقضوا عليها. [د. محمد محمد رضوان: مجتمع إفريقية ص ٥٠].

 مما سبق نلمس حرص عقبة على أن المكان الجديد تتوفر فيه عدة خصائص منها: البعد عن الساحل حتى لا تتعرض لأساطيل البيزنطيين، ومنها: القرب من الصحراء فتباشر نشر الإسلام بين البربر، ومنها: تأمين إمدادات الجيش وحماية وسائل المواصلات. [القيروان ودورها في الحضارة الإسلامية صـ٧٥].

كانت منطقة القيروان كثيفة الأشجار، ومن ثم شرع المسلمون في قطع هذه الأشجار وتمهيد الأرض استعدادًا للبناء، حتى إذا انتهوا من ذلك بدأ عقبة في تخطيط المدينة وتحديد موقع المسجد الجامع ثم دار الإمارة، ثم المساكن؛ لإقامة الجند وأسرهم.

وقد استخدم المسلمون المواد الخام الموجودة بالمنطقة؛ فكانت الدُّور في أول أمرها على غاية البساطة واستعمل لتشييدها قراميد الآجر؛ لوجود الطين المناسب في نفس المكان، ولخلو ضواحي العاصمة من الحجارة.

أما المسجد فاشتمل على عدد من الأروقة جُلب معظمها من أنقاض مدينة قرطاجنة؛ وكان المسجد على هيئة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم  له صحن، ثم زيدت عليه بعض الزيادات في عهد حسان بن النعمان سنة ٨٤هـ / ٠٣ ٧م ومنها القبلة ثم توالت الزيادات على مسجد عقبة.

أما شوارع القيروان الرئيسة فتمتاز بالاتساع إذا قورنت بالعواصم الإسلامية القديمة؛ أما أسواقها فإنها منظمة حسب أنواع الصناعات.

وتأتي دار الإمارة بعد المسجد في الأهمية باعتبارها مقر الوالي، وتم تخطيطها في اتجاه الجنوب الشرقي للمسجد الجامع.

ودار الإمارة عبارة عن بناء ضخم محصن ومعد لسكنى الوالي وأقاربه وحرسه، كما أنها مقر الإدارة المركزية للولاية، ويبدو أن هذا القصر الحكومي كان يشتمل على أكثر من طابق ومحاطًا بفضاء واسع يطل عليه من أعلى، واشتمل القصر على عدة أبواب.

ويلحق بدار الإمارة عدة دواوين؛ تلك الدواوين التي أنشئت تِبَاعًا مع نمو المدينة والولاية.

والمعروف أن حسان بن النعمان والي المغرب هو أول من دوَّن الدواوين ومنها ديوان الجند وديوان الخراج والرسائل والبريد وبيت المال وغيرها من المؤسسات.

بلغت مساحة المدينة أيام بنائها في عهد عقبة بن نافع ثلاث آلاف وستمائة ذراع.

وفي سنة ١٤٤هـ / ٧٦١م بنى الوالي محمد بن الأشعث سور المدينة من لبن وطين ثم هدمه أبو حاتم الإباضي حين حرق أبواب القيروان سنة١٥٤هـ/ ١ ٧٧م وذلك بعد أن انتصر على الوالي عمر بن حفص ودخل القيروان، ثم هدمه بعد ذلك زيادة الله بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب لما ثار عليه عمران بن مجالد وبعض الثوار.

تحديات المياه

وقد واجه سكان القيروان قلة في المياه مما اضطر معه الولاة والأمراء إلى معالجة هذه المشكلة، فقد أشار المؤرخون إلى وجود بئر ذات مياه عذبة بين المسجد ودار الإمارة، ولا تبعد عنها أكثر من خمسة عشر مترًا من ناحية الشرق، يقول البكري: "وبُني في صحنه - أي صحن المسجد - ماجلًا - أي خزانًا للمياه - وهو المعروف بالماجل القديم بالقرب من البلاطات" [المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب صـ ٢٣].

وتعددت المواجل في المساجد التي بنيت داخل المدينة ويشير إليها الدباغ في قوله: "مسجد الزيتونة وهو مسجد كبير جليل وسطه ماجل مستطيل، بني هذا المسجد سنة ثلاث وسبعين". [الدباغ: معالم الإيمان ج ا ص٢٧].

كذلك كان الأهالي يستعملون جميع المياه الممكن الاستفادة منها مثل ماء وادي السراويل، ويقع قبلي المدينة فيما يحتاجون إليه من الماء في المنازل وليس للشرب؛ لأنه كان مالحًا.

وفي سنة ١٨٠هـ/٩٦ ٧م حفر الوالي العباسي على المغرب هرثمة بن أعين البئر المعروفة باسم (بروطة) أو بئر روطة قريبًا من سوق الأحد؛ وذلك نتيجةً لامتداد العمران في القيروان، وهي بئر واسعة غزيرة الماء.

وقد بذل الوالي العباسي يزيد بن حاتم (ت سنة ١٧١هـ /٨٧ ٧م) جهده المستطاع في تنظيم أسواق التجارة، وإقامة معامل، حيث رتب أسواق القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها، وبجانب هذا السوق الكبير كانت هناك أنواع أخرى من المتاجر، والصناعات لها أسواق متخصصة، كسوق الصرافة، وسوق البركة الذي يعرض فيه الرقيق والجواري، وسوق الأحد للمنسوجات الصوفية، وسوق الغزل، وغير ذلك من الأسواق.

الدور السياسي للقيروان

تمتعت القيروان بمركز سياسي ممتاز؛ فهي عاصمة ولاية المغرب كله بأقاليمه المتعددة لعدة فترات، وهي مركز الوالي خلال عصر ولاة بني أمية وبني العباس، وتمتد من سنة ٥٥هـ / ٦٧٤م إلى سنة ١٨٤هـ /٨٠٠م.

ويلاحظ على هذه الفترة كثرة الولاة وعزل بعضهم عند وفاة الخليفة وتولية آخر جديد مما أدى إلى عدم الاستقرار، يضاف إلى ذلك كثرة الثورات التي قام بها الصفرية، والإباضية، أو الزعماء الثائرون من العرب، وقد نجح بعضهم أحيانًا في فرض سلطانه على القيروان إلا أن سلطانهم هذا كان لا يدوم طويلًا؛ نظرًا ليقظة الخلافة، وحرصها على تبعية القيروان لها، ومن ثم كانت جيوش الخلافة تقضي على آمال هؤلاء الثائرين.

ومما يدل على اهتمام العباسيين ببقاء القيروان تحت نفوذهم وسلطانهم ضد الثوار الطامعين؛ إرسالهم كبار رجال دولتهم ذوي الخبرة السياسية، والقدرة العسكرية، والحنكة الإدارية؛ ليقوموا بحكم إمارة إفريقية من أمثال محمد بن الأشعث، وعمر بن حفص، ويزيد بن حاتم، وغيرهم، وذلك خشية أن تنفصل إمارة إفريقية عن التبعية للخلافة وفي نفس الوقت لم يعمد العباسيون إلى تولية أحد من أبناء المنطقة خشية أن يستقل بها. [القيروان ودورها الحضاري صـ١٢٠].

وحين قامت دولة الأغالبة سنة ١٨٤هـ/٨٠٠م؛ اتخذ مؤسسها في أول الأمر القيروان عاصمةً له ومقرًّا لإدارته، وقد ترتب على ولاية إبراهيم بن الأغلب وأبنائه من بعده استقلال ذاتي للإقليم، وهذا يعني تمتع القيروان بشبه استقلال أعطاها الحرية في التصرف مما أدى إلى استقرار الأمن والطمأنينة فيها، ومكَّنها بعد ذلك من استئناف نشاط الفتوح، وتوسيع نطاق سلطة القيروان.

لم تستمر مدينة القيروان عاصمة للأغالبة؛ إذ أسس إبراهيم بن الأغلب (سنة١٨٤هـ / ٨٠٠م) في ضاحية جنوب مدينة القيروان القصر الكبير، وسماها العباسية نسبة لبني العباس، ونقل إليها دواوين الدولة بعد أن ترك دار الإمارة التي بناها عقبة بن نافع في جنوب الجامع الكبير.

وقد تطورت حركة العمران في المدينة الجديدة تطورًا سريعًا، وانتقل إليها أمراء بني الأغلب وكبار رجال الدولة، وكان بناء الدور والمساكن بالآجر؛ كما كانت توصف بعظمة البناء وذلك بالنسبة للقيروان؛ كما بنيت بها عدة صهاريج؛ كذلك شُيِّد بها مسجد كبير، فضلًا عن عدد من الأبواب مما يدل على اتساعها، كما كانت بها رحبة كبيرة تعرف بالميدان. [القيروان عبر عصور ازدهارها ص٠ ٦].

كذلك شهدت مدينة القيروان بناء عاصمة جديدة في ضاحية من ضواحيها، وهي مدينة رقادة التي بناها إبراهيم بن أحمد بن الأغلب سنة ٢٦٣هـ /٨٧٦م، وظلت عاصمة للأغالبة إلى أن هرب منها آخر أمراء الأغالبة؛ زيادة الله بن الأغلب أمام جيوش أبي عبد الله الشيعي، وصارت بعد ذلك أول عاصمة سياسية للدولة الفاطمية حيث اتخذها عبيد الله المهدي ثلاث عشرة سنة عاصمة للفاطميين ثم فارقها بعد بناء المهدية.

وقد وصف ياقوت الحموي رقادة بقوله: "رقادة بلدة بإفريقية بينها وبين القيروان أربعة أميال، وأكثرها بساتين ولم يكن بإفريقية أطيب هواءً ولا أعدل نسيمًا وأرق تربة منها" [المرجع السابق ص٦٢].

يضاف إلى ذلك أن مدينة رقادة كانت ذات نشاط تجاري، ومتحررة من تقاليد القيروان التي حافظت على طابعها الديني الأول.

ووصل ترف سكان رقادة إلى درجة إباحة بيع النبيذ فيها بينما كان ممنوعًا بيعه في القيروان، وأسواقها مزدحمة بالدكاكين، وهي قبلة تجار إفريقية، كما اشتهرت بكثرة بساتينها وثمارها.

ومما يلحق بضواحي القيروان مدينة صبرة أو المنصورية وهي المدينة الثالثة من ضواحيها، وقد أسسها إسماعيل بن القاسم بن عبيد الله المهدي الفاطمي سنة٣٣٧هـ/٩٤٨م، ولم تزل منذ ذلك الحين عاصمة إفريقية السياسية والتجارية إلى أن انقرضت دولة الصنهاجيين، وخربها الهلاليون هي والقيروان سنة ٤٥٢هـ/١٠٦٠م [المرجع السابق ص ٦٢].

سقوط القيروان

وقد عاصرت القيروان قيام الدولة الفاطمية على أرض المغرب سنة ٢٩٦هـ / ٩٠٩م، ومنذ اللحظات الأولى فكر الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي في بناء عاصمة جديدة والابتعاد عن القيروان التي كانت تمثل مركزًا؛ للاضطرابات السياسية والمذهبية، إذ أصبحت في هذه الفترة كعبة كل داعية إلى مذهب، ومأوى خليط من الناس من الصعب الاطمئنان إليهم، ومن ثَمَّ كان بناء المهدية العاصمة الجديدة للفاطميين في بلاد المغرب؛ شهدت القيروان العديد من الأحداث السياسية في ظل الحكم الفاطمي.

وقد أدرك الفاطميون بدورهم أهمية الاستيلاء على مصر ومن ثم أرسلوا عدة حملات عسكرية نجحت في النهاية في الاستيلاء على مصر سنة ٣٥٨هـ/ ٩٦٩م.

وقبل أن يغادر الفاطميون أرض المغرب تركوا وراءهم خلفاء مخلصين يحكمون البلاد باسمهم.

ووقع اختيارهم على قبيلة صنهاجة ذات العدد الوفير وفي نفس الوقت مكافأة لهم على خدماتهم للدولة الفاطمية في بلاد المغرب، وحين توجه المعز لدين الله إلى مصر وقع اختياره على أبي الفتوح يوسف بن بلكين بن زيري خلفًا له على إفريقية سنة ٣٦٢هـ /٩٧٢م، وبذلك قامت الدولة الزيرية في المنطقة وتولى أبناؤه حكم إفريقية بالوراثة، وفي نفس الوقت كانوا يدينون بالتبعية للخلفاء الفاطميين في مصر.

لقد دخلت العلاقات الفاطمية الزيرية مرحلة خطيرة حين تولَّى المعز بن باديس الزيري السلطة في إفريقية خلفًا لوالده ٤٠٦هـ /١٠١٥م، وفي عهده تطورت العلاقات بينه وبين الفاطميين؛ نتيجةً لبعض الأحداث بين البلدين، وهي التي أسفرت عن قطع المعز بن باديس العلاقات مع الدولة الفاطمية، ولعنهم على منابر إفريقية؛ مما دفع الفاطميين إلى اتخاذ خطوات أكثر حدة وخطورة حين شجعت الإدارة الفاطمية في القاهرة القبائل الهلالية المقيمة بمصر على التوجه إلى القيروان، وإطلاق العنان لها في التدمير والتخريب وامتلاك كل ما يقع تحت سيطرتها.

وهذا التشجيع من قبل الفاطميين وجد قبولًا حسنًا من القبائل الهلالية التي انطلقت في حشود ضخمة تدمر وتخرب المدن المغربية كبرقة وطرابلس وتستولي على ما بها من أموال وثروات فضلًا عن قتل الرجال والأطفال.

وكان مصير مدينة القيروان غاية في السوء، ويصور ابن عذاري لحظات اقتحام العرب الهلالية مدينة القيروان بقوله: "وذلك أن العرب دفعت إلى هذا الباب ( أي أحد أبواب القيروان) فخرج إليهم العامة للدفاع عن مدينتهم فحملت عليهم فرسان العرب وتمكنت منهم بسيوفهم ورماحهم فتساقطوا على وجوههم وجنوبهم ولم يبق منهم إلا من حصنه أجله ولم يتركوا على حي ولا ميت خرقة تواريه، وخرج أهل القتلى عند انصراف العرب فرفعوا قتلاهم فقامت النوائح والنوادب بكل جهة ومكان من أزقة القيروان تتصدع لمنظرها وسماعها الجبال، ورأى الناس ما أذهلهم فتفتتت الأكباد وذابت القلوب والأجساد، فكان يوم مصائب وأنكاد ولم يَرَ الناس مثله في سائر الأمصار فيما مضى من الأعصار". [البيان المغرب، مصدر سابق، ج ١ صـ ٢٩٢]

وظلت القيروان تعاني من الحملات المتكررة حتى سقطت سنة ٤٤٩هـ/١٠٥٧م، ودخلها الأعراب يُعملون فيها سيوفهم ورماحهم، ويخربون بيوتها ويهدمونها، ويستولون على كل ما يقع تحت أيديهم [المصدر السابق ج ١ ص ٢٩٤]

وهكذا سقطت مدينة القيروان، تلك المدينة العريقة التي اختطها عقبة بن نافع سنة٠ ٥هـ /٠ ٦٧م؛ لتكون القاعدة والمنطلق لنشر الإسلام، واستطاعت المدينة في فترة وجيزة أن تلعب دورها الحضاري في نشر الإسلام، وإرساء قواعد الحضارة الإسلامية، وقصَدها العلماء من كل مكان وأضاءت بين جنباتها مشاعل العلم والمعرفة طيلة أربعة قرون.

مظاهر الحضارة في القيروان

نالت مدينة القيروان عناية خاصة من ولاة الأمر ومن جاء بعدهم من الأمراء كالأغالبة، والفاطميين، والزيريين وذلك باعتبارها قاعدة البلاد وعاصمة للإقليم في فترات كثيرة.

وقد تعددت المظاهر الحضارية:

ففي مجال الزراعة: أشار الباحثون إلى كثرة محصولات القيروان وتنوعها، وكانت زراعة الزيتون تُدِرُّ دخلًا كبيرًا لأهل إفريقية؛ وفي عهد الولاة اهتم بنو المهلب بتوزيع موات الأرض على من يستحقها، كما خففوا عن أهل البادية الخراج ولم يثقلوا كواهلهم بالضرائب.

وفي عهد الأغالبة اهتم إبراهيم بن الأغلب بتوفير الأمن والقضاء على قُطَّاع الطرق والذين كانوا مصدر فوضى في الريف، وانقسم نشاط الفلاحين إلى ثلاثة ميادين: ميدان زراعة الحبوب في الحقول الكبيرة، وميدان البساتين وما يزرع فيها من خضر وفواكه، وميدان تربية الماشية.

وساعد نظام الري على تطور الزراعة وغرس الخضر والأشجار وتعددت أنواع المحاصيل ومنها القطن وقصب السكر والعنب، يضاف إلى ذلك استيراد كميات أخرى من الحاصلات؛ نظرًا لكثرة سكان القيروان، كالثمر والخضراوات والفواكه، كما اهتم سكان القيروان بتربية الماشية ولا سيما الأغنام [القيروان عبر عصور ازدهارها ص١٣١].

أما الصناعة: فقد تنوعت المصنوعات في مدينة القيروان ومنها: صناعة السفن حيث اهتم ولاة القيروان بصناعتها وبخاصة في عهد الأغالبة؛ لاحتياجهم إلى أسطول حربي وتجاري.

كذلك من الصناعات التي ازدهرت في القيروان: المنسوجات الصوفية والقطنية والحريرية، يضاف إلى ذلك عدة صناعات أخرى، كدبغ الجلود ومنها تصنع السروج والأحذية، كما اشتهرت القيروان بالصناعات الخشبية وصناعة الزجاج والبللور الذي يستخدم في صناعة الأواني، ومما اشتهرت به القيروان صناعة المعدنيات من نحاس وفضة وذهب ومجوهرات، وهذه النهضة الصناعية دفعت الولاة إلى تخصيص مكان لكل صناعة في المدينة [القيروان ودورها في الحضارة الإسلامية، مرجع سابق، ص ١٦١]

وفي مجال التجارة: ازدهرت التجارة ازدهارًا كبيرًا، إذ اشتهرت أسواق القيروان في عالم التجارة وصارت قبلة تجار الشرق والغرب، وساهم موقع القيروان الجغرافي والسياسي في ربط المشرق بالأندلس وبجنوب أوروبا عن طريق موانئ إفريقية.

وأول من بدأ تنظيم التجارة في القيروان هو يزيد بن حاتم الذي رتب الأسواق وخصص لكل صناعة سوقًا خاصًا بها.

وقد بلغت التجارة في القيروان أوجَّ ازدهارها في فتراتها السياسية المختلفة: العصر الأغلبي، والفاطمي، والصنهاجي. [القيروان عبر عصور ازدهارها ص ١٣٤].

ويؤكد ذلك ما قاله ابن حوقل: "وكانت القيروان أعظم مدينة في المغرب وأكثرها تجارةً وأموالًا". [صورة الأرض ص ٦ ٩]

وكانت المنتجات الزراعية والصناعية حول القيروان تُحْمَل إليها فكانت بذلك سوقًا كبيرًا للمنتجات الزراعية والصناعية ومقرًّا للتجارة الداخلية والخارجية يقصدها التجار من داخل الإقليم ومن خارجه.

ويشير البكري إلى أنه كان يصل من مدينة جلولاء - وهي تبعد أربعة وعشرين ميلًا عن القيروان- من أحمال الفواكه والبقول ما لا يحصى كثرة [المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص٢ ٣].

ومن العوامل التي ساهمت في رواج التجارة في القيروان انتشار الأمن وتعبيد الطرق للتيسير على نقل البضائع والمنتجات.ِ

الحياة الفكرية في القيروان

ارتبطت الحياة الفكرية في المجتمع المغربي بالدراسات الدينية وبعبارة أخرى فإن ألوان الثقافة المختلفة نشأت في ظل العلوم الدينية، وخاصة في عصر الولاة ثم تطورت هذه الدراسات فيما يليها من عصور.

وقد شهد عصر الولاة في القيروان مولد الثقافات العربية المتنوعة ونواة الدراسات الإسلامية، على أن هذه الدراسات لم تنضج وتكتمل صورتها إلا في العصور التالية.

ومنذ تأسيس مدينة القيروان وهي تلعب دورًا سياسيًا وفكريًا هامًّا باعتبارها العاصمة السياسية للمغرب كله ومقر الوالي، وهذا يعني أنها صارت  مقصدًا للعرب القادمين من المشرق، وما يترتب على ذلك من نقل للثقافات والعلوم المختلفة، وبمرور الوقت صارت القيروان تزخر بالعلماء والفقهاء، وأصبحت مركزًا هامًّا من مراكز الثقافة الإسلامية في المنطقة، وقلبًا نابضًا بالتيارات الفكرية، تغذي غيرها من مناطق المغرب بالعلماء فضلًا عن إقبال سكان البلاد من كل مكان لتلقي العلم في معاهدها.

والواقع أن القيروان لعبت دورا فكريًا هامًا في بلاد المغرب، وتاريخها الثقافي؛ هو بمثابة تاريخ الثقافة الإسلامية في المغرب، إذ ظلت لفترة طويلة توجه ثقافة البلاد [الإسلام والثقافة في إفريقية ج ا ص ١٥٣].

وقد أقبل الصحابة والتابعون على بلاد المغرب وشرعوا في تعليم سكان إفريقية مبادئ الدين الجديد، ولا شك أن جهدهم في نشر الإسلام وتلقين مبادئه لأهل البلاد - وخاصة أنهم كانوا يعتنقون أديانًا مختلفة ومذاهب ونِحَلًا متعددة - يُعد عملًا عظيمًا، وقد وجدنا الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز يرسل عشرة من مشاهير التابعين الذين عرفوا بالعلم وحسن السيرة، إلى القيروان؛ ليعلموا الناس الحلال والحرام ولم يتجاوز نشاطهم القرآن والسنة وربما مبادئ اللغة العربية، ومن هذه الحلقة تخرجت الفئة الأولى من علماء الدين في القيروان من أمثال البهلول بن راشد ورباح بن يزيد وعبد الله ابن فروخ وغيرهم [القيروان عبر عصور ازدهارها ص ١٥٥]

وخلال حكم الأغالبة لإفريقية تطورت العلوم الدينية والعقلية، وانتشر التعليم وكثر عدد الطلبة الأفارقة في القيروان، كما اتجه بعضهم إلى عواصم المشرق طلبًا للعلم والاستزادة منه، وخلال هذه الفترة برز المذهبان: المالكي والحنفي في مجتمع القيروان، ونشر أسد ابن الفرات المذهب المالكي معتمدًا على (موطأ) الإمام مالك.

وهو أول من وضع أسس المدرسة المالكية بكتابه (الأسدية) الذي أقبل عليه المغاربة، ثم وضع الإمام سحنون بن سعيد أحد زعماء المدرسة المالكية كتابه (المدونة) فساهم بذلك في نشر المذهب المالكي وتثبيته في البلاد.

وبعد استيلاء الفاطميين سنة ٢٩٦هـ / ٩٠٩م على بلاد المغرب وحرصهم على نشر المذهب الشيعي ومحاولتهم القضاء على المذهب المالكي الذي يمثل قومية بالنسبة للمغاربة، اندلعت معارك كثيرة بين السلطة الحاكمة وعلماء المالكية الذين تمسكوا بمذهبهم ودافعوا عنه واستشهدوا في سبيله، وثبت المذهب السني في القيروان، وبقي في إفريقية بعد أن رحل الفاطميون إلى مصر، وفي نفس الوقت ازدهرت العلوم الأخرى كالتفسير، والحديث، وعلم القراءات، وغيرها من العلوم الدينية، يضاف إلى ذلك كثرة المؤلفات في العلوم الأخرى.

وقد وصف الإدريسي مدينة القيروان بقوله: "أم أمصار، وقاعدة أقطار، وكانت أعظم مدن الغرب قطرًا، وأكثرها بشرًا، وأيسرها أموالًا، وأوسعها أحوالًا، وأتقنها بناءً...والغالب على فضلائهم التمسك بالخير، والوفاء بالعهد، والتخلي عن الشبهات، واجتناب المحارم، والتفنن في محاسن العلم. [صفة المغرب والأندلس ص ١١٠].


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت ١٩٦٥.
  • الإدريسي: صفة المغرب والأندلس، ليدن ١٨٦٦.
  • الباجي: الخلاصة النقية في أمراء إفريقية، تونس ١٢٨٣ هـ.
  • البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، باريس ٠١٩١١
  • الحبيب الجنحاني: القيروان عبر عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، تونس١٩٦٨.
  • د.محمد محمد زيتون: القيروان ودورها في الحضارة الإسلامية، دار المنار ١٩٨٨.

الخلاصة

تُعتبر القيروان من أبرز المدن الإسلامية التاريخية، تأسست عام ٥٠ هـ/٦٧٠ م كقاعدة عسكرية ومنطلق لنشر الإسلام في المغرب، وتطورت لتصبح مركزًا سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا مهمًا، وازدهرت فيها الزراعة والتجارة والمذهب المالكي، وتعرضت للدمار في القرن الخامس الهجري بعد غزو القبائل الهلالية، منهية فترة ازدهارها الحضاري.ِ

موضوعات ذات صلة

هم سلالة أمازيغية من قبائل مصمودة أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.

 فترة حاسمة في تاريخ المغرب الأقصى.

دولة قامت في المغرب الأقصى، في النصف الثاني من القرن السابع الهجري.

موضوعات مختارة