كانت
السنوات التي أعقبت وفاة الخليفة الآمر وما صاحبها من أحداث تجاهلت أسس العقيدة الفاطمية،
هي مؤشر التعجيل بسقوط الدولة الفاطمية في مصر الذي تأجل نحو القرن بفضل الإصلاحات
الإدارية والتنظيمية والدفاعية التي أدخلها نظام بدر الجمالي وخلفائه الأفضل
والمأمون بن البطائحي.
وفور
وفاة الخليفة الآمر مقتولًا في ثاني ذي القعدة سنة ٥٢٤هـ / ٧ أكتوبر سنة ١١٣٠م،
نشأت لأول مرة في تاريخ الدولة الفاطمية مشكلة البحث عن وريث للإمامة، فقد مات
الخليفة دون وريث، ولكنه أشار وقت وفاته - تبعًا لبعض المصادر - إلى أنه ترك إحدى
جهاته حاملًا وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدًا ذكرًا هو الخليفة من بعده، وكان
يجب الانتظار لمعرفة نتيجة هذا الحمل، وقد اختلفت المصادر في تحديد نوع المولود،
فالنُّويَرِي وأبو المحاسن ذكرا أن الحَامِلَ وضعت أنثى، بينما يقرر ابن خلِّكان
أنه لم يعرف نوع المولود.
وانتظارًا
لهذا المولود تولى منصب الإمامة لأول مرة في تاريخ الدولة الفاطمية "إمام
مستودع" وفقًا للمصطلح الإسماعيلي، فقد أحضر هزَّار الملوك جَوَامَرْد
والعادل بَرْغَش - كبار غلمان الآمر- ابن عمه الأمير أبا الميمون عبد المجيد، أكبر
الأقارب سنًا، وبايعوه بولاية العهد وتدبير المملكة (كفيلًا لحَمْل منتظر في بطن
أمه)، فجعل عبد المجيد هزَّار الملوك جَوَامَرْد وزيرًا له، فلم ترض به طوائف
الجند وثاروا عليه في نفس يوم توليته فكانت وزارته نصف يوم بدون تصرف، وأخرجوا أبا
علي أحمد بن الأفضل شاهنشاه الملقب بكُتَيْفَات وفرضوه وزيرًا على الأمير عبد
المجيد في ١٦ذي القعدة سنة ٥٢٤هـ/ ٢١ أكتوبر سنة ١١٣٠م وقالوا له: "هو الوزير
ابن الوزير ابن الوزير".
وشهدت
الدولة الفاطمية في الفترة التي تولى فيها أبو علي الأفضل الوزارة، فيما بين (ذي
القعدة سنة ٥٢٤هـ والمحرم سنة ٥٢٦هـ)، وضعًا فريدًا لم يسبق له مثيل في تاريخها،
وإن دلَّ على شيء فإنِّما يدل على ضعف الخلافة وفقدان الحماسة لدعوتها؛ ففي
البداية شارك ولي العهد أبا علي الأفضل في الحكم فترة قصيرة لم تتعد - تبعًا لابن ميسر-
يومًا واحدًا، وحفظت لنا مجموعة وثائق دير سانت كاترين سجلا بالغ الأهمية من حيث
تاريخ صدوره والأشخاص المذكورون فيه؛ فهو صادر في (ذي القعدة سنة ٥٢٤/ أكتوبر ١١٣٠)
عن "ولي عهد المسلمين ٠٠٠ وكافل قضاة المسلمين وهادئ دعاة المؤمنين أبي علي
أحمد بن السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش"، وقد ضاع اسم ولي العهد مع فاتحة
السجل وهو دون شك الأمير أبو الميمون عبد المجيد، ويكون التاريخ المحدد لصدور هذا
السجل هو اليوم الذي اشترك فيه عبد المجيد وأبو علي في إدارة الدولة.
هذه
هي الإشارة الوحيدة التي تدل على اشتراك ولي العهد والوزير في تدبير أمور الدولة،
فسرعان ما قبض الوزير أبو علي على الأمير عبد المجيد واستأثر تمامًا بالسلطة وأقام
الدعوة للإثنى عشرية، وضرب دراهم باسم الإمام المنتظر نقش عليها "الله الصمد
- الإمام محمد".
وفي
يوم الثلاثاء ١٦ محرم سنة ٥٢٦ هـ/ ٩ديسمبر سنة ١١٣١ م انتهى هذا الوضع الشاذ،
عندما ثار غلمان الآمر، وعلى رأسهم ناصر الجيوش يانِس، وتمكنوا من قتل أبي علي
الأفضل وهو يلعب الكرة في الميدان الكبير خارج باب الفتوح، ثم أخرجوا الأمير عبد
المجيد من الموضع المعتقل فيه بالقصر، وبايعوه على أنه "ولي عهد كفيل لمن
يذكر اسمه"، فاتخذ عبد المجيد هذا اليوم عيدًا سمَّاه "عيد النصر"
ظل يحتفل به حتى نهاية الدولة، ووصل إلينا دينار فريد ضرب في الإسكندرية سنة ٥٢٦ هـ،
لا شك في الفترة بين خروج عبد المجيد من الاعتقال (١٦ محرم) ومبايعته بالإمامة (٣
ربيع الآخر) باسم: "أبو الميمون عبد المجيد ولي عهد المسلمين".
فقد
قرئ سجل في القاهرة في ٣ ربيع الآخر سنة ٥٢٦ هـ/٢٣ فبراير سنة ١١٣٢م بمبايعة
الأمير عبد المجيد إمامًا وتلقيبه بـ "الحافظ لدين الله".
والواقع
أن الاعتراف بإمامة الحافظ يعد خروجًا على أسس نظام الإمامة عند الإسماعيلية، الذي
يشترط أن تكون الإمامة دائمًا في الأعقاب، ففي المرات القليلة التي خرج فيها عن
هذه القاعدة كانت الإمامة تنتقل فقط من الابن الأكبر إلى أخيه الأصغر"عبد
الله والعزيز نزار والمستعلي بالله"، ولكنها لم تخرج أبدًا من الأعقاب، لذلك
فقد عمد بعض الدعاة إلى تبرير صحة إمامة الحافظ في أكثر من مناسبة، فينقل المقريزي
على لسان داعى الدعاة إسماعيل بن سلامة الأنصاري قوله: "لولا أن مولانا الآمر
نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس!".
وبذلك
انقسمت الدعوة الإسماعيلية في مصر على نفسها مرة ثانية في أقل من خمسين عامًا إلى:
"طيِّبِيِّه" نسبة إلى الإمام الطيب بن الآمر الذي اعترف بإمامته كل
الطائفة الإسماعيلية في اليمن والهند استمرارًا للدعوة المستعلية، و "حافظيه"
أو "مجيديه" نسبة إلى الحافظ عبد المجيد، وقد تمتعت بتأييد مؤسسة الدعوة
في مصر وقبلها أغلب الإسماعيلية المستعلية في مصر والشام، وبقيت مع ذلك بعض جماعات
من مستعلية مصر والشام تبنت حقوق الإمام الطيب وعُرِفُوا "بالمرية".
وشهدت
السنوات الأربعون الأخيرة في عمر الدولة الفاطمية في مصر تطورات خطيرة متتالية
قادت إلى تدهورها وعجلت بسقوطها، فقد انحصر
نفوذ الخلافة نهائيًا داخل حدود مصر وانفصل عنها بقية أتباعها الذين لم يعترفوا
بأحقية الحافظ وخلفائه في الإمامة، وبذلك حكم الخلفاء الأربعة الأواخر في
القاهرة كأسرة حاكمة مصرية محلية بلا سلطة أو نفوذ أو أمل، ولم تجر أية محاولة
لمد نفوذ الفاطميين خارج الحدود المصرية، إذا استثنينا محاولة الخليفة الحافظ نشر
دعوته لدى الزُّرَيْعين - حُكَّام عَدَن - الذين أجابوه إليها، وكان هدفُه من وراء
ذلك ضمان السيطرة على طرق التجارة المؤدية إلى الهند.
كانت
تولية بهرام الأرمني الوزارة يوم الجمعة ١٦ جمادى الآخرة سنة ٥٢٩هـ/
مارس سنة ١١٣٥م ونعته بـ "السيد الأجل، أمير الجيوش سيف الإسلام، تاج الخلافة
(الدولة)، ناصر الإمام، غياث الأنام، أبي المظفر بهرام الحافظي" وهو باق على
دين النصرانية، تطورًا مهمًا في تاريخ الدولة فأصبح بذلك أول نصراني يتولى وزارة
تفويض للفاطميين، وقد أشار كبراء رجال دولة الحافظ عليه بألا يوليه الوزارة لأنه نصراني،
وأن من شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر في الأعياد، كما أن القضاة هم نواب
الوزراء من زمن أمير الجيوش، فلم يأخذ بنصيحتهم وجعل القاضي ينوب عنه في صعود المنبر،
ولم يرد إليه شيئًا من الأمور الشرعية، فكان يقعد في يوم الجمعة عن الصلاة ويعدل
إلى مكان بمفرده إلى أن تنقضي الصلاة.
وبعد
أن استقر بهرام في السلطة لم يتردد في تبني سياسة شخصية أرمنية مسيحية أدت إلى
سقوطه في نهاية الأمر، فقد سأل الخليفة الحافظ في السماح له بإحضار إخوته وأهله من
تل باشر - مسقط رأسه - وبلاد الأرمن، فأذن له في ذلك، حتى صار منهم بالديار
المصرية نحو ثلاثين ألف إنسان استطالوا على المسلمين وأصابهم منهم جور عظيم، كذلك
بنى في أيامه العديد من الكنائس والأديرة حتى صار كل رئيس من الأرمن يبني له كنيسة،
وخاف أهل مصر منهم أن يُغيِّروا مِلَّة الإسلام.
وفي
إطار هذه السياسة أصبح أغلب ولاة الدواوين من النصارى، كذلك ولَّى بهرام أخاه
المعروف بالباساك ولاية قوص، وهي يومئذٍ أعظم ولايات مصر، فاستقوى بأخيه وتمادى في
ظلم المسلمين ومصادرة أموالهم.
لم
يرض أهل مصر وأمراؤها بهذا الوضع الشاذ فكتبوا إلى "رضوان بن ولخشي"،
والي الغربية، يستنهضونه للقدوم عليهم وإنقاذهم من سيطرة النصارى، وفور أن وصلت
إليه كتب الأمراء صعد المنبر وخطب في الناس خطبة بليغة حثهم فيها على "الجهاد"،
وأخذ في حشد العربان حتى اجتمع له نحو ثلاثين ألف فارس سار بهم تجاه القاهرة،
وعندما خرج بهرام لملاقاته رفع جنود رضوان المصاحف على أسنة الرماح فما هي إلا
برهة حتى ترك المسلمون جيش بهرام والتجأوا بأجمعهم إلى جيش رضوان، بناء على اتفاق
بين الأمراء ورضوان، وعندما رأى بهرام ذلك بعث إلى الخليفة يعرِّفه بما جرى، فخاف
من عاقبة هذه المواجهة وأشار عليه بالتوجه إلى قُوص والاحتماء بأخيه الباساك هناك.
وبوفاة
بهرام انتهت مرحلة مهمة في تاريخ الدولة الفاطمية؛ مرحلة سيطر فيها العنصر الأرمني
على مقاليد الأمور في مصر، وهي المرحلة التي
بدأت مع أمير الجيوش بدر الجمالي واستمرت مع خلفائه الأفضل شاهنشاه، وأبي علي
الأفضل كتيفات، وأبي الفتح يانس، وانتهت بوفاة بهرام، وهي ليست حدثًا عابرًا في
التاريخ فحسب، بل بالأحرى الطَّور الأخير في الحلف المستمر بين طوائف الأرمن والمسلمين.
وقد
لعب الأرمن دورًا سياسيًا وعسكريًا وحضاريًا كبيرًا في مصر،
فهم الذين حافظوا على استمرار الدولة، وتُمَثِّلُ عمارة أبواب القاهرة وأسوارها
التي أنجزت في عصر بدر الجمَّالي تأثير العمارة الأرمنية على هذه المنشآت الدفاعية
بوضوح.
ونستطيع
أن نميز بين نوعين من الأرمن الذين تولوا السلطة: الأرمن الذين اعتنقوا الإسلام
وتمثلهم الأسرة الجمَّالية "بدر الجمالي والأفضل شاهنشاه وأبوعلي كتيفات"
وطلائع ابن رزيك وولده رزيك؛ والأرمن الذين استمروا على نصرانيتهم ويمثلهم
بهرام الأرمني وأخوه الباساك.
وجاءت
تولية رضوان بن ولخشي بداية التمهيد للتحول السني في مصر، وجاء في سجل
تقليده الوزارة - الذي أنشأه ابن الصيرفي –: "لأنك أذهبت عن الدولة عارها،
وأمطت من طرق الهداية أوعارها، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنَّسها من استعارها"،
وبدأ رضوان إصلاحاته باستخدام المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى وأمر
بعدم استخدام النصارى في الدواوين الكبار ولا نظارًا ولا مشارفين، وعمل على تقدُّم
أرباب المعارف سيفًا وقلمًا، فأحسن إليهم وزاد في أرزاقهم وشدد على النصارى أصحاب
بهرام وصادرهم وقتلهم بالسيف وأباد أكثرهم وأبعد صنيعة الخلافة أبا الكرم الأخرم النصراني
عن ديوان النظر، وهو النصراني الوحيد الذي تولى هذا الديوان وتوصل إليه بالضمان،
واستخدم عوضًا عنه كاتبًا مسلمًا بلا ضمان هو القاضي المرتضى بن المُحَنَّك.
كان
وصول رضوان إلى منصب الوزارة - كأول وزير سني للفاطميين - بداية تحول سني بطيء قاد
إلى انتصار السنة النهائي في مصر بعد ذلك بنحو ثلاثين عامًا. ولمَّا كانت
الإسكندرية من أهم مراكز المقاومة السنية في مصر وملجأ كل الخارجين على الدولة الفاطمية،
فقد بنى بها الوزير ابن وَلَخْشِي أول مدرسة في مصر لتدريس المذهب المالكي في سنة
٥٣٢ هـ / ١١٣٨م، فقد كان المذهب الشائع بين أهل الإسكندرية هو المذهب المالكي بسبب
علاقتها الواسعة مع شمال إفريقيا والأندلس، وكان الفقيه المالكي أبو بكر محمد
بن الوليد الطرطوشة، الذي استقرَّ في الإسكندرية سنة ٤٩٠هـ / ١٠٩٧م، قد قام،
كما تذكر المصادر، بتدريس المذهب المالكي في مدرسة أنشأها في بيته، لذلك كان من الطبيعي
أن يبني ابن وَلَخْشِي مدرسته في الإسكندرية؛ لأن القاهرة كانت في هذا الوقت عاصمة
الفاطميين ومركز النشاط الشيعي في العالم الإسلامي، والمدرسة ابتكار سني وظاهرة
جديدة في مصر، ولا شك أن إقامة مؤسسة سنية هامة كالمدرسة في العاصمة الشِّيعية كان
من شأنه قلب التوازن بين الخليفة ووزيره، وبما أن الإسكندرية مدينة كل سكانها من
أهل السنة، كان طبيعيًا أن يبنى رضوان مدرسته بها ليقاوم بها مذهب الدولة وليعليَ
كلمة الإسلام السني في مواجهة اتساع نفوذ أهل الذمة الذي تزايد في العقود الأولى
للقرن السادس.
وعندما
تولى رضوان الوزارة للحافظ سنة ٥٣١هـ/١١٣٧م استجد "ديوان الجهاد" واهتم
بتقوية الثغور واستعد لتعمير عسقلان بالعدد والآلات، وهيأ الناس للخروج إلى الشام
وغزو الفرنج، ولكن الخليفة الحافظ منعه من ذلك إذ أرسل يستدعى بهرام - الوزير الذي
حل محله رضوان - وأسكنه معه في القصر يستشيره في أموره، كما حث الجند على التحرش
برضوان حتى ثاروا عليه وضعفت قدرته على مواجهتهم واضطر إلى الفرار من مصر في ١٥
شوال سنة ٥٣٣هـ/ ٥ يونيه ١١٣٩م، وقصد الاحتماء بأمين الدولة "كمشتكين الأتابكي"
صاحب صرخد الذي أحسن استقباله وأكرم ضيافته، كما يذكر أسامة بن منقذ وابن القلانسي.
وبنهاية
عهد الخليفة الحافظ لم يبق للخلفاء أي سلطان على الدولة، ودارت الصراعات مرة أخرى
بين طوائف الجند وخاصة الطائفتين الرِّيْحَانية والجُيُوشية وإن لم يؤد ذلك إلى
نشوب حرب أهلية جديدة، وتَطَلَّعَ ولاةُ الأقاليم إلى منصب الوزارة وتنافسوا عليه،
يقول ابن الأثير: "إن الوزارة في مصر كانت لمن غلب ... والوزراء كالمتملِّكين،
وقَلَّ أن وَلِيَهَا أحدٌ بعد الأفضل بن بدر الجمالي إلا بحرب وقَتْلٍ وما شاكل
ذلك".
لقد
أدى التنافس على الوزارة إلى إشاعة الفوضى في البلاد،
كما أن الفساد بلغ القصر الفاطمي نفسه الذي حيكت فيه المؤامرات وكثرت المفاسد
الأخلاقية بين سكانه، وتبعًا لابن ظافر وابن الأثير فقد لعب أمير شيزر أسامة بن مُنْقِذ،
الذي قدم إلى مصر في جمادى الآخرة سنة ٥٣٩ هـ /١١٤٤ م، دورًا كبيرًا في حَبْك هذه
المؤامرات وإذكاء هذه الفتن، فقد اتصل أسامة بالوزير ابن السَّلَّار
الذي أكرم مقدمه، واختص بصحبة ابن زوجته الأمير عباس الصِّنهاجي.
وقد
تأكد لابن السَّلَّار أن الفِرِنْج في طريقهم إلى الاستيلاء على عَسْقَلان في
أعقاب محاولته مهاجمة مدن الشام الساحلية في عام ٥٤٦ هـ / ١١٥١ م، وكانت العادة
جارية كل ستة أشهر بتجريد عسكر من مصر لحفظ عسقلان، وجاء الدور في هذه النوبة على
عباس الصِّنهاجي، فخرج ومعه نفر من الأمراء فيهم مُلْهِم وضِرْغَام وأسامة بن منقذ،
نزل عباس ومن معه في "بِلْبَيْس" في انتظار قدوم العساكر، فما كان من
أسامة إلا أن حرض عباسًا على العادل بن السَّلَّار بعد أن شكا له اختياره لهذه
المهمة وإبعاده عن مصر - بطيبها وحسنها ولَذَّة المقام بها -، وقال له: إنه لو أراد لكان سلطان مصر، وطلب إليه
أن يستغل المودة القائمة بين ولده نصر والخليفة الظافر، وينقل إليه رغبته في أن
يحل محل ابن السَّلَّار، وأن الظافر سيجيبه إلى طلبه لكرهه لابن السَّلَّار، ومتى
أجابه إلى ذلك قتل عمه، وقد نجح نصر في إتمام هذه المهمة بنجاح، وقُتل الوزير ابن السَّلَّار
في ٦ محرم سنة ٥٤٨هـ/ ٣ إبريل سنة ١١٥٣م.
كان
من الطبيعي أن يُقَلِّد الظافر الوزارة لـ "عباس الصنهاجي" ولقَّبه بـ "السيد
الأجل الأفضل أمير الجيوش.. أبو الفضل العباس الظافري"، وقد ازداد عباس في
تقريب أسامة بن منقذ وإكرامه اعترافًا منه بفضله عليه، كذلك عمل على التقرب إلى
الأمراء وإكرامهم، وأحسن إلى الجنود لينسيهم العادل بن السَّلَّار.
أما
ولده نصر فقد استمر على مخالطة الخليفة الظَّافر، وكان الخليفة يخرج من قصره
لزيارة نصر بداره التي بالسيوفيين قريبًا من القصر بحيث لا يعلم عباس بأخبار هذه
اللقاءات.
وقد
استوحش الأمراء من أسامة بن منقذ والدور الذي قام به في قتل ابن السَّلَّار وهموا
بقتله، فلما بلغه ذلك أخذ في إثارة عباس على ولده نصر متهمًا له بأن الخليفة يفعل
به ما يفعل مع النساء، ففاتح عباس ابنه في ذلك وانزعاجه مما يتناقله الناس، فما
كان من نصر إلا أن قتل الخليفة في أحد زياراته له بتحريض من والده ومن أسامة بن منقذ،
فقتله في داره بالسيوفيين في آخر المحرم سنة ٥٤٩هـ/١٦ إبريل ١١٥٤ م.
ولم
تسر الأمور على الوجه الذي أراده لا الوزير عباس، فبعد أن أوهم أهل القصر في مشهد
درامي أن إخوة الخليفة هم الذين قتلوه وأنه قتلهم به، أحضر طفلًا صغيرًا للظافر
يدعى عيسى وأقامه في منصب الخلافة ولقبه بـ "الفائز بنصر الله" وهو لم
يبلغ الخمس سنوات،
فكاد الطفل يموت رَوْعًا من هَوْل ما شاهده من منظر الدماء والقتلى في القصر، وظل
طول خلافته القصيرة مصابًا بالصَّرَع.
أدت
هذه الأحداث إلى قلق واضطراب القصر وجماهير الشعب على السواء، فسارع نساء القصر
وخاصة أخت الظافر "ست القصور"، بالكتابة إلى والي الأشمونين والبهنسا "طلائع
بن رُزِّيك"، وأرسلن إليه شعورهن في طي الكتب - وهو أقصى ما يمكن في التوسل
عند المرأة المسلمة - يستنجدن به لإنقاذ الخلافة، وليقوم بدور المنقذ الذي لا غنى
عنه.
وفور
انتهاء طلائع من السيطرة على الأمور، خلع عليه الخليفة الفائز خلع الوزارة وأمر
بإنشاء سجل نعت فيه بـ "السيد الأجل الملك الصالح ناصر الأئمة كاشف الغمة،
أمير الجيوش، سيف الإسلام غياث الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين
أبي الغارات طلائع الفائزي"، ليصبح بذلك أول من تلقب بـ "الملك" من
وزراء الفاطميين، وذلك يوم الخميس ٤ ربيع الآخر سنة ٥٤٩ هـ / ٩ يونية ١١٥٥ م، وهذا
السجل من إنشاء الموفق ابن الخلال.
يعد
الصالح "طلائع بن رُزِّيك" خاتمة الوزراء الفاطميين الأقوياء، وآخر
دعامة في الدولة المتداعية، إلا أنه كان إمامي المذهب شديد التعصب له مبغضًا
للنصارى، واعتبر عمارة اليمني أن زوال دولة الفاطميين من مصر قد تم مع نهاية حكم
طلائع بن رزيك وولده.
ولا
شك أن الصَّالِح طلائع كان آخر وزراء الفاطميين الذين حاولوا التصدي للفرنج في
الشام، فابتداء من عام ٥٥٠ هـ/ ١١٥٥م أخذ في إرسال الأسطول والجيش لمحاربة الفرنج
في صور، وتمكن من إحراقها وأسَر حجاجًا من النصارى، وظفر كذلك بغنائم كثيرة.
ويرجع
إلى الصَّالِح طلائع فضل بناء آخر المعالم العمرانية للفاطميين في القاهرة، وهو
الجامع الذي مازال قائمًا إلى الآن خارج باب زويلة والذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة
٥٥٥هـ/ ١١٦٠ م.
كان
الملك الصَّالِح يطمع في أن يجعل أمر الخلافة الفاطمية في عقبه، فعندما توفي
الخليفة الفائز في ١٧ رجب سنة ٥٥٥ هـ/٢٣ يولية سنة ١١٦٠ م دون وريث، أقام مكانه في
الخلافة الأمير عبد الله حفيد الحافظ، وهو أصغر الأقارب، ونعته بـ "العاضد
لدين الله" وزوجه من ابنته عسى أن ترزق منه ولدًا فيجتمع لبني رزيك الخلافة
مع الملك".
وقد
استبد الصَّالِح بجميع أمور الدولة ولم يكن للعاضد معه أمر ولا نهي، حتى إنه نقل
جميع أموال القصر إلى دار الوزارة، ضاق الخليفة العاضد بتسلط طلائع عليه، كما أن
نساء القصر لم يقبلن بسهولة زواج ابنته من الخليفة؛ فدبرت السيدة العمة "ست
القصور" - أخت الظافر الصغرى - لقتله حيث تربص له بعض الخدام في دهليز القصر
وأردوه قتيلا في ١٩ رمضان سنة ٥٥٦ هـ / ١١ سبتمبر سنة ١١٦١.