Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفاطميون

الكاتب

أ.د/ أيمن فؤاد سيد

الفاطميون

برزت الدولة الفاطمية كقوة شيعية إسماعيلية كبرى في القرن الثالث الهجري، مستغلةً ضعف الخلافة العباسية وانقسام العالم الإسلامي إلى ثلاث خلافات، وبعد تأسيسها في إفريقية على يد عبيد الله المهدي، اتجهت أنظارها نحو المشرق، مدركةً أن مصر بموقعها الاستراتيجي ومواردها الوفيرة هي مفتاح تحقيق حلمهم في حكم العالم الإسلامي.

نشأة الدولة الفاطمية

ما كاد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي يُشْرِفُ على نهايته، إلا وكان الفاطميون الشيعة قد نجحوا في تتويج نشاطهم السرى المكثف الذي قام به (تنظيم الدعاة) والذي استمر أكثر من مائة وخمسين عامًا، بإعلان قيام الخلافة الفاطمية في إفريقية في سنة ٢٩٧هـ /٩٠٨م، وهكذا، فبعد إعلان قيام الخلافة الأموية في الأندلس بنحو عشرين عامًا في سنة ٣١٧هـ/٩٢٩م، أصبح يتقاسم حكم العالم الإسلامي خلافات ثلاث؛ خلافتان سنيتان: الخلافة العباسية في بغداد والخلافة الأموية في قرطبة، وخلافة ثالثة شيعية هي الخلافة الفاطمية الإسماعيلية في إفريقية، وعلى الجانب الآخر كانت الدولة البيزنطية المسيحية في القسطنطينية تتربص بها وتتحين الفرص لاستغلال هذا الانقسام الذي اعترى الإمبراطورية الإسلامية.

وقد بدأ الضعف يدُبُّ في أوصال الخلافة العباسية السنّيِّة بعد أن أخذت في التفكُّك إلى دول صغيرة، وخاصة ابتداءً من عصر الخليفة الراضي (٣٢٢هـ - ٩٣٤م/٣٢٩هـ- ٩٤٠م)، فقد انفصلت الأقاليم الشرقية عن الخلافة، بينما أخذت بقية الممتلكات العباسية تستقل تدريجيًّا عن سيطرة الخلافة المركزية.

وصحب ذلك مدٌّ شيعيٌّ كبيرٌ شهده القرن الرابع الهجري /العاشر الميلادي أفقد الخلافة العباسية السُّنية الكثير من سيطرتها وسطوتها، حتى نستطيع أن نطلق عليه (عَصْرُ انتصار الشِّيعَة)؛ فقد نجح الزَّيديُون في إقامة دولة حاكمة في طبرستان سنة ٢٥٠هـ/ ٨٦٤م وفي اليمن سنة٢٨٤هـ/٨٩٧م، واستولى القَرَامِطَة على جنوب العراق والبحرين والأحْسَاء.

ولم يمض نحو ثلاثين عامًا على انتصار الفاطميين إلا وقد ظهر جليًّا انهيار سلطة الخلافة العباسية، عندما نجح البُوَيْهِيُّون الشيعة في فرض سيطرتهم على بغداد مركز الخلافة السُّنية، فكثرت بها الفتن بين الشيعة والسنة، وجُهِرَ بالأذان بـ(حي على خير العمل) في الكَرْخ، كما أقيم مأتم عاشوراء لأول مرة في بغداد.

أصبحت الخلافة العباسية، بعد دخول البُوَيْهِيُّون إلى مسرح الأحداث، مؤسسة اسمية بحتة تُمثّل السلطة العليا للإسلام السُّني، وتُضْفِي الشرعية على السلطات المطلقة التي تمتع بها العديد من الولاة، الذين كانت لهم السيادة الحقيقية سواء في الأقاليم أو في العاصمة العبَّاسية نفسها، وبالرغم من هذا الانتصار الشيعي الكبير، الذي لم يتكرَّر أبدًا بعد ذلك، فإن هذه الأنظمة الشيعية لم تجد مجالًا للتعاون فيما بينها، مع أنها استطاعت أن تسيطر على القسم الأكبر من العالم الإسلامي بضعة عقود، لأنها أخذت في الواقع تتخاصم بينها دفاعًا عن مصالحها الإقليمية.

وفي وسط هذا التلاحق المُطَّرِد للأحداث كان الفاطميون يُمَثِّلون القوة الفتية الطَّمُوحَ الآخذة في النماء والتي تريد مدَّ نفوذها وسيطرتها، بدلًا من الخلافة العبَّاسية المنهكة المتداعية، على كل الأراضي الإسلامية، وأخذوا وهم في إفريقية يتحيَّنون الفرص للعودة إلى الشرق لتحقيق حلمهم في استرداد حكم العالم الإسلامي من منافسيهم السنيين.

ومنذ وصول المهدي إلى إفريقية أدرك أنها لن تستطيع أن تحقق أهداف الخلافة الفاطمية؛ أولًا لقلة مواردها، وثانيًا لمقاطعة علماء المالكية ومقاومتهم لهم، ثم بسبب الطبيعة الجغرافية الجبلية للشمال الإفريقي وصعوبة السيطرة عليها، وأخيرًا لأن أنظار الفاطميين كانت متجهة دومًا إلى الشرق، فقد أدرك الفاطميون تمامًا أنهم إذا أرادوا أن يكونوا الحُكَّام الوحيدين للعالم الإسلامي فليس أمامهم حَل سوى التوجه إلى الشرق وإلى مصر بصفة خاصة، فقد كان العالم الإسلامي بحاجة ماسَّة إلى مركز متوسط يتولى قيادته، وموقع مصر الاستراتيجي في ملتقى قارات ثلاث وسيطرتها على طرق التجارة الدولية التي تربط أوربا بالهند غني عن البيان، فلا غرو أن كان حلم الفاطميين في إفريقية هو العودة إلى المشرق وإلى مصر بصفة خاصة.

في السنوات الأولى لحكم الخليفة المهدي باءت محاولتان لفتح مصر بالفشل (٣٠١هـ/٩١٣م، ٣٠٧هـ/٩١٩م)، وتكررت المحاولات في زمن ابنه القائم بأمر الله (٣٢٣هـ/٩٣٤م) ولكنها لم تحقق شيئًا على الإطلاق، بل نبهت الخلافة العباسية إلى أن استمرار هذه المحاولات يتطلب وجودًا عسكريًّا قويًّا في مصر، فقد اكتشف القائد مُؤْنِس الخادم، الذي تصدى لهجوم الفاطميين المتتالي، أن للفاطميين عملاء كثيرين بمصر، فأسند العباسيون إلى محمد بن طُغْج الإخشيد ولاية مصر بالإضافة إلى ولايته على الشام، ولم يكن تعيينه في الواقع سوى عودة إلى النظام الطولوني الذي سقط عام٢٩٢هـ/٩٠٤م.

لا شك أن ثورات البربر المتتالية والحركات الخارجية التي وجدت تأييدًا مؤقتًا من أهل السنة والتي أمضى الخليفة الفاطمي الثالث المنصور بالله إسماعيل فترة خلافته في احتوائها وإخمادها، هي التي دفعت الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله إلى وضع هدف الفاطميين في التحول إلى الشرق موضع التنفيذ بعد أن كادت المشاكل التي واجهها الفاطميون في إفريقية أن تصرفهم عن تحقيق هدفهم، من تدهور وفساد.

إرساء دعائم الدولة

لم يكن الفتح الفاطمي لمصر يعني قيام حكومة مكان أخرى، بل كان بمثابة انقلاب ديني ثقافي اجتماعي بعيد المدى، صَحِبَهُ تحوُّلٌ ظاهرٌ في نظام الحكم خلق موقفًا جديدًا تمامًا، فلأول مرة في التاريخ الإسلامي تحكم مصر بدولة لا تدين حتى بالولاء الاسمي لبغداد، فمع دخول الفاطميين إلى مصر تزايد دورها في العالم الإسلامي وتحول بشكل أساسي، حقيقة أن الطولونيين والإخشيديين بدأوا سياسة جديدة خاصة بمصر، ووضعوا أسس نواة حربية لها دورها في المنطقة؛ إلا أن طموحاتهم كانت محدودة في بعض الأطماع الشخصية، وكانوا يدورون في فلك السياسة العباسية.

أما الفاطميون، الحُكَّام الجُدُد، فكانوا يتزعمون حركة دينية فلسفية اجتماعية عظمى كان هدفها لا يقل عن تحويل وتجديد كل الإسلام، وكانوا يرون في أنفسهم الأئمة الأحقاء بحكم العالم الإسلامي بمقتضى الحق الإلهي في الحكم، فهم أبناء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهما قيل في صحة نسبهم أو عدمه، وهل كانوا حقًا ينتسبون إلى السيدة فاطمة، أو كانوا مجرد أدعياء مهرة، فالحقيقة الثابتة أن عددًا غير قليل من الأتباع قد آمنوا بقضيتهم ودافعوا عنها.

وكان تولِّي الفاطميين الحكم بمصر وتأسيسهم خلافة مستقلة بها، هو عودة إلى وضع جغرافي سياسي أنشأته الوقائع وثبتته أحداث التاريخ، فالعالم الإسلامي كان بحاجة دائمًا إلى مركز متوسط كانت تشغله الإسكندرية في العصر الروماني البيزنطي، ولا شك أن الفاطميين قد تنبهوا لذلك، كما وجدوا مصر بسعة مواردها وكثرة أرزاقها ومكانها من القلب بالنسبة للعالم الإسلامي، قادرة على تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في يوم من الأيام، وإذا كان الفاطميون قد فشلوا في كسب كل العالم الإسلامي لصفهم لتمسكهم بتحدياتهم الأيديولوجية التي عزلوا أنفسهم بسببها عن إجماع المسلمين، فإن (القاهرة) التي أرادوا أن يحكموا منها العالم الإسلامي، سجل لها التاريخ دورها في قيادة هذا العالم أمام كل التيارات الأجنبية بدءًا من المد الصليبي ومرورًا بالغزو المغولي وحتى العصر الحديث، وأثبتت بُعْدَ نظر الفاطميين عندما اختاروا مصر ليحققوا من خلالها أهدافهم.

كان أول عمل قام به القائد جوهر الصقلي بعد فتح مصر هو اختطاط مدينة جديدة، بناءً على توجيهات الخليفة المعز، قُصِد بها أن تكون مدينة ملكية وعاصمة للإمبراطورية العالمية الشاملة التي تضم جميع الأراضي الإسلامية، هي مدينة (القاهرة) في الشمال الشرقي للفسطاط.

عندما أصبحت الظروف مهيَّأَةً لاستقبال الخليفة المعز لدين الله في (القاهرة)، العاصمة الخليفية الجديدة، التي أراد الفاطميون بإنشائها أن تكون عاصمة لإمبراطورية واسعة ينشرون من خلالها مذهبهم الديني في كل الأراضي الإسلامية، مسخرين لذلك كآفة إمكانات مصر ومواردها لإضفاء العظمة والأبهة عليها، لتكون جديرة بإحلال محل بغداد في حكم العالم الإسلامي، كتب جوهر إلى المعز يدعوه للحضور إلى مصر.

كان انتقال الفاطميين إلى مصر انتقالًا بمعنى الكلمة، ولم يكن توسعًا بغرض كسب أراض جديدة للخلافة الفاطمية، فعندما كتب جوهر إلى المعز يدعوه للحضور إلى القاهرة قطع الفاطميون كل صلة لهم بإفريقية، فقد نقل المعز معه كل ذخائره وأمواله وحتى توابيت آبائه حملها معه وهو في طريقه إليها، واستخلف على إفريقية أسرة بربرية محلية هي (أسرة بني زيري) كان على رأسها يوسف بن بُلُّكِين الصِّنهاجي، واستخلف على حكم صقلية أسرة عربية تنتسب إلى قبيلة بني كلب، أما طرابلس فقد عهد بها إلى عبد الله بن يَخْلِف الكُتامي، وإذا كان المعز قد أبعد يوسف بن بلكين عن صقلية وطرابلس فذلك؛ لأنه لم يرد أن تكون له قدم في أوربا، أو يكون بمستطاعه التحكم في الطريق إلى مصر، وبذلك فإن دوره تركز في ضمان أمن الشمال الإفريقي ومحاولة مناوشة أمويي الأندلس ووضع يده على ما يستطيع الوصول إليه في إفريقيا جنوب الصحراء.

ونبعت قوة الدولة الفاطمية من قدرتها على الاستفادة من إمكانات كل الأفراد المنتمين إلى مختلف التكتلات العنصرية والاجتماعية التي كانت تؤلف مجموع الشعب المصري، استفادة لم يسبق لها مثيل من قبل، فقد استعان الفاطميون بالعناصر الأجنبية، لا سيما المغاربة والأتراك والديالمة والسودان والأرمن، وأفادوا بخبرة أهل الذمة، ولا سيما بمعرفة الأقباط بالمسائل الماليَّة، وعهدوا إليهم بالوظائف الرئيسيَّة في الدولة التي أُبْعِدَ عنها المسلمون السُّنِّيُّون.

وهكذا فقد ظل الفاطميون في حكمهم مصر كحكومة أقليَّة منفصلة عن مجموع رعاياها بسبب آرائهم الدينية، مما أفقدهم تأييد أهل البلاد الحقيقيين، وقد أدرك الفاطميون أن الإسماعيلية لم تَتَجَذَّر في شمال إفريقيا بعد عشرات السنين من الدعاية، برغم مناسبة البيئة لذلك، كما أن مصر بما فيها من ذميين ومسلمين على مذهب السنة لن تكون أرضًا خصبة للتبشير، فلم يعمد المعز إلى نشر الدعوة في مصر إلا في أضيق الحدود، فنادرًا ما جرت أية محاولة لحث الشعب المصري على اعتناق المذهب الإسماعيلي، واكتفى الفاطميون فقط بإسناد مناصب الدولة العُليا إلى أهل الذمة أو إلى من يعتنق مذهبهم.

وعلى ذلك فإنه بعد أكثر من مائتي عام من الحكم الفاطمي في مصر، لم يكن بها إسماعيلي واحد سوى من ارتبط بالسلطة الحاكمة، فقد كان الفاطميون يدورون في حلقة مفرغة، فمن حيث إنهم فشلوا مبدئيًّا في كسب كل العالم الإسلامي لصفهم، نراهم في نفس الوقت مضطرين للحفاظ على تحدياتهم الأيديولوجية، الأمر الذي عزلهم عن إجماع المسلمين، وبهذا تسببوا في إلحاق الهزيمة بأنفسهم وفي اختفائهم من المسرح السياسي.

وقد استعاض الفاطميون عن تحويل مسلمي مصر إلى المذهب الإسماعيلي بكسب ود أهل الذمة، فقد انتهج الفاطميون سياسة اتسمت بـ "التسامح الديني" مع أهل الذمة، الذين يحق لهم - إذا استثنينا الاضطهاد الذي تعرضوا له في زمن خلافة الحاكم بأمر الله - أن يعتبروا العصر الفاطمي عصرهم الذهبي الذي تمكنوا فيه من الاندماج الحقيقي في الحياة السياسية العامة للدولة في مصر، وهذا التسامح لم يتمتع به حتى المسلمون من أهل السنة، ولعل انتقال ابن كِلِّس - اليهودي الذي أسلم في آخر عهد كافور - إلى إفريقية ودعوته المعز لفتح مصر، ثم الدور الهام الذي لعبه بعد ذلك في مصر كوزير وأهمية الطائفة اليهودية في العصر الفاطمي، تجعلنا نظن تمامًا أن الفاطميين حاولوا كسب ود هذا العنصر النشيط من الشعب المصري.

ولا شك أن مصر في العصر الفاطمي قد أصبحت - بفضل سياسة الفاطميين الاقتصادية المتفتحة والمتسامحة - أكثر مفترقات الطرق التجارية نشاطًا في العالم الإسلامي، وفي هذه الظروف سرعان ما وَجَدَ يهود مصر لأنفسهم مكانة، كما توافد إلى مصر مهاجرون يهود جدد من المغرب ومناطق أخرى في الشرق الأوسط، في أعقاب انتصار الفاطميين.

كان عهد المعز والعزيز هو فترة إرساء دعائم الدولة الفاطمية وتثبيت أركانها في مصر؛ فقد منح هذان الخليفتان للدولة الفاطمية، بفضل خبرة ومعاونة القائد جوهر والوزير ابن كَلِّس، قواعد ثابتة جعلتها تستمر بعد ذلك نحو قرنين من الزَّمَان.

ولم تكن سياستهما الخارجية نشطة إلا في بلاد الشام، فتركزت سياسة العزيز بالله الخارجية على تأكيد سيطرة الفاطميين على سوريا الوسطى والجنوبية وعلى إمارة حلب فيما بعد؛ فقد كان الفاطميون يرون في سوريا الشمالية الطريق إلى العراق، وأن امتلاكهم لها سيضمن لهم الوصول إلى ما وراءها من بلاد، وخاصة (بغداد) المركز الروحي والسياسي للعالم الإسلامي السني.

وبدلًا من المواجهة المباشرة اعتنق الفاطميون نظرية جديدة مؤداها أن صاحب السيادة الفعلية على العالم الإسلامي، هو من تقام له الخطبة في الأراضي الإسلامية المقدسة - مكة والمدينة -، فكان الفاطميون يتقربون لشرفاء مكة لهذا السبب، وهكذا أقيمت الدعوة للمعز وهو مازال في إفريقية، كما أقيمت له في سنة ٣٦٣هـ ٩٧٤ م بعد انتقاله إلى مصر، ثم أقيمت للخليفة العزيز سنة ٣٦٥هـ/٩٧٦م، وظل الفاطميون حريصين على ذلك إلى أن تقلصت ممتلكاتهم وشغلتهم مشاكلهم الداخلية عن تحقيق أهدافهم الاستراتيجية.

كانت فترة حكم العزيز بالله هي الفرصة المواتية للفاطميين لتحقيق حلمهم في مواجهة العباسيين، فبعد وفاة العزيز في سنة٣٨٦هـ/٩٩٦م، تولى الخلافة تسعة من الفاطميين، كان بينهم وقت اعتلاء العرش ثلاثة مراهقين وخمسة أطفال كان أولهم الحاكم بأمر الله.

ووصلت الدولة الفاطمية إلى أقصى اتساع لها في العشرين عامًا الأولى من حكم المستنصر، حيث شملت مصر، وجنوب الشام، وشمال إفريقية، وصقلية، والشاطئ الإفريقي للبحر الأحمر، والحجاز واليمن، كما كسبت ولاء عدد لا يحصى من الأتباع في أراض كانت ما تزال خاضعة لحكام سُنَّة في المشرق؛ ثم هوت في انحدار سريع وتقلصت عنها ممتلكاتها تدريجيًّا، وهي تحتل بذلك نهاية الفترة الكلاسيكية للدولة الفاطمية.

وتزامن ذلك مع بداية ظهور السلاجقة على مسرح الأحداث، بعد أن بدأت السلطة الفعلية والروحية للخلفاء العباسيين في بغداد في الوصول إلى أدنى درجاتها تحت الهيمنة السياسية للبُويْهيين الشيعة، جاء ذلك في وقت كانت فيه العديد من الإمارات العربية الصغيرة في بلاد الرافدين والجزيرة وسوريا الشمالية تعتنق المذهب الشيعي أيضًا، ولكن التهديد الأكبر للعباسيين جاء دون شك من جانب الخلافة الفاطمية المنافسة في مصر وجنوب الشام، وجاء استقرار الأتراك السلاجقة (الغُزّ) في فارس، والعراق، والجزيرة، وسوريا الشمالية ليوقف هذا الزحف للتشيع السياسي، وأصبحت الخلافة الفاطمية مثل غيرها من الأسرات الحاكمة المعاصرة تواجه التهديد المتنامي للأتراك السلاجقة الذين أخذوا في التقدم السريع من الشرق ليمهدوا لإقامة إمبراطورية قوية جديدة.

وهكذا اجتمعت عدة عوامل لتضع حدًا لأحلام الفاطميين وطموحاتهم؛ ففي عهد الخليفة القادر بالله العباسي وخلفه الخليفة القائم بأمر الله (٣٨١- ٤٦٧هـ/ ٩٩١- ١٠٧٤م) طرأ تَغَيُّرٌ واضحٌ على سياسة العباسيين تجاه الفاطميين وبدأ الصِّدَام بين القُوَّتين اللتين تجاذبتا السيادة على الشَّرْقِ الإسلامي، كان بداية التَّحَرُّش بينهما (المَحْضَرُ) الذي صدر في بغداد سنة (٤٠٢هـ - ١٠١١م) متضمنًا القدح في نسب الفاطميين، ووقَّع عليه كبار العلماء والفقهاء والقضاة في بغداد، وعلى رأسهم نقيب الطالبيين الشريف المرتضى وأخوه الشريف الرضى، كان هذا المحضر بداية حرب دعائية بينهما استمرت فترة طويلة، ففي سنة٤٤١ هـ/ ١٠٥٢م كُتِبَ ببغداد (مَحْضَرٌ) آخر شبيه بالمحضر السابق، وبينما وصلت إلينا صيغة المحضر الأول فإننا لا نعلم أي شيء عن صيغة المحضر الثاني.

وفي الوقت نفسه عمل العباسيون على الاستعانة بالسلاجقة لفرض حصار على الفاطميين، وتضييق الخناق عليهم تمهيدًا للقضاء على خلافتهم، فحاولوا الاتصال بحاكم إفريقية الزِّير المُعِزّ بن باديس - الذي يدين بالولاء للفاطميين - وأرسلوا إليه في سنة ٤٣٥هـ/١٠٤٣م خِلَعًا وتشارف عن طريق القسطنطينية، لإفساد أواصر الود التي بدت بين الفاطميين والبيزنطيين، إلا أن الإمبراطور البيزنطي قبض على الرسول وسيَّره إلى القاهرة (مراعاة لحق المستنصر... ولأن بينهما عهودًا وهدنة قد بقي منها سنتان ولا يمكن فسخها).

بدأ الفاطميون يُعِدُّون العدة لمواجهة الخلافة العباسية لأول مرة مواجهة مباشرة مستخدمين في ذلك أسلحة الدعاية والنشاط التخريبي، علاوة على الوسائل المألوفة الأخرى العسكرية والسياسية والاقتصادية.

من ناحية أخرى صَعَّدَ الدُّعاةُ المواجهة الحربية مع العباسيين، وتعرضت القاهرة - المدينة الملكية حيث قصر الخليفة - لصراعات دامية بين طوائف الجند المختلفة، وخاصة الأتراك والسودان، واجتاحت البلاد الأوبئة والأزمات الاقتصادية الواحدة تلو الأخرى في السنوات٤٤٤هـ/١٠٥٢م و٤٤٧هـ/١٠٥٥و٤٥٧هـ/١٠٦٥م، بالإضافة إلى أزمة إدارية حادة أضعفت قوة الدولة ونفوذها.

فبعد عَزْل الوزير اليازوري- آخر الوزراء الفاطميين أرباب الأقلام الأقوياء - في سنة ٤٥٠هـ/١٠٥٨م، بدأ العسكريون يزيدون من قُوَّتهم باطِّرادٍ على حساب المدنيين، بل وعلى حساب الخليفة نفسه.

ولم تكتف الأقدار للمستنصر بهذه الأزمات الإدارية والفوضى السياسية، فجاء النيل - وهو شريان الحياة في مصر وعصبها -، ليضيف إلى مشاكل المستنصر مشكلة جديدة، فبعد أزمة الحنطة التي حدثت في سنة٤١٥هـ /١٠٢٣م والتي انفرد بذكرها المُسَبِّحي، عاد منسوب النيل إلى التناقص في السنوات ٤٤٤هـ/ ١٠٥٢م و٤٤٧هـ /١٠٥٥م و ٤٥٧- ٤٦٤ هـ /١٠٦٤ - ١٠٧١م، فشهدت مصر أسوأ أزمة اقتصادية مرت بها في العصر الإسلامي، حيث نزع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطلت الأراضي عن الزراعة، واستولى الجوع على الناس لعدم وجود الأقوات (حتى بِيعَ رغيفُ خبز في النداء بزُقاق القناديل من الفسطاط كبيع الطرف بخمسة عشر دينارًا، وبيع الأردب من القمح بثمانين دينارًا، وأُكلت الكلاب والقطط حتى قلَّت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضًا)، وفقدت مصر في هذه الأزمة أكثر من ثلث سكانها، وبلغ من شدة الأزمة أن المستنصر اضطر أن يبيع كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح، وصار يجلس في قصره على حصير وتعطلت دواوينه وذهب وقاره، بل قيل إن بنات المستنصر وأمه حاولن الفرار من مصر إلى بغداد بسبب الجوع وضغط الأزمة الاقتصادية فيما اصطلح المؤرخون على تسميته بـ (الشدة العظمى) أو (الشدة المستنصرية).

كان السبب الرئيسي لهذه الأزمات التي بدأت في العقد الخامس هو الحرب الأهلية وضعف قوة الوزراء.

عصر نفوذ الوزراء

لم يكن إنقاذ البلاد من هذه الأزمات المتتالية ممكنًا دون الاستعانة بقوة عسكرية قادرة على فرض النظام واستتباب الأمن وحماية الخلافة نفسها، وإنهاء حالة الفوضى التي استشرت فيها، حتى فقد الخليفة كل سيطرة له عليها وتقلص نفوذه وانحصر داخل القصر.

عقد الخليفة المستنصر أمله في تحقيق ذلك على قائد أرمني، كان يتولى عكا في ذلك الوقت، يعرف ببدر الجمالي فكاتبه سرًا عن طريق الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المغربي، وهو يومئذٍ متولي ديوان الإنشاء، يطلب إليه القدوم عليه لإصلاح حال البلاد.

بدأ بدر الجمالي إصلاحاته في مصر بتدبير مؤامرة شبيهة بمذبحة القلعة التي دبرها محمد على بعد ذلك بنحو سبعمائة عام ليتخلَّص من المماليك، قضى فيها بدر على رؤوس الفتنة في مصر وقَتَلَ رجال الدولة وأقام له جُندًا وعَسْكرًا من الأَرْمَن، يقول المقريزي: "فصار من حينئذٍ معظم الجيش الأرمن وذهبت كتامة وصاروا من جملة الرعية بعدما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها"، حينئذٍ قَلَّدَهُ المستنصر الوزارة ومنحه لقب "السيد الأجل أمير الجيوش"، وجاء في سجله: "وقد قَلَّدَكَ أمير المؤمنين جميع جوامع تدبيره وناط بك النظر في كل ما وراء سريره، فباشر ما قَلَّدَكَ أمير المؤمنين من ذلك مدبرًا للبلاد مصلحًا للفساد مدمرًا أهل العناد، وخَلَعَ عليه كذلك بالعقد المنظوم بالجوهر، وزاد له الحَنَك مع الذُّؤَابَة وجعل له أيضًا الطَّيْلَسَانِ المُقَّوَر"، ليصبح بذلك أول وزراء التفويض في العصر الفاطمي.

حفظ الخليفة المستنصر بالله لبدر الجمالي فضله على الدولة والخلافة، فلم يخل سجل من السجلات التي أرسلها المستنصر لدعاته في اليمن والمكتوبة بعد سنة ٤٦٧ هـ - ١٠٧٤ م من التنويه والإشادة بفضله على الدولة، فنجده يصفه فيها بأنه "الذي أعاد إلى الدولة العلوية ريق شبابها" و "الذي جَدَّدَ الله تعالى به وعلى يده معالم الدولة الفاطمية بعد دُرُوسها، وأقام بسيفه أعلامها بعد طموسها" وبأنه "الآية التي أطْلَع الله بها لأمير المؤمنين شمس الخلافة فشَرُقَت ، والموهبة التي وَهَبَها لدولته وللإسلام فظَهَرَت وأشْرَقَت، والسيف الذي انتضاه على جموع الباطل فَزَهَقَت وتمَزَّقَت ... حتى أصبحت المملكة بلُطْف الله وإيالته محفوظة النظام"، "وبماضي عَزَماته وغرار سيفه مُشَيَّدَة البناء قائمة العماد" "فلا جَرَمَ إنه لدى أمير المؤمنين بالمحل الخطير الذي لم يحلله من تقَدَّم ، والمكان الجليل الذي يتظاهر دون عالي همم ذوى الهمم"، و "أنه حالٌّ من أمير المؤمنين محلَّ والده الظاهر لإعزاز دين الله".

وبتولِّي بدر الجمالي وزارة التفويض وإمرة الجيوش بدأ عصر جديد في تاريخ الدولة الفاطمية في مصر، عصر تحكم فيه الوزراء أرباب السيوف وصار وزير السيف هو "سلطان مصر وصاحب الحل والعقد وإليه الحكم في الكافة من الأمراء والأجناد والقضاة والكتاب وسائر الرعية، وهو الذي يولي أرباب المناصب الديوانية والدينية"، وفقدت فيه "الدعوة" في الوقت نفسه الكثير من قوتها وأصبح هَمُّ الوزراء أصحاب السيوف هو الحفاظ على بقاء الدولة واستمرارها فيما اصطلح على تسميته بـ "عصر نفوذ الوزراء"، وطوال الخمسين عامًا التالية (٤٦٧- ٥١٥هـ/ ١٠٧٤-١١٢١م) كان بدر الجمالي وولده الأفضل هما اللذين يقودان مصير الدولة الفاطمية.

هكذا حَفِظَ نظام بدر الجمالي وخلفائه المباشرين - الأفضل والمأمون بن البطائح - الدولة الفاطمية من السقوط، وأطال بقاءها نحو قرن، بفضل إشرافهم التام على نظام الدولة الإداري والديني والعسكري، ومثلما أصبح الخلفاء العباسيون في بغداد لا حول لهم ولا قوة بيد قادتهم العسكريين المتسلطين، أصبح الفاطميون كذلك، منذ هذا التاريخ، رؤساء رمزيين لسلسلة متوالية من الطغاة العسكريين.

ولعل أهم إنجازات بدر الجمالي في فترة حكمه في مصر، بالإضافة إلى بنائه سور القاهرة وإعادة تحصينه، وكذلك بقية منشآته الدينية والمدنية سواء في القاهرة أو في الإسكندرية أو في الصعيد، هو الإصلاحات الإدارية العديدة التي أدخلها على نظام الحكم في مصر، فقد عين عواصم الولايات التي تتحكم في مصر العليا والسفلى لتأمين الطرق المؤدية إلى عاصمة البلاد، إلى جانب إنشاء العديد من التحصينات المتقدمة التي تصد ما يمكن أن تتعرض له البلاد من أخطار.

فتقسيم مصر إلى أربع ولايات رئيسية: قوص، والشرقية، والغربية، والإسكندرية بالإضافة إلى القاهرة، والفسطاط يرجع إلى إعادة تنظيم الدولة الذي بدأه بدر نحو عام٤٧٠هـ/١٠٧٨م، وقد حفظ هذا النظام الجديد لحكام هذه الولايات سلطة متزايدة، وكان والي قوص أقوى الولاة الأربعة ويحكم على جميع بلاد الصعيد، وتلي رتبته رتبة الوزير في الأهمية، ويفسر ذلك إلى أي مدى كان اهتمام الفاطميين بطرق التجارة الشرقية، ورغبتهم في نشر دعوتهم على طول الطرق التجارية المؤدية إلى اليمن، وعمان، والهند، وحرصهم على تأمين ميناء "عَيْذاب" القاعدة البحرية التي أخذت في النمو منذ أن اتبع الفاطميون استراتيجية شرقية تولى والي قوص أمر الإشراف على الأسطول المعد بها لحماية (مراكب الكرام) من غارات القراصنة.

عند وفاة بدر الجمالي في جمادى الأولى سنة٤٨٧هـ /١٠٩٤م أُكْرِهَ الخليفة المستنصر، تحت ضغط الجيش، على اتخاذ الأفضل وزيرًا له، وتَلَقَّبَ الأَفْضَلُ بنفس ألقاب أبيه فعرف بـ "السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين"، ولم يلبث الخليفة المستنصر أن توفي بعد ذلك بشهور في ١٨ذي الحجة سنة٤٨٧هـ /٢٩ ديسمبر سنة ١٠٩٤م عن عمر يناهز سبعة وستين عامًا وبعد حكم دام أكثر من ستين عامًا.

لم تمض عملية خلافة المستنصر في منصبه في هدوء، بل قادت إلى انشقاق الدَّعْوَة الفاطمية وانقسامها على نفسها، وكان لهذه الحادثة وما تبعها آثارٌ جسيمة على الدعوة سواء في مصر أو خارجها، فالعقيدة الإسماعيلية تعتمد انتقال الإمامة في الأعقاب من الأب إلى الابن الأكبر، وتبعًا لهذه القاعدة كان نِزَار، الابن الأكبر للمستنصر، هو صاحب الحق الشرعي في خلافة أبيه في منصب الإمامة، رغم أنه لم يُجْر أي احتفال لتنصيبه وليًّا للعهد، ومع ذلك لم يعر الأفضل هذا التقليد أي اعتبار وأبعد نزار الذي كان له من العمر آنذاك خمسون عامًا (ولد عام ٤٣٧ هـ)، عن العرش، وأجلس عليه أخاه الأصغر أبا القاسم أحمد (ولد عام ٤٦٧ هـ) وحكم باسم "المستعلي بالله"، وذلك؛ لأن المستعلي كان في نفس الوقت زوج أخت "ست الملك" ابنة بدر الجمالي، وتبعًا لما ذكره ابن ميسر فإن المستنصر نعت ابنه أبا القاسم أحمد، وقت عقد نكاحه على ابنة بدر الجمالي، بـ "ولي عهد المؤمنين".

وقاد الخلاف على صاحب الحق في خلافة المستنصر إلى نتائج بعيدة المدى في تاريخ الدعوة الإسماعيلية، وقد اعتبر برنارد لويس، وصمويل شتيرن إبعاد نزار وتولية المستعلي انقلابًا سياسيًّا واضح المعالم قام به الوزير الأفضل شاهنشاه محافظة على السلطان القوي الذي كان يتمتع به منفردًا منذ أواخر عهد المستنصر، خاصة وقد وقعت بين الأفضل ونزار خلافات في أيام المستنصر، خشي منها الأفضل إن تولى نزار أن يبعده عن الحكم، وبذلك ظل الأفضل طوال الخمسة والعشرين عامًا التالية هو المدبر الحقيقي لدولة الفاطميين.

الآمر بأحكام الله يَتَوَلَّى الخلافة

عندما توفي الخليفة المستعلي سنة٤٩٥هـ /١١٠١ه‍ـ. أقام الوزير الأفضل ابنه "أبا علي المنصور" موضعه في الخلافة ولقبه بـ "الآمر بأحكام الله" وهو لم يتجاوز الخمس سنوات، فحجر عليه واستقل بتدبير أمور الدولة، كما كان في خلافة المستعلي.

وقد أظهر ابن ميسر فهمًا دقيقًا لخلافة الآمر (٤٩٥ -٥٢٤هـ/١١٠١ – ١١٣٠م) عندما قسَّمها إلى فترات ثلاث: فترة حجر عليه فيها الوزير الأفضل (٤٩٥- ٥١٥هـ)، وفترة شاركه فيها الوزير المأمون بن البطائحي (٥١٥- ٥١٩هـ)، ثم الفترة التي استبد فيها الآمر بالأمر ولم يستوزر فيها أحدًا حتى وفاته في سنة ٥٢٤هـ/١١٣٠م.

ففي العشرين عامًا التي أعقبت وفاة المستعلي كانت السلطة الفعلية في مصر في يد الوزير القوي "الأفضل" بن بدر الجمالي، فهو الوزير وقائد الجيش والمشرف على شئون القضاء والدعوة، والخليفة طفل لا حول له ولا قوة معه.

وكثر في عهد الأفضل استخدام الموظفين النصارى، فعندما جَدَّد في عام  (٥٠١هـ/١١٠٨م) "ديوان التحقيق" استخدم فيه الشيخ أبا البركات يوحنا بن أبي الليث النصراني وبقي فيه حتى قتل سنة ٥٢٨هـ/١١٣٤م، كما كان الشيخ أبو الفضل المعروف بابن الأُسْقُف كاتب الأفضل والموقع عنه في الأموال والرجال ومتولي ديوان المجلس والنظر في جميع دواوين الاستيفاء على جميع أعمال المملكة.

كذلك فقد كان متولي الديوان بأسفل الأرض نصرانيًّا يعرف بأبي اليمن وزير بن عبد المسيح، وأحاط الأفضل نفسه كذلك بجنود من الأرمن، وشجع على هجرتهم، التي بدأت منذ مَقْدِم والده في أيام المستنصر، لذا الغرض.

كان قتل الوزير الأفضل مصدر ارتياح للخليفة الآمر، وكان من الطبيعي أن يخلف ابن فاتك الوزير الأفضل في منصبه، وقد امتنع ابن فاتك عن قبول هذه الرتبة في أول الأمر حيث عيَّنَ وَاسٍطَةً، ثم تولَّى الوزارة كاملة في ثاني ذي الحجة ٥١٥هـ /١٢ فبراير سنة ١١١٢ م.

وقد حفظ الخليفة الآمر للقائد أبي عبد الله محمد بن فاتك حرصه على استدعائه له في أعقاب مقتل الأفضل؛ لتسلم تركته الضخمة التي استمر نقلها من دور الأفضل إلى القصر نحو أربعين يومًا، وكان ذلك سبب تلقيب القائد أبي عبد الله بـ "المأمون"، فبعد أن شكره الآمر على صنيعه قال له: "والله إنك المأمون حقًا ما لك في هذا النعت شريك"، فلما قلده الوزارة نعته بـ "الأجلّ المأمون" فعرف به.

وفي سجل توليته الوزارة جاء نعته: "الأجلّ، المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين" ثم تجدد له بعد ذلك في النعوت "الأجل، المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدعاة"، ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل وهو "السيد، الأجل، المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادئ دعاة المؤمنين".

وتعد فترة خلافة الآمر ووزارة المأمون البطائح (٥١٥ - ٥١٩هـ/١١٢٢ - ١١٢٥ م) من أزهى فترات التاريخ الفاطمي في مصر ، فقد كان الآمر مفتونًا بعظمة الاحتفالات وفخامتها، ويرجع إليه الفضل - كما يقول المقريزي - في تجديد رسوم الدولة وإعادة بهجتها إليها؛ فقد أخذت رسوم الفاطميين شكلها النهائي على يد هذا الخليفة الذي أعاد وطور الكثير من الاحتفالات الفاطمية التي انقطعت بسبب ما تعرضت له البلاد في أعقاب الشدة، وفي أعقاب تسلط الوزير الأفضل على الدولة، والواقع فإن أكثر ما نعرفه عن رسوم الدولة الفاطمية في مصر وتفاصيل الاحتفالات الموكبين والأَسْمِطَة وأنواع الخِلَع والكُسْوَات التي كانت هذه الاحتفالات مناسبة لتفريقها على رجال الدولة، والذي أمدنا به مؤرخون من أمثال ابن المأمون وابن الطُّوَيْر، ندين به إلى هذه الفترة.

وأراد الخليفة الآمر أن يعيد إلى العاصمة سابق ازدهارها، فبعد الإصلاحات والتحصينات التي قام بها بدر الجمالي بين سنتي (٤٨٠هـ/ ١٠٨٧م و٤٨٥ هـ/١٠٩٢م)، أمر الآمر وزيره المأمون أن يدعو الناس إلى تعمير موضع الخراب الذي تخلَّف عن الشدة العظمى، والممتد جنوبًا بين باب زويلة والمشهد النفيسي، ليعيد إلى القاهرة سابق رونقها وتألقها، وأنشأ داخل القاهرة مقابل ركن القصر الشمالي، المعروف بالركن المخلق، "الجامع الأقمر" الذي افتتح للصلاة في سنة ٥١٩هـ/ ١١٢٥م، وهو أول جامع يبنى داخل القاهرة منذ بنى الخليفة الحاكم بأمر الله "الجامع الأنور"، قبل أكثر من مائة عام، في طرف المدينة الشمالي.

عندما استقل الآمر بالحكم، بعد عزل الوزير المأمون بن البطائحي، لم يتمكن من سياسة الدولة؛ لأنه ظل بعيدًا عن الحكم طوال الخمسة والعشرين عاما السابقة، فاضطر إلى اتخاذ صاحبي ديوان، لاستخراج ما يجب لله في أموال الناس من زكاة وما هو مرتب من مكوس، أحدهما مسلم هو "أبو الفضل جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط" والآخر سامري اسمه "أبو يعقوب إبراهيم الكاتب"، أقام معهما مستوف لهاتين المعاملتين وهو راهب يعرف بأبي نجاح بن قنا، كان قد اتصل بالأمر بعد قتل المأمون البطائحي، وبذل له في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار، ثم تزايد في أمر المصادرات حتى صادر رجالات مصر من المسلمين، وفيهم القضاة والكتاب والشهود، فزاد قربه من الآمر حتى لقبه بـ "الأب القديس الروحاني النفيس، أبي الآباء سيد الرؤساء، مقدم دين النصرانية وسيد البطريركية، ثالث عشر الحواريين"، الأمر الذي زاد في سطوته، فكثرت إساءته للمسلمين ومصادرته للناس.

هكذا حاول الخليفة الآمر أن يعيد شباب الدولة الفاطمية عن طريق إحياء رسومها واحتفالاتها، ولكنه أراد بذلك أيضًا أن يتقرب إلى جموع الشعب المصري بمتابعة هذه الاحتفالات والمشاركة فيها، فقد كان الانفصال كبيرًا بين النظام الحاكم وبقية أفراد الشعب، ولم يكن القصد من هذا الإحياء تعبئة المشاعر في سبيل تحقيق هدف الدولة الفاطمية في السيطرة على العالم الإسلامي، فالواقع أن هذا الهدف قد نُسى تمامًا منذ أن تحكم الوزراء أرباب السيوف في الدولة.

بداية عصر السقوط

كانت السنوات التي أعقبت وفاة الخليفة الآمر وما صاحبها من أحداث تجاهلت أسس العقيدة الفاطمية، هي مؤشر التعجيل بسقوط الدولة الفاطمية في مصر الذي تأجل نحو القرن بفضل الإصلاحات الإدارية والتنظيمية والدفاعية التي أدخلها نظام بدر الجمالي وخلفائه الأفضل والمأمون بن البطائحي.

وفور وفاة الخليفة الآمر مقتولًا في ثاني ذي القعدة سنة ٥٢٤هـ / ٧ أكتوبر سنة ١١٣٠م، نشأت لأول مرة في تاريخ الدولة الفاطمية مشكلة البحث عن وريث للإمامة، فقد مات الخليفة دون وريث، ولكنه أشار وقت وفاته - تبعًا لبعض المصادر - إلى أنه ترك إحدى جهاته حاملًا وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدًا ذكرًا هو الخليفة من بعده، وكان يجب الانتظار لمعرفة نتيجة هذا الحمل، وقد اختلفت المصادر في تحديد نوع المولود، فالنُّويَرِي وأبو المحاسن ذكرا أن الحَامِلَ وضعت أنثى، بينما يقرر ابن خلِّكان أنه لم يعرف نوع المولود.

وانتظارًا لهذا المولود تولى منصب الإمامة لأول مرة في تاريخ الدولة الفاطمية "إمام مستودع" وفقًا للمصطلح الإسماعيلي، فقد أحضر هزَّار الملوك جَوَامَرْد والعادل بَرْغَش - كبار غلمان الآمر- ابن عمه الأمير أبا الميمون عبد المجيد، أكبر الأقارب سنًا، وبايعوه بولاية العهد وتدبير المملكة (كفيلًا لحَمْل منتظر في بطن أمه)، فجعل عبد المجيد هزَّار الملوك جَوَامَرْد وزيرًا له، فلم ترض به طوائف الجند وثاروا عليه في نفس يوم توليته فكانت وزارته نصف يوم بدون تصرف، وأخرجوا أبا علي أحمد بن الأفضل شاهنشاه الملقب بكُتَيْفَات وفرضوه وزيرًا على الأمير عبد المجيد في ١٦ذي القعدة سنة ٥٢٤هـ/ ٢١ أكتوبر سنة ١١٣٠م وقالوا له: "هو الوزير ابن الوزير ابن الوزير".

وشهدت الدولة الفاطمية في الفترة التي تولى فيها أبو علي الأفضل الوزارة، فيما بين (ذي القعدة سنة ٥٢٤ه‍ـ والمحرم سنة ٥٢٦ه‍ـ)، وضعًا فريدًا لم يسبق له مثيل في تاريخها، وإن دلَّ على شيء فإنِّما يدل على ضعف الخلافة وفقدان الحماسة لدعوتها؛ ففي البداية شارك ولي العهد أبا علي الأفضل في الحكم فترة قصيرة لم تتعد - تبعًا لابن ميسر- يومًا واحدًا، وحفظت لنا مجموعة وثائق دير سانت كاترين سجلا بالغ الأهمية من حيث تاريخ صدوره والأشخاص المذكورون فيه؛ فهو صادر في (ذي القعدة سنة ٥٢٤/ أكتوبر ١١٣٠) عن "ولي عهد المسلمين ٠٠٠ وكافل قضاة المسلمين وهادئ دعاة المؤمنين أبي علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش"، وقد ضاع اسم ولي العهد مع فاتحة السجل وهو دون شك الأمير أبو الميمون عبد المجيد، ويكون التاريخ المحدد لصدور هذا السجل هو اليوم الذي اشترك فيه عبد المجيد وأبو علي في إدارة الدولة.

هذه هي الإشارة الوحيدة التي تدل على اشتراك ولي العهد والوزير في تدبير أمور الدولة، فسرعان ما قبض الوزير أبو علي على الأمير عبد المجيد واستأثر تمامًا بالسلطة وأقام الدعوة للإثنى عشرية، وضرب دراهم باسم الإمام المنتظر نقش عليها "الله الصمد - الإمام محمد".

وفي يوم الثلاثاء ١٦ محرم سنة ٥٢٦ ه‍ـ/ ٩ديسمبر سنة ١١٣١ م انتهى هذا الوضع الشاذ، عندما ثار غلمان الآمر، وعلى رأسهم ناصر الجيوش يانِس، وتمكنوا من قتل أبي علي الأفضل وهو يلعب الكرة في الميدان الكبير خارج باب الفتوح، ثم أخرجوا الأمير عبد المجيد من الموضع المعتقل فيه بالقصر، وبايعوه على أنه "ولي عهد كفيل لمن يذكر اسمه"، فاتخذ عبد المجيد هذا اليوم عيدًا سمَّاه "عيد النصر" ظل يحتفل به حتى نهاية الدولة، ووصل إلينا دينار فريد ضرب في الإسكندرية سنة ٥٢٦ ه‍ـ، لا شك في الفترة بين خروج عبد المجيد من الاعتقال (١٦ محرم) ومبايعته بالإمامة (٣ ربيع الآخر) باسم: "أبو الميمون عبد المجيد ولي عهد المسلمين".

فقد قرئ سجل في القاهرة في ٣ ربيع الآخر سنة ٥٢٦ هـ/٢٣ فبراير سنة ١١٣٢م بمبايعة الأمير عبد المجيد إمامًا وتلقيبه بـ "الحافظ لدين الله".

والواقع أن الاعتراف بإمامة الحافظ يعد خروجًا على أسس نظام الإمامة عند الإسماعيلية، الذي يشترط أن تكون الإمامة دائمًا في الأعقاب، ففي المرات القليلة التي خرج فيها عن هذه القاعدة كانت الإمامة تنتقل فقط من الابن الأكبر إلى أخيه الأصغر"عبد الله والعزيز نزار والمستعلي بالله"، ولكنها لم تخرج أبدًا من الأعقاب، لذلك فقد عمد بعض الدعاة إلى تبرير صحة إمامة الحافظ في أكثر من مناسبة، فينقل المقريزي على لسان داعى الدعاة إسماعيل بن سلامة الأنصاري قوله: "لولا أن مولانا الآمر نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس!".

وبذلك انقسمت الدعوة الإسماعيلية في مصر على نفسها مرة ثانية في أقل من خمسين عامًا إلى: "طيِّبِيِّه" نسبة إلى الإمام الطيب بن الآمر الذي اعترف بإمامته كل الطائفة الإسماعيلية في اليمن والهند استمرارًا للدعوة المستعلية، و "حافظيه" أو "مجيديه" نسبة إلى الحافظ عبد المجيد، وقد تمتعت بتأييد مؤسسة الدعوة في مصر وقبلها أغلب الإسماعيلية المستعلية في مصر والشام، وبقيت مع ذلك بعض جماعات من مستعلية مصر والشام تبنت حقوق الإمام الطيب وعُرِفُوا "بالمرية".

وشهدت السنوات الأربعون الأخيرة في عمر الدولة الفاطمية في مصر تطورات خطيرة متتالية قادت إلى تدهورها وعجلت بسقوطها، فقد انحصر نفوذ الخلافة نهائيًا داخل حدود مصر وانفصل عنها بقية أتباعها الذين لم يعترفوا بأحقية الحافظ وخلفائه في الإمامة، وبذلك حكم الخلفاء الأربعة الأواخر في القاهرة كأسرة حاكمة مصرية محلية بلا سلطة أو نفوذ أو أمل، ولم تجر أية محاولة لمد نفوذ الفاطميين خارج الحدود المصرية، إذا استثنينا محاولة الخليفة الحافظ نشر دعوته لدى الزُّرَيْعين - حُكَّام عَدَن - الذين أجابوه إليها، وكان هدفُه من وراء ذلك ضمان السيطرة على طرق التجارة المؤدية إلى الهند.

كانت تولية بهرام الأرمني الوزارة يوم الجمعة ١٦ جمادى الآخرة سنة ٥٢٩هـ/ مارس سنة ١١٣٥م ونعته بـ "السيد الأجل، أمير الجيوش سيف الإسلام، تاج الخلافة (الدولة)، ناصر الإمام، غياث الأنام، أبي المظفر بهرام الحافظي" وهو باق على دين النصرانية، تطورًا مهمًا في تاريخ الدولة فأصبح بذلك أول نصراني يتولى وزارة تفويض للفاطميين، وقد أشار كبراء رجال دولة الحافظ عليه بألا يوليه الوزارة لأنه نصراني، وأن من شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر في الأعياد، كما أن القضاة هم نواب الوزراء من زمن أمير الجيوش، فلم يأخذ بنصيحتهم وجعل القاضي ينوب عنه في صعود المنبر، ولم يرد إليه شيئًا من الأمور الشرعية، فكان يقعد في يوم الجمعة عن الصلاة ويعدل إلى مكان بمفرده إلى أن تنقضي الصلاة.

وبعد أن استقر بهرام في السلطة لم يتردد في تبني سياسة شخصية أرمنية مسيحية أدت إلى سقوطه في نهاية الأمر، فقد سأل الخليفة الحافظ في السماح له بإحضار إخوته وأهله من تل باشر - مسقط رأسه - وبلاد الأرمن، فأذن له في ذلك، حتى صار منهم بالديار المصرية نحو ثلاثين ألف إنسان استطالوا على المسلمين وأصابهم منهم جور عظيم، كذلك بنى في أيامه العديد من الكنائس والأديرة حتى صار كل رئيس من الأرمن يبني له كنيسة، وخاف أهل مصر منهم أن يُغيِّروا مِلَّة الإسلام.

وفي إطار هذه السياسة أصبح أغلب ولاة الدواوين من النصارى، كذلك ولَّى بهرام أخاه المعروف بالباساك ولاية قوص، وهي يومئذٍ أعظم ولايات مصر، فاستقوى بأخيه وتمادى في ظلم المسلمين ومصادرة أموالهم.

لم يرض أهل مصر وأمراؤها بهذا الوضع الشاذ فكتبوا إلى "رضوان بن ولخشي"، والي الغربية، يستنهضونه للقدوم عليهم وإنقاذهم من سيطرة النصارى، وفور أن وصلت إليه كتب الأمراء صعد المنبر وخطب في الناس خطبة بليغة حثهم فيها على "الجهاد"، وأخذ في حشد العربان حتى اجتمع له نحو ثلاثين ألف فارس سار بهم تجاه القاهرة، وعندما خرج بهرام لملاقاته رفع جنود رضوان المصاحف على أسنة الرماح فما هي إلا برهة حتى ترك المسلمون جيش بهرام والتجأوا بأجمعهم إلى جيش رضوان، بناء على اتفاق بين الأمراء ورضوان، وعندما رأى بهرام ذلك بعث إلى الخليفة يعرِّفه بما جرى، فخاف من عاقبة هذه المواجهة وأشار عليه بالتوجه إلى قُوص والاحتماء بأخيه الباساك هناك.

وبوفاة بهرام انتهت مرحلة مهمة في تاريخ الدولة الفاطمية؛ مرحلة سيطر فيها العنصر الأرمني على مقاليد الأمور في مصر، وهي المرحلة التي بدأت مع أمير الجيوش بدر الجمالي واستمرت مع خلفائه الأفضل شاهنشاه، وأبي علي الأفضل كتيفات، وأبي الفتح يانس، وانتهت بوفاة بهرام، وهي ليست حدثًا عابرًا في التاريخ فحسب، بل بالأحرى الطَّور الأخير في الحلف المستمر بين طوائف الأرمن والمسلمين.

وقد لعب الأرمن دورًا سياسيًا وعسكريًا وحضاريًا كبيرًا في مصر، فهم الذين حافظوا على استمرار الدولة، وتُمَثِّلُ عمارة أبواب القاهرة وأسوارها التي أنجزت في عصر بدر الجمَّالي تأثير العمارة الأرمنية على هذه المنشآت الدفاعية بوضوح.

ونستطيع أن نميز بين نوعين من الأرمن الذين تولوا السلطة: الأرمن الذين اعتنقوا الإسلام وتمثلهم الأسرة الجمَّالية "بدر الجمالي والأفضل شاهنشاه وأبوعلي كتيفات" وطلائع ابن رزيك وولده رزيك؛ والأرمن الذين استمروا على نصرانيتهم ويمثلهم بهرام الأرمني وأخوه الباساك.

وجاءت تولية رضوان بن ولخشي بداية التمهيد للتحول السني في مصر، وجاء في سجل تقليده الوزارة - الذي أنشأه ابن الصيرفي –: "لأنك أذهبت عن الدولة عارها، وأمطت من طرق الهداية أوعارها، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنَّسها من استعارها"، وبدأ رضوان إصلاحاته باستخدام المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى وأمر بعدم استخدام النصارى في الدواوين الكبار ولا نظارًا ولا مشارفين، وعمل على تقدُّم أرباب المعارف سيفًا وقلمًا، فأحسن إليهم وزاد في أرزاقهم وشدد على النصارى أصحاب بهرام وصادرهم وقتلهم بالسيف وأباد أكثرهم وأبعد صنيعة الخلافة أبا الكرم الأخرم النصراني عن ديوان النظر، وهو النصراني الوحيد الذي تولى هذا الديوان وتوصل إليه بالضمان، واستخدم عوضًا عنه كاتبًا مسلمًا بلا ضمان هو القاضي المرتضى بن المُحَنَّك.

كان وصول رضوان إلى منصب الوزارة - كأول وزير سني للفاطميين - بداية تحول سني بطيء قاد إلى انتصار السنة النهائي في مصر بعد ذلك بنحو ثلاثين عامًا. ولمَّا كانت الإسكندرية من أهم مراكز المقاومة السنية في مصر وملجأ كل الخارجين على الدولة الفاطمية، فقد بنى بها الوزير ابن وَلَخْشِي أول مدرسة في مصر لتدريس المذهب المالكي في سنة ٥٣٢ هـ / ١١٣٨م، فقد كان المذهب الشائع بين أهل الإسكندرية هو المذهب المالكي بسبب علاقتها الواسعة مع شمال إفريقيا والأندلس، وكان الفقيه المالكي أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشة، الذي استقرَّ في الإسكندرية سنة ٤٩٠هـ / ١٠٩٧م، قد قام، كما تذكر المصادر، بتدريس المذهب المالكي في مدرسة أنشأها في بيته، لذلك كان من الطبيعي أن يبني ابن وَلَخْشِي مدرسته في الإسكندرية؛ لأن القاهرة كانت في هذا الوقت عاصمة الفاطميين ومركز النشاط الشيعي في العالم الإسلامي، والمدرسة ابتكار سني وظاهرة جديدة في مصر، ولا شك أن إقامة مؤسسة سنية هامة كالمدرسة في العاصمة الشِّيعية كان من شأنه قلب التوازن بين الخليفة ووزيره، وبما أن الإسكندرية مدينة كل سكانها من أهل السنة، كان طبيعيًا أن يبنى رضوان مدرسته بها ليقاوم بها مذهب الدولة وليعليَ كلمة الإسلام السني في مواجهة اتساع نفوذ أهل الذمة الذي تزايد في العقود الأولى للقرن السادس.

وعندما تولى رضوان الوزارة للحافظ سنة ٥٣١هـ/١١٣٧م استجد "ديوان الجهاد" واهتم بتقوية الثغور واستعد لتعمير عسقلان بالعدد والآلات، وهيأ الناس للخروج إلى الشام وغزو الفرنج، ولكن الخليفة الحافظ منعه من ذلك إذ أرسل يستدعى بهرام - الوزير الذي حل محله رضوان - وأسكنه معه في القصر يستشيره في أموره، كما حث الجند على التحرش برضوان حتى ثاروا عليه وضعفت قدرته على مواجهتهم واضطر إلى الفرار من مصر في ١٥ شوال سنة ٥٣٣هـ/ ٥ يونيه ١١٣٩م، وقصد الاحتماء بأمين الدولة "كمشتكين الأتابكي" صاحب صرخد الذي أحسن استقباله وأكرم ضيافته، كما يذكر أسامة بن منقذ وابن القلانسي.

وبنهاية عهد الخليفة الحافظ لم يبق للخلفاء أي سلطان على الدولة، ودارت الصراعات مرة أخرى بين طوائف الجند وخاصة الطائفتين الرِّيْحَانية والجُيُوشية وإن لم يؤد ذلك إلى نشوب حرب أهلية جديدة، وتَطَلَّعَ ولاةُ الأقاليم إلى منصب الوزارة وتنافسوا عليه، يقول ابن الأثير: "إن الوزارة في مصر كانت لمن غلب ... والوزراء كالمتملِّكين، وقَلَّ أن وَلِيَهَا أحدٌ بعد الأفضل بن بدر الجمالي إلا بحرب وقَتْلٍ وما شاكل ذلك".

لقد أدى التنافس على الوزارة إلى إشاعة الفوضى في البلاد، كما أن الفساد بلغ القصر الفاطمي نفسه الذي حيكت فيه المؤامرات وكثرت المفاسد الأخلاقية بين سكانه، وتبعًا لابن ظافر وابن الأثير فقد لعب أمير شيزر أسامة بن مُنْقِذ، الذي قدم إلى مصر في جمادى الآخرة سنة ٥٣٩ هـ /١١٤٤ م، دورًا كبيرًا في حَبْك هذه المؤامرات وإذكاء هذه الفتن، فقد اتصل أسامة بالوزير ابن السَّلَّار الذي أكرم مقدمه، واختص بصحبة ابن زوجته الأمير عباس الصِّنهاجي.

وقد تأكد لابن السَّلَّار أن الفِرِنْج في طريقهم إلى الاستيلاء على عَسْقَلان في أعقاب محاولته مهاجمة مدن الشام الساحلية في عام ٥٤٦ هـ / ١١٥١ م، وكانت العادة جارية كل ستة أشهر بتجريد عسكر من مصر لحفظ عسقلان، وجاء الدور في هذه النوبة على عباس الصِّنهاجي، فخرج ومعه نفر من الأمراء فيهم مُلْهِم وضِرْغَام وأسامة بن منقذ، نزل عباس ومن معه في "بِلْبَيْس" في انتظار قدوم العساكر، فما كان من أسامة إلا أن حرض عباسًا على العادل بن السَّلَّار بعد أن شكا له اختياره لهذه المهمة وإبعاده عن مصر - بطيبها وحسنها ولَذَّة المقام بها -،  وقال له: إنه لو أراد لكان سلطان مصر، وطلب إليه أن يستغل المودة القائمة بين ولده نصر والخليفة الظافر، وينقل إليه رغبته في أن يحل محل ابن السَّلَّار، وأن الظافر سيجيبه إلى طلبه لكرهه لابن السَّلَّار، ومتى أجابه إلى ذلك قتل عمه، وقد نجح نصر في إتمام هذه المهمة بنجاح، وقُتل الوزير ابن السَّلَّار في ٦ محرم سنة ٥٤٨هـ/ ٣ إبريل سنة ١١٥٣م.

كان من الطبيعي أن يُقَلِّد الظافر الوزارة لـ "عباس الصنهاجي" ولقَّبه بـ "السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش.. أبو الفضل العباس الظافري"، وقد ازداد عباس في تقريب أسامة بن منقذ وإكرامه اعترافًا منه بفضله عليه، كذلك عمل على التقرب إلى الأمراء وإكرامهم، وأحسن إلى الجنود لينسيهم العادل بن السَّلَّار.

أما ولده نصر فقد استمر على مخالطة الخليفة الظَّافر، وكان الخليفة يخرج من قصره لزيارة نصر بداره التي بالسيوفيين قريبًا من القصر بحيث لا يعلم عباس بأخبار هذه اللقاءات.

وقد استوحش الأمراء من أسامة بن منقذ والدور الذي قام به في قتل ابن السَّلَّار وهموا بقتله، فلما بلغه ذلك أخذ في إثارة عباس على ولده نصر متهمًا له بأن الخليفة يفعل به ما يفعل مع النساء، ففاتح عباس ابنه في ذلك وانزعاجه مما يتناقله الناس، فما كان من نصر إلا أن قتل الخليفة في أحد زياراته له بتحريض من والده ومن أسامة بن منقذ، فقتله في داره بالسيوفيين في آخر المحرم سنة ٥٤٩هـ/١٦ إبريل ١١٥٤ م.

ولم تسر الأمور على الوجه الذي أراده لا الوزير عباس، فبعد أن أوهم أهل القصر في مشهد درامي أن إخوة الخليفة هم الذين قتلوه وأنه قتلهم به، أحضر طفلًا صغيرًا للظافر يدعى عيسى وأقامه في منصب الخلافة ولقبه بـ "الفائز بنصر الله" وهو لم يبلغ الخمس سنوات، فكاد الطفل يموت رَوْعًا من هَوْل ما شاهده من منظر الدماء والقتلى في القصر، وظل طول خلافته القصيرة مصابًا بالصَّرَع.

أدت هذه الأحداث إلى قلق واضطراب القصر وجماهير الشعب على السواء، فسارع نساء القصر وخاصة أخت الظافر "ست القصور"، بالكتابة إلى والي الأشمونين والبهنسا "طلائع بن رُزِّيك"، وأرسلن إليه شعورهن في طي الكتب - وهو أقصى ما يمكن في التوسل عند المرأة المسلمة - يستنجدن به لإنقاذ الخلافة، وليقوم بدور المنقذ الذي لا غنى عنه.

وفور انتهاء طلائع من السيطرة على الأمور، خلع عليه الخليفة الفائز خلع الوزارة وأمر بإنشاء سجل نعت فيه بـ "السيد الأجل الملك الصالح ناصر الأئمة كاشف الغمة، أمير الجيوش، سيف الإسلام غياث الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين أبي الغارات طلائع الفائزي"، ليصبح بذلك أول من تلقب بـ "الملك" من وزراء الفاطميين، وذلك يوم الخميس ٤ ربيع الآخر سنة ٥٤٩ هـ / ٩ يونية ١١٥٥ م، وهذا السجل من إنشاء الموفق ابن الخلال.

يعد الصالح "طلائع بن رُزِّيك" خاتمة الوزراء الفاطميين الأقوياء، وآخر دعامة في الدولة المتداعية، إلا أنه كان إمامي المذهب شديد التعصب له مبغضًا للنصارى، واعتبر عمارة اليمني أن زوال دولة الفاطميين من مصر قد تم مع نهاية حكم طلائع بن رزيك وولده.

ولا شك أن الصَّالِح طلائع كان آخر وزراء الفاطميين الذين حاولوا التصدي للفرنج في الشام، فابتداء من عام ٥٥٠ هـ/ ١١٥٥م أخذ في إرسال الأسطول والجيش لمحاربة الفرنج في صور، وتمكن من إحراقها وأسَر حجاجًا من النصارى، وظفر كذلك بغنائم كثيرة.

ويرجع إلى الصَّالِح طلائع فضل بناء آخر المعالم العمرانية للفاطميين في القاهرة، وهو الجامع الذي مازال قائمًا إلى الآن خارج باب زويلة والذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة ٥٥٥هـ/ ١١٦٠ م.

كان الملك الصَّالِح يطمع في أن يجعل أمر الخلافة الفاطمية في عقبه، فعندما توفي الخليفة الفائز في ١٧ رجب سنة ٥٥٥ هـ/٢٣ يولية سنة ١١٦٠ م دون وريث، أقام مكانه في الخلافة الأمير عبد الله حفيد الحافظ، وهو أصغر الأقارب، ونعته بـ "العاضد لدين الله" وزوجه من ابنته عسى أن ترزق منه ولدًا فيجتمع لبني رزيك الخلافة مع الملك".

وقد استبد الصَّالِح بجميع أمور الدولة ولم يكن للعاضد معه أمر ولا نهي، حتى إنه نقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة، ضاق الخليفة العاضد بتسلط طلائع عليه، كما أن نساء القصر لم يقبلن بسهولة زواج ابنته من الخليفة؛ فدبرت السيدة العمة "ست القصور" - أخت الظافر الصغرى - لقتله حيث تربص له بعض الخدام في دهليز القصر وأردوه قتيلا في ١٩ رمضان سنة ٥٥٦ هـ / ١١ سبتمبر سنة ١١٦١.

السنوات الأخيرة في عمر الدولة الفاطمية

وكانت السنوات الأخيرة في عمر الدولة الفاطمية سلسلة من الصراعات والحروب بين ولاة الأقاليم المتنافسين على منصب الوزارة والقوى الخارجية التي استعانوا بها لتثبيت مكانتهم.

ففي سنة ٥٥٨هـ /١١٦٣م تغلب شاور بن مجير السعدى، والي قوص، على الملك العادل رزيك بن الصالح طلائع واعتقله، ثم قتله طيُّ بن شاور في ٢١ رمضان سنة ٥٥٨هـ /٢٣ أغسطس سنة ١١٦٣م. وعلق عمارة اليمني على هذه الأحداث قائلًا: "إنما زالت دولة مصر بزوالهم".

كان شاور قد تولى الوزارة في ٢٢ محرم سنة ٥٥٨هـ /يناير سنة ١١٦٣م، ولم تكد تمضي على توليه الوزارة تسعة أشهر حتى نافسه عليها "أبو الأشبال" ضِرْغَام بن عامر بن سوار المنذري، مقدم الأمراء البَرِقِيَّة وصاحب الباب - وهي رتبة تلي الوزارة مباشرة -، الذي تمكن من الظهور عليه بعد قتال انتهى بمقتل الأمير طي بن شاور يوم الجمعة ٢٨ رمضان سنة ٥٥٨هـ/ ٢ سبتمبر سنة ١١٦٣م، فَخَلَعَ عليه العاضد خِلَعَ الوزارة ولقبه بـ "الملك المنصور".

اضطر شاور إلى الفرار من مصر قاصدًا الشام في آخر رمضان سنة ٥٥٨هـ/ سبتمبر سنة ١١٦٣م مستنجدًا بالسلطان العادل "نور الدين محمود"، صاحب دمشق، فوصل إليها في ٦ ربيع الأول سنة ٥٥٩هـ / ٥ فبراير سنة ١١٦٤ م وتعهد له إن هو ساعده في إعادته إلى منصبه والقضاء على منافسه "ضرغام" أن يدفع له تلث خراج مصر بعد إقطاعات العساكر، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه في مصر، وأن يتصرف هو بأوامر نور الدين واختياره.

كانت محاولة شاور الاستعانة بأمراء الدول المجاورة هي مؤشر نهاية الدولة الفاطمية، فقد دلت أمراء الشام ثم ملوك الفرنج بعد ذلك على مواطن ضعف الدولة وأغرتهم بالطمع فيها والاستيلاء عليها.

أجاب نور الدين شاور إلى مطلبه بعد تردد خوفًا منه من الفرنج، فأرسل معه في جمادى الأولى سنة ٥٥٩ هـ /إبريل سنة ١١٦٤م جيشًا على رأسه "أسد الدين شيركوه"، الذي كان له دور أساسي في اتخاذ نور الدين لقراره، ليعيد شاور إلى منصبه.

وقد انتهى تدخل الجيوش الشامية بقتل ضرغام في رجب سنة ٥٥٩هـ/ يونية ١١٦٤م، عند المشهد النفيسي جنوب القاهرة، بعد أن تفرق عنه أنصاره وتخلى عنه الخليفة العاضد.

وفور القضاء على ضرغام أصدر الخليفة العاضد سجلًا بتولية شاور الوزارة للمرة الثانية في الرابع من رجب سنة ٥٥٩هـ/ ٦ ٢يونية سنة ١١٦٤ م، يقول أبو شامة: "ولم يغلب وزير لهم وعاد سوى شاور"، وبالطبع لم يَفِ شاور بتعهداته التي قطعها لنور الدين، بل طلب إلى "شيركوه" أن يغادر مصر ويعود على الفور مع قواته إلى الشام، ولكن شيركوه سارع بإرسال قواته فاستولت على بلبيس وحكم على البلاد الشرقية، فلم يجد شاور أمامه هذه المرة سوى اللجوء إلى الفرنج يطلب نجدتهم ومساعدتهم على إخراج جيوش نور الدين ويخوفهم منه إن هو ملك مصر.

وإذا كان لجوء شاور لطلب نجدة نور الدين يعد خيانة لأنه قصد أميرًا سنيًا مواليًا لبغداد ومخالفًا لعقيدة الدولة التي يمثلها، فإن لجوءه في هذه المرة إلى "عموري الأول" ملك مملكة بيت المقدس، يعد خيانة كاملة الأركان؛ إذ إنه لم يطلب في هذه المرة مساعدة حاكم مسلم بل لجأ إلى أعداء المسلمين يطلعهم على نقاط ضعف بلاده ويُطْمعهم فيها.

وقد رحَّب الفرنج - الذين وعدهم شاور بدفع ألف دينار يوميا - بهذا العرض على أمل أن يتمكنوا من الاستيلاء على مصر لحسابهم، وبعد أن حاصروا قوات شيركوه في بلبيس لمدة ثلاثة أشهر، قبل شيركوه عرضًا بالعودة إلى الشام بعد أن اضطر الفرنج إلى فض حصارهم ومغادرة مصر بعد أن علموا بهزيمة قواتهم في حارم، وبتقدم جيوش نور الدين صوب بانياس.

كان قتل شاور خطوة مهمة في سبيل تقوية وضع شيركوه في مصر؛ فقد كان هو الشخص الوحيد الذي يستطيع منافسته، ففور التخلص منه خَلَعَ الخليفة العاضد على شيركوه تبعًا للتقاليد المصرية خِلَعَ الوزارة وفوض إليه الحكم والتقدمة على الجيوش، ولقبه بـ "الملك المنصور سلطان أمير الجيوش"، فنزل في دار الوزارة واستقرت له الأمور دون منازع، وأمر الخليفة بكتابة سجل بذلك من إنشاء القاضي الفاضل وقع العاضد على طرته بخطه: "هذا عهد لا عهد لوزير بمثله وتقليد أمانة رآك الله تعالى وأمير المؤمنين أهلًا لحمله...".

وفور أن استقرت الأمور لشيركوه أقطع البلاد للعساكر التي قدمت معه وأبقى للمصريين ما بأيديهم ولم يغير على أحد شيئًا، وأجرى أصحاب مصر على قواعدهم وأمورهم، غير أن شيركوه لم يلبث أن توفي فجأة بعد عدة أسابيع يوم السبت ٢٢ جمادى الآخرة سنة ٥٦٤ هـ /مارس سنة ١١٦٩م.

أيقظت خلافة شيركوه في منصبه الكثير من الطموحات، فقد طمع الكثيرون من القادة الذين كانوا على رأس جيش نور الدين في منصب الوزارة، ولكن شهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين وأحد هؤلاء القادة، قام بدور هام في تولية صلاح الدين الوزارة، فهو الذي أشار على العاضد أن يوليها له، ووافق العاضد على ذلك ظنًا منه أنه قادر على السيطرة عليه وأنه لن يستطيع مخالفته؛ لأنه لم يكن له عسكر ولا رجال، وستثبت الأحداث قصر نظر العاضد وأنه لم يقدر صلاح الدين حق قدره.

خَلَعَ العاضد على صلاح الدين خِلَعَ الوزارة وأمر القاضي الفاضل بإنشاء سجل بتوليته الوزارة ولقبه بـ "الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين جامع كلمة الإيمان قامع عبدة الصلبان محيي دولة أمير المؤمنين" في يوم الإثنين ٢٥ جمادى الآخرة سنة ٥٦٤هـ / ٢٦ مارس سنة ١١٦٩م، وكتب على طرته بخطه: "هذا عهد أمير المؤمنين إليك وحجته عند الله تعالى عليك، فأوف بعهدك ويمينك...".

وبتولي صلاح الدين منصب الوزارة، كآخر وزير في الدولة الفاطمية، وصل المد السني الذي بدأه السلاجقة قبل نحو مائة عام وأكمله ورثتهم -الزنكيون والنوريون- إلى مصر.

وفي أواخر عام ٥٦٥هـ/ ١١٧٠م بدأ صلاح الدين في اتخاذ خطوات حاسمة ضد المؤسسة الفاطمية؛ لإضعاف المذهب الإسماعيلي وتقوية المذهب السني في مصر؛ ففي العاشر من ذي الحجة سنة ٥٦٥هـ /٢٥ أغسطس سنة ١١٧٠م أبطل من الأذان "حي على خير العمل"، وأمر أن يذكر في خطبة الجمعة الخلفاء الراشدون، ونزع المناطق الفضة التي كانت بمحاريب جوامع القاهرة، والتي كانت تحمل أسماء الخلفاء الفاطميين.

وفي الأيام الأولى من شهر المحرم سنة ٥٦٦ هـ/ سبتمبر سنة ١١٧٠م أمر صلاح الدين بهدم "دار المعونة" المجاورة للجامع العتيق بمصر وبنائها مدرسة للشافعية، وفي منتصف هذا الشهر عمَّرَ دار الغزل المجاورة لباب الجامع العتيق مدرسة للمالكية عرفت بالمدرسة القَمْحِيَّة، وفي منتصف شعبان من هذه السنة اشترى تقي الدين عمر بن شاهنشاه - ابن أخي صلاح الدين - منازل العِز بالفسطاط وجعلها مدرسة للشافعية عرفت بالمدرسة التقوية، كما حوَّل صلاح الدين "دار سعيد السعداء" الواقعة شمال القصر الفاطمي الشرقي خانقاه للصوفية، وهي بذلك تعد أول خانقاه للصوفية تنشأ بمصر، وفي العام نفسه أبطل صلاح الدين "مجالس الدعوة" من القصر والجامع الأزهر، وعزل جميع القضاة الإسماعيليين وفوَّض قضاء مصر في ٢٢ جمادى الآخرة ٥٦٦هـ/٢ مارس سنة ١١٧١م إلى القاضي صدر الدين أبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني الشافعي، حيث اشتهر من حينئذ المذهب الشافعي في مصر، كذلك جعل صلاح الدين القاضي الفاضل رئيسًا لديوان الإنشاء، فضمن بذلك سيطرته على النواحي الدينية ومراسلات الدولة.

وكان من أهم مظاهر تحول مصر إلى المذهب السني نشر المذهب "الأشعري"، فقد كان صلاح الدين وجميع ورثة السَّلاجقة يتعصبون لمذهب الأشعري في الأصول، وهو المذهب الذي توَّلاه السلاجقة من قبل في مواجهة مذهب المعتزلة العقلي وأنشأوا له المدارس، ليحاربوا من خلاله مذاهب الفاطميين، وفي الوقت نفسه وَقَّع صلاح الدين توقيعًا وجهه إلى القاضي الفاضل بعدم استخدام النصارى نُظَّارًا على أموال الدولة ولا مشارفين.

ومع نهاية عام ٥٦٦هـ/ ١١٧١م أتم صلاح الدين عددًا من الإجراءات الضرورية في مواجهة المؤسسة الفاطمية عَجَّلت بالخطوة الحاسمة، وهي القضاء على الخلافة الفاطمية وإقامة الخطبة للعباسيين من على منابر مصر.

في بداية سنة ٥٦٧هـ /١١٧١م جاءت الخطوة الحاسمة في القضاء على الخلافة الفاطمية في مصر، عندما أسقط صلاح الدين خطبة الفاطميين وأمر الخطباء بالدعوة للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله وذلك في السابع من المحرم / العاشر من سبتمبر وأعاد السواد شعار العباسيين، وأصبح يخطب باسم صلاح الدين على منابر مصر بعد الخليفة العباسي والملك العادل نور الدين، وقد تم هذا التحول الخطير في هدوء تام (فلم ينتطح فيه عنزان)، كما ذكر المؤرخون ذلك الهدوء الذي أعلن به من قبل القائد جوهر قيام الخلافة الفاطمية في مصر قبل قرنين، واستقبل المصريون هذا التحول بنفس السلبية واللامبالاة التي استقبلوا بها المذهب الإسماعيلي من قبل.

وفي الحقيقة فإن غالبية الشعب المصري لم تعتنق إطلاقًا المذهب الإسماعيلي، ولم يعتنقه سوى العناصر التي تعاونت مع الخلافة الفاطمية ممثلة في الأقليات الأجنبية التي جاءت صحبة الفاطميين أو استعانوا بها طوال فترة حكمهم من أجل تحقيق سياستهم، وهؤلاء فقط هم الذين نستطيع القول بأنهم اعتنقوا المذهب الإسماعيلي في مصر.

كان السلطان نور الدين محمود يطمع في الاستيلاء على مصر، وكان صلاح الدين في ظنه (نائبًا عنه في مصر متى أراد سحبه بإذنه لا يمتنع عليه)، ولكن صلاح الدين كانت له طموحات أخرى، وكان ذلك سبب تأخره في الانصياع لطلب نور الدين في قطع خطبة الفاطميين قبل ذلك؛ لأنه خشي إن هو فعل ذلك؛ أن يسير نور الدين إلى مصر وينزعها منه.

ولم تكد تمضي أيام على قطع خطبة الفاطميين إلا وقد توفي الخليفة العاضد آخر خلفاء الفاطميين ليلة عاشوراء سنة ٥٦٧ هـ /١٢ سبتمبر ١١٧١ م، فأمر صلاح الدين بإنشاء الكتب إلى البلاد بوفاة العاضد وإقامة الخطبة رسميًّا للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي.

وبذلك وضع صلاح الدين نهاية للدولة الفاطمية في مصر، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها عادت فيها إلى قلب العالم الإسلامي السني، وَلِتُؤَدِّي تحت قيادة الأيوبيين ومؤسس دولتهم صلاح الدين دَوْرًا هامًا في توحيد الجبهة الإسلامية ومواجهة خطر الفرنج، الذي أدى ضعف وتخاذل السلطة الحاكمة في مصر في آخر عهد الفاطميين إلى زيادة نفوذهم وسطوتهم وتهديدهم لوحدة العالم الإسلامي.

الخلفاء الفاطميون في إفريقية وفي مصر

أ- في إفريقية
  1. عبيد الله المهدى (٢٩٧ - ٣٢٢هـ/٩٠٩- ٩٣٤م).
  2. القائم بأمر الله أبو القاسم محمد (٣٢٢- ٣٣٤هـ/٩٣٤- ٩٤٦م).
  3. المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل (٣٣٤- ٣٤١-هـ / ٩٤٦ - ٩٥٣م).
  4. المعز لدين الله أبو تميم معد (٣٤١ - ٣٦٢هـ/٩٥٣- ٩٧٢م).
ب - في مصر
  1. المعز لدين الله أبو تميم معد (٣٦٢- ٣٦٥هـ/٩٧٢- ٩٧٥م).
  2. العزيز بالله أبو منصور نزار (٣٦٥- ٣٨٦هـ/٩٧٥- ٩٩٦م).
  3. الحاكم بأمر الله أبو على المنصور (٣٨٦- ٤١١هـ/٩٩٦ - ١٠٢١م).
  4. الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن على (٤١١ - ٤٢٧هـ/١٠٢١- ١٠٣٦م).
  5. المستنصر بالله أبو تميم معد (٤٢٧-٤٨٧هـ/١٠٣٦- ١٠٩٤م).
  6. المستعلي بالله أبو القاسم أحمد (٤٨٧ ٤٩٥هـ/١٠٩٤- ١١٠١م).
  7. الآمر بأحكام الله أبو على منصور (٤٩٥- ٥٢٤هـ/١١٠١- ١١٣٠م). انقلاب أبي علي الأفضل كُتَيْفَات (٦ ذي القعدة ٥٢٤ هـ /٢١ أكتوبر ٠ ٣ ١ ١ م ١٦ محرم ٢٦هـ/٦ديسمبر ١١٣١م).
  8. الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد (٥٢٦- ٥٤٤هـ/١١٣٢- ١١٤٩م).
  9. الظافر بأعداء الله أبو منصور إسماعيل (٥٤٤- ٥٤٩هـ/١١٤٩ - ١١٥٤م).
  10. الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى (٥٤٩- ٥٥٥هـ/١١٥٤- ١١٦٠م).
  11. العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله (٥٥٥ - ٥٦٧هـ/١١٦٠ - ١١٧١م).


مراجع للاستزادة:
  • المسبحي: أخبار مصر، تحقيق ايمن فؤاد سيد - القاهرة ١٩٧٧.
  • ابن ميسر: أخبار مصر، تحقيق ايمن فؤاد سيد - القاهرة ١٩٨١.
  • ابن عبد الظاهر: الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة، تحقيق ايمن فؤاد سيد - القاهرة ١٩٩٦.
  • المقريزي: المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، تحقيق أيمن فؤاد سيد، لندن - مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي ٢٠٠٢- ٢٠٠٥م.
  • أيمن فؤاد سيد: الدولة الفاطمية في مصر-- تفسير جديد، القاهرة ١٩٩٢، ٢٠٠٠.
  • فرحات الدشراوي: الخلاقة الفاطمية في المغرب، بيروت ١٩٩٦.

الخلاصة

كانت الدولة الفاطمية في مصر قوة صاعدة وطموحة، استطاعت بناء دولة مزدهرة عاصمتها القاهرة ومركزها الأزهر، إلا أن عوامل داخلية وخارجية مثل الصراعات على السلطة، وتزايد نفوذ الوزراء، والأزمات الاقتصادية الحادة، أدت إلى تآكل قوتها تدريجيًا، وفي النهاية، مهد هذا الضعف الطريق أمام صلاح الدين الأيوبي لإسقاطها وإعادة مصر إلى كنف الخلافة العباسية السنية، منهيًا بذلك حقبة دامت لأكثر من قرنين.

موضوعات ذات صلة

أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين.

 مؤسسة دينيّة علميّة إسلاميةٌ عريقةٌ تأسّست في العصر الفاطميّ.

هم أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.

موضوعات مختارة