شكّل الغزو المغولي نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ العالم الإسلامي، حيث امتزج الدمار بالتحولات العميقة، وبينما سقطت دول عظيمة كالعَبّاسيين، برز تساؤل جوهري: كيف أثّر هذا الغزو في مسار الإسلام والحضارة؟
شكّل الغزو المغولي نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ العالم الإسلامي، حيث امتزج الدمار بالتحولات العميقة، وبينما سقطت دول عظيمة كالعَبّاسيين، برز تساؤل جوهري: كيف أثّر هذا الغزو في مسار الإسلام والحضارة؟
يعتبر تاريخ المغول جزءًا مهما مؤثرًا لا ينفصل عن تاريخ الشرق الإسلامي في العصور الوسطى، وزاد من أهمية ذلك التاريخ وخطورته أن ظهور المغول كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة قد واكب وتزامن مع الفترات العصيبة التي كابدها المسلمون في مواجهة الخطر الصليبي القادم من الغرب.
وما لبث الصليبيون في الشام بعد أن لمسوا تنامي حركة المقاومة الإسلامية واشتدادها أن التمسوا العون من المغول الذين كانوا آنذاك في عنفوان قوتهم العسكرية حتى أنهم تمكنوا من إخضاع كل القوى المناوئة لهم من الصينيين والخوارزميين والإيرانيين في عهد جنكيز خان (ت: ٦٢٤هـ/١٢٢٧م) وتوغلت جيوشهم في أوروبا الشرقية حتى حدود بولندا، وهددت الخلافة العباسية وأرض الجزيرة وبلاد الروم في عهد أوكتاي بن جنكيزخان (ت: ٦٣٩هـ / ١٢٤١م). [خواندمير حبيب السير في أخبار البشر م ٣ جـ ١ ص ٥٠، وانظر أيضًا :Dohsson: Histoire Des Mongols, tom.ll.p.p١١٤: ١٢٢. Skrine; The Heart of Asia, p.١٦٢Howorth: History of the Mongols, vol. ١. p.٢٠٠]
ثم انهارت تحت ضرباتهم قلاع الإسماعيلية في إيران [الجويني تاريخ جهانكشاي ج ۲ ص ٣٥٨، برتولد شبولر: العالم الإسلامي في العصر المغولي ص ٤٦].
وزالت على أيديهم الخلافة العباسية من بغداد في عهد منكو بن تولوى بن جنكيزخان (ت: ٦٥٧هـ /١٢٥٩م) وأخيه هولاكو (ت: ٦٦٣هـ/١٢٦٥م) [ابن الفوطي الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ص ۲۳۰ ،٢۳۱ د/ السيد العريني: المغول ص ۲۲۳].
وقد سارعت كثير من القوى إلى إجراء التحالف معهم وإعلان الخضوع لهم، وعلى رأس هؤلاء دولة أرمينية الصغرى في جنوبي الأناضول [د/ فؤاد الصياد: المغول في التاريخ ص ٢٦٣، د/ السيد العريني: المغول ص ٢٦٣، د/ حسين مؤنس أطلس تاريخ الإسلام ص ٢٤١؛ وحكام كرمان من القراخطاي [الجويني تاريخ جهانگشای ج ۲ ص ۱۱٥].
وحكام يزد وحكام فارس حتى إن هؤلاء الآخرين - وكانوا من المسلمين- أسهموا بقوات عسكرية شاركت في الهجوم على بعض المدن الإسلامية في إيران والعراق. [د/ مصطفى طه بدر: محنة الإسلام الكبرى ص ۱۱۸، د / سعد الغامدي سقوط الدولة العباسية ص ٣٥٤، وانظر أيضًا: oyle: History of Iran, vol.٥. p.٤٨١].
وشرعت سفارات الصليبيين في الشام ودول غرب أوروبا والبابا في روما تترى إلى عواصم المغول في قراقورم (الرمال السوداء) في منغوليا وبكين في شمال الصين وسراي الواقعة على نهر الفولجا في جنوب روسيا وتبريز في أقصى الشمال الغربي لإيران، حيث أُبرمت الاتفاقيات وتبودلت الوعود على التحالف سويًا ضد المسلمين في الشرق الإسلامي عامة والشام خاصة [ستبفن رئسيمان: تاريخ الحروب الصليبية ج ٣ ص ٤٨٢، د/ سعيد عبد الفتاح عاشور: تاريخ الحروب الصليبية جـ ١ ص ۱۰۱، د/ جوزيف نسيم العدوان الصليبي على مصر والشام من ٢٧٢].
وفي الجانب الديني احتدم الصراع بين البوذية والمسيحية والإسلام على اجتذاب المغول، وسعت كل ديانة من خلال دعاتها وتعاليمها إلى تحقيق السبق على غيرها في الوصول إلى قلوب الحكام المغول ومعاونيهم ونسائهم.
ويشهد توماس أرنولد المستشرق البريطاني في كتابه المعروف (الدعوة إلى الإسلام) على أن الإسلام قد نجح في التفوق على البوذية والمسيحية في هذا المضمار في تركستان وبلاد ما وراء النهر وجنوب روسيا وإيران والعراق، فأقبلوا عليه دون ضغط أو إلزام. [توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص ١٩٠].
ويعكس المستشرق المجرى أرمنيوس فامبري في كتابه (تاريخ بخارى) أثر الإسلام في هذه المناطق على المغول حتى إنه ليذهب إلى القول بأنهم قد تغيروا إلى النقيض عما جبلوا عليه في بيئتهم الأولى منغوليا. [آرمینوس فامبري: تاریخ بخاری ص ١٨٤، ١٨٥].
وقد عاش المغول في موطنهم الأصلي في هضبة منغوليا التي أعطتهم اسمها، وهي هضبة فسيحة تمتد ما بين شمال الصين وجنوب روسيا، ويتصف مناخها بالقارية، فالمناخ فيها شديد القسوة يندر وجود نظير له في منطقة أخرى، فهو يبلغ النهايات العظمى في الحرارة أو البرودة، وفي جفافه الشديد وكذلك في قوة الرياح العاصفة. [د/ يوسف فايد جغرافية المناخ والنبات ص ۲۲۷، د/ مصطفى طه بدر: محنة الإسلام الكبرى ص ٤٩].
وقد انعكس أثر البيئة القاسية على حياة المغول وتكوينهم الجسمي والنفسي، فالمغولي يتصف بتكوين جسماني خاص يميزه عن غيره من الأجناس الأخرى، فهو يتصف بالقامة القصيرة أو المتوسطة والرأس العريض والجبهة المرتفعة والبشرة الصفراء السميكة والأنف الأفطس الغائر والعين المنحرفة ذات الجفن الثقيل والذقن الجرداء والشعر المسترسل والجسم الممتلئ [د/ فؤاد الصياد المغول في التاريخ ص، د/ محمد السيد غلاب: تطور الجنس البشري ص ۲۹۷]، مع وجود الاستثناءات أحيانا من هذا النمط العام.
والمغولي بهذه الصفات يمثل أصل السلالة الصفراء التي تنتشر في جنوب شرق آسيا بعامة وتشمل الآن دولًا كثيرة منها منغوليا والصين وكوريا وفيتنام ولاوس واليابان والفلبين وتايلاند... الخ. [د/ محمد ماهر حمادة وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي ص ٦٥، د/ يوسف فايد: الأسس العامة للجغرافيا ص ۱۳۳].
وفي الجانب النفسي كان المغول - من جراء الطبيعة القاسية التي نشأوا فيها - مقاتلين أشداء يجيدون فنون الحرب ويمارسونها في جلد وصلابة وقوة عزم لا تلين، وقد صار هذا كله جزءًا من الطبيعة العسكرية التي جبلوا عليها وامتازوا بها. [براون: تاريخ الأدب في إيران ص ٥٥٣، د / مصطفى طه بدر: محنة الإسلام ص ٦١].
ونتيجة للتجاور المكاني بين المغول في منغوليا والأتراك في تركستان المجاورة فقد وجدت ألوان من التقارب بين الشعبين تمثلت في مظاهر عدة منها:
التقاليد البدوية المشتركة والتماثل في بعض المفردات اللغوية والتوافق في كثير من المعتقدات الدينية، غير أن ذلك كله لا يثبت وحدة الأصل المشترك بين الطرفين، [بارتولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى ص ۱۵۳، فامبري: تاریخ بخاری ص ١٦١] وكذلك يعتقد بعض الباحثين أن التتار جزء من المغول انبثق عنه، ودخل في عداء معه [ستيفن رئسيمان: تاريخ الحروب الصليبية جـ ٣ ص ٤١٠، د/ عبد السلام فهمي: تاريخ الدولة المغولية في إيران ص ١٦] فهما بالقياس إلى العرب كعرب الشمال وعرب الجنوب، ينتميان إلى أصل واحد ويفترقان في المكان وفي الأهداف.
ويرجع ذيوع شهرة التتار منذ زمن بعيد إلى وقوع منازلهم على مقربة من سور الصين العظيم الذي أقيم خصيصًا لصد إغاراتهم على الأراضي الصينية، كما يرجع إلى مرور طريق التجارة الرئيسي بين الصين وبلاد المسلمين على مقربة من مواضع تنقلهم، الأمر الذي أكسبهم شهرة أكثر من المغول، وجعل المؤرخين المسلمين يطلقون اسم التتار- حتى بعد زوال قوتهم- على المغول في عهد جنكيز خان وخلفائه من بعده.
وأغلب الظن أن جنكيز خان حين عمد إلى القضاء على قبائل التتار كان مدفوعًا بعامل عسكري أكبر من مجرد الانتقام لما فعلوه بآبائه ـ أجداده ـ وهو تأمين مؤخرة جيوشه إذا ما قرر الاتجاه شرقًا لغزو بلاد الصين أو غربًا لمهاجمة بلاد القراخطاي في تركستان والخوارزميين في بلاد ما وراء النهر وإيران.
وقد اشتمل التقسيم الإداري للإمبراطورية المغولية في أقصى اتساعها على النظام التالي:
١- الخاقانية: وهي مركز الحكم، وفيها عاصمة المغول الكبرى (قراقورم) ثم (بكين) [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم جـ ٣ ص ۳۲۸، ول ديورانت: قصة الحضارة جـ ١ من ٢٣٦]
حيث كان الخان الأعظم يعتلي عرش المغول بعد تنصيبه في المؤتمر المغولي العام (القوريلتاى) الذي يحضره غالبية الأمراء والقواد من المغول ومن يدعونه إليه، وكانت منطقة الخاقانية تمتد لتشمل كل منغوليا وما يليها شرقا حتى كوريا ثم تمتد من الصين الشمالية إلى بلاد التبت في الجنوب.
ومنطقة الخاقانية بهذا الامتداد كانت تشكل شرقي الإمبراطورية المغولية، وسكانها في الغالب يشكلون أصل السلالة المغولية الصفراء.
٢- الولايات التابعة: وكانت مقسمة على النحو التالي:
أ-إيلخانية تركستان وبلاد ما وراء النهر، وقد منحها جنكيز خان لثاني أبنائه جغتاي ليحكمها هو وأبناؤه من بعده فاتخذ من مدينة المآليق في تركستان عاصمة له. [ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار ص ۲۷۸، د/ السيد العريني: المغول من ١٦٢]
ب- إيلخانية القبجاق: وكانت تمتد من منغوليا في اتجاه الغرب وتشتمل على مساحات واسعة من الأراضي تشمل معظم جنوبي روسيا [بارتولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى ص ۱۹۸، عباس إقبال تاريخ إيران بعد الإسلام من ۳۷۷]
وبخاصة القوقاز، وقد منحها جنكيز خان إلى جوجي أكبر أولاده، فصارت إليه ثم لأولاده بعد وفاته في حياة أبيه جنكيز خان.
ج- إيلخانية إيران وتوابعها: وكانت تمتد من نهر جيحون شرقًا إلى نهر الفرات غربًا، وقد عهد بها إلى هولاكو بن تولوي بن جنكيزخان ليحكمها هو وأولاده من بعده، وقد كانت هذه الإيلخانية أقرب مكانًا وأشد اتصالًا بالمسلمين في بلاد العراق والشام والحجاز، فكان أن أثرت فيهم عسكريًا وسياسيًا، وتأثرت بهم دينيا حتى انتهت الأحوال بحكامها وأتباعهم من المغول الإيلخانيين إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه. [رشيد الدين: جامع التواريخ م٢ جـ ١ ص ٢٣٦ البناكتي: روضة أولى الألباب ص ۱۳، خواندمير: حبيب السير في أخبار أفراد البشرم ٣ ج ١ ص ١٤]
لم يكن المغول، وهم شعب بدوي مغرق في البداوة، ليعرفوا - في بادئ الأمر- دينا معينًا واضح المعالم، وأغلب الظن أن مرجع ذلك يعود إلى حياة العزلة التي عاشوها في منغوليا القارية التي لم يفكر كثير من الدعاة في اقتحام صحاريها لما يحتويه ذلك من مخاطر جسيمة لا تؤمن عواقبها، ومن ثم فإنه يمكن قبول الرأي القائل بأن المغول كانوا - آنذاك - لا يؤمنون بدين ولا شريعة ولا يعرفون حلالًا ولا حرامًا. [د/ فؤاد الصياد المغول في تاريخ ص ٣٣]
ويبدو أن حياتهم كانت تسير وفقًا للأعراف البدوية التي كانوا قد درجوا عليها جيلًا بعد جيل، وتوارثوها عن الآباء والأجداد، حتى أصبحت تمثل القانون الذي يحكمون من خلاله على سلوكياتهم هم وسلوك الآخرين حيالهم.
وأمام جبروت الطبيعة القاسية وفقر البيئة المجدبة التمس المغول قوة أكبر اعتقدوا أنها تحميهم من الأخطار المحدقة بهم، أو تعود عليهم بالنفع في أجسامهم وعقولهم، أو قد ترعى أبناءهم وحيواناتهم [د/ مصطفى طه بدر محنة الإسلام الكبرى، زوال الخلافة العباسية في بغداد على أيدي المغول ص ٥٦]، وعلى هذا فقد كان منهم من يسجدون للشمس عند طلوعها [ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج ۲ ص ۱۳۸، ابن العماد الحنبلي شذرات الذهب في أخبار من ذهب ص ٦٥] ومنهم من يعظمون النجوم ويعبدونها ، [القرماني: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ من ۲۸۳] ومنهم من يعبدون النار [الديار بكرى: تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس جـ ٢ ص ٢٦٨، الكاتب الصيني ف . بان: جنكيز خان سفاح الشعوب ص ٨٦] كما كان منهم من يعبدون أرواح أجدادهم لاعتقادهم أن لها سلطانًا عظيمًا على حياتهم وعلى حياة أعقابهم أيضًا. [توماس أتولد: الدعوة إلى الإسلام ص ۱۹۱، د/ إبراهيم العدوي العرب والتتار ص ۲۷]
وبدهي أن هذا الاتجاه عند المغول كان مرده الخوف من الأذى وعدم القدرة على الاهتداء إلى الله بصورة كاملة، وبالطبع استغل الكهان والمشعوذون والسحرة من الشامان هذه الفرصة ونشروا خرافاتهم وأساطيرهم بين المغول، [(رالف لنتون شجرة الحضارة ج ۲ ص ۱۷۸، إدوارد بروي تاريخ الحضارات العام ج ۲ ص ۳۸۱]
وأمعنوا في ذلك كثيرا حتى أصبحت لهم مكانة خطيرة في نفوس العامة والحكام من المغول على السواء. وكذلك أدى اتصال المغول بالصينيين وجيرانهم الأتراك الأويغور إلى انتشار البوذية بينهم [عباس إقبال: تاريخ إيران بعد الإسلام ص ۲۸۹، الأويغور: شعب تركي انتقل من البداوة إلى الاستقرار، وكانوا يسكنون المنطقة الواقعة في شمال شرقي تركستان (غربي الحسين) انظر أرنولد توينبي تاريخ البشرية جـ ١ من ۱۸۰ بدر الدين حي الصيني: العلاقات بين العرب والصين من ٤٣، ص ١٤]
فقد نشط الدعاة البوذيون لترويج مذهبهم مستغلين ضعف الشامانية كديانة من جهة، وخلو الساحة من دين سماوي من جهة أخرى.
وهكذا بدأ المغول ينتقلون من عبادة قوى الطبيعة إلى عبادة الأصنام البوذية التي صنعت في الأصل كتذكار لبوذا، ثم عبدها البوذيون زلفى، ثم نقلوا فكرهم هذا إلى غيرهم من الأمم المجاورة، ومن أولئك المغول [القرماني: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ ص ۲۸۲، د/ محمد ماهر حمادة: وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي جده من ٦٥]
وعن طريق قوافل التجارة التي انتشرت عبر الطرق التجارية من إيران إلى تركستان ثم إلى منغوليا انتقلت إلى المغول أديان جديدة تختلف عن وثنية الشامانية والبوذية، فقد استطاع دعاة كل من المسيحية والإسلام أن ينفذوا إلى المغول على حين ظلت اليهودية على عزلتها، فلم يلق إليها المغول بالًا لأنها لا تناسب بيئتهم أو تكوينهم النفسي.
ونجد لدى المؤرخ القلقشندي (ت/٨٢٧هـ/١٤٢٤م) نصًا يشير فيه إلى أن بعض المغول قد اعتنقوا اليهودية، [القلقشندي صبح الأعشى في صناعة الإنشا ج ١ م ٣، وهو يذكر أنه نقل ذلك الرأي من عطا ملك الجويني في كتابه تاریخ جهانگشاي، وبالرجوع إلى هذا المصدر الأخير لم أعثر فيه على شيء من هذا القول، وإن ورد فيه أن بعض المغول قد اعتنقوا أديانًا أخرى منها النصرانية انظر التاريخ جهانگشای ج ١ ص ۱۲، ويبدو أن اليهودية، وهي ديانة العزالية ، لم تجد اهتمامًا لدى المغول لأنها لا تناسب بيئتهم وتكوينهم النفسي] وهذا النص ليس بدقيق إذ لا دليل عليه ولا تأييد له من قبل مؤرخين آخرين، وفي الحقيقة كان خروج المغول في أثناء حملات الغزو المتتابعة ضد جيرانهم قد عمق اتصالهم بالأديان الثلاثة: البوذية والمسيحية والإسلام حيث كانت الشعوب التي اختلطوا بها تضم أهل الديانات الثلاث [أنور الجندي الموسوعة الإسلامية جدة ص ٢٢٢]
وبالطبع فإن هذه الأديان السماوية التي لم تكن تستند إلى قوة عسكرية تحميها في وجه هؤلاء الغزاة العتاة، نهضت كي تكشف عن جوهرها وتعبر عن نفسها وعن منهجها في الدعوة معتمدةً على وسائل مختلفة، ومن هنا نشب الصراع المحموم فيما بينها ، وهذا ما عبر عنه أحد المستشرقين حين قال: وليس هناك في تاريخ العالم نظير لذلك المشهد الغريب، وتلك المعركة الحامية التي قامت بين البوذية والمسيحية والإسلام فقد كانت كل ديانة تنافس الأخرى لتكسب قلوب أولئك الفاتحين القساة الذين داسوا بأقدامهم رقاب أهل تلك الديانات العظيمة ذات الدعاة والمبشرين في جميع الأقطار والأقاليم. [توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام من ١٩ ص ١٩١].
اختلفت الآراء حول الدين الذي كان يعتنقه جنكيز خان، فبعضهم يرى أنه كان لا يؤمن بأي دين [الجويني تاريخ جهانگشای جـ١ ص ۱۲، عباس إقبال تاريخ إيران بعد الإسلام ص ۲۸۲، د/ جعفر حسين خصباك العراق في عهد المغول الإيلخانيين ص ۱۸۷]، والبعض الآخر يرى أنه كان يدين بالشامانية. [بارتولد: تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي من ٥٦٠، سنتيقان رئسيمان تاريخ الحروب الصليبية جـ١ ص٤٢٤]
والرأي الثاني أرجح؛ لأن المغول قبل زمن جنكيز خان وبعده بقليل كانوا يدينون في غالبيتهم بالشامانية [الشامانية: ديانة وثنية تقوم على أن العالم مؤلف من طبقات متعاقبة، والمنطقة السماوية: وهي مملكة النور ومقر النفوس الفاضلة، والعالم السفلى: وهو مقر الظلمات والأشرار، وتقوم بين الثلاثين مساحة المرض حيث بنو الإنسان، وتخضع السماء والأرض لكائن أعظم يقيم في الطبقة العليا أو السماء المؤلهة، على حين يقيم عفاريت لا يحصى لهم عدد في الأرض والمياه والجبال والينابيع، وهي أماكن مقدمة أحيطت بالإكرام عند المغول منذ القدم، وتحتوي الشامانية على فكرة البعث والحساب، وأن الناس سيسالون عما يعملون ولكن بطريقة مختلفة، فالقاتل لا يخاف في أثناء عقاب القيامة بل يعتقد أن منزلته في ذلك اليوم سوف تزداد بازدياد عدد من قتلهم انظر، بارتولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى من ١٨٦ إدوارد بروي تاريخ الحضارات العالم جدا ص ٣٨٠] كما أن جنكيز خان الذي اتصف بالحنكة وسعة الأفق لم يكن ليعزف عن الشامانية دين آبائه وأجداده في وقت كان في أمس الحاجة فيه إلى مناصرة أتباعه الأول له ضد أعدائه الكثيرين من المغول والأتراك في منغوليا.
ويؤكد ذلك ما اشتهر عن جنكيز خان من أنه كان قبيل اشتراكه في معركة حاسمة يصعد فوق تل عال ويكشف عن رأسه متضرعا إلى ربه ليؤازره في معركته القادمة ويظل على هذا الحال ثلاث ليال متصلة وهو صائم، على حين يمنع حراسه أي شخص من الاقتراب منه [الكاتب الصيني في بان جنكيز خان سماح الشعوب من ١١٦ الصدفي التاريخ دول الإسلام ج ٢ ص ٢٦٩، إدوارد بروي تاريخ الحضارات العام ج ۲ ص ۲۸۰]؛ احتراما لهذا الطقس الغريب.
أما الياسا المغولية التي ألزم جنكيزخان المغول باتباعها فقد تضمنت بعض القضايا الدينية المهمة ومنها:
أ-الاعتقاد بإله واحد قاهر يهب الملك لمن يشاء ويسلبه ممن يشاء، وهو قوى جبار حسب معتقدهم الوثني. [د/ جعفر حسين خصباك: العراق في عهد المغول الإيلخانيين من ١٧٨ د/ عبد السلام فهمي تاريخ الدولة المغولية في إيران ص ٢٤]
ب- تعظيم جميع الملل والأديان من غير تعصب لملة أو أخرى [القلقشندي: صبح الأعشى ج١ ص ۳۱۱، المقريزي: الخطط ج ۲ ص ۲۲۰]
ج- احترام رجال الدين على اختلاف دياناتهم بإعفائهم من أداء الواجبات الحكومية التي تفرض على غيرهم [د/ محمد موسى هنداوي سعدى الشيرازي ص ١٤، د/ عبد السلام فهمي تاريخ الدولة المقولية في إيران ص ٤٤] ومن الضرائب المختلفة [براون: تاريخ الأدب في إيران من الفردوسي إلى المتعدي من ٥٦١، بارتولد: تركستان من الفتح العربي حتى الغزو المغولي ص ٦٣٣] وقبول وساطتهم في أثناء عمليات الحصار أو الغزو. [الجويني: تاريخ جهانگشاي ج١ ص ۱۲۸]
وتؤكد المواقف التاريخية على أن جنكيزخان كان يفرق تماما بين نصوص الياسا والواقع الذي تفرضه أحيانا مقتضيات الحرب أو السياسة بمعنى أنه إذا تعارض نص في الياسا مع ظروف طارئة أو ملحة فإن جنكيز خان كان لا يتردد كثيرا في تجاوز هذا النص. وتاريخ المغول - على امتداده - حافل بكثير من المواقف التي تم فيها تجاوز الياسا المغولية دون حرج سواء من جنكيز خان نفسه أو من خلفائه؛ وعلى سبيل المثال تنص الياسا على أن يلي العرش المغولي أكبر الأمراء الأحياء سنا،
لكن جنكيز خان قدم ابنه الثالث أوكتاى على أخويه جوجى وجغتاى، وتم ارتقاؤه العرش فعلا بعد وفاة أبيه جنكيز خان فسجل بذلك مخالفة خطيرة ترتب عليها الكثير من الفتن فيما بعد.
وقد نبع هذا التناقض أصلا من عوامل عدة أبرزها حدة المزاج التي اتصف بها المغول والتي جعلت تصرفاتهم تميل إلى هذا الاتجاه ثم يعرض عنه فجأة إلى اتجاه مغاير له، فهم- على الرغم من اعترافهم بإله عظيم قادر - كانوا لا يؤدون له الصلوات وإنما يعبدون طائفة من الآلهة المنحطة وبخاصة تلك الآلهة الشريرة التي كانوا يتقدمون إليها بالقرابين والضحايا لما كانوا يعتقدون فيها من السلطان والقدرة على إيذائهم. [توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص ١٩١]
وبالإضافة إلى ذلك فإن تعظيم المغول لجميع الملل والأديان من غير تعصب لملة أو أخرى قد دل بوضوح على مدى براعة جنكيزخان وحنكته السياسية، ذلك أنه كان يدرك تماما أثر القوة الروحية الكامنة في الدين، ولهذا ترك للمغول حرية التدين؛ فقد كان يخشى أن يؤدى التعصب الديني - إذا انتشر بين المغول - إلى نشوب حروب طاحنة بين القبائل المغولية تضعف من كيانها وتعود بها إلى حالة - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التفكك والاضطراب التي كانت تتيح للقوى الأجنبية - فيما سبق- السيطرة وفرض الضرائب على المغول.
وقد عمد جنكيزخان بكل وسيلة ممكنة إلى إثبات قوة إيمانه بالحرية الدينية، ومن ذلك أنه بعد استيلاء كوجلك خان ملك قبائل النايمان على مملكة القراخطاي في تركستان [شيد الدين تاريخ جنكيز خان (مخطوط) من ١٨٣ (ب)، وكان كرجلك قد فر منيزما من وجه جنكيز خان واستغل ضعف دولة الفراخطاى فى تركستان فاستول عليها الطرب مصطفى طه بدر مجنة الإسلام الكبرى من۷۷، د/ السيد العريني: المغول ص ٨٦، د/ عبد السلام فهمي تاريخ الدولة المغولية في إيران ص ٤٤.]وبالتالي خضوع الكثير من المدن الإسلامية مثل بالاساغون وكاشغر وختن [Dohsson: History des Mongols, tom. ١. p. ١٦٩] لسلطانه، أمر الأهالي هناك بترك الدين الإسلامي، وخيرهم بين أمرين: فإما أن يدينوا بالنصرانية أو البوذية وإما أن يتزيوا بزى البوذيين فحسب، [بارتولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى ص ١٥٨، د/ السيد العريني: المغول من ٨٦]
ولما رفضوا التخلي عن دينهم الإسلامي فإنهم قد اتفقوا ووافقوا على ارتداء زي البوذيين لكن انقطع الأذان وأوقفت الصلوات وأغلقت المدارس ودمرت، فلما جاء المغول وهزموا كوجلك أجازوا الأذان والتكبير وأداء الصلوات ونادوا بأن لكل فرد أن يدين بالدين الذي يعتقده. [الجويني: تاریخ جهانگشای ج۱ ص ۸۸ ۹۰ میرخواند: روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفا جـ ٥ ص ٧٥خواند ميز حبيب السير في أخبار أفراد البشر م ج ا ص ٢٦، وانظر أيضًاSkrine: The Heart of Asia. F. ١٦٨]
وكان أوكتاى بن جنكيزخان (٦٢٦- ٦٣٩هـ /١٢٢٨- ١٢٤١م) على شاكلة أبيه في هذا الشأن؛ فقد قدم شخص وثنى - بإيعاز من أخيه جغتاى الذي كان يكره المسلمين - إلى بلاط أوكتاى وقال له: لقد رأيت جنكيز خان في المنام فقال لي: أبلغ ابني أن يكثر القتل في المسلمين لأنهم أناس في غاية السوء، وأدرك أوكتاى الحيلة بذكاء فكشف كذب القائل علنا وأشار بقتله. [(٤٦) رشيد الدين: جامع التواريخ (تاريخ خلفاء جنكيز خان) من ٧٦ ابن كثير، البداية والنهاية جـ ١٣ ص ١٢٥، د/ فؤاد الصياد المغول في التاريخ ص ١٩٣]
وكذلك كان منكو حفيد جنكيز خان (٦٤٨- ٦٥٧هـ) / (١٢٥٠- ١٢٥٩م)؛ فقد أجرى بنفسه محاكمة لملك الأويغور فلما اعترف بأنه كان ينوى قتل المسلمين في بلاده في أثناء سجودهم لأداء صلاة الجمعة أمر منكو أن يعاد هذا الحاكم إلى مدينته بيش باليغ وأن تقطع عنقه وأعناق أصحابه في يوم الجمعة الذي كانوا قد حددوه لقتل المسلمين، ودعا الناس جميعا إلى ظاهر المدينة ليشاهدوا التنفيذ [الجوينى: تاريخ جهانكشاى ج١ ص ٧٦ ص٨٠، ج٢ ، رشيد الدين: جامع التواريخ ( تاريخ خلفاء جنكيز خان) ص٢١٣]، وبالطبع لم يخل الأمر في هذا من نزعة سياسية وعنصرية ضد الأويغور.
أما جعتاي ثاني أبناء جنكيز خان - وكان شامانيًا كأبيه ومسئولا عن تطبيق أحكام الياسا المغولية الصارمة التي تخالف في الكثير من موادها الشريعة الإسلامية، كما كان موتورا من المسلمين لمقتل ابنه موتكن في أثناء حصار المغول لمدينة (باميان) [بامیان: مدينة كبيرة في الطرف الشرقي لبلاد النور ( أفغانستان الحالية وتقع في منتصف الطريق تقريبا بين مدينتي بلخ وغزنة في منطقة جبلية، انظر: القزويني: آثار البلاد وأخبار المباد من ١٥١، كي استرنج بلدان الخلافة الشرقية من ٤٦١] أ بإقليم خراسان سنة ٦١٨هـ/١٢٢١ م [بارتولد : تركستان من الفتح العربي حتى الغزو المغولي من ٦٢٣، و السيد العريفي المغول ص ١٣٥، عبد المحمد اپنی تحریر تاریخ وصاف ص ۲۱۹] - فإنه كان قد اتخذ من المسلمين وزراء ومستشارين وبنيت في عهده جملة من المدارس والمساجد ببلاد ما وراء النهر وغيرها [د/ أحمد الساداتي تاريخ الدول الإسلامية باسها وحضاراتها من ۲۰، ۵/ حسن إبراهيم حسن: انتشار الإسلام بين المغول والتتار ص ٤٩]
بعد أن تولى الحكم في منطقة تركستان وبلاد ما وراء النهر عقب وفاة أبيه في رمضان سنة ٤ ٦٢هـ / أغسطس ١٢٢٧ [ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص ٤٢٦، خواند مير حبيب السيرم جـ ١ ص ۱۷ وانظر أيضا Dohsson: Histoire des Mongols, tom, I. p. ٢٨].
وفي الحقيقة لم يكن الحكام المغول جميعًا على شاكلة واحدة فقد كان منهم من يصرح بكراهيته لدين معين أو يتعصب لدين بعينه، وعلى سبيل المثال كان قوبيلاي وهولاكو وأرغون يكرهون الإسلام بشدة على حين كان بركة خان وتكودار وغازان من أشد مناصريه. وعلى وجه العموم فإن ظاهرة احترام الأديان المختلفة لدى المغول قد أسفر عنها التزام غالبية هؤلاء المغول بمفهوم الحرية الدينية لديهم ولدى الرعايا الخاضعين لهم وإن لم يخل هذا الأمر أحيانا من أهداف سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، كما سبق القول.
ومن هذا المنطلق شغل رجال الدين مكانة عالية لدى المغول؛ فقد كان للكاهن الشامانى الذي يقوم بوظيفة الطبيب المقام الأول لأنه وحده- حسب اعتقاد المغول- يستطيع أن يغير الخير أو الشر. [والف لنتون: شجرة الحضارة ج٢ ص١٧٨]
وكان هذا الكاهن يتقدم على كافة أصحاب المقامات في حاشية الإمبراطور وكان عادة ما يظهر في ثياب بيضاء فضفاضة. [إدوارد بروي: تاريخ الحضارات العام ج٣ ص١٧٨]
أما رجال الدين البوذيون فقد كانوا أكثر كفاءة وخبرة وتحضرًا من نظرائهم الشامانيين، ومن خلال المناظرات التي جرت بين الطرفين في حضرة جنكيز خان أثبتوا تفوقهم وعجز خصومهم، فكان أن عهد جنكيز خان إلى كثير منهم بإدارة أعمال ديوانه. [فامبري: تاريخ بخارى ص ٦٣ ١، ص ١٨٢، د/ عبد السلام فهمي: تاريخ الدولة المغولية في إيران ص ٩ ١]
وحين تمكن البوذيون من التأثير على جنكيز خان بدرجة أكبر، عهد إلى بعضهم بمهمة تعليم أولاد المغول وبخاصة أبناؤه أبجدية الخط الأويغوري. [الجوينى: تاريخ جهانكشاى ج ا ص٦٢، هارولد لامب: جنكيزخان وجحافل المغول ص ٩٣]
ومن هنا نقلوا تعاليم البوذية إلى قوبيلاي وهولاكو وغيرهما، وليس أدل على براعة رجال الدين البوذيين من نجاحهم في تحويل الكثير من الحكام المغول عن الشامانية ديانة المغول الأولى إلى البوذية على حين عجز غيرهم عن ذلك. أما رجال الدين المسيحي سواء أكانوا من النساطرة أم من الكاثوليك الذين أوفدهم البابا في روما أو بعض ملوك غرب أوروبا إلى عاصمة المغول فإنهم أمام نجاح البوذيين عمدوا إلى استقطاب نساء المغول وبخاصة زوجات الحكام إلى حظيرة المسيحية، ولعل هذا يفسر سر تعاطف حكام المغول مع المسيحية رغم عدم اعتناقهم لها.
وفي الحقيقة كانت فرصة رجال الدين المسيحي كبير؛ فقد كانوا مؤيدين من قبل زوجات الحكام المغول وأمهاتهم وكان بعضهم مكلفا بتربية أبناء هؤلاء الحكام وشغل البعض الآخر منهم وظيفة مهمة في الوزارة أو الديوان [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم ج٣ ص١٢٧، إدوارد بروى: تاريخ الحضارات العام ج٣ ص ٣٨٤]، إلا أن غالبية هؤلاء - وخصوصًا النساطرة - كما يرى بعض المؤرخين- كانوا على درجة عالية من الجمود والجهل حتى بكتب صلواتهم المدونة بالسريانية، كما اتهم عدد منهم بالاتجار بالمناصب الدينية والحرص على جمع الثروات من وراء تعليم الطقوس المسيحية، واتهم عدد آخر منهم بالإغراق في المباذل [د/ محمد موسى هنداوى: سعدي الشيرازى ص ٦٢، د/ السيد العرينى: المغول ص ٩٩ ١]
أما رجال الدين المسلمون فكان موقفهم غاية في الصعوبة - قبل سقوط الدولة الخوارزمية وبعده مباشرة- إذ كان عليهم أن يأخذوا موقف الدفاع عن معتقداتهم مستندين إلى جوهر دينهم وثقافتهم وقدرتهم على مقارعة الحجة بالحجة في مواجهة تحدى رجالات الديانات الأخرى.
وعلى وجه العموم فإن المغول قد التزموا بمعاملة رجال الدين على اختلاف عقائدهم معاملة كريمة.
حقا كانت هناك بعض المواقف التي خرج فيها المغول عن هذه القاعدة إلا أنها كانت مواقف استثنائية ارتبطت في الغالب بظروف سياسية أو اقتصادية مؤقتة، ومنها على سبيل المثال: أن جنكيز خان عقب سقوط مدينة بخارى في يده سنة ٦١٦هـ / ١٢١٩م أمر العلماء والفقهاء والسادات والمشايخ أن يدخلوا اصطبلات الخيل وأن يقفوا موقف السواس للمحافظة على الخيول.
وأما رجاله: فنهضوا إلى رفس أوراق المصاحف بأقدامهم، وتحويلها إلى مواضع القاذورات، وكان من بين الحاضرين الإمام جلال الدين على بن الحسن الرندي قدوة السادات في بلاد ما وراء النهر والإمام العالم ركن الدين إمام زاده [الجوينى: جهانكشاى ج ا ص ١١٦، رشيد الدين: تاريح جنكيز خان (مخطوط) ص ١٩٤]، ولم يكن بوسعهما فعل أي شيء حيال ذلك.
وأيا كانت الحال فمن المؤكد أن عصر جنكيز خان وخلفائه كان يتضمن التأكيد على كثير من مظاهر التسامح الديني [ه. ج. ويلز: معالم تاريخ الإنسانية ج٣ ص ٩٢٩] مع الشعوب التي خضعت لنفوذهم، وهو أمر يحسب للمغول ويقلل- بعض الشيء- من الفظائع الدموية التي ارتكبوها في حق البشرية والحضارة الإنسانية آنذاك.
على أنه ينبغي التمييز بوضوح بين مرحلتين في حياة المغول واتصالاتهم بالشعوب الأخرى:
أحدث الغزو المغولي زلزالًا في قلب العالم الإسلامي، مُسقطًا دولًا ومُعيدًا تشكيل الخارطة السياسية والثقافية. ورغم قسوته، مهّد لتحولات كبرى، منها دخول المغول في الإسلام وتكوين دول إسلامية جديدة. بذلك، لم يكن الغزو نهاية، بل بداية لمسار جديد في التاريخ الإسلامي.
همُ الذين شنوا حملاتٍ عسكريةً أوروبيةً على الشرق الإسلاميّ.
أسرة كُردية الأصل بلغت أوج مجدها على يد صلاح الدين.
هم سلالة أمازيغية من قبائل مصمودة أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.