أصل التسمية
عرف العرب دولة الرومان باسم بلاد الروم،
وأشاروا إليها في مصادرهم الأدبية والتاريخية بهذا الاسم؛ ذلك لأن الجزيرة العربية
لم تكن بمعزل عن العالم القديم، فقد كانت بسبب وقوعها في مفترق طرق ذلك العالم،
مقصدًا للتجار وقبلتهم، وتعرضت هذه الجزيرة أيضًا لبعض الغزوات الخارجية برغم
وعورة صحراواتها.
فقد قام الملك السلوقي اليوناني انتيوخوس
الثالث بغزو البحرين، في عامي ٢٤ و٢٥ ق.م، وقام ايليوس جاليوس الحاكم
الروماني على مصر بغزو اليمن بأمر من الإمبراطور الروماني أغسطس.
وفي المقابل خرج كثير من العرب من شبه
الجزيرة واتصلوا بالعالم الخارجي، واتجروا معه قبل الإسلام، فسافر العرب إلى بلاد
اليونان وإلى مستعمرات الروم في مصر والشام واستقر هناك بعض منهم كما عرف العرب
الحضارتين الآرامية واليونانية.
كذلك كان العرب على علم بأحوال القوتين
الكبيرتين اللتين كانتا تحكمان العالم آنذاك وهما دولتا الفرس والروم، ويعرفون
التنافس القائم بينهما على السيادة الاقتصادية في العالم، ورغبة كل من الدولتين في
فرض سيطرته على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب؛ للاستفادة من عائد تلك
التجارة الغنية.
كذلك أدركوا سعى الإمبراطورية الرومانية من
أجل فرض سيطرتها على بلاد الرافدين، ومنطقة أرمينية، كذلك أدركوا سعي إمبراطورية
الفرس في استعادة سوريا ومصر من يد الرومان أيام حكم مليكهم داريوس، ولذلك
وقعت الحرب بين الدولتين مع بداية القرن السادس الميلادي.
وكان الملك الفارسي خسرو قد قام بشن
الحرب عام ٢٠٠م على الروم في منطقة القوقاز، وعقد صلحًا بينه وبين الإمبراطور
الروماني جستنيان عام ٥٣٢ م استمر ثماني سنوات، ثم اندلعت بعدها الحرب بينهما،
ونجح الملك خسرو في الاستيلاء على أنطاكية، ثم عقد الصلح بين الدولتين عام ٥٦٢م
على أن يظل سائر المفعول مدة خمسين عامًا، لكنه لم يستمر لأكثر من عشر سنوات،
فاندلعت الحرب بينهما ثانية عام ٥٧٢م.
ولقد قام كل من الفرس والروم باصطناع
العرب الذين سكنوا على حدود إمبراطوريتَيهم في الشام وفي العراق، وكوَّنوا من هذه
الولايات العربية ما عُرف باسم الإمارات الحاجزة لتقف في وجه القبائل العربية التي
كانت تُغير على بلادهم، وتهدد الأمن في القرى الزراعية والمراكز التجارية المجاورة
لتلك القبائل كلما أصابهم الجدب.
وقد سبق الفرس الروم في ذلك إذ قاموا
بالاعتراف ببني لخم -وهم من قبيلة "تنوخ"- ملوكًا على دولة عرفت بدولة
المناذرة، وحذا الروم حذوهم بأن اعترفوا ببني غسان -الذين كانوا على حدود الشام مع
العراق- ملوكًا على دولة عرفت بدولة الغساسنة.
وقد حاول المناذرة والغساسنة أن يقلدوا
حضارة الفرس والروم، فأحاط ملك الحيرة اللخمي نفسه بجميع مظاهر البلاط
الفارسي، وكذلك أحاط الملك الغساني نفسه بجميع مظاهر بلاط القيصر الروماني، وتوالت
وفود العرب على بلاط كسرى ملك الفرس وقيصر إمبراطور الروم.
كذلك توالت الحروب بين الدولتين العربيتين
لصالح الإمبراطوريتين الكبيرتين المتنافستين، ولقد اعتنق الغساسنة المسيحية على
المذهب المونوفيزيتي، مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، وهو المذهب الذي ساد في مصر وسوريا،
وكان مخالفًا للمذهب الإمبراطوري الملكاني الذي ينادي بالطبيعتين للمسيح: الإلهية
والبشرية.
وعندما اعتلى هرقل عرش الروم،
كان الخطر الفارسي يهدد كل ممتلكات الإمبراطورية الرومانية، فقد وسع الفرس
فتوحاتهم على حساب الروم، واستولوا على كل من سوريا وأرمينية ومدوا أطماعهم
إلى البحر المتوسط، وطرقت قواتهم أبواب القسطنطينية، وقد ساعد الفرس على نجاح هذا
التحرك العسكري انتشار الاضطرابات التي سادت ولايات الروم الشرقية؛ بسبب الخلافات
الدينية بين أهاليها، واضطهاد الدولة للعناصر المونوفيزيتية المعارضة لمذهب الدولة
الملكاني.
ولقد ساعد أهالي هذه البلاد الفرس في
الاستيلاء على بلادهم، وفتحوا أبواب مدنهم لهم، ودلوهم على نقاط الضعف في التسليح الرومي
بسبب هذا الاضطهاد، وبسبب سياسة التسامح الديني التي انتهجها الفرس في البلاد
الرومية المفتوحة، وكان الفرس قد نهجوا سياسة التسامح مع المسيحيين "النساطرة"
الذين اعتنقوا هذا المذهب في بلادهم.
ولقد نجح الفرس في الاستيلاء على بيت المقدس
سنة ٦١٤م، وأباحوا هذه المدينة المقدسة لجنودهم ثلاثة أيام، وقتلوا عددًا كبيرًا
من أهلها، وأسروا عددًا أكبر منهم، وكان من بينهم الأب "زكريا" بطريرك
المدينة.
كذلك استولوا على صليب الصلبوت أهم آثار
المسيحية الدينية، وهو الصليب الذي يعتقد المسيحيون أن المسيح قد صلب عليه، ونقلوه
إلى عاصمتهم المدائن.
ودمرت حرائق الفرس كنيسة القيامة، التي كان
قد شيدها قسطنطين الكبير، وهي من أقدس الكنائس المسيحية هناك، وبعد أن غزا
الفرس سوريا واستولوا عليها جميعها، قاموا بغزو مصر وفتحها، فسقطت الإسكندرية
العاصمة في يدهم سنة ٦١٩م، ثم استولوا بعد ذلك في سهولة على بقية بلاد مصر في
الدلتا والصعيد.
وكان لزامًا على الروم، بعد أن
تخلصوا من مشاكلهم الداخلية، أن يتصدوا لغزو الفرس لبلادهم، فتقدمت قواتهم لرد الضربة
لهم، وبذلك دخلت الامبراطوريتان الكبيرتان في حرب ضروس دامت لسنوات طويلة بينهما
ولم تنته بنصر لأي منهما، بل أدت هذه الحروب في النهاية إلى ضعفهما معًا وتضاعف مشاكلهما.
ولقد واجه الامبراطور "هرقل"
الخطر الفارسي، ووضع حدًّا لهجمات الفرس على بلاده، ونجح في قلب هزائم الروم أمام
الفرس إلى انتصارات عليهم، حتى أنه استرد معظم الأراضي التي كانوا قد استولوا
عليها، وزاد على ذلك بأن قام بالهجوم عليهم في عقر دارهم.
ففي سنة ٦هـ / ٦٢٧م تقدم بجيشه ووصل إلى
مدينة نينوى، القريبة من الموصل، وهناك دخل مع الجيش الفارسي في معركة كبيرة نجح هرقل
في إيقاع هزيمة كبرى فيها بالفرس.
وبعد هذه المعركة عُزل كسرى عن ملكه،
وحلَّ مكانه على العرش ابنه شيرويه الذي قام بقتله، والذي لم يجد بُدًا من
عقد الصلح مع هرقل سنة ٧هـ/ ٦٢٨م بعد أن تأكد من عدم قدرة قواته على مجابهة
قوات الروم.
وبمقتضى هذا الصلح المذل استرد الروم
كل ما كان قد استولى عليه الفرس من بلاد الروم ومستعمراتها بما في ذلك مصر وسوريا،
واستعاد الروم من الفرس صليب الصلبوت.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى نصر الروم
هذا في سورة الروم في قوله تعالى:
{الٓمٓ *
غُلِبَتِ ٱلرُّومُ *فِيٓ
أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ *
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ
يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ *
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} [الروم: ١-٥].
وقد جاءت إشارة القرآن الكريم إلى الرومان
الشرقيين (البيزنطيين) باسم الروم صراحة، وهذا دليل على أن العرب آنذاك
كانوا يعرفون البيزنطيين باسم الروم، وأن إطلاق اسم الروم عليهم بين
العرب آنذاك كان شائعًا ومعروفًا.