Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الروم

الكاتب

أ.د/ عطية أحمد القوصي

الروم

العلاقة بين العرب والروم منذ نشأة الإمبراطورية الرومانية وتفاعلاتها مع شبه الجزيرة العربية، مرورًا بظهور الإسلام الذي غيّر طبيعة هذه العلاقة بشكل كبير، مرورًا بالرسائل النبوية إلى الملوك، ثم ذكر فترات الحروب بين الطرفين، ورغم الصراع، كان هناك أيضًا تنافس حضاري وثقافي أثَّر على مسيرة الحضارة الإسلامية وتطورها.

تاريخ الإمبراطورية الرومانية

نشأت الإمبراطورية الرومانية القديمة من تجمع صغير لاتيني على نهر التيبر في منطقة "لاتيوم" بوسط إيطاليا، ثم تطورت إلى إمبراطورية كبرى استحوذت على كل عالم حوض البحر المتوسط، ولقد طوَّر الرومان حضارتهم التي شكلت أساس الحضارة الغربية الحديثة.

ولقد تكوَّن تاريخ روما من ثلاث حقب رئيسية:

الحقبة الملكية

التي تأسست فيها مدينة روما حتى سنة ٥٠٩ ق.م، وحقبة الجمهورية من سنة ٥٠٩ ق.م حتى ٣١ ق.م. وعهد الإمبراطورية الذي استمر حتى سقوط روما في النهاية تحت سيادة القبائل الجرمانية في سنة ٤٧٦ ميلادية.

ووفقًا للروايات القديمة فإن روما قد تأسست يوم ٢١ إبريل سنة ٧٥٣ ق.م، ولقد احتفل الرومان القدامى بهذا التاريخ ولايزال هذا التاريخ عيدًا قوميًّا في إيطاليا.

ومنذ عام ٣٩٥ ميلادية انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: القسم اللاتيني الغربي، والقسم اليوناني الشرقي، الذي عُرف بالإمبراطورية البيزنطية، وعاصمتها القسطنطينية.

ولقد عاشت الإمبراطورية البيزنطية حتى عام ٨٥٧هـ/ ١٤٥٣م حين نجح المسلمون الأتراك في إسقاط القسطنطينية في أيديهم.

أما الإمبراطورية الرومانية الغربية فقد أخذت أمورها في التدهور حتى وقعت تحت سيطرة عدة قبائل جرمانية مختلفة.

ففي عام٤١٠ ميلادية هاجم القوط روما، وفي عام ٤٥٥م هاجمها الوندال، وأخيرًا في سنة ٤٧٦م نجح أدواكر الجرماني Odoacer في إزاحة الطفل (Romulus Augustulus) رومولوس أوجستولوس عن الحكم، وبذلك انتهى تاريخ إمبراطورية روما القديمة.

وكانت الإمبراطورية الرومانية في مطلع القرن الثالث الميلادي، وهي في حالة ضعفها، قد شهدت ظهور شخص دقلديانوس ٢٨٤ - ٣٠٥م الذي استطاع بشخصيته القوية أن يكتسب ولاء الجند، وأن يعلن نفسه إمبراطورًا، واستطاع أن يعيد الحياة للإمبراطورية الرومانية وأن يمنحها عشرين عامًا من السلام النسبي، وهي فترة حكمه، إذ استطاع خلالها أن يقيم بناءً إداريًّا محكمًا منح الإمبراطورية فرصة جديدة للحياة، وقد ظهرت جهود دقلديانوس الإصلاحية في ثلاث مجالات هي: الإدارة والجيش والمال.

وفي مايو ٣٠٥م أعلن دقلديانوس تنحيه عن عرش الامبراطورية، بعد أن أدى واجبه في إنقاذها وتدعيمها، فقد بلغ الستين من العمر، واشتد به المرض، وباعتزال دقلديانوس قامت في بلاد الإمبراطورية حرب أهلية استمرت سبعة عشر عامًا، ونشب صراع طويل حول العرش، برزت من خلاله شخصية قسطنطين.

وكان قسطنطين أحد المشاركين في الصراع والحرب الأهلية التي نشبت بعد وفاة دقلديانوس، واستطاع أن يتغلب على منافسيه حتى انفرد بحكم الامبراطورية.

وسار قسطنطين على نهج دقلديانوس في إصلاحاته الإدارية، وشهد عهد قسطنطين ٣٠٦- ٣٣٧م حدثين هامين هما: اعتراف قسطنطين بالمسيحية كديانة رسمية في الإمبراطورية وذلك سنة ٣١٣م.

كذلك نقل عاصمة الإمبراطورية الرومانية من روما على ضفاف نهر التيبر إلى روما الجديدة، التي أسماها القسطنطينية، على اسمه، على ضفاف البسفور.

وقد ساهم هذان الحدثان المهمان في ظهور ما عُرف في التاريخ باسم الامبراطورية البيزنطية أو دولة الروم.

ولقد استقر رأي قسطنطين على إقامة عاصمته الجديدة على أنقاض بلدة بيزنطة القديمة التي أسسها بيزاس في القرن السابع قبل الميلاد، وبعد أن انتهت عملية البناء قام الإمبراطور قسطنطين بافتتاحها وسط حفل كبير يوم ١١ مايو ٣٣٠م، وقد استمرت الاحتفالات مدة أربعين يومًا.

وهكذا أصبحت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وهي التي أطلق عليها الغربيون اسم الإمبراطورية البيزنطية، ولم يعترفوا بأنها رومانية، كذلك أطلق العرب المسلمون عليها اسم دولة الروم نسبة لتسميتهم من سكنها من الرومان باسم الروم فقط لا الرومان.

العرب قبل الإسلام وعلاقتهم بالرومان

أصل التسمية

عرف العرب دولة الرومان باسم بلاد الروم، وأشاروا إليها في مصادرهم الأدبية والتاريخية بهذا الاسم؛ ذلك لأن الجزيرة العربية لم تكن بمعزل عن العالم القديم، فقد كانت بسبب وقوعها في مفترق طرق ذلك العالم، مقصدًا للتجار وقبلتهم، وتعرضت هذه الجزيرة أيضًا لبعض الغزوات الخارجية برغم وعورة صحراواتها.

فقد قام الملك السلوقي اليوناني انتيوخوس الثالث بغزو البحرين، في عامي ٢٤ و٢٥ ق.م، وقام ايليوس جاليوس الحاكم الروماني على مصر بغزو اليمن بأمر من الإمبراطور الروماني أغسطس.

وفي المقابل خرج كثير من العرب من شبه الجزيرة واتصلوا بالعالم الخارجي، واتجروا معه قبل الإسلام، فسافر العرب إلى بلاد اليونان وإلى مستعمرات الروم في مصر والشام واستقر هناك بعض منهم كما عرف العرب الحضارتين الآرامية واليونانية.

كذلك كان العرب على علم بأحوال القوتين الكبيرتين اللتين كانتا تحكمان العالم آنذاك وهما دولتا الفرس والروم، ويعرفون التنافس القائم بينهما على السيادة الاقتصادية في العالم، ورغبة كل من الدولتين في فرض سيطرته على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب؛ للاستفادة من عائد تلك التجارة الغنية.

كذلك أدركوا سعى الإمبراطورية الرومانية من أجل فرض سيطرتها على بلاد الرافدين، ومنطقة أرمينية، كذلك أدركوا سعي إمبراطورية الفرس في استعادة سوريا ومصر من يد الرومان أيام حكم مليكهم داريوس، ولذلك وقعت الحرب بين الدولتين مع بداية القرن السادس الميلادي.

وكان الملك الفارسي خسرو قد قام بشن الحرب عام ٢٠٠م على الروم في منطقة القوقاز، وعقد صلحًا بينه وبين الإمبراطور الروماني جستنيان عام ٥٣٢ م استمر ثماني سنوات، ثم اندلعت بعدها الحرب بينهما، ونجح الملك خسرو في الاستيلاء على أنطاكية، ثم عقد الصلح بين الدولتين عام ٥٦٢م على أن يظل سائر المفعول مدة خمسين عامًا، لكنه لم يستمر لأكثر من عشر سنوات، فاندلعت الحرب بينهما ثانية عام ٥٧٢م.

ولقد قام كل من الفرس والروم باصطناع العرب الذين سكنوا على حدود إمبراطوريتَيهم في الشام وفي العراق، وكوَّنوا من هذه الولايات العربية ما عُرف باسم الإمارات الحاجزة لتقف في وجه القبائل العربية التي كانت تُغير على بلادهم، وتهدد الأمن في القرى الزراعية والمراكز التجارية المجاورة لتلك القبائل كلما أصابهم الجدب.

وقد سبق الفرس الروم في ذلك إذ قاموا بالاعتراف ببني لخم -وهم من قبيلة "تنوخ"- ملوكًا على دولة عرفت بدولة المناذرة، وحذا الروم حذوهم بأن اعترفوا ببني غسان -الذين كانوا على حدود الشام مع العراق- ملوكًا على دولة عرفت بدولة الغساسنة.

وقد حاول المناذرة والغساسنة أن يقلدوا حضارة الفرس والروم، فأحاط ملك الحيرة اللخمي نفسه بجميع مظاهر البلاط الفارسي، وكذلك أحاط الملك الغساني نفسه بجميع مظاهر بلاط القيصر الروماني، وتوالت وفود العرب على بلاط كسرى ملك الفرس وقيصر إمبراطور الروم.

كذلك توالت الحروب بين الدولتين العربيتين لصالح الإمبراطوريتين الكبيرتين المتنافستين، ولقد اعتنق الغساسنة المسيحية على المذهب المونوفيزيتي، مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، وهو المذهب الذي ساد في مصر وسوريا، وكان مخالفًا للمذهب الإمبراطوري الملكاني الذي ينادي بالطبيعتين للمسيح: الإلهية والبشرية.

وعندما اعتلى هرقل عرش الروم، كان الخطر الفارسي يهدد كل ممتلكات الإمبراطورية الرومانية، فقد وسع الفرس فتوحاتهم على حساب الروم، واستولوا على كل من سوريا وأرمينية ومدوا أطماعهم إلى البحر المتوسط، وطرقت قواتهم أبواب القسطنطينية، وقد ساعد الفرس على نجاح هذا التحرك العسكري انتشار الاضطرابات التي سادت ولايات الروم الشرقية؛ بسبب الخلافات الدينية بين أهاليها، واضطهاد الدولة للعناصر المونوفيزيتية المعارضة لمذهب الدولة الملكاني.

ولقد ساعد أهالي هذه البلاد الفرس في الاستيلاء على بلادهم، وفتحوا أبواب مدنهم لهم، ودلوهم على نقاط الضعف في التسليح الرومي بسبب هذا الاضطهاد، وبسبب سياسة التسامح الديني التي انتهجها الفرس في البلاد الرومية المفتوحة، وكان الفرس قد نهجوا سياسة التسامح مع المسيحيين "النساطرة" الذين اعتنقوا هذا المذهب في بلادهم.

ولقد نجح الفرس في الاستيلاء على بيت المقدس سنة ٦١٤م، وأباحوا هذه المدينة المقدسة لجنودهم ثلاثة أيام، وقتلوا عددًا كبيرًا من أهلها، وأسروا عددًا أكبر منهم، وكان من بينهم الأب "زكريا" بطريرك المدينة.

كذلك استولوا على صليب الصلبوت أهم آثار المسيحية الدينية، وهو الصليب الذي يعتقد المسيحيون أن المسيح قد صلب عليه، ونقلوه إلى عاصمتهم المدائن.

ودمرت حرائق الفرس كنيسة القيامة، التي كان قد شيدها قسطنطين الكبير، وهي من أقدس الكنائس المسيحية هناك، وبعد أن غزا الفرس سوريا واستولوا عليها جميعها، قاموا بغزو مصر وفتحها، فسقطت الإسكندرية العاصمة في يدهم سنة ٦١٩م، ثم استولوا بعد ذلك في سهولة على بقية بلاد مصر في الدلتا والصعيد.

وكان لزامًا على الروم، بعد أن تخلصوا من مشاكلهم الداخلية، أن يتصدوا لغزو الفرس لبلادهم، فتقدمت قواتهم لرد الضربة لهم، وبذلك دخلت الامبراطوريتان الكبيرتان في حرب ضروس دامت لسنوات طويلة بينهما ولم تنته بنصر لأي منهما، بل أدت هذه الحروب في النهاية إلى ضعفهما معًا وتضاعف مشاكلهما.

ولقد واجه الامبراطور "هرقل" الخطر الفارسي، ووضع حدًّا لهجمات الفرس على بلاده، ونجح في قلب هزائم الروم أمام الفرس إلى انتصارات عليهم، حتى أنه استرد معظم الأراضي التي كانوا قد استولوا عليها، وزاد على ذلك بأن قام بالهجوم عليهم في عقر دارهم.

ففي سنة ٦هـ / ٦٢٧م تقدم بجيشه ووصل إلى مدينة نينوى، القريبة من الموصل، وهناك دخل مع الجيش الفارسي في معركة كبيرة نجح هرقل في إيقاع هزيمة كبرى فيها بالفرس.

وبعد هذه المعركة عُزل كسرى عن ملكه، وحلَّ مكانه على العرش ابنه شيرويه الذي قام بقتله، والذي لم يجد بُدًا من عقد الصلح مع هرقل سنة ٧هـ/ ٦٢٨م بعد أن تأكد من عدم قدرة قواته على مجابهة قوات الروم.

وبمقتضى هذا الصلح المذل استرد الروم كل ما كان قد استولى عليه الفرس من بلاد الروم ومستعمراتها بما في ذلك مصر وسوريا، واستعاد الروم من الفرس صليب الصلبوت.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى نصر الروم هذا في سورة الروم في قوله تعالى: {الٓمٓ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ *فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ * فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} [الروم: ١-٥].

وقد جاءت إشارة القرآن الكريم إلى الرومان الشرقيين (البيزنطيين) باسم الروم صراحة، وهذا دليل على أن العرب آنذاك كانوا يعرفون البيزنطيين باسم الروم، وأن إطلاق اسم الروم عليهم بين العرب آنذاك كان شائعًا ومعروفًا.

علاقة العرب بالروم بعد الإسلام

رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم وإلى المقوقس

 واكب ظهور الإسلام السنوات الأولى لحكم إمبراطور الروم هرقل، وفي الوقت الذي شرع فيه هرقل في قتال الفرس، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة في عام ٦٢٢م؛ حيث وضع أسس وقواعد دولة الإسلام الجديدة.

وما أن فرغ من ذلك حتى شرع في توسيع نطاق الدعوة الإسلامية، فولى وجهه شطر بلاد العرب وخارجها؛ لأن الله تعالى بعثه رسولًا للعالم كافة.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية -في العام السادس للهجرة (٦٢٧م)- رسلًا من أصحابه بكتب إلى ملوك وأمراء البلاد المجاورة يدعوهم فيها إلى الإسلام والإيمان بدعوته ورسالته، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملوك والحكام لا يقبلون كتابًا غير مختوم، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصياغة خاتم له، فصيغ له خاتم من فضة ونقشت عليه عبارة "محمد رسول الله".[ظل هذا الخاتم يُختم به الكتب حتى وفاته، وخَتم به من بعده الخلفاء الراشدون، إلا أنه سقط في خلافة عثمان في بئر أريس فصُنع لعثمان خاتم غيره].

وكان من بين هؤلاء الملوك والأمراء: هرقل ملك الروم، وقيرس (المقوقس) حاكم مصر من قبله، والحارث بن أبي شمر الغساني عامل هرقل على الشام، وكان سفير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل هو: "دحية بن خليفة الكلبي"، وكتب له الرسول صلى الله عليه وسلم كتابًا، وأمره بأن يسلمه إلى حاكم بصرى ومنه إلى هرقل، وقد تلقى حاكم بصرى الكتاب من دحية، وقام بتسليمه بدوره لهرقل الذي قرأه، وقد جاء نصه كالتالي: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ؛ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ» {قُل يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: ٦٤]. 

وتروي المصادر العربية بأن هرقل تلقى كتاب الرسول الكريم بقبول حسن، وأنه استقبل سفيره بأدب وحفاوة، وأنه حاول استطلاع أمر هذا الدين الجديد.

وتحكي بعض الروايات العربية أيضًا بأن هرقل كاد أن يسلم، ولكنه ما لبث أن تراجع عن ذلك خشية أن يقتله رعاياه أو أن يفقد عرشه، بل يعلن اليعقوبي صراحة إسلام هرقل.

وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم سفارة أخرى إلى قيرس المعروف بالمقوقس، بطريرك الروم ونائب هرقل على مصر، وكان على رأس هذه السفارة حاطب بن أبي بلتعة، في نفس الوقت الذي سار فيه دحية الكلبي إلى هرقل، والتقى حاطب بالمقوقس في الإسكندرية، وأحسن المقوقس استقباله وأكرمه، وأخذ منه كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي ورد فيه ما نصه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ» {قُل يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: ٦٤]. 

ويقال إن المقوقس بعد أن قرأ الكتاب جعله في حُقٍّ من عاج وختم عليه، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتب لرسول الله أرق الردود التي وردت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء كالتالي: " باسمك اللهم... من المقوقس إلى محمد... أما بعد، فقد بُلِّغْتُ كتابك وقرأته وفهمت ما فيه، أنت تقول إن الله تعالى أرسلك رسولًا، وفضلك تفضيلًا، وأنزل عليك قرآنًا مبينًا، فكشفنا يا محمد في علمنا عن خبرك فوجدناك أقرب داعٍ إلى الله، وأصدق من تكلم بالصدق، ولولا أني ملكت ملكًا عظيمًا لكنت أول من سار إليك؛ لعلمي أنك خاتم الأنبياء وسيد المرسلين والمتقين... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إلى يوم الدين".

بداية الحرب مع الروم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر

كان المسلمون قد اشتبكوا مع الروم عندما وقفوا ضدهم مع حلفائهم من الغساسنة ونصارى العرب في معركة "مؤتة" في جمادى الأولى من سنة ثمان للهجرة (٦٢٩م)، ثم تلتها سرية "أسامة بن زيد" التي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي متأهبة للخروج فأكمل الخليفة أبو بكر الصديق سيرها.

وكانت تتألف من سبعمائة مقاتل، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد ندبهم للمسير إلى تخوم البلقاء (شرق الأردن)؛ حيث حققت هذه السرية انتصارًا على العرب المتنصرة المقيمين على أطراف الشام.

وبعد أن فرغ الصديق أبو بكر من حروب الردة، أرسل قواته إلى بلاد الشام لحرب الروم في ذات الوقت الذي أرسل فيه قواته لحرب الفرس في بلاد العراق.

ولقد تيسر لأبي بكر في أواخر سنة ١٢هـ/ ٦٣٣م أن يجهِّز عدة جيوش لحرب الروم في الشام، وقد أسند كل جيش منها إلى قائد شجاع، فجعل يزيد بن أبي سفيان (أخا معاوية) على رأس جيش دمشق، وجعل القائد اليمنى "شرحبيل بن حسنة الكندي" على جيش وجهته الأردن، و"عمرو بن العاص" على جيش وجهته فلسطين، و"أبا عبيدة بن الجراح" على جيش وجهته حمص، وانتصرت هذه الجيوش جميعها.

كذلك كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد، وهو في جيش العراق، أن يلحق بنصف قواته إلى الشام ليشارك زملاءه في حرب الروم، وامتثل خالد للأمر وشارك في معركة "أجنادين" ضد جيش رومي كان بقيادة "تيودور" أخي هرقل.

وواصل جيش الشام حروبه بعد أن توفي الصديق أبو بكر سنة ١٣هـ/ ٦٣٤م، وخلفه في الخلافة عمر بن الخطاب، وصارت قيادة الجيوش في الشام في خلافة عمر لأبي عبيدة بن الجراح بعد عزل خالد بن الوليد عن القيادة، وشارك خالد كجندي عادي مع أقرانه في إحراز النصر على الروم في معركة "اليرموك" الشهيرة سنة ١٥هـ/ ٦٣٦م.

وكان هرقل ملك الروم مقيمًا آنذاك بأنطاكية، فلما بلغه خبر هزيمة جنده قرر الانسحاب من الشام إلى عاصمته القسطنطينية، وقال عبارته التي سجل بها التاريخ تلك الهزيمة الساحقة التي حلت بالروم: عليك السلام يا سوريا ونعم البلد هذا للعدو.

وواصلت القوات الإسلامية فتح بقية بلاد الشام، ففتحت اللاذقية وحلب وأنطاكية وبيت المقدس التي تسلمها الخليفة عمر بنفسه سنة ١٥هـ / ٦٣٦م، وأعطى لأهلها عهدًا أمَّنهم فيه على عقيدتهم وأماكن عبادتهم وأموالهم.

كذلك استخلص المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب مصر من يد الروم، بعد أن أرسل إليها "عمرو بن العاص"، ثم تلا ذلك فتح بلاد المغرب التي كانت تحت سيطرة الأسطول الرومي في البحر الأبيض المتوسط.

الحروب مع الروم أيام الأمويين

استمرت الحرب بين العرب والروم منذ ظهور الإسلام، وقد حاول العرب الاستيلاء على القسطنطينية عاصمة دولة الروم ثلاث مرات: في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وفي عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وفي عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك.

وكان الأمويون قد استطاعوا منذ أن اتخذوا الشام قاعدة لهم، ودمشق حاضرة لدولتهم، أن يستفيدوا من الموقع البحري لبلاد الشام، ومن خبرة أهلها وخبرة الأقباط المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية، التي نجحت في تحويل البحر المتوسط من كونه "بحيرة رومية" إلى "بحيرة عربية إسلامية"، وذلك باستيلاء المسلمين على قواعد وجزر هذا البحر وسيطرة الأسطول الإسلامي عليها.

وقد أدى فشل المحاولات البرية في فتح عاصمة الروم من جانب المسلمين إلى التفكير في فتحها بحريًّا، الأمر الذي دفعهم إلى الاهتمام ببحريتهم وأسطولهم.

محاولة إسقاط عاصمة الروم

قامت قوات المسلمين بغزو بلاد الروم في عهد الوليد بن عبد الملك بقيادة أخيه القائد الكبير مسلمة بن عبد الملك، الذي قام بعدة حملات سنوية على التوالي على بلاد الروم في الفترة ما بين سنوات ٨٦ و٩٠ هجرية / ٧٠٥- ٧٠٩م، فتح خلالها بعض حصون الروم وبخاصة حصن طوانة أعظم حصون قبادوقيا، وحصن غزالة، وحصن الأخرم، ومدن عمورية، وهرقلة، وسمسطية، وأنطاكية.

وقد شرع سليمان بن عبد الملك في فتح القسطنطينية فوجه أخاه مسلمة لفتحها على رأس جيش كبير، وبعد أن بدأ حصار جيش مسلمة لعاصمة الروم جاءه خبر وفاة سليمان بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة ٢٠ صفر سنة (٩٩هـ/٧١٧م).

وكانت هذه عاصمة الروم حتى تم فتحها على يد الأتراك عام (٨٥٧هـ/١٤٥٣م).

الصوائف والشواتي

 صار النزاع بين العرب والروم في العصر العباسي ينحصر في إغارات حدودية الغرض منها الهدم والتدمير، أي انحصرت في تلك الغارات التي كانت تقع عبر المنطقة الحدودية الفاصلة بينهما، والتي عرفت عند المسلمين باسم الثغور.

وكانت الغارات الحدودية تحدث في أغلب الأحيان في فصل الصيف؛ نظرًا للطبيعة الجبلية لهذه المنطقة التي يصعب التحرك فيها شتاءً لتغطية الثلوج لجبالها، ولذلك عرفت هذه الغارات باسم "الصوائف"، كما كانت هناك غارات تتم في الشتاء لكنها قليلة عرفت "بالشواتى"، وكان خروج الصوائف يتم ما بين منتصف شهر مايو ولمدة شهر، والشواتي في منتصف شهر مارس ولا تزيد عن عشرين يومًا.


مصادر ومراجع للاستزادة
  • ابن إسحق: المغازي.
  • ابن سعد: الطبقات الكبرى.
  • ابن كثير: السيرة النبوية.
  • ابن هشام: السيرة النبوية.
  • الطبري: تاريخ الرسل والملوك.
  • ياقوت الحموي: معجم البلدان.

الخلاصة

نشأت الإمبراطورية الرومانية من تجمع صغير في وسط إيطاليا وتطورت إلى حضارة عظيمة أثرت في الغرب الحديث، انقسمت لاحقًا إلى الإمبراطورية البيزنطية في الشرق والرومانية الغربية في الغرب، استمر الصراع بينها وبين المسلمين، مع محاولات لفتح القسطنطينية، لكنه كان صراعًا صاحبه تأثير حضاري متبادل.

موضوعات ذات صلة

كان هذا الفتح نقطة تحول في التاريخ العثماني والعالمي.

هم سكان المغرب الأصليون، الذين عُرفوا عبر التاريخ بـالبربر.

هو اسم أطلق على أحد الأجناس الثلاثة الكبرى التي ينقسم إليها النوع الإنساني.

موضوعات مختارة