السرايا حملات عسكرية أرسلها النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- دون مشاركته الشخصية، بينما قاد الغزوات بنفسه، وكان لها دور حاسم في مواجهة أعداء الإسلام وتعزيز قوة المسلمين؛ مما ساهم في انتشار الدعوة الإسلامية وحماية الدولة.
السرايا حملات عسكرية أرسلها النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- دون مشاركته الشخصية، بينما قاد الغزوات بنفسه، وكان لها دور حاسم في مواجهة أعداء الإسلام وتعزيز قوة المسلمين؛ مما ساهم في انتشار الدعوة الإسلامية وحماية الدولة.
السَّريِّة هي ما لم يخرج فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما التي خرج وحارب فيها صلى الله عليه وسلم فهي الغزوة.
واختلف المؤرخون في عدد سرايا النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعوثه، وذكر ابن هشام أن جملة سرايا النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعوثه ثمانية وثلاثون سرية، وذكر ابن سعد في (الطبقات) أنها سبع وأربعون سرية، وقيل: غير ذلك، كما اختلفوا في بعض الأمور في تواريخ بعض تلك السرايا، ومنها الآتي:
في أول رمضانَ أمضاه -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، كانت أولى المناوشات بين المسلمين وبين كفار قريش، فقد عقد فيها لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض، فخرج على رأس ثلاثين فارسًا من المهاجرين إلى منطقة سيف البحر (أي ساحله) عند شاطئ البحر الأحمر من ناحية العيص، وهي من أرض جهينة، ليعترض قافلة لقريش يقودها أبو جهل بن هشام تضم ثلاثمائة فارس من أهل مكة، وانصرف القوم دون قتال، إذ حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعًا للفريقين، وكانت تلك أول راية عقدها النبي -صلى الله عليه وسلم- لواحد من المسلمين.
أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- عبيدة بن الحارث ومعه من ستين إلى ثمانين فارسًا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، أرسله إلى رابغ، وقد عقد له لواء أبيض حمله مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، والتقت هذه السرية بقافلة لقريش قرب ماء أحياء أسفل ثنية المرة على عشرة أميال من الجحفة، فتراشق الفريقان بالسهام دون التحام، وقيل: إن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم كان أوَّلَ سهم رُمِي به في الإسلام، وفَرَّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني، حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني، حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا قد أسلما، وكان قائد قافلة قريش يومئذ عكرمة ابن أبي جهل.
عقد له النبي -صلى الله عليه وسلم- لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني، وخرجت السرية تضم ثمانية من المهاجرين، ساروا حتى بلغوا الخرار من أرض الحجاز، ثم رجعوا ولم يلقوا كيدًا، وكان ذلك في ذي القعدة من العام الأول من الهجرة، وقال ابن هشام: إنَّ بَعْثَ سعد هذا كان بعد بَعْثِ حمزة.
بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن جحش في رجب من العام الثاني للهجرة على رأس نفر قليل من المهاجرين، ودفع إليه كتابًا أمره ألا يفضه إلا بعد يومين من رحيله، فخرج، ولما فتح الكتاب حسب أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وَجَد في هذا الكتاب: إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزلَ نخلة فترصد بها قريشًا وتعلمَ لنا من أخبارهم.
وتخلف عن الركب سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، حيث كانا يبحثان عن بعير لهما كانا يتبادلان ركوبه، فأسرتهما قريش، ومضى عبد الله بن جحش في طريقه حتى وصل نخلة، ومرت بهم عير لقريش عليها عمرو بن الحضرمي، كان ذلك آخر يوم في رجب، وتشاور المسلمون فيما يفعلونه، فقال أحدهم: والله لو تركتم القوم هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحرمَ، فليَمتَنِعُنَّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتُلُونَّهُم في الشهر الحرام، وكما روى ابن هشام والطبري تردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم تشجعوا وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، وانتهى الأمر بمصرع عمرو بن الحضرمي، وأسر رجلين من قريش.
وعزل ابن جحش خُمس الغنائم للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك قبل أن يفرضه الله تعالى، وقسّم باقي الغنائم بين أصحابه، وعاد المسلمون بالأسيرين وغنائمهم إلى المدينة، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وأبى -صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ من الغنائم شيئًا، وكما يقول الطبري:ِ سُقِطَ في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفَهم المسلمون لصنيعهم، وقالت قريش: إن محمدًا وأصحابه استحلوا الشهر الحرام فسفكوا الدماء وأسروا الرجال وأخذوا الأموال.
وقد دافع المسلمون بمكة عن إخوانهم المهاجرين فقالوا: إنما أصابوا ما أصابوه في أول شعبان وليس آخر رجب، واستغل اليهود الفرصة للإساءة إلى المسلمين، وحَسَمَ الموقفَ نزول الآيات الكريمة: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ} [البقرة: ٢١٧]، وكان الأسيران عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان.
وكانت سرية عبد الله بن جحش في مفترق طرق رغم ضآلة عدد المشاركين فيها، فقد صارت نقطة تحول في سياسة الدولة الإسلامية، إذ شرع أن يقاتلوا الذين يفتنونهم عن دينهم، وذلك التشريع كان أول أمر بالجهاد في سبيل الله.
وأطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأسيرين مقابل إطلاق قريش سراح سعد وعتبة، وقد أسلم أحد الأسيرين وهو الحكم بن كيسان، وأقام في المدينة، وعاد الآخر إلى مكة وهو عثمان بن عبد الله، ويذكر ابن هشام أن الله عز وجل قسّم الفيء حين أحله فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه الله عليهم، وخُمسًا إلى الله ورسوله، وهو ما كان عبد الله بن جحش قد صنع في تلك العير، والتي كانت أول غنيمة غنمها المسلمون، وكان عمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون، وتولى المهاجرون هذه السرايا وحدهم دون الأنصار؛ لأن معاهدة العقبة كانت دفاعية.
كانت أول سرية كلّف بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيدَ بن حارثة أميرًا عليها، والقردة من أرض نجد تقع بين الربذة والغمرة، وسبب السرية أن قريشًا بعد ما حدث في واقعة بدر خافت طريق التجارة إلى الشام، فسلكوا طريق العراق، فقد خرجت قافلة من التجار فيهم صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، وقيل: أبو سفيان بن حرب، بفضة كثيرة، وكان دليلهم فرات بن حيان، استأجروه وهو من بني بكر بن وائل، وخرجت القافلة القرشية إلى ذات عِرق على طريق العراق، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأرسل زيدَ بن حارثة في نحو مئة فارس لاعتراضهم، وقد تمكنوا من العير ورجعوا بها إلى المدينة بعد أن أسروا دليل القافلة فرات بن حيان، وذلك بعد أن فرّ أغلب رجال القافلة، وقد اعتنق فرات بن حيان الإسلام وحَسُنَ إسلامه، وقد خَمَّسَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- تلك الغنائم وبلغ الخُمْسُ عشرين ألف درهم، وبذلك تمكن المسلمون في المدينة من السيطرة على كل طرق التجارة مما سيكون له أثره الكبير على كسر شوكة قريش وتصديها للدولة الإسلامية النامية في المدينة.
عَلِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد صارا في قومهما ومن أطاعهما من بني أسد يدعون لغزو المدينة، فكلّف أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي بالسير إليهم، ومعه نحو مئة وخمسين من المهاجرين والأنصار معًا، وبعثه إلى "قطن" وهو جبل فيه ماء لبني خزيمة، ووصلها أبو سلمة فأغار على سرح لبني أسد واستولى عليه، وأسر ثلاثة من رعاته، وأفلت الباقون فحذروا قومهم ففروا هاربين، قَسَّمَ أبو سلمة أصحابه ثلاثَ فرق فلم يجدوا مقاومة تذكر فجمعوا كثيرًا من الإبل والشاة ورجعوا سالمين إلى المدينة.
أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- في أربعين رجلًا إلى الغمر (غمر مرزوق) وهو ماء لبني أسد على ثمانين كم من خيبر، وهي قلعة على طريق مكة، فلما وصلها كانت له طلائع فيهم ثابت بن أقرم، وشجاع بن وهب، ونظر عكاشة بن محصن فلم يجد من القوم أحدًا، لكن شجاع بن وهب أخبره أنه وجد آثار إبل فانطلقوا ووجدوا رجلًا من القوم قائمًا فاستجوبوه وعرفوا منه أن القوم فروا هربًا، ودلهم على مكان فيه بعض منهم، فأغاروا عليهم فهربوا أيضًا فاستاقوا مائتي بعير وعادوا سالمين إلى المدينة.
أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- في عشرة فرسان إلى بني ثعلبة بن سعد فوصلها ليلً -بينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلًا على طريق الربذة- متعبين فناموا؛ لأنهم لم يجدوا أحدًا، فالقوم نصبوا لهم كمينًا، فلما نام محمد بن مسلمة وأصحابه، ظهروا من مَكْمَنِهم فجأة وهجموا عليهم فاستُشْهِدوا، ونجا محمد بن مسلمة وحده جريحًا بعد معركة ليلية شرسة، وجَرَّد الأعرابُ القتلى من الثياب وانطلقوا، ومرّ عليهم رجل فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فتحرك محمد لمَّا سمعه وعرف أنه مسلم، فعرض الرجلُ على محمد الطعام والشراب وحمله حتى جاء به إلى المدينة، وقد حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَّا صار إليه أمر هذه السرية وما حدث لرجالها.
أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- في أربعين رجلًا على طريق الربذة إلى مصارع رجال سرية محمد بن مسلمة، فلم يجدوا من بني ثعلبة وبني عوال أحدًا، ورأوا إبلًا وشاءً فساقوها وعادوا إلى المدينة.
أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- في كتيبة من المسلمين إلى بني سليم فحض حتى بلغ الجموم، فلم يرَ فيها أحدًا، فرأى امرأة من مُزَيْنَة تُسمى حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم فوجد فيها نعمًا وغنمًا وأسرى فساق ذلك كله إلى المدينة، وكان فيهم زوج حليمة، وقد كافأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبها نفسها وزوجها فعادا إلى مضارب قومهما.
تبعد العيص عن المدينة مسيرة أربع ليال، وقد علم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عيرًا لقريش أقبلت من الشام فأرسل زيد بن حارثة في مئة وسبعين من المسلمين وأمرهم أن يأتوا العيص ويعترضوا القافلة، فاستولى عليها فعلًا وقد أسر رجالًا من حراسها، كان فيهم أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما انتهى المسلمون من صلاة الفجر في مسجد المدينة أعلنت زينب رضي الله عنها أنها أجارت أبا العاص بن الربيع، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامها فأعلن أنه لا يعرف شيئًا عن ذلك، وأنه قد أجار من أجارت زينب، وأعاد إلى أبي العاص ما أخذوه منه، وذكر المؤرخون أنه -أي أبو العاص- عاد إلى مكة وأدَّى إلى كل ذي حق حقه، ثم أعلن إسلامه وأخذ طريقه راجعًا إلى المدينة حيث أعاد له النبي صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة زينب بنت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وهو ماء قريب من المراض، يبعد ستة وثلاثين ميلًا من المدينة، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في خمسةَ عشرَ رجلًا إلى الطرف إلى بني ثعلبة، فخافوا من المسلمين وهربوا تاركين إبلهم وأغنامهم، فاستولى عليها، وعاد سالمًا بجنوده إلى المدينة بعد أربعة ليال.
في جمادى الآخرة سنة ٦هـ قدم رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبعي على النبي -صلى الله عليه وسلم- في هدنة الحديبية وأهدى إليه غلامًا وأسلم فحسُن إسلامه، وكتب له النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا إلى قومه يدعوهم فيه إلى الإسلام فأسلموا، ثم ساروا إلى حرة الرجلاء، ثم إنَّ دحية بن خليفة الكلبي رجع إلى الشام من عند قيصر الذي أجازه بمال وكساء وهدايا، حتى إذا كان بأرض جذام أغار عليه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد وهما من جذام فأخذا كل ما معه، وبلغ ذلك نفرًا من بني الضبيب قوم رفاعة ممن كان أسلم فنفروا إلى الهنيد وابنه فاقتتلوا واستنقذوا كل شيء سلبه من دحية، وردوه إليه، فقدم دحية على النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره الخبر، فأرسل لهم -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في جيش فأغاروا وقتلوا الهنيد وابنه وأخذوا ما وجدوه من مال، فلما سمع بذلك بنو الضبيب رهط رفاعة بن زيد سار بعضهم إلى زيد بن حارثة، فقالوا له: إنا قوم مسلمون، فقال زيد: فاقرأوا أم الكتاب، وقرأها حسان بن ملَّة، ورأى زيد من رفاعة ما نزل بقومه، فرحل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه ودفع إليه الكتاب الذي كان قد كتبه إليهم حين أسلم، وقال: يا رسول الله، لا تحرم علينا حلالًا ولا تحل لنا حرامًا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم عليًا فرد عليهم ما أخذ من أموالهم ونسائهم وأطفالهم، ورد إلى القوم كل ما كان أُخِذَ منهم.
دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن بن عوف وأجلسه بين يديه وعممه وقال له: اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله، لا تغلل ولا تقتل وليدًا، وبعثه إلى كلب، وكانت تسكن دومة الجندل، وقال له: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فخرج عبد الرحمن بن عوف وراح يدعو كلبًا إلى الإسلام ثلاثة أيام فأسلم منهم بشر كثير على رأسهم سيدهم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًا، وأقام من بقي من المشركين على دينه، على دفع الجزية، وتزوج عبد الرحمن بن عوف من تماضر ابنة الأصبغ وقدم بها إلى المدينة وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًا بن أبي طالب في مئة رجل إلى بني سعد بن بكر في فَدَك -وهي قرية على طريق المدينة من جهة خيبر على مسافة ست ليال- وسببها أنه قد بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن بني سعد بن بكر يتجمعون لمعاونة يهود خيبر على حرب المسلمين بالمدينة نظير تمر خيبر أو جزء منه، لذلك رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يتصدى لهم، فأرسل عليًّا بمن معه، فسار إليهم وكان يسير الليل ويكمن النهار، وفي الطريق التقوا برجل من المشركين من أهل فَدَك أرسلوه للاتفاق مع يهود خيبر، فأعطوه الأمان وسألوه عن قومه فدلَّهم ووعدوه بتمر خيبر إن انضم إلى المسلمين وناصرهم، فأفسدوا بذلك اتفاق بني كلب مع يهود خيبر من ناحية، وعرفوا منه مواضع العدو ففاجأوهم، فهرب الرُّعاة، وحذَّروا قومَهم، فاستاق المسلمون النعم ورجعوا إلى المدينة ومعهم خمسمائة بعير عدا الشاء.
كان زيد بن حارثة قد رجع من الشام في تجارة وأثناء عودته في رجب طلع عليه رجال من بني فزارة من بني بدر فضربوه وأخذوا ما معه، وعاد صفر اليدين إلى المدينة؛ لذا أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- مولاه زيد بن حارثة في كتيبة من المسلمين إلى ناحية وادي القرى وذلك في رمضان، وقد استطاعت هذه السرية أن تثأر من العدو بقتل عدد من رجالهم من بني بدر، وتأسر فرقة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، عجوز كبيرة، وكان مصيرها القتل لتحريضها رجالهم على زيد وأصحابه، وقد كانت معها ابنتها وهي جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، أسروها فكانت من نصيب سلمة بن عمرو بن الأكوع فوهبها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأرسلها إلى حزن بن أبي وهب فولدت له عبد الله بن حزن.
العرنيون هم الذين قتلوا راعي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كرز بن جابر في سرية معه عشرون فارسًا هو أمير عليهم إلى العرنيين، وكان هؤلاء قد جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعلنوا إسلامهم، وزعموا أن هواء المدينة لا يصلح لهم، فسمح لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقيموا في مراعي لقاحه، فأقاموا حتى برأوا، ثم استاقوا اللقاح وولوا شطر بلادهم، ولما اعترضهم يسار مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه نفر أخذوه وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك فبعث في إثرهم كرز بن جابر في هذه السرية، فأدركوهم وأحاطوا بهم وأسروهم وقَدِموا بهم إلى المدينة، فأمر بهم -صلى الله عليه وسلم- فقطعت أيديهم وأرجلهم وسُمِلَت أعينهم وصُلِبوا هناك، وقد نزل في هؤلاء قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: ٣٣]، فلم يَسْمِل صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عينًا، وكان اللقاح خمس عشرة لقحة ردوا إلى المدينة وفُقِدَت لقحة فقيل نحروها.
كان أبو سفيان بن حرب قد حَرَّضَ أهل مكة على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان في المجلس أعرابي اتفق مع أبي سفيان فأعطاه بعيرًا ونفقة، فانطلق الأعرابي إلى المدينة وسأل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فدلوه عليه، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن هذا الرجل فيه غدر، فلما دنا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ليرتكب جرمه جذبه أسيد بن حضير فاضطرب الرجل وسقط خنجره من بين طيات ملابسه، فسقط في يده وقال: دمي، فقبض ابن حضير على رقبته فاستمهله النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلب من الرجل أن يخبره خبره، فاشترط الأمان فأجيب إليه، فلما تبين له -صلى الله عليه وسلم- ما كان من أبي سفيان أطلق الرجلَ، وكان قد أسلم، لذلك أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن أمية، وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان وقال لهما:
إن أصبتما منه غِرَّة فاقتلاه، فوصلا مكة، وعرف معاويةُ بن أبي سفيان عمرو بنَ أمية، وكان فاتكًا في الجاهلية، فأدرك أنه لم يأت لخير، فلما تَكَشَّفَ أمرُه هربَ هو وسلمةُ ولكن قتل في طريقه عمرو بن عبيد الله بن مالك التميمي وآخرين، وأسر رجلًا عاد به إلى المدينة، ويبدو أنهم كانوا تعرضوا له.
ذلك أن جمعًا من هوازن بتُرَبَة (وادٍ على مسافة يومين من مكة) كانوا يُعادون المسلمين وبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- فأرسل عمر بن الخطاب ومعه ثلاثين مقاتلًا إلى عجز هوازن بتربة يقصد بها بني جشم بن معاوية بن بكر، وبني نصر بن معاوية بن بكر، وسعد بن بكر وثقيف بن منبه بن بكر، وكان معهم دليل، من بني هلال، فلما أتى الخبر هوازن هيبتهم فهربوا، فلما وصل عمر بن الخطاب ورجاله إلى أرضهم لم يلق منهم أحدًا فانصرف راجعًا إلى المدينة دون قتال.
بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر إلى فزارة، فلما اقتربوا من الماء عرس أبو بكر وبعد صلاة الصبح شنوا الغارة، وكان معه جماعة من المسلمين، وكان شعارهم: أَمِتْ أَمِتْ، فقتلوا أناسًا كثيرين وساقوا الغنائم والسبايا، وجاء سلمة بن الأكوع ببعض السبايا إلى أبي بكر، وكان فيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب، فنفله أبو بكر ابنتها، فلما رجعوا إلى المدينة التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلمة بن الأكوع فقال له: يا سلمة هب لي المرأة! فقال له: يا نبي الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، فسكت حتى إذا كان في الغد لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال له: هب لي المرأة لله أبوك! فقال له: هي لك يا رسول الله، فبعث بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثين رجلًا إلى بني مرة بفَدَك، فلما وصلها لم يجد غير رعاة الشاء فاستاق النعم والشاة ورجع إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فتجمعوا وأدركوه عند الليل واشتبكوا بالنبل، وحملوا عليهم فأصابوا أصحاب بشير الذي ضرب حتى قيل إنه مات، ثم رجعوا بنعمهم وشائهم ورجع معهم بشير بن سعد.
بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة وهم بالمدينة، وراء بطن نخلة ناحية نجد على مسافة ثمانية أميال من المدينة، ومعه مئة وثلاثون رجلًا، دليلهم يسار مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوصلوا أرضهم وهجموا عليهم فقتلوا مَن قتلوا واستاقوا نعمًا وشاءً ورجعوا إلى المدينة دون أسرى.
وفي هذه السرية قَتَل أسامة بن زيد الرجلَ الذي قال لا إله إلا الله، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: «هَلَّا شَقَقْتَ قَلْبَهُ فَتَعْلَمَ َصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟» فقال أسامة: لا أقاتل بعدها من يشهد أن لا إله إلا الله.
بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فيهم عمر بن الخطاب إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر على مسافة خمس ليال من المدينة، فأصابهم في الطريق جوع شديد بعد أن نفد زادهم وكان جراب تمر، وكانوا يتصيدون الخبط أي ورق الشجر فيَسْحقونه ويسِفُّونه ويشربون عليه الماء، فكان نعم الأمير والقائد الذي يصبر على المصاعب في سبيل تحقيق الهدف، وكان قيس بن سعد قد ابتاع جزورًا ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حوتًا عظيمًا فأكلوا منه، وبعد ذلك كله أكلوا الخبط، ولم تكن غاية هذه السرية سوى إثبات الوجود في المنطقة، ولم يلق المسلمون بها عدوًا ولم يلقوا كيدًا.
بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا قتادة الحارث بن ربعي ومعه خمسة عشر رجلًا إلى غطفان في أرض محارب بنجد، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار بالليل وكمن بالنهار، فلما قدم إليهم هجم على جمع منهم عظيم فأحاط بهم، فصاح رجل منهم: يا خضرة! فكان بينهم قتال، وقتل منهم كثير واستاقوا من الإبل مائتي بعير ومن الغنم ألفي شاة وسبوا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخُمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهل السرية، فأصاب كل رجل منهم اثني عشر بعيرًا، وجعلوا البعير بعشر من الغنم غير السبي، وعادوا إلى المدينة بعد خمس عشرة ليلة.
العزى من أصنام الجاهلية، وكانوا يسمون بها عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانت من أقدم ما سمت به العرب، وكانت أعظمَ الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وكانت قريش في طوافها قبل الإسلام تقول: واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيقُ العُلي، وإن شفاعتهن لتُرْتَجَى، وكانوا يقولون: إنهن بنات الله، عز وجل، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، وبعد فتح مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقال له: انطلق إلى شجرة ببطن مكة فاعضدها، فخرج خالد في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها ثم رجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره فسأله الرسول -صلى الله عليه وسلم: «هَلْ رّأّيْتَ شَيئًا؟» قال: لا. قال: «فَإِنَّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا، فَارْجِعْ إِلَيْهَا وَاهْدِمْهَا»، فرجع خالد، فجرَّد سيفه فخرجت إليه امرأة حبشية سوداء نافشة شعرها، فضربها فغلق رأسها ثم عَضَدَ الشجرة، ثم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدًا، كان ذلك أواخر رمضان سنة ٨هـ.
سُواع من أقدم أصنام العرب، وقد كان أول من غيَّر دين إسماعيل عليه السلام فنصب الأوثان عمرو بن ربيعة، وهو لُحَي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة، وهو الذي قاتل جرهم حتى أخرجهم عن حرم مكة واستولى على مكة بعد أن أجلاهم وتولى حجابة البيت بعدهم، وكان قد مرض مرضًا شديدًا فقيل له: إن من البلقاء من أرض الشام حمَّة إن أتيتها بَرِأْتَ، فأتاها فاستحم بها فَبَرِأَ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فسألهم عنها فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة، كان أول من اتخذ تلك الأصنام من ولد إسماعيل هذيل بن مدركة؛ اتخذ سُواعا، وكان سدنته بني لحيان.
وقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- حين فتح مكة عمرو بن العاص إلى سُواع صنم هذيل ليهدمه، فذهب إليه ووجد عنده السادن فقال لعمرو: ماذا تريد؟ فرد عليه: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، فقال له عمرو: ولم؟ قال السادن: سوف تُمنع! فقال له عمرو: ويحك! وهل يسمع أو يبصر؟! ثم أقبل عليه فكسره وأمر أصحابه أن يهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئًا، ثم قال عمرو بن العاص للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
كان بنو جذيمة بأسفل مكة، قيل: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقيم بمكة بعد الفتح بعثه إلى بني جذيمة داعيًا إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلًا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار وبني سليم فأتاهم فدعاهم إلى الإسلام.
ذكر ابن إسحاق ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد إلى الغُمَيْصَاء، ماء من مياه جذيمة بن عامر بن عبد مناة، داعيًا إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يومٌ، أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرناه، فرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مرتين. [أخرجه البخاري في المغازي باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا إلى بني جذيمة حديث رقم ٤۳۳۹، ۷۱۸۹، النسائي في القضاء باب إذا قضى الحاكم بغير حق: ٨/٢٣٦، أحمد في المسند: ٢/١٥١، وابن سعد في الطبقات: ٢/١٤٧، ١٤٨، وإن اختلفت رواية ابن سعد شيئًا ما عن البخاري وأحمد غيرهم].
ذكر ابن هشام أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: هل أنكر عليه أحد؟ فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض وربعة فنهمه [نهمه زجره] خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فراجعه، فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فهو ابني عبد الله، وأما الآخر فهو سالم مولى حذيفة، قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به صلى الله عليه وسلم، فَوَدَى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى إنه ليَدي ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه من المال بقية، فقال لهم علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يُوْدَ لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله فأخبره الخبر فقال: أصبت وأحسنت، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائمًا شاهرًا يديه حتى إنه ليُرَى ما تحت منكبيه، يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات.
وقد قال خالد: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السَّهمي، قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام، وقد قالوا: صبأنا صبأنا، وكانوا يَعْنُون: دخلنا في دين محمد، وكانوا يُسَمُّونَ النبي -صلى الله عليه وسلم- الصابئ؛ لأنه خرج من دينهم، يقال: صبأ الرجل، إذا خرج من دين إلى دين آخر.
بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليًا في خمسين ومئة فارس من الأنصار في مهمة هدم الفُلْس صنم طيء، وكان معهم مئة بعير وخمسون فرسًا ولواء أبيض، فساروا إليه فوصلوا مع الفجر فهدموا الصنم وأحرقوه، وقد ثار أهل منطقة طي، وحاربوا عليًا ومن معه فهزمهم وساق عليٌ الغنائم والكثير من السبي، وكان من الغنائم ثلاثة أسياف كانت في خزانة الفُلْس: رَسوب والمِخْذَم والثالث يقال له اليماني، وكذلك ثلاثة أدرع.
وكان عدي بن حاتم الطائي قد هرب إلى الشام فوقعت أخته في السبي وهي سفانة بنت حاتم الطائي، ورجع علي إلى المدينة، وقد طلبت سفانة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يَمُنَّ عليها فاستجاب لمطلبها لكرم أبيها وفضائله، وقد أسلمت وحَسُن إسلامها.
عكاشة بدري شهد المشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما قاد سرية القمر، أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الجناب وهي أرض قبيلتي عُذْرَة وبَلِيّ، جاء ذلك في طبقات ابن سعد دون ذكر التفاصيل، كان ذلك بعد فتح مكة، ولا شك أن في ذلك إحكامًا لسيطرة المسلمين على أطراف ونواحي شبه الجزيرة العربية وتدعيمًا للدعوة الإسلامية.
عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟» قلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس، كانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فضرب يده على صدري وقال: «اللهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» قال: فما وقعت عن فرس بعدها، قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة، فيه نُصُب يقال له: الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها ثم بعث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات، [أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذي الخلصة الأحاديث رقم ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، وانظر أرقام ٢٠٢٠، ٣٠٣٦، ۳۸۲۳، ٦٠٨٩، ٦٣٣٣، وعند مسلم في باب فضائل الصحابة باب فضائل جرير بن عبد الله حديث ٢٤٧٦، أحمد في المسند: ٤/٣٦٠، ٣٦٣، ٣٦٥]، والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة: اسم البيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة، واسم الصنم ذو الخلصة، وكان يطلق على البيت الكعبة اليمانية.
تولى المهاجرون وحدهم السرايا الأولى دون الأنصار؛ لأن معاهدة العقبة كانت دفاعية من جانبهم، فلم يكلفهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالاشتراك في الهجوم على القوافل التجارية لقريش، ولم يَدْعُهُم إلى ذلك، بل إنه حين أغارت قريش على سرح المدينة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين وحدهم.
والقصد من هذه السرايا إفهام قريش أن مصلحتهم تقتضي التفاهم مع المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة، مما يمكن لهم من حرية الدعوة إلى دينهم، كما كانت هذه السرايا تُوقِع الرعب في قلوب يهود المدينة وغيرهم من الذين يضربون حولها، والذين أبدوا عداءً شديدًا للإسلام والرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما كانت هذه السرايا ترفع الروح المعنوية للمسلمين وتُشْعِرُهم بقوتهم، وهكذا أدركت قريش ما وصل إليه المسلمون من قوة.
تُعرّف السرايا بأنها: العمليات العسكرية التي لم يخرج فيها النبي بنفسه، بينما الغزوات هي التي قادها، واختلف المؤرخون في عدد هذه السرايا، حيث يُرجّح أن عددها كان بين (٣٨ -٤٧) سرية، وتتضمن السرايا العديد من الأحداث المهمة، مثل: سرية حمزة بن عبد المطلب وسرية عبيدة بن الحارث، والتي شهدت أولى المواجهات مع كفار قريش، وللسرايا دور كبير في رفع الروح المعنوية للمسلمين ضد أعدائهم، وللسرايا تأثيرها في دفع قريش إلى التفاوض مع المسلمين، مما ساعد على نشر الدعوة الإسلامية.