وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
بدايتها: تنسب هذه الدولة إلى صفي الدين الأردبيلي (٦٥٠-٧٣٥هـ - ١٢٥٢-١٣٣٤م) الذي كان شيخًا لطريقة صوفية [أحمد الخولي: الدولة الصفوية تاريخها السياسي والاجتماعي - علاقتها بالعثمانيين، ص ٣٦، القاهرة ١٩٨٢م]، وهو الجد الأعلى للشاه إسماعيل الأول الذي كان له النصيب الأوفر في تأسيس هذه الدولة عام (٩٠٧هـ - ١٥٠٢م) [نظام الدين شيباني: تشكيل شاهنشاهي صفوية، إحياي وحدت ملي، صـ ٨٨، تهران١٣٤١هـ. ش].
وكانت مدينة أردبيل عقر دار طريقة الشيخ صفي التصوفية [ساعد الوضع الجغرافي لهذه المدينة على تزكية هذه الطريقة فيما بعد، إذ اكتسبت ولاية أذربيجان التي تقع بها مكانة كبيرة بعد سقوط بغداد، واتخاذ المغول من عاصمتها تبريز مقرًا لهم، وأردبيل تقع على بعد عدة أميال شرقي تبريز، ويستقر جبل سبلان بارتفاع (٤٨١١م) بينها وبين العاصمة، وتبعد٣٠ ميلًا عن بحر الخزر من خلال سهل ساحلي ضيق لمنطقة لطائش بجيلان، والذي يستقر فيه باب الأبواب (دربند)، وقد كتب الرحالة عنها الكثير من حيث العمران والتخريب الذي أصابها إثر غارات الأعداء، ثم إعادة ترميمها بفعل سكانها الأشداء من أمثلة هؤلاء الرحالة: ياقوت الحموي].
وقد حظيت طريقة الشيخ صفي بجمع كبير من المريدين ازدادوا عددًا ليس في إيران فحسب، بل في الولايات التركية، والشام، والعراق بتأثير دعايتهم القوية، خاصة بعد زواجه من فاطمة ابنة الشيخ زاهد الجيلاني [حظى الشيخ زاهد بمكانة طيبة في العصر الصفوي، باعتبار شجرة نسبه التي تنتهي إلى علي بن أبي طالب من ناحية، وبالنظر إلى أنه المرشد الروحي للشيخ صفي من ناحية أخرى] الذي أوصى بتولي الشيخ صفي مقام الإرشاد للطريقة، وسارت أخلاقه على هذا النهج [أحمد الخولي: المرجع السابق، صـ ٢٩]، ويصف حسين بير زاهدي (صاحب سلسلة النسب صفوية) الشيخ صفي بما يلي: كان مربوع القدّ، لحيم الخدّ، عريض اللحية، كثير المحاسن، كحيل العينين، غليظ الحاجبين.
كان التصوف قد بدأ يشق طريقه إلى المجتمع الإيراني في هذا الوقت، وأخذت فرق الدراويش تنتشر، ويقوى ساعدها كنتاج طبيعي لحالة الفساد الذي انتشر في العالم الإسلامي عامة أثناء حكم المغول والتيموريين من بعدهم من جهة، وكرد فعل لما تركه هذا الحكم من آثار نفسية مدمرة في نفوس الناس من جهة أخرى [وجد التصوف في إيران بيئة صالحة، وبخاصة في الجنوب الشرقي منها ابتداءً من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، وقد كانت جميع الظروف السياسية والنفسية والاجتماعية تمثل ركائز قوية له، وقد اتخذ بها عدد من الشعراء الإيرانيين - اعتبارًا من هذه الفترة - منهجًا لهم، مثل: جلال الدين الرومي، وقاسم أنوار، وبذلك لم يعد التصوف نوعًا من النظريات، وبدأ بأخذ شكلين عمليين: الأول: فرقة الدراويش التي شرعت في الظهور إبان انشقاق السلاجقة، وأكدت وجودها في إقامة دويلات كالسربدارية مثلًا، وتمتعت بحب الناس والتفافهم حولها، ومنها أيضًا: تلك التي ترأسها الشيخ صفي، أما الثاني: فهو الجانب العرفاني من التصوف وهو أعلى درجاته، فقد وجد صداه في نفوس الخاصة من أفراد المجتمع الإيراني، وفتح آفاقًا جديدة للأدب الفارسي، وهذا النوع من التصوف يبدو واضحًا في أشعار جلال الدين الرومي، وعبد الرحمن الجامي].
وبذلك تحولت فرقة الدراويش التي كان يتزعمها الشيخ صفي إلى مركز مذهبي لبث الدعوة الشيعية، ووجدت في ذلك المساندة من بعض العناصر الإيرانية، وبدأ رؤساء الطريقة من أولاد الشيخ صفي المتأخرين كجنيد، وحيدر، وسلطان علي يطالبون بالتاج والعرش إثباتًا لحقهم، وتبدلت الدعايات المذهبية إلى مطالب سياسية [أحمد الخولي: المرجع السابق، صـ ٣٥].
لا ينبغي التسليم مباشرة بتشيع الشيخ صفي لأسباب عدة منها: أن حمد الله المستوفي القزويني قال في شأن سكان أردبيل [حمد الله المستوفي القزويني: نزهة القلوب، المقالة الثالثة في صفة البلدان والولايات والبقاع، بسعي واهتمام كاي ليسترانج، صـ ٨١]: وأكثرهم على مذهب الإمام الشافعي، وهم من مريدي الشيخ صفي الدين الأردبيلي.
كما أن عبيد الله خان قائد الأوزبك كتب في عام (٩٣٦هـ/١٥٣٠م) إلى الشاه طهماسب ثاني ملوك هذه الدولة مشيرًا إلى تسنن الشيخ صفي بقوله: لقد كان رجلًا عزيزًا من أهل السنة والجماعة [نصر الله فلسفي: زندكاني شاه عباس أول، تهران ١٣٢٤هـ.ش، ص ١٦٥، حاشية ٣] غير أنه يبدو أن الشيخ صفي كان سني المظهر على مذهب الإمام الشافعي، شيعي المخبر على المذهب الجعفري، يقول ابن البزاز- أول من أرخوا للصفويين في كتاب صفوة الصفا - [ابن البزاز: صفوة الصفا، باب هشتم، ص١٨٤]: إن الشيخ صفي كان يكتم المذهب الجعفري، وقد يستبين ذلك من إحدى رباعياته التي يقول فيها ما ترجمته: [نص هذه الرباعية: صاحب كرمي كه صد خطا مي بخشد خوش باش صفي كه جرم ما مي بخشد آنراكه جوي مهر علي در دل أوست، هرجند كنه كند خدا مي بخشد].
- صاحب الكرم الذي يصفح عن أخطاء كثيرة أسعد يا صفي فإنه يغفر ذنبنا.
- ومهما يخطئ ذلك الذي في قلبه نهر حب لعلي فإن الله يصفح.
وقد يكون هذا صوابًا إلى حد كبير إذ سرعان ما جاهر خواجة علي سياهبوش حفيد الشيخ صفي بالدعوة الشيعية، وكان عنوان ذلك اللباس الأسود إلى أن جاء السلطان حيدر أبو إسماعيل، وأكد صلة نسب أجداده بالإمام موسى الكاظم ومنذ ذلك الحين أصبحت الأسرة الصفوية تعتبر نفسها من آل البيت [لعل في هذا البيت للشاعر محتشم الكاشاني، رائد الشعر المذهبي في العصر الصفوي، الدليل على ذلك وترجمته: الشيخ حيدر: من كمال الاعتقاد، أعطى يد البيعة لآل علي].
والجدير بالذكر أن الهدف من اعتناق أخلاف الشيخ صفي للمذهب الشيعي هو اكتساب مقدرة سياسية أكبر في إيران.
وقد استفادوا في ذلك من تجربة السربداريين [أول حكام هذه الدولة خواجة عبد الرزاق وآخرهم علي المؤيد الذي توفى عام ٧٨٧هـ، وقد تضافرت فيها جهود الزعماء المذهبيين مع الزعماء السياسيين، وحكمت في شرق وشمال إيران، انظر: ميشيل مزاوي: بيدايش دولت صفوي، ترجمة يعقوب آزند، صـ ١٠، تهران ١٣٦٣هـ. ش] التي سبقتهم، وكانت تعتمد على التعاليم الشيعية، وبدون الدخول في تفاصيل، فقد ساعدت بعض العوامل شيوخ الصفويين على الانتقال من رجال تصوف إلى مؤسسي دولة ذات أهداف سياسية ومذهبية غيرت وجه التاريخ الإيراني بعد الإسلام. [أحمد الخولي: المرجع السابق، صـ ٣٨].
تهيأ المناخ للابن السادس إسماعيل فأعلن قيام الدولة مستفيدًا من مركزه الروحي والمعنوي، ومستخدمًا أفراد قبائل القزلباش الذين لا يهدفون إلى شيء سوى التضحية في سبيل نصرة شيخهم ومرشدهم [كان الشيخ صفي وابنه صدر الدين وحفيده خواجة علي يُعرفون في حياتهم وبعد مماتهم بلقب الشيخ، وقد ظل هذا اللقب قائمًا في محيط الفرقة حتى زمان الشاه إسماعيل الذي كان يدعي بـ (شيخ أوغلي)، وهذا ينفي عنه لقب (السيد، أي الشريف) الذي ادعاه لنفسه باعتبار اتصاله في النسب بعلي بن أبي طالب، وبحسن بيك تركمان آق قويونلو من ناحية أبيه وأمه، ومع أن ادعاء السيادة كان في البداية ضعيفًا، إلا أنه قوي بمرور الأيام، وبتقدم إسماعيل في الفتوحات، وفرضه المذهب الشيعي، وقد أطلق الشاه إسماعيل على نفسه (إسماعيل بن حيدر الحسيني)، كما أنه أشار إلى نفسه على أنه من أولاد علي بن أبي طالب في الرسالة التي بعث بها عام )٩١٥هـ( إلى شيباني خان قائد الأوزبك (فريدون بيك منشآت فريدون بك، برنجي جلد ، ص ٣٨٥، ويؤيد ذلك ما أثبته هو نفسه وبخط يده، ويوجد في مكتبة استنبول، ولكن يرى بعض المحققين أنه لم يرد في أي مصدر ما يدل على سيادة الصفويين، ولو أن الأمر كذلك لذكروا في المصادر التاريخية على أنهم سادة أو أمراء، مثل الأمير نعمت الله الكرماني، والأمير قوام الدين المرعشي، وهذا ما يؤكده المؤرخ المعروف رشيد الدين فضل الله في رسالته إلى ابنه مير أحمد حاكم أردبيل فيما يتعلق بالشيخ صفي عندما قال: إنه جناب قطب فلك الحقيقة، وسيَّاح بحار الشريعة، ومسَّاح مضمار الطريقة، وشيخ الإسلام والمسلمين، وبرهان المواصلين، وقدوة صفة الصفا، وشجرة دوحة الوفا، الشيخ صفي الملة والدين أدام الله بركات أنفاسه الشريفة إذن لم يشر رشيد الدين إلى سيادة الشيخ صفي، ولو أنه كان سيدًا حقًا لما تأخر عن الإشارة إلى ذلك؛ نظرًا لما كان يتمتع به السادة في العصر المغولي من احترام وإكبار (تاريخ زندكاني شاه عباس أول، ص ط، حاشية١) ونحن على هذا الرأي، وإن كان ابن البزاز قد أشار إلى سيادة الشيخ صفي، فمن الثابت أن هذا الكتاب قد أعيد تنقيحه في عصر طهماسب بواسطة أبي الفتح الحسيني الذي تصرف فيه كثيرًا؛ بحيث يلاحظ فرق كبير بين نسخه القديمة التي ظهرت في عصر طهماسب].
فمن هم القزلباش؟ لا يمكن أن يُغْفل دارسو العصر الصفوي النظر إلى محاولة أولاد الشيخ المرشد (بير مرشد) لتجميع قبائل القزلباش على أنها كانت عملية ذكية وموفقة من جانبهم من أجل إرساء الكيان الصفوي.
وتتشعب مجموعات القزلباش التركمانية إلى تسع قبائل هي: روملو، وشاملو، واستاجلو، وتكهلو، وذو القدر، وأفشار، ورساق، وصوفية، وقراباغ، وما ينبغي أن يقال هنا: إن مجموعة من رؤساء هذه القبائل كانت قد اعتنقت المذهب الشيعي منذ زمن طويل، وانخرطوا في زمرة (صوفيان صافي) أو مريدي شيوخ الصفوية الشجعان، إلى أن جاء جنيد وحيدر وشرعا يغزوان من أجل الوصول إلى السلطة اعتمادًا على فدائية هؤلاء القوم وإخلاصهم، وأضافا لقب السلطان على لقبيهما الروحي الموروث (الشيخ).
والشيء الذي كان يجمع أفراد هذه الطوائف ويوحد بينهم هو حب الشاه، والتضحية في سبيل تحقيق مقاصد المرشد الكامل المقدسة التي تنحصر في دعم الكيان الصفوي، وإقرار المذهب الشيعي الإثني عشري، وقد كان رجال القزلباش يعدون الشاه إسماعيل - ولم يكن له من العمر أكثر من ثلاث عشرة سنة - مثل أبيه وأجداده مرشدًا كاملًا، التبعيةُ له لازمة وتنفيذ أوامره واجبًا، وعندما ظهر إسماعيل كانت دعايات جده ووالده القائمة على أساس مذهبي في مظهرها، ورغبة في كيان سلطوي في جوهرها قد حققت الغاية المنشودة، بل إنها استوجبت ظهور رد فعل قوي ضد الأسر الحاكمة في إيران، التي تدين بالمذهب السني، وقد بدأ أثر هذه الدعايات واضحًا بين المقيمين في المدن الغربية من إيران، ذلك أنهم كانوا على استعداد منذ زمن غير بعيد لقبول مذهب جديد معارض للمذهب السني.
تعاقب على حكم الصفويين عبر قرنين ونصف من الزمان ملوك كان لكل منهم دوره في بناء هذه الدولة وترسخه إيجابًا وسلبًا في العلاقات مع العثمانيين من جهة، وإقرار المذهب الشيعي الإثنى عشري من جهة أخرى.
فكان إسماعيل الأول مؤسسًا ومُقِرًا للمذهب، ومحاربًا للعثمانيين وحلفائهم الأوزبك فيما وراء النهر [بينما هزم من سليم العثماني في موقعة جالديران الفاصلة، فإنه انتصر على الأوزبك بقيادة المقتدر شيباني خان في كمين نصبه له عام ٩١٦هـ/ ١٥١٠م، أحمد الخولي، المرجع السابق، صـ ٥٨ وما بعدها]، ببذله الجهود المضنية فعلى سبيل المثال، اختار الشيخ شمس الدين اللاهيجي - الذي سبق أن تولى تربيته وتعليمه في لاهيجان- حاملًا للأختام الملكية، كما نقب عن كتاب يتخذه الناس أساسًا للفقه الشيعي، فلم يجد إلا كتاب قواعد الإسلام للفقيه الشيعي، ابن المطهر الحلي. [ميشيل مزاوي: المرجع السابق، ص ٨١].
بينما كان الملك الثاني طهماسب الذي زاد حكمه على خمسين عامًا، وقد هاجم فيها الدولة العثمانية، وانتهز الهدنة معهم في تدعيم مقاصد الصفويين، وتقليم أظافر قبائل القزلباش الذين انصرفوا في زمانه إلى الأغراض الدنيوية دون المقاصد المذهبية والمعنوية، وقد ساعدته فترة حكمه الطويلة على أن يعقد اتفاقية هدنة مع العثمانيين، بجعل قلعة قارص منطقة نزع سلاح بين الدولتين مستفيدًا في ذلك من نظيره العثماني الذي كان يهتم بالمعرفة ويتميز بلين الجانب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتفرغ للقضاء على ما مارسه القزلباش من فساد في بناء الدولة المدني والإداري.
وتجدر الإشارة إلى فترة الانتقال في مسار هذه الدولة، تلك هي فترة الوسط تقريبًا؛ فالقسم الأول منها هو فترة حكم إسماعيل الثاني التي لم تطل كثيرًا، وإن شهدت حدثًا جللًا هو محاولة العودة ثانية إلى المذهب السني، وإن لم تكتمل إذ انتقد العداء المذهبي بين السنة والشيعة، وأمر برفع العبارات، وإزالة الأشعار التي تتضمن قدحًا في الخلفاء الراشدين أو مدحًا لآل البيت، وإن كان هذا يمثل قليلًا من كثير إلا أنه قد أثار حنق رؤساء القزلباش فقتلوه عام (٩٨٥هـ/١٥٧٩م). [يقول البدليسي في شرف نامه، ص ٨١، تحقيق: محمد عوني، القاهرة ١٩٨١م: وقد أراد (يقصد الشاه إسماعيل) أن يمنع سب الشيخين وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة على خلاف عقيدة أجداده وآبائه، وأن يتصرف كل حسب سنيته أو شيعيته دون تعرض للآخر في العقيدة، ولكن رجال القزلباش قتلوا هذا الشيطان العادل المسلم من قبيل التعصب].
شهد حكم النساء تقريبًا القسم الثاني من هذه الفترة، الذي ترأسه الشاه محمد خدابندة، وكان كفيف البصر، فتحكمت زوجته مهد عليا في إدارة الأمور، وساعدها في ذلك بعض رجال القزلباش، وأول ما فكرت فيه هو التخلص من منافستها بريخان خانم ابنة الشاه طهماسب الذكية والمدللة، بل إنها - فيما يقولون - اُتهمت بعشق عادل كراي، الذي حكم شبه جزيرة كريمة، فانتهى الأمر بقتلها عام(٩٨٧هـ/١٥٧٩م)، بعد فترة مِلْؤُها الفساد والاضطراب، اختلت فيها الأمور، وسادها الأمراء الذين تولى بعضهم ولاية العهد، فوقع ما وقع من خلل أصاب الدولة الصفوية في مختلف أركانها، واستعدى عليها الأعداء التقليديين في الداخل والخارج. [أحمد الخولي: المرجع السابق، ص ١٥٨وما بعدها].
انبلج من هذا الوضع المختل في مختلف جوانبه عصر اعتبره المؤرخون العصر الذهبي للدولة الصفوية، وهو عصر الشاه عباس الكبير، فقد كان شخصية قوية سيطرت على الأوضاع، إذ نجح أولًا في إخماد الثورات الداخلية، ثم دعم علاقاته مع دول أوروبا سياسيًا واقتصاديًا؛ للوقوف في وجه الدولة العثمانية، وأوجد نقلة في تكتيك الحرب بأن جعلها هجومية بعد أن كانت دفاعية. [بديع جمعة: الشاه عباس الكبير، بيروت١٩٨٠م، ونصر الله فلسفي، المرجع السابق].
ولكن عباسًا أخطأ عندما أوقف أمور الحكم على فكره، فلم يدرب خليفة له لكي يتولى إدارة الأمور بعد وفاته عام (١٠٣٨هـ/١٧٣٦م)، فمالت الدولة نحو الضعف، وآلت إلى السقوط وقد تمثلت علائم هذا السقوط خلال سنوات ما بين عامي (١٠٣٨-١١٤٩هـ/١٦٢٩-١٧٣٦م).
ولم يكن على المسرح السياسي بعد موت عباس الأول سوى الشاه صفي الذي طالت فترة حكمه أربع عشرة سنة، ورغم ذلك بدأت إرهاصات الضعف، فقد أدت حداثة الشاه صفي وعدم درايته بشؤون القبائل إلى طمع الأعداء التقليديين [حسين بيرنيا وعباس إقبال: تاريخ إيران، از انتشاؤرات كتابخانه خيام، ص ٦٩٣، تهران، ١٣٥٤]، وقد توفي وهو عائد من مشهد في الثاني عشر من صفر عام (١٠٥٢هـ/١٦٤١م)، وقد نصَّبوا ابنه عباس ميرزا ملكًا على إيران بعد وفاة أبيه بثلاثة أيام، ولم يكن له من العمر عندئذ أكثر من تسع سنوات [میرزا محمد معصوم تاريخ سلاطين صفويه بسعي سيد أمين حسن عابدي، ص ۲۸، انتشارات بنياد فرهنك إيران]، ومن ثم كان فاقدًا لكل شيء، فالسلطة بيد الأمراء الذين اختاروا الوصي عليه، مما أدى إلى قتله في النهاية [مجموعة من المستشرقين الروس: تاريخ إيران، أز دوران باستان تابايان سدهء هيجدهم ميلادي، نزبيام تهران، ٤٥ ١٣هـ.ش، الترجمة الفارسية لكريم كشاورز، ص ٥٥٨].
وقد عرف عن هذا السلطان - بتقدمه في السن - الجنوح إلى العدل، والاهتمام بالرعية، والميل إلى الشفقة، والاكتراث بالتعمير على عكس أبيه، فبنى عمائر ما زالت أصفهان العاصمة تحفل بها حتى اليوم، منها المسجد الجامع، كما عاصره جمع من العلماء، مثل محمد تقي مجلسي وغيره. [حسين بيرنيا وعباس إقبال، المرجع السابق، ص٢٢١].
مات الشاه سليمان تاركًا سبعة أولاد أكبرهم سلطان حسين ميرزا، الذي اختاره الأمراء لحاجة في أنفسهم؛ وهي ضعفه وحلمه، وقد شهد عصره صراعًا مع الروس التزاريين من ناحية، ومع الأفغان الغلجائيين والأبداليين من ناحية أخرى [مجموعة من المستشرقين الروس، المرجع السابق، ص٥٧٩ وما بعدها، وحسين بيرنيا وعباس إقبال، المرجع السابق، ص٦٢١]، وراحت الخرافات والعقائد الفاسدة تنتشر في عصره، وتعتبر مدرسة جهاز باغ التي أقامتها والدته من روائع الآثار الإسلامية في العصر الصفوي [أبو القاسم رفيعي مهر آبادي: آثار ملي أصفهان، ص ٤٤٥، تهران ١٣٥٢].
وآخر هؤلاء الملوك هو طهماسب الثاني (١١٣٥-١١٤٥هـ/١٧٢٢-١٧٣٢م)، وهذا التاريخ الأخير يمثل نهاية الدولة الصفوية، إذ انقضى عصرها على يد نادرشاه أفشار، قائد الجيش الصفوي في عصر هذا الملك بعد انتصارات عسكرية حققها ضد العثمانيين والأفغان والروس، ولم يكن من بد إلا أن يختار الحضور في اجتماع اليوم الثاني من شهر شوال (١١٤٨هـ/١٧٣٥م) برئاسته - يختاروا نادرًا للجلوس على العرش وبذلك انتهت الدولة الصفوية، وتأسست الدولة الأفشارية. [لمزيد من التفصيلات راجع ميزرا مهديخان آبادي في كتابه درهء نادره (تاريخ عصر نادرشاه) باهتمام سيد جعفر شهيدي، صـ ٣٦٨ وما بعدها، تحت عنوان (دربيان جلوس نادر) أنجمن آثار ملي].
اتنقلت في النهاية عاصمة الدولة الصفوية من قزوين إلى تبريز في أول عهدها ثم استقرت في أصفهان [لفظة أصبهان مشتقة من أسبهان، ومعناها الجند، انظر: محمد معين فرهنك، فارسي، جزء١، صـ ٢٣٠، طبع تهران]، التي اكتسبت من الشهرة العالية في زمان عباس الكبير ما جعلها تعرف بـ "تيم جهان" أي نصف الدنيا [حسين نور صادقي: أصفهان ص٢٤، تهران ١٣١٦هـ. ش]، وتصبح قبلة الرحالة والتجار الذين يفدون إليها من أوروبا لعقد الصفقات التجارية، هكذا تحولت تلك الفرقة التي ترأسها الشيخ صفي إلى دولة راسخة الكيان لقرنين ونصف من الزمان.
مصادر ومراجع للاستزادة
أسست الدولة الصفوية ككيان سياسي ومذهبي جديد في إيران، متخذة من التصوف والشيعة الإثني عشرية ركائز لها، وساهمت في تغيير الخريطة السياسية والدينية للمنطقة، خصوصًا في مواجهة الدولة العثمانية، ورغم أدوار ملوكها المتفاوتة بقيت إرثها واضحًا في التاريخ الإيراني حتى سقوطها على يد نادر شاه.
واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني.
هي إحدى فرق الشيعة التي ظهرت في القرن الثاني الهجري.
من أبرز الحركاتِ الثوريّةِ التي ظهرتْ في العصر العباسيّ.