Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

إيران

الكاتب

أ.د/ السباعي محمد السباعي

إيران

إيران واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني الذي شكّل جزءًا أساسيًّا من تاريخها الاجتماعي والسياسي، إلى جانب تحليل دور رضا شاه ومظاهر التحديث التي أدخلها في المجتمع الإيراني، وتتميز بنظام سياسي متحول من الإمبراطوريات القديمة إلى الجمهورية الإسلامية الحديثة.

الموقع الجغرافي، والناحية الدينية

الموقع الجغرافي والدين: تقع إيران في الجنوب الغربي من آسيا، حيث تحدها روسيا ودول الكومنولث وبحر الخزر [أسماء الجغرافيين العرب: بحر قزوين والخزر نسبة إلى الأقوام التي استوطنت شماله وشماله الغربي مثل الآراميين، ويسميهم الأوروبيون كاسين نسبة إلى سكانه المعروفين باسم كاس سو] (أو بحر قزوين) شمالًا والخليج الفارسي أو العربي [هذه التسمية أطلقها أحد قادة الإسكندر الأكبر في أثناء عبور جيشه لهذا الممر المائي وإنزال الهزيمة بالإمبراطورية الهخمانشية أي التسمية وقت الهزيمة كما أن التسمية لا تعني الملكية ومن هنا لا أجد غضاضة في استخدام مسمى الخليج الفارسي أو العربي أو الخليج فقط - وحدودها كاملة مع دول الكومنولث وهي ميزة تتفوق بها على تركيا التي لا يربطها بدول الكومنولث سوى ۱۲ اثنى عشر ميلًا، وربما يكون لها تأثير في موقف كل من إيران وتركيا من مشكله ناكور نوقرة باغ]، وبحر عمان جنوبًا وتركيا والعراق غربًا، وباكستان وأفغانستان شرقًا.

وحدودها مع الدول المجاورة لها على النحو التالي بالكيلو مترات [ربيع بديعي- جغرافياي مفصل إيران ١- ٢- ٣ تهران ١٣٦٧ إيران اليوم ١٤١٠هـ/١٩٩٠م طهران منظمة الإعلام الإسلامي] مع العراق (١٢٨٠) كــم - مع تركيا (٤٧٠) كــم - دول الكومنولث (١٧٠) كــم - أفغانستان (٨٥٠) كـــم- باكستان (٨٣٠) كــم- حدود مائية: في الشمال (٦٣٠) كـــم- في الجنوب (١٨٨) كـــم، وأكبر منطقتين صحراويتين بها تعرفان باسم (دشت لوط)، (ودشت كوير).

أما البحار فهناك بحر الخزر وهو أكبر بحر محاط بالأرض في العالم، ويقع على مستوى ينخفض عن سطح البحر بنحو ٨٥ قدمًا، وهو قليل العمق إلى حدٍّ ما، أما الخليج فهو متفرع من المحيط الهندي، مساحته ٢٤٠٠٠٠ (مائتان وأربعون ألف كم مربع) وطوله ٩٩٠كم، ويتراوح عرضه بين (٣٣٠) كم و (٥٦) كم عند مضيق هرمز [استولى عليه البرتغال عام ٨٨٦هـ/ ١٤٨١م؛ حيث أقاموا به العديد من الإنشاءات والاستحكامات التي استمرت أكثر من قرن حين تم طرد البرتغاليين منه عام ١٠٠١هـ/١٦٢٢م، في عهد الشاه عباس الصفوي]، تحده إيران من الشمال والشمال الشرقي والشرق، والكويت والعراق من الشمال الغربي، كما تحده من الغرب والجنوب الغربي كل من المملكة العربية السعودية والبحرين وقطر، ومن الجنوب والجنوب الشرقي دولة الإمارات العربية المتحدة، وجزء من سلطنة عمان.

وكانت أهمية الخليج قبل اكتشاف النفط عام (١٣٢٦هـ- ١٩٠٨م) مقصورة على صيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ، وبناء السفن.

والساحل الإيراني على الخليج الجبلي، ويمتد بطوله وادٍ ساحلي ضيق فيه شواطئ رملية؛ حيث يتسع السهل الساحلي إلى الشمال من مدينة (بوشهر) على الجانب الشرقي من الخليج ويتصل بالدلتا العريضة التي تتألف من نهري دجلة والفرات ونهر كأرون.

ومياهه عميقة كلما اقتربنا من الساحل الإيراني بينما يقل عمقه في الساحل العربي بحيث لا يتجاوز (١٢٠) قدمًا بصفة عامة.

والمساحة الكلية لإيران حاليًا (١٦٤٨٠٠٠) كم مربع تقريبًا [شاهنشای بهلوی ص ۱۸۶ جغرافیا مفصلی ایران، جدا.] وتبلغ مساحة الصحراء فيها أكثر من ٥٠% من مساحتها الكلية؛ أي أن إيران بصفة عامة تعادل ١/٢٧ من قارة آسيا، ولا تصل إلى مساحة الجزيرة العربية أو الهند، وتعادل خمسة أضعاف انجلترا وإيطاليا.

ويتكون المجتمع الإيراني من أعراق شتى، فهناك الفرس والآذريون واللر [ويعيشون في الجبال الغربية، بينما يعيش البختيار في جبال زاجروس إلى الغرب من أصفهان وكانوا يعرفون باسم اللور العظام حتى القرن الخامس عشر الميلادي التاسع الهجري، كلاهما يتحدث اللورية وهي متفرعة من اللغة الفارسية مثلهم مثل البلوج] والبختيار والبلوج والأكراد ٧[يقطنون الجبال الغربية، ولغتهم الكردية وأكراد إيران كردستان) هو ثاني أكبر تجمع سكاني للأكراد بعد تركيا، ففي إيران أكثر من (٦) ستة ملايين كردي تقريبًا، بينما في تركيا ما يناهز عشرة ملايين تقريبًا، وأربعة ملايين في العراق تقريبًا] والعرب [إيران اليوم ١٤١٠هـ / ١٩٩٠م، ص ۳۹، منظمة الإعلام الإسلامي طهران الطبعة الأولى ١٤١١هـق / ١٩٩١م] وهؤلاء عمومًا يقطنون جزر الخليج الفارسي وفي خوزستان.

ثم الأرمن وهم من جنس مختلف، يتركزون في طهران وأصفهان وأذربيجان، وهناك أتراك، وتركمان يقطنون خراسان، ثم يهود وآشوريون، ويتركز وجود اليهود في المدن الكبيرة، بينما يقطن الآشوريون في الشمال الغربي، ومع تنوع الأعراق، تتعدد اللغة التي يتم الحديث بها حسب النسب المئوية التالية:

 

اللغة   النسبة

الفارسية                  

 

٥٠، ٢%

الآذرية 

 ٢٠، ٦%   

 

الكيلانية (تنطق جيم غير معطشة) [هناك حروف فارسية أربعة تضاف إلى الأبجدية العربية لتكون أبجدية اللغة الفارسية هي:

ب: الباء الفارسية أو المعلقة وتنطق مثل حرف p في اللغات الأوروبية: جـ: الج الفارسية المثلثة وتنطق مثل Ch في اللغات الأوروبية.

ز: الزاي الفارسية وتنطق مثل حرف j في اللغات الأوروبية.

كـ: الفارسية وتنطق مثل حرف ج عند أهل القاهرة]  

 

٦، ١%

اللوري والبختياري     

٥، ٧%

الكردية          

٥.٦ %

مازندرانية      

٤، ٩% وهي لهجة قريبة من الفارسية

بلوجية          

٢، ٣%

العربية                   

٢، ٠%

تركمانية         

١، ٧%

أرمنية                    

٠، ٦%

آشورية

٠، ٤ %

الدين: دين الدولة الرسمي هو الإسلام، والغالبية العظمى من الشيعة الاثني عشرية، ومعظم الأكراد والتركمان من السنة، والمسيحيون أكبر الأقليات وأكثريتهم من الأرمن الأرثوذكسيين، والآشوريين من النساطرة والبروتستانت والكاثوليك، وهناك اليهود والزرادشتيون.

ويمكن تلخيص ذلك بالنسبة المئوية فأقول: إن المسلمين يمثلون ٩٨، ٨% من السكان في إيران، ٩١% من الشيعة، ٧، ٨% من أهل السنة، والمسيحيون ٧%، اليهود ٣%، والزرادشتيون ١% ويمثل أتباع الأديان الأخرى ١% [إيران اليوم، ٩١].

وهكذا تتنوع الأعراق واللغة والديانة في إيران، يوضح موقع إيران أن أرضها جميعًا تقع في المنطقة المعتدلة من الكرة الأرضية وفي نصف الكرة الشمالي منها بين ٢٥- ٤٠ درجة خط عرض شمالي خط الاستواء، وبين ٤٤- ٦٣، ٥ درجة خط طول شرقي خط نصف النهار جرينيتش.

وأثبتت التجارب أن الدولة التي يكون جزء منها مجاورًا أو مطلًا على البحار تكون مشكلاتها مع جيرانها قليلة وتكون في وضع أفضل للمحافظة على استقلالها السياسي والاقتصادي، بالمقابل الدولة التي تكون جميع حدودها من اليابسة، فيُتحكم فيها من نواحٍ عديدة علاقاتها مع الدول المجاورة لها.

فيما يتعلق بالناحية الأولى نجد أن إيران بعيدة عن المحيطات والبحار الكبيرة، وإن كانت تطل من الناحية الشمالية والجنوبية على بحر (الخزر) في الشمال (وهو بحر مغلق) كما تطل على بحر عمان والخليج في الجنوب، وعن طريقهما يتم ارتباط إيران بدول العالم بحريًّا وهو أمر بالغ الأهمية لتجارة إيران الخارجية مما يوضح بعض أسباب مشكلة الجزر في الخليج.

والهضبة الإيرانية جسر يربط الأجزاء الشرقية والغربية من آسيا مما أكسب إيران أهمية خاصة عبر التاريخ فكانت الطريق الوحيد التي تربط أجزاء آسيا بعضها ببعض وكذلك تربطها بدول البحر المتوسط وأوروبا.

ما تميزت به إيران

تتميز إيران بالميزات الآتية: أولًا: هي إحدى الدول الكبيرة في المنطقة- [كانت نسبة النمو السكاني في إيران عام ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٨م، ٣، ١% (نسبة الولادة ٣٦ في الألف والوفيات ٥ خمسة بالألف، مما يدفع وزير الصحة رضا ملك زاده إلى إصدار تصريح جاء فيه أن الحكومة اتخذت قرارًا بحرمان الطفل الرابع الذي يولد اعتبارًا من عام ١٤١٣هـ/ ١٩٩٢م من الكوبونات الخاصة بتقنين الغذاء وحق التأمين، وكان عدد السكان عام ١٩٠٠م، ٩، ٦ مليون تقريبًا، وفي عام١٣٥٩هـ/ ١٩٤٠م- ١٤، ٦ مليون وأخذت الزيادة تترى لترتفع من ١٩٥٦م- ٣٣٥ ١هـ ش، ٢٠، ٧ مليون وفي عام ٤١٠ ١هـ/ ٩٨٩ ١م إلى ٥٣ مليون ثم ترتفع عام ١٩٩١م-١٣٧٠هـ إلى ٥٧، ٣ بمعدل زيادة قدرها ٢، ٩٥/ ثم انخفض معدل الزيادة حاليًا إلى ٦٢، ٣٦ ليصل عدد سكان إيران طبقا لهذا المعدل عام ٣٧٧ ١هـ ش أي ٠ ٠ ٠ ٢م إلى ٦٧، ٣ مليون نسمة، (فريد هوليداي مقدمات الثورة، ص٢٢) و (كيهان في٢٢/١٩٤٤م) - في نهاية الثمانينات كانت المجموعة السنية التي تمتد من صفر إلى ٩ سنوات تمثل نسبة ٣٣، ٣/ من عدد السكان في إيران، لتنخفض هذه النسبة مع التوعية والتنظيم إلى ١، ٦ ٣/ عام ١٣٧٠هـ ش /١٩٩١م وأشار تصريح لمسئول إيراني أنفيض نسبة النمو السكاني بنحو تسعة أعشار في المائة من شأنه زيادة الاستثمارات في البلاد بما لا يقل عن ٢، ٧%. - ومن هنا لم يكن مفاجئًا أن تحضر إيران بوفد عال المستوى المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد بالقاهرة خلال الفترة من ٥ إلى ١٣ من سبتمبر  ١٩٩٤م /١٤١٥هـ رغم الحملات الداخلية والأصوات العالية المعارضة التي أعلنت على المنابر في خطب الجمعة، كما كتب العديد من المقالات في الصحف وصدرت البيانات مطالبة بمقاطعة  المؤتمر،  وقد أشار إلى هذا الموقف الأستاذ عباس ملكي رئيس المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية الإيرانية ووكيل  الوزارة بها في محاضرته التي ألقاها في مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة في أكتوبر١٩٩٤م]

ثانيًا: إنها دولة غير عربية حدودها مشتركة مع عدد من الدول العربية.

ثالثًا: هي دولة إسلامية على المذهب الشيعي الاثنا عشري وهو ثاني المذاهب الإسلامية بعد المذهب السني السائد في الدول العربية.

 وهناك نسبة من الشيعة في الدول العربية، تصل في لبنان مثلًا ٣٢% تقريبًا وفي الكويت ١٥%، وسوريا ١٢% وفي العراق والبحرين بنسبة كبيرة، ويكثرون في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.

رابعًا: إيران لها علاقة بأتباع المذهب الشيعي في الأقطار العربية المجاورة.

خامسًا: تتبع إيران منذ عهد الشاه سياسة إغراق دول الخليج بجالية إيرانية كبيرة في أعمال مختلفة ولها تجمعات مختلفة – أيضًا - في سوريا ولبنان.

سادسًا: إيران تنتمي إلى العرق الآري، بينما تنتمي الشعوب العربية إلى الجنس السامي.

النظام السياسي في إيران

النظام السياسي الحالي منذ صدور ميثاق المواطن من قبل الملك الفارسي كوروش قبل أكثر من ٢٥٠٠ سنة ظل النظام السياسي في إيران ثابت الأركان من حيث مصادر السلطة ونوعية الحكم، ولم يتعرض النظام طوال هذه الفترة إلى تغيير جذري من حيث مصادر السلطة ونفوذ الحاكم ونوعية الحكم إلى أن قامت الثورة الدستورية في إيران وصدر دستور١٣٢٤هـ / ١٩٠٦م الذي حدد أسسًا جديدة مستمدة من التجربة الغربية في الحكم؛ حيث تغير النظام القائم على سلطة الفرد إلى نظام مكون من ثلاث سلطات نابعة من الشعب باختياره ورقابته، وبانضمام الثوار جميعًا للخميني بدأ الخميني اتخاذ أولى خطوات النظام السياسي.

النظام السياسي: أولًا: الخلفيات: إيران وفارس اسمان مترادفان يدلان على مسمى واحد هو إيران الحالية أو الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد تلازم الاسمان، وإن طغى اسم فارس منذ التاريخ القديم، وطوال العصور الإسلامية حتى عام١٣٥٤هـ / ١٩٣٥م، حين أصدر رضا شاه الكبير مؤسس الأسرة البهلوية الحديثة أمرًا بأن يكون اسم الدولة الرسمي الذي يتم التعامل به في الداخل والخارج هو إيران فقط.

أما تسمية إيران فترجع إلى أن الشعب الإيراني ينتمي في غالبية سكانه إلى الجنس الآري الذي هاجر من موطنه الأصلي الذي تراوحت آراء الباحثين حوله: أهو... وسط آسيا أو نهر الفولجا أو سواحل البلطيق أو إحدى المناطق الشمالية في أوروبا؟ وهو فرع من مجموعة الشعوب الهندوأوروبية.

 استوطن الآريون بعد انفصالهم وسط آسيا ثم نزحوا إلى الجنوب لينقسموا بعد ذلك فيتجه قسم منهم إلى الشرق حيث نهر السند وعرفوا باريان هند (الهند في تاريخ إيران القديم يعني النهر) ومن هنا فإن هندوسيتان تعنى أرض الأنهار؛ بينما اتجه القسم الآخر إلى الجنوب الغربي - واستقرت كل قبيلة منهم في منطقة عرفت باسمها وأطلقوا على تلك الأرض بعامة اسم (إيران واج)؛ أي: أرض الآريين وأسموا أنفسهم أيريا أي: النجيب والوفي، وسميت المنطقة بذلك، ثم تحولت إلى إيران.

أما التسمية الثانية: فترجع إلى قبيلة (بارسا) إحدى القبائل الآرية الست التي استقرت بتلك الهضبة، وسميت كل منطقة باسم القبيلة التي استوطنتها، وتطور مسمى موضع إقامة قبيلة بارسا إلى بإرس ثم فارس ومنها خرج كوروش ووحد سائر قبائل الهضبة وأخضع ما حولها وكون أول إمبراطورية في التاريخ وهي الإمبراطورية الهخمانشية عام ٥٥٠ق.م.

 وعرفت تلك الإمبراطورية باسم الإمبراطورية الفارسية نسبة إلى الإقليم الذي خرج منه من باب إطلاق الجزء على الكل وأضحت لغة هذا الإقليم لغة للدولة كلها، وسميت باللغة الفارسية، وسجلت النقوش التي خلفتها تلك الأسرة اسم الدولة فارس وعُرِف ملوكها باسم ملوك فارس، كما ذكرت التوراة كوروش باسم ملك فارس [التوراة - عزرا- الإصحاح الأول ٢- ٤].

يبدأ التاريخ الفعلي لإيران منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وتأسيس أول دولة قوية في الهضبة الإيرانية وهي الدولة المعروفة باسم دولة الماديين أواخر القرن الثامن وأوائل القرن السابع ق.م.

يلاحظ من الدراسات التي تمت عن تاريخ هذه الدولة، التحول في النظام الاجتماعي من الرعي وسكنى الخيام إلى الزراعة وتربية الدواب مما أفرز ثلاث طبقات هي: طبقة رجال الدين الذين قاموا بإجراء الطقوس الدينية والإشراف عليها، ثم طبقة النجباء وهم الأمراء ورؤساء القبائل والمحاربون وأهل القرى ملاك الأرض، ثم تأتي بعد ذلك طبقة الحرفيين والتجار، فرجال الدين يمثلون ركنًا أساسيًّا من أركان الزرادشتية، الدين الرسمي الأساسي عند الإيرانيين، وهم لا يتدخلون في العلاقة بين الفرد والآلهة فحسب بل يتدخلون بين الأفراد بعضهم مع بعض.

هذا هو التاريخ الأول الذي يمكن ذكره لإيران، أي أن تاريخها يعود إلى ثلاثة آلاف عام تقريبًا. أما التاريخ الثاني فهو تاريخ تأسيس كوروش للإمبراطورية الفارسية الأولى أو الهخمانشية عام ٥٥٠ ق.م. تقريبًا وهو الذي احتفل به شاه إيران السابق محمد رضا عام ١٣٩١هـ / ١٩٧١م أي بمرور ٢٥٠٠ عام على قيام تلك الإمبراطورية وإعلان أول وثيقة لحقوق الإنسان.

تلك الإمبراطورية التي غزا كوروش أول ملوكها بابل بعد أن عبر نهر دجلة ٥٣٩ ق.م، ووصل مدينة بابل ٥٣٨ ق.م، فخضعت له وما يتبعها من بلاد من بينها فلسطين وفينيقية، وكانت صُور وصيدًا من أشهر مدن العالم آنذاك، كما أظهر كوروش مزيدًا من العطف تجاه بني إسرائيل الذي أُسِروا إِبَّان حكم بختنصر، ثم اتجه ابنه كمبوجيه (قمبيز) لغزو مصر عام ٥٢٥- ٥٢٩ ق.م إِبَّان حكم أحمس، ولكن أحمس توفي قبل وصول قمبيز وتولى ابنه مكانه ولم يكن في مقدرة أبيه، وقد عبر الجيش الفارسي الصحراء من فلسطين إلى مصر، وهزم الجيش المصري ليواصل زحفه إلى ممفيس عاصمة مصر ويحتلها دون عناء ٥٢٥ ق.م فمكث قمبيز في مصر حتى عام ٥٢٣ ق.م، وزحف في تلك الأثناء إلى السودان والحبشة الحالية ولم يوفق ثم عاد إلى فارس.

ويخلفه من بعده في حكم إيران داريوش الأول أو داريوش الكبير الذي توجه إلى مصر - أيضًا - عام ٥١٧ ق.م الذي اندلعت فيه الثورات لفسادِ واليها فأعدمه واستمال قلوب رجال الدين في مصر وشارك المصريين في مراسيم التعازي في وفاة عجل أبيس متلافيًا ما كان كمبوجيه قد فعله، وتوجه إلى معابد المصريين وأظهر الاحترام والتقدير لآلهتهم وشيد معبدًا لآمون وأعاد كاهنهم الأكبر وأصلح الطرق التجارية في مصر فعادت سيرتها الأولى وأمر بحفر قناة تربط البحر المتوسط (بحر المغرب) بالبحر الأحمر لتصبح التجارة مباشرة بين مصر وبلاد الهند.

ولم يحدث أي تغيير في أوضاع مصر الداخلية؛ فقد أبقى الأرض كما كانت في أيدي النجباء من المصريين ورجال الدين منهم وترك حامية في ممفيس، وفي مكانين آخرين، ولكن الفلاحين في مصر ثاروا عليه ٤٨٦ ق.م. نتيجة للضرائب الباهظة المفروضة على الأرض [حسن بيرنيا: تاريخ إيران القديم. الترجمة العربية محمد نور الدين والسباعي مراجعة يحيى الخشاب، ص ٩٦، القاهرة، ١٩٧٩م].

استمرت هذه الإمبراطورية قائمة حتى قضى عليها الإسكندر الأكبر عام ٣٣٠ ق.م، وتوفي الإسكندر فجأة عام ٣٢٣ ق.م ليخلفه أحد قادته في حكم تلك البلاد، ثم حكمت أجزاء منها بأُسَر مختلفة حتى قامت إمبراطورية ثانية في تلك الهضبة وهي الإمبراطورية الساسانية، ثم بعد فترة خرج أردشير بن بابك واستطاع أن يؤسس الإمبراطورية الساسانية التي استمرت حتى ٦٥١م حين فتح العرب إيران بعد سلسلة من المعارك بدأت عام ١٢هـ /٦٣٣م بمعركة ذات السلاسل وانتهت بمعركة نهاوند ١٩هـ /٦٤٠م وسبقتها القادسية ١٦هـ /٦٣٧م، وخلال المعارك الخمسة التي خاضها الجيش العربي انتصر العرب فيها جميعًا عدا معركة الجسر ١٤هـ /

٦٣٥م ويستمر الجيش الإسلامي في دخول تلك البلاد ومطاردة كسرى الفرس يزدجرد الثالث حتى عام ٣١هـ / ٦٥١م حين سقطت الإمبراطورية الساسانية نهائيًّا وأصبحت فارس كلها عدا المناطق الشمالية المجاورة لبحر الخزر مصرًا من الأمصار الإسلامية. [دخلت جماعة منهم الإسلام عملًا بمبدأ التقية، وحاولوا دراسة اللغة العربية وإعلان الإسلام للنيل منه وبقيت طائفة على دياناتها القديمة]

وسمات تلك الإمبراطورية كثيرة أذكر منها سمة واحدة توضح دور الدين عند الآريين ومنزلة الحاكم فأقتبسُ نصًا من عهد أردشير الذي كتبه لابنه يوضح له فيه أساس الحكم قال: "واعلموا أن المُلك والدين أخوان توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، لأن الدين أساس المُلك (وعماده)، ثم صار الملك بعد حارس الدين، فلا بد للملك من أُسِّه، ولابد للدين من حارسه لأن ما لا حارس له ضائع ومالا أُسَّ له مهدوم، وإن رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إياكم إلى دراسة الدين وتلاوته والتفقه فيه، فتحملكم الثقة بقوة السلطان على التهاون به.. واعلموا أنه لن يجتمع رئيس في الدين مُسِر ورئيس في الملك مُعلِن في مملكة واحدة إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك، لأن الدين أس والملك عماد، وصاحب الأس أولى بجميع البنيان من صاحب العماد". ١٦[بطروشوفسكي -الإسلام في إيران- الترجمة العربية- السباعي محمد السباعي، ص ٧٢، وما بعدها. إحسان عباس - عهد أردشير، ص٥٢، بيروت، ١٩٦٧ م]

وكان أردشير يعتقد أنه خليفة الله في حكم البشر وأن طاعته من طاعة الله فقال حين حضرت الوفود لتهنئته بالملك: "قد أنزل الله الرحمة وجمع الكلمة، وأتم النعمة واستخلفني على عباده وبلاده لأتدارك أمر الدين والملك اللذين هما أخوان توأمان وأقيم رسول العدل والإحسان".

بدخول الإسلام إلى فارس وانتشاره فيها وإقبال جُلِّ أهلها على الدخول في دين الله أفواجًا والإقبال على تعلم اللغة العربية وترك لغتهم الفارسية (البهلوية) تبدأ مرحلة تاريخية جديدة هي المَعْلَمُ الثالث من معالم تاريخ إيران الذي يمتد ما يقرب من ١٤٠٠ سنة هو تاريخه الإسلامي وهو تاريخ مشرق ساهم الإيرانيون فيه بدور بارز في علوم اللغة العربية والعلوم الإسلامية وفي الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية.

-بدخول إيران في الإسلام يكون حكم سبع دول قد انتهى في إيران وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ تلك الهضبة؛ حيث تعاقبت على الحكم فيها حتى قيام الجمهورية الإسلامية ٣٩ تسع وثلاثون دولة وأسرة حاكمة، كان من سيطر منهم على إيران كلها قلة من هذا العدد.

وبعد فترة الحكم العربي لإيران والذي امتد ما يزيد على القرنين بدأ ظهور الدويلات الإسلامية في المشرق منذ عصر الخليفة المأمون بن هارون الرشيد وتوالى على حكمها أسر ودول من أصل فارسي أو تركي.

كان الغزو المغولي لإيران علامة فارقة في القرن السابع الهجري - الثالث عشر الميلادي، وقد انتهى بسقوط الخلافة العباسية (٦٥٦هـ/١٢٥٨م)، وقيام دولة المغول في إيران، ثم تصدى المصريون للغزو المغولي وأنزلوا الهزيمة بهم لأول مرة منذ ظهورهم على مسرح الأحداث، مما أتاح لفرصة للعالم الإسلامي لتجميع شتاته مرة أخرى ولكنه لم يستفد منها.

تعاقبت الأسر الحاكمة على إيران إلى أن جاء الصفويون في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، وسيطروا على إيران كلها، وأبرز ما تم خلال حكمهم اعتبار المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًّا للدولة وفرضه بالقوة والدخول في حرب مع العثمانيين، فكانت حروب الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان سليم العثماني نموذجًا لفرقة العالم الإسلامي، وطبع الصراع بالصبغة المذهبية رغم أنها لم تكن وحدها السبب في تلك الحروب.

ثم تعاقبت أسر حاكمة في مناطق مختلفة من إيران إلى أن قامت الدولة القاجارية ١١٩٣هـ / ۱۷۷۹م حتى ١٣٤٤هـ / ١٩٢٥م، وأهم ما تميزت به هذه الدولة:

١- أنها سيطرت على إيران أو الهضبة الإيرانية كلها.

٢-اندلاع الثورة التي عرفت باسم أزمة التبغ ١٣٠٩ - ١٣١٠هـ / ۱۸۹۱ - ۱۸۹۲م، حين باع الشاه القاجاري ناصر الدين حق احتكار التبغ للميجور الإنجليزي تالبوت مقابل مبالغ زهيدة.

فبدأت الاضطرابات التي قادها رجال الدين وساهم فيها جمال الدين الأفغاني، وسائر فئات المجتمع فأجبر الشاه على إلغاء الامتياز، وانتهى الأمر بمقتل ناصر الدين بعد فترة حكم قاربت الخمسين عامًا، عمل خلالها على الانفتاح على أوروبا وحكم البلاد حكمًا مستبدًا.

خَلَفه ابنه مظفر الدين، فسلك سياسة مغايرة شجعت على إنشاء جمعيات مختلفة وشجعت المعارضة على إنشاء جمعيات شبه سرية من بينها خمس لعبت دورًا رئيسيًّا في الحركة الدستورية التي تمثل مَعْلَمًا من معالم تاريخ إيران بعامة وتاريخ الدولة القاجارية بصفة خاصة.

٣- الحركة الدستورية التي بدأت إرهاصاتها نتيجة انفتاح إيران على الغرب وسفر البعثات من الدارسين إلى أوروبا لتحديث المجتمع الإيراني في قطاعاته المختلفة وإنشاء دار الفنون (الجامعة) وسفر الشاه إلى روسيا وأوروبا مرات عديدة والوقوف على ما كانت عليه من تقدم ومقارنة ذلك بما كانت عليه إيران من وضع مغاير تمامًا.

-بدا ذلك واضحًا في أعمال أئمة الفكر والإصلاح في إيران، الذين هاجموا علماء الدين ووصفوهم بالجهل وعدم تقدير قيمة العلم الحديث ودوره في رقي الأمم، وتم إنشاء صحيفة مشهورة باسم (القانون) من لندن وصدر منها العدد الأول١٣٠٨هـ / ١٨٩٠م، واستمرت ثماني سنوات وكان مجموع ما صدر منها أربعين عددًا كان شعارها (الوحدة - العدالة- التقدم)، اعتبرت هذه الصحيفة فيما بعد أحد عوامل اندلاع الحركة الدستورية (الثورة)؛ فقد تناولت موضوعات في غاية الأهمية مثل أهمية الحرية وضرورة توافرها وما تكفله من نقاش حر لكل ما يتعلق بالصلة بين الشعب والحاكم، وأهمية العلم والعلماء وضرورة التحالف معهم والإفادة منهم، وضرورة إنهاء كل الصراعات المذهبية بين الشيعة والسنة، وإنهاء كل الامتيازات الممنوحة للأجانب المستغلين، وتكوين جمعية وطنية للشورى.

كان ذلك - بالإضافة إلى العديد من المؤسسات الحديثة التي أنشأتها الدولة- عاملًا قويًّا في ظهور طبقة واسعة وجديدة من المفكرين المستنيرين ومنابر الفكر، آمنوا بالتقدم الإنساني وضرورة الأخذ بأسبابه وأنه لابد لتحقيق ذلك من تحطيم القيود الثلاثة:

 أولًا: الاستبداد الملكي لأنه عدو للحرية.

ثانيا: سيطرة البرجماتية الاكليريكية، فهم خصم أيديولوجي للمعرفة العلمانية.

ثالثًا: الاستعمار الأجنبي كمستغل اقتصادي للدولة الضعيفة، لذا رأت في الدستورية والعلمانية والقومية ثلاثة أسس رئيسة من أجل التوصل لإيران الحديثة.

لذا انطلقت حركة مقاومة الوضع القائم منذ عام١٣٢٣هـ/ ١٩٠٥م لتستمر سنوات تخللها إقرار دستور١٣٢٤هـ/ ١٩٠٦م لأول مرة في إيران وهو ما عرف باسم الحركة الدستورية أو الثورة الدستورية فكانت المرة الأولى في تاريخ إيران التي تَجري فيها محاولة الحد من سلطة العرش ونقل السلطة إلى هيئة منتخبة.

 ٤- اضطرت الدولة القاجارية تحت ضغط الروس إلى التخلي عن قسم من أراضي أذربيجان الشرقية وجزء من أرمينيا إلى الاتحاد السوفيتي وقتذاك، كما أفسحت المجال للشركة البريطانية شركة الهند الشرقية لاستغلال البلاد.

٥- كان التدخل الروسي البريطاني من الأسباب الرئيسة للقضاء على هذه الدولة، فمنذ عام ١٣٣٨هـ/١٩١٩م لم تعد في إيران حكومة مركزية، وتعددت الحركات الانفصالية في أقاليم مختلفة مثل خراسان وكيلان وغيرها. لذا تحرك رضا خان بفرقة القوزاق الروسية وعددها ٣٠٠٠ ثلاثة آلاف مقاتل من قزوين إلى طهران بتشجيع من انجلترا وروسيا فكان ذلك إرهاصًا بالقضاء على هذه الدولة وخلع آخر سلاطينها عام١٣٤٤هـ/ ١٩٢٥م، وتأسيس الأسرة البهلوية ليتوج رضا خان نفسه مَلكًا على البلاد عام١٣٤٥هـ/ ١٩٢٦م.

ويبدأ حكم الأسرة البهلوية ١٣٤٤هـ ١٩٢٥م، حتى عام ١٤٠٠هـ/١٩٧٩م، ويتولى الحكم فيها رضا شاه حتى ١٣٦٠هـ - ١٩٤١م، حيث أخرجته أيضًا نفس القوى الأجنبية فخلفه ابنه محمد رضا منذ ١٣٦٠ هـ / ١٩٤١ م، حتى ١١ فبراير ١٩٧٩م، أي أن الدولة البهلوية بدأت بمساعدة من قوى أجنبية وأن القوى الأجنبية – أيضًا - ممثلة في انجلترا وروسيا هي التي أرغمت رضا شاه على ترك البلاد لابنه محمد رضا.

أبرز ما قام به رضا شاه

كان من أبرز ما قام به رضا شاه: [جعفر شاهيدي دودمان بهلوي- طهران، الطبعة الثانية، ١٣٣٢هـ ش]

١- القضاء على حركة الانفصال التي اندلعت في كردستان وأذربيجان وخراسان وبلوجستان ولورستان وخوزستان وشيخ خزعل، وسحق التمرد في جميع أنحاء المملكة.

٢- أعاد لإيران وحدتها تحت سلطة مركزية واحدة.

٣- أقام علاقة طيبة مع جميع دول العالم.

٤- سعى إلى ربط إيران بالعالم الغربي، وتحديث إيران.

٥- إدخال البريد والتليفون والراديو، وتحرير المرأة وخلع الحجاب، والعمل على تغيير أنماط الحياة حتى ملابس الرجال والنساء بالزي الأوروبي مع قلنسوة للرجال خاصة بإيران [أصدر أمرًا بأن يرتدي الوزراء والمديرون ورؤساء الإدارات وموظفو الدولة ثيابًا موحدة وقلنسوة طويلة وهي المعروفة باسم القلنسوة البهلوية، كما أصدر أمرًا مماثلًا بارتداء القلنسوة وزيٍّ خاص، وحين عارض الموظفون وكبار رجال البازار عرض هذا الأمر على البرلمان وسنَّ قانونا بذلك سنة ١٣٠٧هـ /١٨٨٩م، واستثنى من ذلك فئات ثمانية معظمها خاص بالمؤسسة الدينية]، نَجَمَ عن حركة تحرير المرأة أن شاركت المرأة في الحياة العامة مشاركة فعالة.

 ٦- تكوين جيش قوي وبروز دور إيران كدولة لها دور رئيسي في أحداث العالم.

 ٧- ربط سائر أنحاء إيران بشبكة من الطرق والسكك الحديدية.

 ٨- شجع بناء المصانع الحديثة.

 ٩- أصدر قانونًا بحظر نشاط الأحزاب الشيوعية والاشتراكية.

 ١٠- أدى المزيد من إنشاء المصانع إلى زيادة عدد العمال وكونوا نقابات لهم كان لها دورها فيما بعد.

 ١١- أصدر رضا شاه قرارًا بتغيير التاريخ الهجري القمري إلى هجري شمسي. [يبدأ هذا التقويم من يوم ٢١ مارس وهو أول السنة الإيرانية المعروف باسم عيد النوروز.  صدر قرار العمل به عام ١٣١٤هـ، بعد مذبحة مسجد كوهر شاد].

 ١٢- محاولة إخضاع رجال الدين للدولة.

 ١٣- غير اسم عربستان بعد القضاء على ثورة الشيخ (خزعل) إلى خوزستان وعمل على تغيير هوية المناطق العربية، فغير اسم مدينة الناصرية إلى الأهواز، والمحمرة إلى (خرم شهر) كما هجَّر كثيرًا من القبائل العربية إلى خراسان وإلى أواسط وغريي إيران - أيضًا.

 ١٤- قيام عدد من الاتحادات والنقابات وتخفيف الرقابة على الصحف، وتقوية الأحزاب السياسية.

ومع هذا فقد تصاعدت دكتاتورية الشاه، وتصاعدت قوى المعارضة، وانتهى الأمر بنفي رضا شاه عام١٣٦٠هـ/ ١٩٤١م وتولى ابنه محمد رضا للحكم في نفس العام.

 استمر محمد رضا حتى (١٤٠٠هـ) / ١٩٧٩م أي أن فترة حكمه ناهزت سبعة وثلاثين عامًا- في ظل احتلال إنجليزي روسي لإيران، وسيطرة على مقاليد الأمور.

كانت أولى خطواته داخليًا: الإفراج عن ١٢٥٠ معتقلًا سياسيًّا من المثقفين، كان من بينهم قدماء النقابيين، ومجموعة من شباب الماركسيين المعروفين باسم المنشقين الثلاثة والخمسين، الذين أسسوا بقيادة مصطفي فاتح حزب توده عام ١٣٦٠هـ / ١٩٤١م بعد أن رفع الشاه الحظر المفروض من قبل والده عن الترويج للمبادئ الاشتراكية، ضمن مناخ عام من الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية.

ثانيًا: اقتفاء سياسة والده في تحديث البنية الاجتماعية والاقتصادية.

ثالثًا: العمل بدأب ودبلوماسية شديدة على إنهاء السيطرة الأجنبية الموجودة بالبلاد.

وكان للولايات المتحدة في العام الأخير من وجودها أكثر من ٢٨ ألف جندي [جعفر شاهيدي دودمان بهلوي، ص٢١٤].

ويمكن القول إن عام ١٣٦٦هـ/١٩٤٦م، هو نهاية الفترة الأولى من فترات حكم محمد رضا أي من عام ١٣٢٠- ١٣٢٥هـ ش.

وفيها خضعت البلاد للسيطرة الأجنبية ونجح الشاه في تحرير بلاده وإعادة سيطرة الدولة على كل أراضي كردستان وأذربيجان بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي منها فتوحدت إيران كلها تحت حكمه لأول مرة.

امتدت المرحلة الثانية من حكم الشاه من ١٣٣٢/١٣٢٥هـ=١٩٤٦-١٩٥٣م، وأبرز سمات تلك المرحلة: تعاظم منزلة الدكتور محمد مصدق وتكوين الوطنية ذات الدور البارز والأساسي في الحركة السياسية في إيران، التي تصدت لمحاولات الروس للحصول على امتيازات نفطية في شمال إيران كما تصدت لخطوات الشاه التي بدأ إنجازها منذ١٣٦٩هـ/ ١٩٤٩م لإنشاء دولة أوتوقراطية تخمد فيها كل أنواع المعارضة، وإعلان الأحكام العرفية.

أصدر الشاه أمرًا في مايو ١٣٧٠هـ/ ١٩٥١م بتعيين دكتور محمد مصدق رئيسًا للوزراء كصمام أمان في وجه الثورة الجماهيرية؛ حيث قام محمد مصدق بتأميم صناعة النفط وكان مطلبًا جماهيريًّا حزبيًّا عام١٣٧٢هـ/ ١٩٥٢م وفشلت تلك السياسة لأسباب داخلية وخارجية.

عاد الشاه من الخارج في أغسطس١٣٧٢هـ ١٩٥٣م ليمسك بيديه كل السلطات ويتم القبض على معظم قادة الجبهة الوطنية بمن فيهم محمد مصدق وأعدم وزير خارجيته وأودع محمد مصدق السجن لمدة ثلاث سنوات، ثم وضع قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته عام ١٣٨٧هـ/١٩٦٧م.

استمرت المرحلة الثالثة من حكم الشاه من عام١٣٧٣هـ/ ١٩٥٣م حتى عام ١٣٧٥هـ / ١٩٥٥م، تلك المرحلة التي شهدت محاربة الجبهة الوطنية واستعادة الشاه لجميع سلطاته التي سلبتها منه ثورة مصدق وعلا أمر الجيش وطائفة من علماء الدين المتحالفين معه.

أما المرحلة الرابعة والأخيرة من حكم الشاه فقد امتدت (١٩٥٥م- ١٩٧٩م/ ١٣٣٤ هـ - ١٣٥٧هـ ش) وقد تميزت تلك المرحلة بما يلي:

 أولًا: أسرع الشاه الخُطى لتحديث إيران وتطويرها، متخذًا من النظام الأوروبي نموذجًا يُحتذى به، ولم يعط فترة التاريخ الإسلامي الطويل أية عناية.

ثانيًا: في الثاني من مارس ١٣٩٥ هـ /١٩٧٥م ألغى تعدد الأحزاب وأعلن قيام حزب واحد هو حزب رستاخير أي البعث ووعد بإجراء انتخابات حرة وحث كل فرد على المشاركة في تنظيمات الحزب أداء لواجبهم في خدمة وطنهم.

ثالثًا: أضحى الشاه منذ بداية السبعينيات واحدًا من كبار القادة السياسيين في العالم وبدت نبرة التعالي والغرور تعتريه وانعكست على معاملاته داخليًّا وخارجيًّا.

في منتصف ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م وصل نظام الحكم والمعارضة إلى نقطة اللاعودة ولم يستطع أي منهما فرض هدفه على الآخر.

رابعًا: شنَّ هجومًا شديدًا على المؤسسة الدينية المحافظة، وأطلق عليهم اسم الرجعية السوداء، وأن حوزتهم العلمية مياه آسنة، واتهمهم بالحماقة والجهل، وسجن بعضهم وأعدم ونفى آخرين، وامتنع عن التعامل معهم، وضيق الخناق على مدارسهم الدينية وحوزاتهم العلمية.

خامسًا: أصبحت الدولة بجميع مؤسساتها بابًا مفتوحًا وأرضًا خصبة للولايات المتحدة ولأوروبا بعامة فكانت مقدرات الدولة في أواخر حكم محمد رضا مرتبطة بأوروبا والولايات المتحدة بنسبة تقريبية تصل إلى ١٠٠% في مجال التسليح، و٨٠% في المجال الثقافي والعلمي من حيث الارتباط بالجامعات ومراكز البحث العلمي. وفي مجال الزراعة كان الاعتماد على الموارد الأولية بنسبة ٥٠%.

 وفي المجال السياسي كان الارتباط بأوروبا وأمريكا ومؤسساتها بنسبة ٩٠%. [شاهنشاهي بهلوي، ج٣]

سادسًا: أحاط الشاه نفسه بجماعات كبيرة من المستشارين الأوروبيين والأمريكيين بلغت ستين ألف أمريكي وعشرين ألف إنجليزي، وعدة آلاف من كل من ألمانيا وفرنسا والسويد وسويسرا وعدة آلاف من روسيا ودول أوروبا الشرقية واليابان.

كان الشاه يريد أن يجعل من إيران القوة العسكرية الرابعة في العالم والقوة الخامسة اقتصاديًّا حتى تنافس اليابان في هذا الصدد.

وبعد منتصف ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م شكل العمال لجنة في كل مصنع نَجَمَ عنها لجنة مركزية للإعداد لإضراب عام، وهكذا شاركت فئات عديدة من الشعب ضد الشاه وظل الجيش بعيدًا.

الخلاصة

إيران تمتلك موقعًا جغرافيًّا حرجًا يربط بين آسيا وأوروبا وتطل على بحري الخزر والعرب، وهذا أكسبها أهمية جيوسياسية عبر التاريخ، يجمع مجتمعها بين أعراق وديانات متعددة، مع الغلبة للشيعة الاثني عشرية، شهد نظامها السياسي تحولات كبرى بدءًا من الإمبراطوريات الفارسية، مرورًا بالعصر الإسلامي، والثورة الدستورية في أوائل القرن العشرين، وصولًا إلى حكم الأسرة البهلوية وثورة ١٩٧٩ التي أسست الجمهورية الإسلامية، تاريخ إيران يعكس صراعاً بين التحديث والاستبداد والتدخلات الأجنبية، إلى جانب محاولات لإيران لعب دور إقليمي بارز.

موضوعات ذات صلة

تعني (الأرض الطاهرة)، وهي تشكل دولة ذات تاريخ غني.

بلد ذو تاريخ عريق، وموقع جغرافي استراتيجي جعلها ملتقى للحضارات.

دولة تقع بين آسيا وأوروبا، دخلها الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

موضوعات مختارة