اصطلاحًا: كلمة
«الفطرة» تدل على معنيين رئيسيين هما: الجبلّة التي ولد عليها الإنسان، والصفة التي
يتصف بها كل موجود في أول زمان خلقته، والمعنى الثاني هو الدين. [الكليات لأبي البقاء، مادة (فطر)، مؤسسة الرسالة بيروت ١٩٩٢م، القاموس المحيط للفيروز
أبادي، مادة (فطر) مكتبة التربية، بيروت].
والمعنى
الأول يدور حول عدة معان تتعلق بالخلق والابتداء والاختراع للموجودات التي
أحدثها الله تعالى وجبلها على طبيعة أو طبائع خاصة فقد فطر الله الإنسان على
السلامة خلقة وطبعا وبنية، ليس معها كفر ولا إيمان ولا إنكار ولا معرفة [التعريفات للجرجاني ص ١٤٧ مطبعة الحلبي ١٩٣٨ م]، أي أنها خلقة قابلة للإنكار والمعرفة،
والكفر والإيمان، ومتهيئة للسعادة والشقاوة وغير ذلك. فهي مجرد جبلة أو استعداد فطري
لقبول الدين. [شفاء العليل في
مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ص
٣٨٤، الطبعة الأولى،
الرياض].
ومن هنا كان لدى النفس الإنسانية استعداد لقبول
الخير وقبول الشر، فليست النفس شريرة بطبيعتها والذى يفلح هو الذى يتوجه بها إلى
الخير يقول سبحانه: {وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا * قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس ٧ -١٠].
أما المعنى
الثاني للفطرة فإنه يدور حول معان عدة تتعلق بالدين والتدين:
فالفطرة هن يقصد بها الإيمان بالله عز وجل، والإقرار بمعرفته وربوبيته، والإيمان
بدينه وإسلامه: فكل إنسان مولود على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين،
ولو تُرك على هذه الطبيعة لاستمر عليها، ولزمها ولم يفارقها إلى غيرها،وإنما يعدل
عنها من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد: وكل مولود يولد على معرفة الله تعالى
والإقرار به، فلا نجد أحدًا في هذه الدنيا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا، وإن سماه بغير
اسمه، ولو عبد معه غيره. [لسان العرب لابن منظور مادة
(فطر)، دار لسان العرب، بيروت].
وفي هذا
الصدد نجد القرآن الكريم يقول: {وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ} [الزمر: ٣٨]، فالإنسان يقرّ ويعترف بأن الله تعالى هو رب كل شيء وخالقه. كما أن الإنسان مفطور على التدين، فالدين فطرته التي
قال الله عز وجل عنها: {فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا
تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ
ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [الروم: ٣٠].
وقد ذكر القرآن
الكريم أن هناك عهدا وميثاقا أقر فيه الإنسان بمعرفة الله تعالى، وهو العهد الذي
أخذه الله سبحانه على عباده وهم في أصلاب آبائهم، حيث مسح ظهر آدم، فأخرج من ذريته
إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم
على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا
حكيما: يقول تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ
رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ
عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ} [الأعراف ١٧٢-١٧٣].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
«ما مِن مولودٍ إلا يُولدُ على الفطرةِ فأبواهُ يهوّدانهِ
وينصّرانهِ ويمجّسانهِ، كما تنتجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ، هل تحسّون فيها من
جدعاءَ». [رواه مسلم] [صحيح مسلم بشرح النووي،
كتاب القدر ٤ /٢٦٧ المطبعة المصرية، القاهرة].
ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- راويًا عن ربه: «إنِّي خلقتُ عبادِي حنفاءَ كلَّهم وإنِّهم أتتهمُ الشياطينُ
فاجتالتهمْ عن دينهم، وحرّمت عليْهِمْ ما حللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لمْ
أُنزل به سلطانًا» [التاج الجامع لأحاديث الرسول للشيخ منصور علي
ناصف ٥ /٧٧، مطبعة عيسى الحلبي القاهرة].
وقد قيل: إن الفطرة هي دين الإسلام، وهو المعروف
عند عامة السلف؛ وقد أجمع أهل التأويل في تأويل قول الله عز وجل : {فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ} على أن فطرة
الله دين الله الإسلام. [شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة
والتعليل ص ٣٨٤]. والمقصود به
هنا دين التوحيد الذي نزل على كافة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أو الاستعداد
لقبول هذا الدين.
وهكذا يتبيّن من دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن
الخلق مفطورون على دين الله الذى هو معرفته به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجب
فطرتهم ومقتضاها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضى حصول ضده، وأن حصول ذلك فيها لا يقف
على وجود شرط بل على انتفاء المانع؛ فإذا لم يوجد فهو لوجود منافيه لا لعدم
مقتضيه؛ ولهذا لم يذكر النبي -صلى الله
عليه وسلم- لوجود الفطرة شرطًا بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال:
«فأبَوَاهُ يهوِّدانِهِ وينصِّرَانهِ ويمجِّسانِهِ» فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على أسباب خارجة
عن الفطرة، وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير
الفطرة وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها .