يمثل القلم في الفكر الديني والتصوف الإسلامي رمزًا للقوة الإلهية التي خطت مصائر الخلق والأكوان، حيث إنه ليس قلمًا ماديًا، بل هو تعبير مجازي عن الإرادة المطلقة والخالقة التي سطرت كل شيء في اللوح المحفوظ.
يمثل القلم في الفكر الديني والتصوف الإسلامي رمزًا للقوة الإلهية التي خطت مصائر الخلق والأكوان، حيث إنه ليس قلمًا ماديًا، بل هو تعبير مجازي عن الإرادة المطلقة والخالقة التي سطرت كل شيء في اللوح المحفوظ.
تمهيد: ونحن نتناول - بالبحث - معنى هذا اللفظ القلم وهو يتعلق بأمور عقدية، رأينا أنه ينبغي وضع هذا التمهيد، قبل بيان معاني هذا اللفظ كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وفي اللغة والاصطلاح، سواء عند المتمسكين بظواهر النصوص، أم عند أصحاب التأويل، متكلمين أو فلاسفة أو صوفية.
والدارس للفكر العقدي في الإسلام يجد - فيما يتعلق بالله - عز وجل - وما يكون عنه من موجودات - اتجاهين أساسيين:
الأول: للمتكلمين ومن اتبع طريقتهم.
والثاني: للفلاسفة ومن سار على مناهجهم، وهم جميعًا متفقون على أنه لا شك في وجود الموجودات التي ندركها بحواسنا أو بعقولنا، وذلك لأن مفهوم الوجود بديهي، وإن كان محتاجًا إلى تنبيه عند من يغفل عنه.
وقد ذهب المتكلمون إلى أن الموجود - المطلق - ينقسم إلى القديم الذي لا أول لوجوده، وهو الله - عز وجل - الغني عن كل ما سواه، وإلى الحادث وهو العالم، وهذا العالم كله أجسام وأعراض قائمة بالأجسام، وهو حادث ومخلوق بعد عدم، ومحدثه وخالقه هو الله - عز وجل -، خلقه بعد عدم محض، إذ كان الله ولا شيء معه، ثم خلق العالم.
ويذهب المتكلمون في الإسلام إلى أن القلم من هذا العالم، ويقولون: إن هذا العالم مخلوق بعد عدم، ومن ثَمَّ فهو جسم يشغل حيزًا من الفراغ شأن غيره من الأجسام.
وأما الفلاسفة - في الإسلام - فقد ذهبوا إلى أن الوجود - المطلق - ينقسم إلى الواجب لذاته، والممكن لذاته.
فأما الواجب لذاته فهو الله - عز وجل - الغني عن كل ما سواه.
وأما الممكن لذاته فهو العالم، ومادام العالم ممكنًا فهو محتاج في وجوده وبقائه إلى الله - عز وجل - الذي أوجب وجود هذا العالم، ومن ثَمَّ فقد صدر هذا العالم عن الله - عز وجل - على سبيل الإيجاب، وذلك لأن الله خير وهو يعطى الوجود لغيره - أي العالم - على سبيل الضرورة والدوام، ولذلك فالعالم مساوق في وجوده لله - عز وجل -.
ويقول الفلاسفة: إن الله - عز وجل - أوجد هذا العالم على سبيل الترتيب والتسلسل في العلل والمعلولات التي تنتهي إلى الواجب لذاته وهو الله - عز وجل -.
وقال الفلاسفة: إن أول صادر عن الله - عز وجل - هو العقل الأول وهو مجرد عن المادة أي ليس جسمًا ولا جسمانيًا، وعن هذا العقل صدر العقل الثاني والنفس الكلية للعالم، وجرم الفلك الأقصى، وهكذا في بقية العقول والنفوس التي للأجرام السماوية إلى العقل العاشر المختص بعالم العناصر الموجودة على الأرض وهي: النار، والهواء، والماء، والتراب، وبامتزاجها تتكون النباتات، والجمادات، والحيوانات، ومنها أفراد النوع الإنساني.
ويذهب الفلاسفة - في الإسلام - إلى أن القلم: من عالم العقول والنفوس السماوية المجردة عن المادة.
كما نجد اتجاهًا ثالثًا: وهو للصوفية - في الإسلام - وقد سار بعضهم على طريقة المتكلمين وقال: بحدوث القلم، وأنه جسم معين له هيئة بكيفية معينة لا يدركها إلا الله - عز وجل -.
وتبع آخرون مناهج الفلاسفة وقالوا: بتأويل القلم، وأطلقوا عليه اسم العقل والنفس الكلية.
وبعد هذا التمهيد سنقوم بدراسة معنى هذا اللفظ: القلم في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما سنتناول معناه في اللغة العربية، ونبين آراء المفسرين سواء أكانوا متكلمين أم فلاسفة أم صوفية، حسب كل منهج لهؤلاء.
جاء ذكر القلم في قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم:١].
وعن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال -: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فقالَ له: اكْتُبْ، قال: رَبِّ وماذا أَكتُبُ؟ قالَ: اكْتُبْ مَقاديرَ كلِّ شيءٍ حتّى تَقومَ السّاعةُ مَن مَاتَ عَلى غَيرِ هَذا فَليسَ منِّي» [أبو داود والطبراني والبيهقي والضياء عن عبادة بن الصامت، أخرجه أبو داود (٤/٢٢٥) رقم: (٤٧٠٠)، والبيهقي (١٠/٢٠٤) رقم (٢٠٦٦٤)، والضياء ٨/٢٧٤ رقم (٣٣٦)، وأخرجه أيضًا الطبراني في الشاميين ١٦/٥٨ – رقم: ٥٩].
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قَد جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» [أخرجه الطبراني ١١/١٢٣ رقم: (١١٢٤٣) وأخرجه أيضًا أحمد ١/٣٠٧ رقم: (٢٨٠٤) والضياء١٠/٢٣ رقم: (١٣)].
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: «إنَّ اللَّهَ خلقَ خلقَهُ في ظُلمةٍ، فَأَلقَى عَلِيهِم مِن نُورِهِ، فمَن أَصَابَهُ مِن ذَلِكَ النُّورِ اهتَدى، وَمَن أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِك أَقُولُ: جَفَّ القَلمُ عَلَى عِلمِ اللَّهِ» [رواه أحمد بإسنادين، والبزار والطبراني ورجال أحمد ثقات، وقال المناوي: ٢/٢٣١ قال ابن حجر في فتاويه: إسناد لا بأس به].
جاء لفظ القلم في اللغة مستعملًا بمعنى الشيء الذي يُكتب به، وأيضًا القلم: الزلم بفتحتين القدح، والجمع الأزلام، وهي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها، وجمع قلم أقلام [الجوهري: الصحاح، ٥/٢٠١٤].
قال صاحب القاموس المحيط: القلم محركة اليراع أو إذا بريت، والجمع أقلام وقلام، والزلم والجلم، وطول أيمة المرآة، والسهم يجال بين القوم في القمار [الفيروزابادي: القاموس المحيط، ص٨٤].
كما جاء في مفردات غريب القرآن: أصل القلم القص من الشيء الصلب، كالظفر وكعب الرمح والقصب، ويقال للمقلوم: قلم كما يقال للمنقوص: نقص، وخص ذلك بما يُكتب به وجرت به أقلامهم، قال تعالى: {نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ} [القلم:١] وقال تعالى: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} [آل عمران:٤٤]، أي بأقلامهم [الأصفهاني: مفردات غريب القرآن، ١/٤١٢].
نظر المفسرون - بشتى مناهجهم - إلى ما جاء بشأن القلم في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، واستعانوا في معرفة معناه - القلم والمقصود منه - إلى جانب الآيات والأحاديث بما جاء في اللغة، وما ذكره الفلاسفة أو الصوفية، ومن ثَمَّ كانت هناك آراء ثلاثة أساسية في تفسير القلم.
الرأي الأول: هو الرأي الشائع والغالب لدى جمهور المفسرين من أهل الحديث والمتكلمين، وقد حملوا القلم الذي جاء ذكره في قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم:١]، وقوله تعالى: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: ٤] على معناه الأصلي الذي وُضِعَ له في اللغة، وهو أنه آلة جمادية، وأنه الشيء الذي يُكتب به، ومن هذا الفريق من حمل القلم على المعنى المجازي، وأول الآيات الوارد فيها ذكر القلم، ففي قوله تعالى: {نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ} يذكر فخر الدين الرازي قولين:
أحدهما: أن المُقْسَم به هو الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [القلم: ٣-٤]
الثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر، أن أول ما خلق الله القلم، قال ابن عباس: "أول ما خلق الله القلم، ثم قال الله: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال"، وقال: "وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض" [الرازي: تفسير، ٣٠/٧٨].
ويذكر فخر الدين الرازي أن من المتكلمين من حمل هذا الخبر على معناه المجازي فيقول: قال القاضي - الراجح أنه القاضي عبد الجبار - هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حيًا عاقلًا فيؤمر وينهى، فإن الجمع بين كونه حيوانًا مكلفًا وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد أنه تعالى أخبر بكل ما يكون وهو كقوله: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة:١١٧]، وإنه ليس هناك أمر ولا تكليف، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، [المرجع السابق نفسه].
الرأي الثانى: وهذا الرأي هو للفلاسفة المسلمين فقد أوَّلوا القلم بالعقل، يقول فخر الدين الرازي: ومن الناس من زعم أن القلم المذكور – هاهنا - هو العقل، وأنه شيء كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه رُوِيَ في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم، وفي خبر آخر أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
وقالوا: هذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض [المرجع السابق نفسه].
الرأي الثالث: ومال بعض الصوفية إلى هذا المنحى الفلسفي، وإن كسوه رداءً صوفيًا، فقد قال محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: اعلم أن الله تعالى كان قبل أن يخلق الخلق، وكان - جل جلاله - في عماء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، وهو أول مظهر إلهي ظهر فيه، سَرَىَ فيه النور الإلهي كما في قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: ٣٥]، فلما انصبغ ذلك العماء بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمنين الذين هم فوق عالم الأجسام الطبيعية، ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم، فلما أوجدهم تجلَّى لهم فصار لهم من ذلك التجلي غيبًا، وكان ذلك الغيب روحًا لهم، أي لتلك الصور: وتجلَّى لهم في اسمه الجميل فهاموا في جلال جماله فهم لا يفيقون.
ولما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عَيَّن واحدًا من هؤلاء الملائكة الكروبيين، وهو أول ملك ظهر من ملائكة ذلك النور وسماه العقل والقلم، وتجلَّى له في مجال التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية وجد فقبل بذاته علم ما يكون، وما للحق من الأسماء الطالبة صدور هذا العالم الخلقي، فاشتق من هذا العقل موجودًا آخر سمَّاه اللوح، وأمر القلم أن يتدلى إليه، ويودع فيه جميع ما يكون إلى يوم القيامة لا غير، وجعل لهذا القلم ثلاثمائة وستين سنًا في قلميته أي من كونه قلمًا، ومن كونه عقلًا ثلاثمائة وستين تجليًا أو رقيقة، كل سن أو رقيقة تغترف من ثلاثمائة وستين صنفًا من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح، فهذا حصر ما في العالم إلى يوم القيامة، فعلمها اللوح حين أودعه إياها القلم من العلوم ما يريد الله إلى يوم القيامة [محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، ١/٤٨].
خاتمة: ونخلص مما سبق إلى أن ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة متعلقًا بالقلم، قد تناوله المفسرون باتجاهاتهم المختلفة من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وصوفية، وكانوا يعتمدون على ما جاء في اللغة العربية، أو ما توصلوا إليه بعقولهم أو أذواقهم، وقد خلص البحث إلى أن القلم عند هؤلاء جميعًا، إما أنه جسم لا يعلم حقيقته وقدره إلا الله - عز وجل - أو أنه عقل أو نفس من العقول والنفوس السماوية، كما ذهب إلى ذلك فلاسفة المسلمين، وقد تَبَنَّىَ الصوفية من أصحاب الاتجاه الفلسفي هذا التأويل للقلم.
المقال يناقش معنى لفظ "القلم" في التراث الإسلامي من مناحٍ عقدية ولغوية وتفسيرية، المتكلمون يرون القلم جسمًا مخلوقًا من هذا العالم الحادث، بينما الفلاسفة يعتبرونه عقلًا مجردًا عن المادة، والصوفية يميلون إلى تأويل القلم بمعانٍ فلسفية وروحية تربطه بالعقول السماوية.