من ثَمَّ نرى أن المسألة هنا ليست سهلة
بسيطة؛ بل فكرية عميقة، وحتى تتم الصورة ينبغي أن نرجع إلى النصوص الشرعية
وتفسيراتها، من القرآن الكريم ومن السنة الصحيحة.
أولًا: آيات الخلق في القرآن الكريم:
جاءت في القرآن الكريم كثيرة تتكلم عن الخلق
بلفظه المطلق كقوله تعالى: {وَهُوَ
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ
عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ} [هود: ٧] ، وجمهور المفسرين وكذا جمهور
المتكلمين على أن المعنى الحقيقي للخلق هو الوجود بعد عدم؛ ليثبتوا عموم القدرة
الإلهية والعلم، تلك الصفات التي لها تعلق بالخلق والإيجاد على غير مثال سابق، أو
مادة سابقة كذلك، وهو ما يعنيه الفلاسفة بالهيولي والصورة، وليثبتوا من طريق آخر
أزلية الحق سبحانه وتعالى وحده، وتفرده في ذلك كما تفرد كذلك بالأبدية، وهي: عدم
نهائية الوجود من جهة المستقبل، أو بمعنى "الخلود".
ولا شك أن في هذا التفسير نقضًا لكلام
الفلاسفة، وبخاصة المسلمين منهم الذين يفسرون عملية الخلق وآياته بمعنى آخر غير
الإيجاد من عدم؛ إذ يرون أن معناها إلباس المادة صورتها عند بعضهم، أو المساوقة
بين العلة والمعلول في الوجود دون فاصل زمني، مع الاحتفاظ للعلة بتميزها عن
معلولها في الرتبة، وهذا الفرق في نظرهم كافٍ في تعليل القضية حتى لا يقال: إن الله
قبل أن يخلق العالم كان معطَلًا عن كونه علة تامة، ثم طرأ عليه ما جعله يخلق العالم
بعد عدم.
والمسألة- كما نرى- تقرر أن لكل وجهة،
وأنها في دائرة الفهم الإسلامي للقضية من قبل الفلاسفة الإسلاميين، أو المتكلمين،
لا ترقى إلى مستوى أن يكفر أحد الطرفين الآخر، كما فعل الغزالي مع الفلاسفة حين
كفرهم بثلاث مسائل، كان القول بقدم العالم أحد هذه المسائل الثلاث.
ثانيًا: أحاديث الخلق:
أخرج مسلم في صحيحة أن رسول صلى الله
عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ
الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» [صحيح مسلم جـ٨/ص ١٩٧٨].
وثبوت هذين الوصفين- الأولية والآخرية
لله تعالى- ثابت مستقر في الفِطَر؛ لأن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود
لذاته؛ قطعًا للتسلسل كما أشرنا قبلًا، وشواهد الخلق، وتداولها بين الوجود والعدم
يدل على ذلك، ويستحيل وجود الموجودات دون مُوجِد، تطبيقًا لقانون الأسباب
والمسببات، والبديل لذلك هو القول بالمصادفة التي هي غير مفهومة بنفسها، من ثَمَّ
فإن القرآن الكريم يحسم القضية بقوله تعالى: {أَمۡ
خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ} [الطور: ٣٥].
والرواية التي معنا للحديث الشريف أصح
من رواية أخرى وردت في هذا السبيل تقرر أن الحق سبحانه كان ولم يكن شيء معه، فهي
تثبت "التفرد" لا "الأزلية".
وإذا كان الأمر كذلك فإن الأخذ
بالرواية الأصح يكون أولى، ولعل هذا هو الذي حمل بعض مفكري الإسلام بأن ظاهر بعض
آيات القرآن الكريم- وهي الآية التي ذكرناها قبلا، وبعض الأحاديث كالحديث الذي
أورده مسلم في صحيحه- وهو الأصح من الرواية الثانية-، إنما يدلان معًا على أن
النصوص الشرعية- قرآنًا وسنة صحيحة- تقرر مبدأ "الأزلية" فقط، وهذا لا
يمنع أن يوجد مع الله تعالى غيره، وهو الممكن في ذاته والواجب بغيره على الوجه
الذي قرره الفلاسفة الإسلاميون. [انظر رأي ابن رشد في العلاقة بين الله سبحانه
وتعالى والعالم، وتفسيره للآية القرآنية التي ذكرناها في كتابيه: فصل المقال،
والكشف عن مناهج الأدلة]. وبهذا يتقرر أن الذين فسروا الخلق بفكرة "الإيجاد من عدم"
كانوا يقررون أحد القولين في المسألة، ولم يكن رأيهم هذا هو المتفرد وحده بهذا
الحكم. والله أعلم.