Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأزل

الكاتب

أ.د. محمد عبد الستار نصار

الأزل

الأزل من المفاهيم التي تناولها المتكلمون والفلاسفة، والله تعالى هو الأزلي والأبدي، والعالم له بداية ونهاية؛ لأنه مخلوق، والفلاسفة يرون أن العالم قديم قدمًا زمانيًا، ولكنه حادث بالذات، أما المتكلمون يرون أن العالم حادث، وأن الله تعالى هو القديم الأزلي، فالأزلية ليست مجرد فكرة فلسفية؛ بل هي حقيقة تعزز إيماننا وتعمق علاقتنا بالله سبحانه وتعالى.


مفهوم الأزل

التعريف اللغوي:

 يقول صاحب القاموس المحيط: "الأزْل: بسكون الزاي: الضيق والشدة، وبالكسر: الكذب والداهية، وبالتحريك: القِدم، وهو أزَلي، أو أصله: يزلي، منسوب إلى (لم يزل)، ثم أبدلت الياء ألفًا للخفة، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى (ذي يزن) أزلي. [ص٥٢، ط القاهرة، سنة ٢٠٠٨ م] ويقول الجرجاني في التعريفات: الأبد: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدَّرة غير متناهية في جانب المستقبل، كما أن الأزل: استمرار الوجود في أزمنة مُقدَّرة غير متناهية في جانب الماضي. [ص٢٥، ط بدار الكتاب اللبناني، سنة ١٩٩١م].

وأما أصحاب المعجم الفلسفي فنقلوا عن كتاب: (الإنسان الكامل) قوله: "اعلم أن أبده تعالى عين أزله، وأزله عين أبده". [ص١٢، ط القاهرة، سنة ١٩٧١م].

التعريف الاصطلاحي:

 يعني هذا المصطلح عند علماء الكلام والفلسفة: عدم أولية الوجود.

ويطلق المتكلمون تجاوزًا لفظ القِدم على الله تعالى، ويقولون: العالم حادث في مقابلة "الله سبحانه القديم"، أي: أنهم في نفس الوقت يثبتون حقيقتين واضحتين هما حدوث العالم أي: وجوده بعد أن كان غير موجود، وقِدم الحق سبحانه وتعالى وتفرده بذلك؛ حتى لا يشارك المخلوق في طبيعته.

وأما القرآن الكريم فقد عبَّر عن الأزل والأبد بقوله تعالي: {لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ * هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: ٢-٣]، فالأول كما صرح القرآن الكريم يقابله "الأزل"، والآخر يقابله "الأبد".

آراء الفلاسفة والمتكلمين

والمسألة - كما نرى - لها علاقة بالدين والفلسفة على السواء، وهي عند المتكلمين قد انطلقت لإثبات حدوث العالم بحدوث الأجسام والأعراض، ليصار إلى إثبات وجود خالقه، وهو الله سبحانه وتعالى، والمقابل للحادث في نظرهم هو القديم، من ثم يكون بين الخالق- القديم-والمخلوق- الحادث- مقابلة بين العلة والمعلول، الذى قال به الفلاسفة، غير أن هؤلاء عندما تصوروا العلاقة على هذه الشاكلة لزمهم أن يقولوا بالفرق بين طرفي القضية- العلة والمعلول- من حيث الذات مرة، ومن حيث الزمان مرة أخرى، ويبنون منهجهم هنا على قانون العِلِّيَّة في مقابلة منهج المتكلمين الذين يبنون منهجهم على بطلان التسلسل والدور.

وبين الفريقين من المشادات الفكرية ما لا يحتملها هذا البحث ربما كانت الإلزامات الفكرية أهم نتائجها ونضرب لذلك مثلًا:

 يرى الفلاسفة المُؤلهون- وبخاصة المسلمون منهم- أن القول بحدوث العالم بعد عدم يلزم منه القول بأنه سبحانه كان معطَلًا في الأزل– أي: قبل أن يخلق العالم- وأن هذا العالم المخلوق قد تجددت لخلقه إرادة حادثة.. إلخ.

وللمتكلمين ردٌّ على ذلك، كما أن للمتكلمين على قول الفلاسفة مآخذ، منها:

أن القول بالعلاقة العِلِّيَّة بين الله سبحانه من طرف، وبين العالم من طرف آخر، الذي ترتب عليه القول بقِدم العالم ضرورة الارتباط العِلِّي بين الطرفين تحقيقًا لهذا المبدأ، يعني: القول بتعدد القدماء، وهذا لازم مذهب القوم فيما ذهبوا إليه غير أن فلاسفة الإسلام قد ظنوا أنهم قد حلوا المشكلة، وردوا هذا اللازم عندما فرَّقوا بين نوعين من كلٍ من القدم والحدوث، فقالوا بأن العالم قديم قدمًا زمانيًّا، بمعنى أنه لا أول لوجوده، حتى يتلاءم ذلك مع مبدأ العِلِّيَّة، غير أنه حادث بالذات، بمعنى أنه لم يُوجِد ذاته؛ بل أوجدته علته، فألزمهم المتكلمون مرة أخرى بأن هذا التفسير يلزمه القول بأن الله سبحانه علة طبيعية، وليس علة مختارة؛ لأن العلة الطبيعية هي التي يصدر عنها معلولها بحكم كونها علة، وكون الأمر كذلك بأن يكون الحق سبحانه فاعلًا بالاضطرار لا بالاختيار.

نصوص القرآن والسنة في ذلك

من ثَمَّ نرى أن المسألة هنا ليست سهلة بسيطة؛ بل فكرية عميقة، وحتى تتم الصورة ينبغي أن نرجع إلى النصوص الشرعية وتفسيراتها، من القرآن الكريم ومن السنة الصحيحة.

أولًا: آيات الخلق في القرآن الكريم:

 جاءت في القرآن الكريم كثيرة تتكلم عن الخلق بلفظه المطلق كقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ} [هود: ٧] ، وجمهور المفسرين وكذا جمهور المتكلمين على أن المعنى الحقيقي للخلق هو الوجود بعد عدم؛ ليثبتوا عموم القدرة الإلهية والعلم، تلك الصفات التي لها تعلق بالخلق والإيجاد على غير مثال سابق، أو مادة سابقة كذلك، وهو ما يعنيه الفلاسفة بالهيولي والصورة، وليثبتوا من طريق آخر أزلية الحق سبحانه وتعالى وحده، وتفرده في ذلك كما تفرد كذلك بالأبدية، وهي: عدم نهائية الوجود من جهة المستقبل، أو بمعنى "الخلود".

ولا شك أن في هذا التفسير نقضًا لكلام الفلاسفة، وبخاصة المسلمين منهم الذين يفسرون عملية الخلق وآياته بمعنى آخر غير الإيجاد من عدم؛ إذ يرون أن معناها إلباس المادة صورتها عند بعضهم، أو المساوقة بين العلة والمعلول في الوجود دون فاصل زمني، مع الاحتفاظ للعلة بتميزها عن معلولها في الرتبة، وهذا الفرق في نظرهم كافٍ في تعليل القضية حتى لا يقال: إن الله قبل أن يخلق العالم كان معطَلًا عن كونه علة تامة، ثم طرأ عليه ما جعله يخلق العالم بعد عدم.

والمسألة- كما نرى- تقرر أن لكل وجهة، وأنها في دائرة الفهم الإسلامي للقضية من قبل الفلاسفة الإسلاميين، أو المتكلمين، لا ترقى إلى مستوى أن يكفر أحد الطرفين الآخر، كما فعل الغزالي مع الفلاسفة حين كفرهم بثلاث مسائل، كان القول بقدم العالم أحد هذه المسائل الثلاث.

 ثانيًا: أحاديث الخلق:

أخرج مسلم في صحيحة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» [صحيح مسلم جـ٨/ص ١٩٧٨].

وثبوت هذين الوصفين- الأولية والآخرية لله تعالى- ثابت مستقر في الفِطَر؛ لأن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته؛ قطعًا للتسلسل كما أشرنا قبلًا، وشواهد الخلق، وتداولها بين الوجود والعدم يدل على ذلك، ويستحيل وجود الموجودات دون مُوجِد، تطبيقًا لقانون الأسباب والمسببات، والبديل لذلك هو القول بالمصادفة التي هي غير مفهومة بنفسها، من ثَمَّ فإن القرآن الكريم يحسم القضية بقوله تعالى: {أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ} [الطور: ٣٥].

والرواية التي معنا للحديث الشريف أصح من رواية أخرى وردت في هذا السبيل تقرر أن الحق سبحانه كان ولم يكن شيء معه، فهي تثبت "التفرد" لا "الأزلية".

وإذا كان الأمر كذلك فإن الأخذ بالرواية الأصح يكون أولى، ولعل هذا هو الذي حمل بعض مفكري الإسلام بأن ظاهر بعض آيات القرآن الكريم- وهي الآية التي ذكرناها قبلا، وبعض الأحاديث كالحديث الذي أورده مسلم في صحيحه- وهو الأصح من الرواية الثانية-، إنما يدلان معًا على أن النصوص الشرعية- قرآنًا وسنة صحيحة- تقرر مبدأ "الأزلية" فقط، وهذا لا يمنع أن يوجد مع الله تعالى غيره، وهو الممكن في ذاته والواجب بغيره على الوجه الذي قرره الفلاسفة الإسلاميون. [انظر رأي ابن رشد في العلاقة بين الله سبحانه وتعالى والعالم، وتفسيره للآية القرآنية التي ذكرناها في كتابيه: فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة]. وبهذا يتقرر أن الذين فسروا الخلق بفكرة "الإيجاد من عدم" كانوا يقررون أحد القولين في المسألة، ولم يكن رأيهم هذا هو المتفرد وحده بهذا الحكم. والله أعلم.

الخلاصة

الأزل قضية فلسفية وكلامية وهي مسألة طالما كانت محل نقاش بين الفلاسفة والمتكلمين، فالمتكلمون يثبتون حدوث العالم لإثبات وجود خالق أزلي، بينما الفلاسفة يرون أن العالم يمكن أن يكون قديمًا زمنيًا ولكنه حادث بالذات، أي أنه بحاجة إلى خالق لإيجاده. فالمسألة محل استفسار فلسفي وديني عميق يعتمد على تفسير النصوص الشرعية والتراث الفكري الإسلامي، وتبيّن تعدد وجهات النظر دون إقصاء أو تكفير.

موضوعات ذات صلة

الشفاعة من المفاهيم العميقة التي تجمع بين الروحانية والعدل الإلهي.

 القدم والحدوث مصطلحان كلاميان يعبران عن صفتين للوجود.

العصمة في الإسلام تعني الحفظ والمنع من الوقوع في المعصية.

موضوعات مختارة