الاسم: كلمة لغوية وضعها أهل اللغة لتدل على شيء سابق عليها في الوجود، ويمكن استنباط التعريف لهذه الكلمة بهذا الوضع الأول: وهو الوضع اللغوي فنقول: إن الاسم هو: ما دل على مسمى، ولهذا المعنى بدأ العلماء يبحثون عن أصل له يرجع إليه يكون محتويًا على هذا المعنى الذي ذكرناه له.
فمنهم من قال: إنه مأخوذ من - السمة - بمعنى العلامة، وقريب منه - الوسم - في الدلالة على المقصود، فإذا قلت وسمت هذا الشيء بكذا فقد علمته، ومنهم من يقول: إن الاسم مأخوذ من السمو وهو الرفعة المستلزمة للظهور والبيان والوضوح. [راجع القشيري في شرح أسماء الله الحسنى - مطبعة الأمانة - الطبعة الأولى ١٩٦٩م، ص: ٢٣]
ولا يخفى أن كل ما ذكرناه هنا هو في الاسم بالمعنى الوضعي لا بالمعنى الاصطلاحي ويكفي في تحديده ما قلناه من أنه: اللفظ الدال على معنى، ولا بأس بعد ذلك أن يكون قد دل على معناه بنفسه من غير أن يكون للزمن فيه شأن، أو يكون قد دل على المعنى بنفسه مع اقتران هذا المعنى بزمن، أو يكون قد دل على معنى في غيره بحيث لو جرد لم يدل على معنى أصلًا.
جاء في كتاب التحرير والتنوير تأكيدًا لما ذكرناه قال: "والأسماء جمع اسم، وهو في اللغة لفظ يدل على معنى يفهمه ذهن السامع فيختص بالألفاظ سواء كان مدلولها ذاتا وهو الأصل الأول، أو صفة أو فعلا فيما طرأ على البشر الاحتياج إليه في استعانة بعضهم ببعض، فحصل من ذلك ألفاظ مفردة أو مركبة." [الطاهر بن عاشور - التحرير والتنوير تفسير - دار سحنون تونس بدون ١/٤٠٨]
وعبارة روح البيان تبدو أكثر استيعابًا لكل ما سبقت الإشارة إليه من تحديدنا لمعنى الاسم في الوضع الأول – أعني في الوضع اللغوي - قال: الأسماء جمع اسم، وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلًا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال، واستعمل عرفًا في الموضوع لمعنى مفردًا كان أو مركبًا، مخبرًا عنه أو خبرًا أو رابطة بينهما، وكلا المعنيين محتمل. [شهاب الدين محمود الآلوسي - روح المعاني - إدارة الطباعة المنيرية - القاهرة ٢٢٤/١].
ألفاظ اللغة بين الكسب والتوفيق:
ويتصل بما ذكرناه مسألة مثيرة للجدل، وهي مسألة متصلة ولا شك بتلك الدلالة الوضعية للاسم وهذه المسالة المثيرة للجدل هي: معرفة ما إذا كانت هذه الألفاظ هي الخلايا الأولى لكل لغة قد تعارف عليها الناس عرفًا وتواضعوا على وضعها، أم أنها مسألة توقيفية على معنى أنها لا تخرج عن أن يكون الله عز وجل هو الذي وضعها.
هما رأيان إذًا:
الرأي الأول: يذهب أصحابه إلى أن اللغات توقيفية.
الرأي الثاني: يذهب أصحابه إلى أن اللغات وضعية قد تعارف الناس على دلالة الألفاظ وعلى معانيها، كما تعارفوا على اختراعها وإنشائها.
وتحت هذين الرأيين تفصيلات يشوبها التعصب في معظم الأحيان، كما أنها تحتاج إلى كثير من الدقة العلمية وسوف نحاول أن نرصد هذه المسألة ونرصد آراء الذين أدلوا فيها بدلوهم، نقل الرازي عن الأشعري والجبائي والكعبي أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله تعالى خلق علمًا ضروريًّا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني واحتجوا عليه بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١]. [انظر مفاتيح الغيب للرازي - تفسير - دار الغد العربي - الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩١م ١/ ٥٩٤].
وقد عقب صاحب كتاب التحرير والتنوير على استدلال القوم بهذه الآية قال: (وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية أي لقَّنها الله تعالى البشر على لسان آدم ولا على عدمه).
ويفهم من هذا الكلام أن هذه الآية: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١]، خارجة عن نطاق الاستدلال، إذ لا يجوز أن يستدل بها القائلون بأن اللغات توقيفية، كما لا يجوز أن يستدل بها القائلون بأن الأسماء والألفاظ واللغات المؤتلفة منها كسبية أو وضعية، والرجل عنده مبرراته التي تؤيد رأيه ويمكن الاطلاع عليها في أماكنها. [التحرير والتنوير - مرجع سبق ذكره ١/٤١١]
ومع ذلك فقد وجدنا القرطبي يعرض لهذه الآية ويتحدث عن الرأيين المذكورين، ويتحمس إلى القول بالتوقيف في اللغة تحمسًا بالغًا فهو يقول: "قال ابن منده: في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفًا، وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلًا، كذلك قال ابن عباس: علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب"، وبعد أن عرض الرأي المقابل بتفاصيله قال: "القول الأول أصح". [راجع القرطبي - الجامع لأحكام القرآن - تفسير - ط. الشعب بدون ص ٢٤١ وما بعدها]
هذا هو ما ذكره بعض العلماء حول شطر هذه المسألة وهو القول بأن اللغات توقيفية وما استدلوا به على رأيهم، وتقييم بعض أهل العلم لهذا الاتجاه والدليل عليه.
أما الاتجاه الثاني: فقد أشار إليه الإمام الرازي فيما نقله عن بعض من أهل العلم وهو بصدد شرحه لآية {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١] قال: وقال أبو هاشم - هو الجبائي- إنه لابد من تقدم لغة اصطلاحية، واحتج على أنه لابد وأن يكون الوضع مسبوقًا بالاصطلاح بأمور:
أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظة لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل، ولا جائز أن يحصل للعاقل؛ لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفة الله تعالى معلومة بالضرورة مع أن ذاته معلومة بالاستدلال وذلك محال.
ولا جائز أن يحصل لغير العاقل؛ لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد.
وثانيها: أنه تعالى خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدم اللغة على ذلك التكلم.
وثالثها: أن قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: ٣١]، يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم،
ورابعها: أن آدم عليه السلام: لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلابد وأن تعلم الملائكة كونه صادقا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدمًا على ذلك التعليم. [مفاتيح الغيب للرازي - مرجع سابق - ١/٥٩٤ وما بعدها]
وإذا كان الرازي قد اقتصر على أبي هاشم فإن القرطبي قد زاد الأمر بيانًا فقال: "وروى شيبان عن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه"، قال النحاس: وهذا أحسن ما روي في هذا، والمعنى علَّمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها، هذا كذا وهو يصلح لكذا، وقال الطبري: علمه أسماء الملائكة وذريته واختار هذا ورجحه بقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ} [البقرة:٣١].
وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم، وقال الربيع بن خيثم: علَّمه أسماء الملائكة خاصة، وقال القتبي: أسماء ما خلق في الأرض، وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ص ٢٤١]
واستحسن صاحب التحرير والتنوير أن يكون الله عز وجل قد علّم آدم ما يحتاج إليه في زمانه، وما هو ضروري له في تعامله مع الأشياء، على أن يكون ذلك التعليم شاملًا لهذه الأسماء وما تدل عليه هذه الأسماء من الأشياء فقال: "والتعريف في الأسماء تعريف الجنس أريد منه الاستغراق للدلالة على أنه علمه جميع أسماء الأشياء المعروفة يومئذ في ذلك العالم فهو استغراق عرفي مثل جمع الأمير الصاغة أي صاغة أرضه، وهو الظاهر؛ لأنه المقدار الذي تظهر به الفضيلة فما زاد عليه لا يليق تعليمه بالحكمة، وقدرة الله صالحة لذلك، وتعريف الأسماء يفيد أن الله علم آدم كل اسم ما هو مسماه ومدلوله، والإتيان بالجمع هنا متعين، إذ لا يستقيم أن يقول: وعلم آدم الاسم، وما شاع من أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع في المعرف باللام كلام غير محرر، وأصله مأخوذ من كلام السكاكي". [التحرير والتنوير - ابن عاشور - ١/ ٤٠٩].
أصل الكلام في المسألة:
ولا بد من أن نضيف هنا كلامًا نبيّن من خلاله الأصل الذي دار عليه الخلاف بين العلماء في اعتبار اللغات توقيفية أو وضعية كسبية، والأصل الأصيل الذي دار عليه الخلاف هو: معنى الاسم الذي هو مفرد الأسماء في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١] فمن الناس من قالوا: إن الله عزوجل قد علَّم آدم الاسم الذي هو اللفظ الدال على ذوات الأشياء على ما هو ظاهر الإطلاق.
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "والظاهر أن الأسماء التي علمها آدم هي ألفاظ تدل على ذوات الأشياء التي يحتاج نوع الإنسان إلى التعبير عنها لحاجته إلى ندائها أو استحضارها، أو إفادة حصول بعضها مع بعض، وهي أي الإفادة ما نسميه اليوم بالأخبار أو التوصيف فيظهر أن المراد بالأسماء ابتداء أسماء الذوات من الموجودات مثل الأعلام الشخصية، وأسماء الأجناس من الحيوان والنبات والحجر والكواكب مما يقع عليه نظر الإنسان ابتداء مثل اسم جنة ، وملك، وآدم، وحواء، وإبليس، وشجرة، وثمرة، ونجد ذلك بحسب اللغة البشرية الأولى، ولذلك نرجح أن لا يكون فيما علمه آدم ابتداء شيء من أسماء المعاني والأحداث، ثم طرأت بعد ذلك فكان إذا أراد أن يخبر عن حصول حدث أو أمر معنوي لذات، قرن بين اسم الذات واسم الحدث، نحو ماء برد أي ماء بارد، ثم طرأ وضع الأفعال والأوصاف بعد ذلك، فقال: الماء بارد، أو برد". [المرجع السابق نفسه]
وهذا الكلام الذي ذكره الشيخ حسن في ذاته، خاصة وأنه قد أخذ في الاعتبار أن الألفاظ كائن حي يتطور كما تتطور الأحياء، ولا يجوز أن يدور الخلاف بين العلماء حول أن تكون اللغات وضعية مكتسبة أو توقيفية إلا على هذا الأصل، بحيث لو فهمت دلالة الأسماء على غير هذا المعنى لتوارى هذا الخلاف من أساسه وبرغم أن هذه الدلالة التي أشرنا إليها هي ما يمكن أخذه من ظاهر السياق، فإن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن المراد من الأسماء أنها تدل على صفات الأشياء لا على أعيانها، ويكون هذا المعنى هو المراد من تعليم آدم للأسماء.
ذكر الشيخ محمود الآلوسي شهاب الدين في تفسيره ما يؤكد هذا المنحى، قال: (وقال الإمام: المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها؛ لأنها علامات دالة على ماهياتها، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وفيه كما قال الشهاب "نظر" إذ لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم). [روح المعاني للآلوسي – تفسير١/٢٢٤].
ومع هذا النظر الذي ذكره الشهاب فقد تحمس فخر الدين الرازي إلى هذه الدلالة التي نسبها الآلوسي إلى الإمام تحمسًا ظاهرًا لا يقف عند حد ذكر الرأي بأدلته، وإنما تعداه إلى اعتناق هذا الرأي واعتباره رأيًا خاصًّا.
قال: "مِن الناس مَن قال قوله تعالى: { وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: ٣١] أي: علّمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها، والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة ، وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها، فصحَّ أن يكون المراد من الأسماء: الصفات، وإن كان من السمو فكذلك؛ لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة... إلى أن قال: وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره". [الرازي: مفاتيح الغيب ١/ ٥٩٥ وما بعدها]
ونحن إذا تأملنا فيما ذكرناه علمنا أن المختلفين حول أن تكون اللغات توقيفية أو مكتسبة مستندين إلى قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ} [البقرة:٣١]، لا يصلح لهم الاستدلال بهذه الآية أو اتخاذها أصلًا لهذه المسألة الخلافية إلا إذا قلنا: إن الاسم قد وضع للدلالة على الذوات لا الصفات.
وعليه فإن القائلين بأن الاسم في معرض قصة آدم إنما يدل على الأوصاف والمعاني يكونون بتوجههم هذا قد رفعوا الآية المشار إليها من مجال الاستدلال، بل إنهم بتوجههم هذا يكونون قد نحَّوا هذه الآية عن مجال اتخاذها أصلًا لهذا الخلاف.
تعقيب واجب:
وأيًّا ما كان الأمر فإنا نرى - ومن زاوية خاصة - أن المسألة هنا طرحت طرحًا ميتافيزيقيا وهي بعيدة كل البعد عن مجال الميتافيزيقا إلا في حدود معتقدنا أنه لا يقع في الكون شيء خارج إرادة الله ومشيئته، وأما اللغة فقد تركها الله على طبيعتها كائنًا اجتماعيًا فينمو ويتطور كما يتطور كل كائن اجتماعي، ونحن نشاهد ذلك في كل يوم حيث توجد الأشياء في وقتها وزمانها ويكشف عنها في الوقت الذي أراد الله -عز وجل - لها أن يكشف عنها على ما يشير إليه قوله عزوجل: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ }[فصلت:٥٣]،إذ الفعل المضارع قد جاء في هذه الآية ليؤدي وظيفته باعتباره فعلًا مستمرًا ومتجددًا.
إن الأشياء توجد أولًا على نحو ما نراها وندركها ثم نحن نضع لها الألفاظ الدالة عليها وضعًا ثانيًا متأخرًا عن وجودها، مما يؤكد أن اللغة كائن اجتماعي بمفرداتها ومركباتها واختلاف الدلالات الجزئية للمفردات والمركبات، قد يقول قائل: إن مذهبكم هنا في اعتبار اللغة بأسمائها المختلفة على كل لسان كائنًا اجتماعيًّا في كل آية، ورفض طرح مسألة اللغة على أنها مسألة ميتافيزيقية يتعارض مع كون اللغات واختلاف الألسنة آية من آيات الله على نحو ما قال الله عزوجل: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ} [الروم: ٢٢].
وهذا اعتراض وجيه بادي النظر، لكننا إذا تأملنا في مفهوم هذه الآية وما فهمه الأوائل منها لوجدنا أن آية الله التي تجلَّت في اختلاف الألسنة قد سلكت مسلكين في الظهور لنا.
أحدهما: هذه المخارج التي جعلها الله عز وجل مناطق لتحديد الأصوات عند كل فرد بدءًا من أقصى الحلق وانتهاء بالشفتين آخر الفم وبوابته إلى الفضاء الخارجي.
وهي مخارج من خلالها تتميز الأصوات تمييزًا يعطينا الصلاحية في اتخاذ الصوت بصمة تدل على صاحبه ويساعدنا على التعرف عليه وتميزه من بين الآخرين، وهذا أمر من الأمور الضرورية التي لا تحتاج في إثباتها إلى دليل.
وثانيهما: هذه الوظيفة التي تقوم بها الأسماء - بالمعنى الشامل للاسم - في الدلالة على المقصود منها وهي مسألة لا يعقلها كما قال الله عزوجل إلا العالمون ونحن سنرجئ الحديث عن كيفية دلالة الأسماء على مسمياتها إلى مكانها.
ويتبين مما ذكرناه أن مواطن الإعجاز في اختلاف الألسنة هو في مخارج الحروف (وهي من خلق الله) وفي كيفية نقل المعلومات من فرد إلى آخر (وهي كذلك من خلق الله)، وبهذا ندفع الإشكال ونجيب على الاعتراض.