Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاسم والمسمى

الكاتب

أ د/ طه الدسوقي حبيشي

الاسم والمسمى

الاسم أحد أبرز المفاهيم التي تناولها العلماء، وبين الاسم والمسمى تتشكل علاقة متشابكة عبر العصور، نتناول مفهوم الاسم، وكلام العلماء والصوفية والفلاسفة عن ماهية الاسم، ومعانيه، ثم الكلام حول هل اللغة توقيفية من عند الله أم وضعية؟ ونذكر كيفية اتصال الاسم بالمسمى، مستعرضين تقسيم علماء النحو واللغة للكلام والاسم، ونلقي الضوء على الاسم الأعظم، ثم نذكر علاقة الاسم بالمسمى والتسمية.

مفهوم الاسم وأصل اللغات

الاسم: كلمة لغوية وضعها أهل اللغة لتدل على شيء سابق عليها في الوجود، ويمكن استنباط التعريف لهذه الكلمة بهذا الوضع الأول: وهو الوضع اللغوي فنقول: إن الاسم هو: ما دل على مسمى، ولهذا المعنى بدأ العلماء يبحثون عن أصل له يرجع إليه يكون محتويًا على هذا المعنى الذي ذكرناه له.

فمنهم من قال: إنه مأخوذ من - السمة - بمعنى العلامة، وقريب منه - الوسم - في الدلالة على المقصود، فإذا قلت وسمت هذا الشيء بكذا فقد علمته، ومنهم من يقول: إن الاسم مأخوذ من السمو وهو الرفعة المستلزمة للظهور والبيان والوضوح. [راجع القشيري في شرح أسماء الله الحسنى - مطبعة الأمانة - الطبعة الأولى ١٩٦٩م، ص: ٢٣]

ولا يخفى أن كل ما ذكرناه هنا هو في الاسم بالمعنى الوضعي لا بالمعنى الاصطلاحي ويكفي في تحديده ما قلناه من أنه: اللفظ الدال على معنى، ولا بأس بعد ذلك أن يكون قد دل على معناه بنفسه من غير أن يكون للزمن فيه شأن، أو يكون قد دل على المعنى بنفسه مع اقتران هذا المعنى بزمن، أو يكون قد دل على معنى في غيره بحيث لو جرد لم يدل على معنى أصلًا.

جاء في كتاب التحرير والتنوير تأكيدًا لما ذكرناه قال: "والأسماء جمع اسم، وهو في اللغة لفظ يدل على معنى يفهمه ذهن السامع فيختص بالألفاظ سواء كان مدلولها ذاتا وهو الأصل الأول، أو صفة أو فعلا فيما طرأ على البشر الاحتياج إليه في استعانة بعضهم ببعض، فحصل من ذلك ألفاظ مفردة أو مركبة." [الطاهر بن عاشور - التحرير والتنوير تفسير - دار سحنون تونس بدون ١/٤٠٨]

وعبارة روح البيان تبدو أكثر استيعابًا لكل ما سبقت الإشارة إليه من تحديدنا لمعنى الاسم في الوضع الأول – أعني في الوضع اللغوي - قال: الأسماء جمع اسم، وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلًا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال، واستعمل عرفًا في الموضوع لمعنى مفردًا كان أو مركبًا، مخبرًا عنه أو خبرًا أو رابطة بينهما، وكلا المعنيين محتمل. [شهاب الدين محمود الآلوسي - روح المعاني - إدارة الطباعة المنيرية - القاهرة ٢٢٤/١].


ألفاظ اللغة بين الكسب والتوفيق:

ويتصل بما ذكرناه مسألة مثيرة للجدل، وهي مسألة متصلة ولا شك بتلك الدلالة الوضعية للاسم وهذه المسالة المثيرة للجدل هي: معرفة ما إذا كانت هذه الألفاظ هي الخلايا الأولى لكل لغة قد تعارف عليها الناس عرفًا وتواضعوا على وضعها، أم أنها مسألة توقيفية على معنى أنها لا تخرج عن أن يكون الله عز وجل هو الذي وضعها.

هما رأيان إذًا:

الرأي الأول: يذهب أصحابه إلى أن اللغات توقيفية.

الرأي الثاني: يذهب أصحابه إلى أن اللغات وضعية قد تعارف الناس على دلالة الألفاظ وعلى معانيها، كما تعارفوا على اختراعها وإنشائها.

وتحت هذين الرأيين تفصيلات يشوبها التعصب في معظم الأحيان، كما أنها تحتاج إلى كثير من الدقة العلمية وسوف نحاول أن نرصد هذه المسألة ونرصد آراء الذين أدلوا فيها بدلوهم، نقل الرازي عن الأشعري والجبائي والكعبي أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله تعالى خلق علمًا ضروريًّا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني واحتجوا عليه بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١]. [انظر مفاتيح الغيب للرازي - تفسير - دار الغد العربي - الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩١م ١/ ٥٩٤].


وقد عقب صاحب كتاب التحرير والتنوير على استدلال القوم بهذه الآية قال: (وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية أي لقَّنها الله تعالى البشر على لسان آدم ولا على عدمه).

ويفهم من هذا الكلام أن هذه الآية: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١]، خارجة عن نطاق الاستدلال، إذ لا يجوز أن يستدل بها القائلون بأن اللغات توقيفية، كما لا يجوز أن يستدل بها القائلون بأن الأسماء والألفاظ واللغات المؤتلفة منها كسبية أو وضعية، والرجل عنده مبرراته التي تؤيد رأيه ويمكن الاطلاع عليها في أماكنها. [التحرير والتنوير - مرجع سبق ذكره ١/٤١١]

ومع ذلك فقد وجدنا القرطبي يعرض لهذه الآية ويتحدث عن الرأيين المذكورين، ويتحمس إلى القول بالتوقيف في اللغة تحمسًا بالغًا فهو يقول: "قال ابن منده: في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفًا، وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلًا، كذلك قال ابن عباس: علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب"، وبعد أن عرض الرأي المقابل بتفاصيله قال: "القول الأول أصح". [راجع القرطبي - الجامع لأحكام القرآن - تفسير - ط. الشعب بدون ص ٢٤١ وما بعدها]

هذا هو ما ذكره بعض العلماء حول شطر هذه المسألة وهو القول بأن اللغات توقيفية وما استدلوا به على رأيهم، وتقييم بعض أهل العلم لهذا الاتجاه والدليل عليه.

أما الاتجاه الثاني: فقد أشار إليه الإمام الرازي فيما نقله عن بعض من أهل العلم وهو بصدد شرحه لآية {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١] قال: وقال أبو هاشم - هو الجبائي- إنه لابد من تقدم لغة اصطلاحية، واحتج على أنه لابد وأن يكون الوضع مسبوقًا بالاصطلاح بأمور:

أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظة لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل، ولا جائز أن يحصل للعاقل؛ لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفة الله تعالى معلومة بالضرورة مع أن ذاته معلومة بالاستدلال وذلك محال.

ولا جائز أن يحصل لغير العاقل؛ لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد.

وثانيها: أنه تعالى خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدم اللغة على ذلك التكلم.

وثالثها: أن قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: ٣١]، يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم،

ورابعها: أن آدم عليه السلام: لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلابد وأن تعلم الملائكة كونه صادقا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدمًا على ذلك التعليم. [مفاتيح الغيب للرازي - مرجع سابق - ١/٥٩٤ وما بعدها]

وإذا كان الرازي قد اقتصر على أبي هاشم فإن القرطبي قد زاد الأمر بيانًا فقال: "وروى شيبان عن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه"، قال النحاس: وهذا أحسن ما روي في هذا، والمعنى علَّمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها، هذا كذا وهو يصلح لكذا، وقال الطبري: علمه أسماء الملائكة وذريته واختار هذا ورجحه بقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ} [البقرة:٣١].

وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم، وقال الربيع بن خيثم: علَّمه أسماء الملائكة خاصة، وقال القتبي: أسماء ما خلق في الأرض، وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ص ٢٤١]

واستحسن صاحب التحرير والتنوير أن يكون الله عز وجل قد علّم آدم ما يحتاج إليه في زمانه، وما هو ضروري له في تعامله مع الأشياء، على أن يكون ذلك التعليم شاملًا لهذه الأسماء وما تدل عليه هذه الأسماء من الأشياء فقال: "والتعريف في الأسماء تعريف الجنس أريد منه الاستغراق للدلالة على أنه علمه جميع أسماء الأشياء المعروفة يومئذ في ذلك العالم فهو استغراق عرفي مثل جمع الأمير الصاغة أي صاغة أرضه، وهو الظاهر؛ لأنه المقدار الذي تظهر به الفضيلة فما زاد عليه لا يليق تعليمه بالحكمة، وقدرة الله صالحة لذلك، وتعريف الأسماء يفيد أن الله علم آدم كل اسم ما هو مسماه ومدلوله، والإتيان بالجمع هنا متعين، إذ لا يستقيم أن يقول: وعلم آدم الاسم، وما شاع من أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع في المعرف باللام كلام غير محرر، وأصله مأخوذ من كلام السكاكي". [التحرير والتنوير - ابن عاشور - ١/ ٤٠٩].

أصل الكلام في المسألة:

ولا بد من أن نضيف هنا كلامًا نبيّن من خلاله الأصل الذي دار عليه الخلاف بين العلماء في اعتبار اللغات توقيفية أو وضعية كسبية، والأصل الأصيل الذي دار عليه الخلاف هو: معنى الاسم الذي هو مفرد الأسماء في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١] فمن الناس من قالوا: إن الله عزوجل قد علَّم آدم الاسم الذي هو اللفظ الدال على ذوات الأشياء على ما هو ظاهر الإطلاق.

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "والظاهر أن الأسماء التي علمها آدم هي ألفاظ تدل على ذوات الأشياء التي يحتاج نوع الإنسان إلى التعبير عنها لحاجته إلى ندائها أو استحضارها، أو إفادة حصول بعضها مع بعض، وهي أي الإفادة ما نسميه اليوم بالأخبار أو التوصيف فيظهر أن المراد بالأسماء ابتداء أسماء الذوات من الموجودات مثل الأعلام الشخصية، وأسماء الأجناس من الحيوان والنبات والحجر والكواكب مما يقع عليه نظر الإنسان ابتداء مثل اسم جنة ، وملك، وآدم، وحواء، وإبليس، وشجرة، وثمرة، ونجد ذلك بحسب اللغة البشرية الأولى، ولذلك نرجح أن لا يكون فيما علمه آدم ابتداء شيء من أسماء المعاني والأحداث، ثم طرأت بعد ذلك فكان إذا أراد أن يخبر عن حصول حدث أو أمر معنوي لذات، قرن بين اسم الذات واسم الحدث، نحو ماء برد أي ماء بارد، ثم طرأ وضع الأفعال والأوصاف بعد ذلك، فقال: الماء بارد، أو برد". [المرجع السابق نفسه]

وهذا الكلام الذي ذكره الشيخ حسن في ذاته، خاصة وأنه قد أخذ في الاعتبار أن الألفاظ كائن حي يتطور كما تتطور الأحياء، ولا يجوز أن يدور الخلاف بين العلماء حول أن تكون اللغات وضعية مكتسبة أو توقيفية إلا على هذا الأصل، بحيث لو فهمت دلالة الأسماء على غير هذا المعنى لتوارى هذا الخلاف من أساسه وبرغم أن هذه الدلالة التي أشرنا إليها هي ما يمكن أخذه من ظاهر السياق، فإن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن المراد من الأسماء أنها تدل على صفات الأشياء لا على أعيانها، ويكون هذا المعنى هو المراد من تعليم آدم للأسماء.

ذكر الشيخ محمود الآلوسي شهاب الدين في تفسيره ما يؤكد هذا المنحى، قال: (وقال الإمام: المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها؛ لأنها علامات دالة على ماهياتها، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وفيه كما قال الشهاب "نظر" إذ لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم). [روح المعاني للآلوسي – تفسير١/٢٢٤].

ومع هذا النظر الذي ذكره الشهاب فقد تحمس فخر الدين الرازي إلى هذه الدلالة التي نسبها الآلوسي إلى الإمام تحمسًا ظاهرًا لا يقف عند حد ذكر الرأي بأدلته، وإنما تعداه إلى اعتناق هذا الرأي واعتباره رأيًا خاصًّا.

قال: "مِن الناس مَن قال قوله تعالى: { وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: ٣١] أي: علّمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها، والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة ، وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها، فصحَّ أن يكون المراد من الأسماء: الصفات، وإن كان من السمو فكذلك؛ لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة... إلى أن قال: وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره". [الرازي: مفاتيح الغيب ١/ ٥٩٥ وما بعدها]

ونحن إذا تأملنا فيما ذكرناه علمنا أن المختلفين حول أن تكون اللغات توقيفية أو مكتسبة مستندين إلى قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ} [البقرة:٣١]، لا يصلح لهم الاستدلال بهذه الآية أو اتخاذها أصلًا لهذه المسألة الخلافية إلا إذا قلنا: إن الاسم قد وضع للدلالة على الذوات لا الصفات.

وعليه فإن القائلين بأن الاسم في معرض قصة آدم إنما يدل على الأوصاف والمعاني يكونون بتوجههم هذا قد رفعوا الآية المشار إليها من مجال الاستدلال، بل إنهم بتوجههم هذا يكونون قد نحَّوا هذه الآية عن مجال اتخاذها أصلًا لهذا الخلاف.


تعقيب واجب:

وأيًّا ما كان الأمر فإنا نرى - ومن زاوية خاصة - أن المسألة هنا طرحت طرحًا ميتافيزيقيا وهي بعيدة كل البعد عن مجال الميتافيزيقا إلا في حدود معتقدنا أنه لا يقع في الكون شيء خارج إرادة الله ومشيئته، وأما اللغة فقد تركها الله على طبيعتها كائنًا اجتماعيًا فينمو ويتطور كما يتطور كل كائن اجتماعي، ونحن نشاهد ذلك في كل يوم حيث توجد الأشياء في وقتها وزمانها ويكشف عنها في الوقت الذي أراد الله -عز وجل - لها أن يكشف عنها على ما يشير إليه قوله عزوجل: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ }[فصلت:٥٣]،إذ الفعل المضارع قد جاء في هذه الآية ليؤدي وظيفته باعتباره فعلًا مستمرًا ومتجددًا.

إن الأشياء توجد أولًا على نحو ما نراها وندركها ثم نحن نضع لها الألفاظ الدالة عليها وضعًا ثانيًا متأخرًا عن وجودها، مما يؤكد أن اللغة كائن اجتماعي بمفرداتها ومركباتها واختلاف الدلالات الجزئية للمفردات والمركبات، قد يقول قائل: إن مذهبكم هنا في اعتبار اللغة بأسمائها المختلفة على كل لسان كائنًا اجتماعيًّا في كل آية، ورفض طرح مسألة اللغة على أنها مسألة ميتافيزيقية يتعارض مع كون اللغات واختلاف الألسنة آية من آيات الله على نحو ما قال الله عزوجل: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ} [الروم: ٢٢].

وهذا اعتراض وجيه بادي النظر، لكننا إذا تأملنا في مفهوم هذه الآية وما فهمه الأوائل منها لوجدنا أن آية الله التي تجلَّت في اختلاف الألسنة قد سلكت مسلكين في الظهور لنا.

أحدهما: هذه المخارج التي جعلها الله عز وجل مناطق لتحديد الأصوات عند كل فرد بدءًا من أقصى الحلق وانتهاء بالشفتين آخر الفم وبوابته إلى الفضاء الخارجي.

وهي مخارج من خلالها تتميز الأصوات تمييزًا يعطينا الصلاحية في اتخاذ الصوت بصمة تدل على صاحبه ويساعدنا على التعرف عليه وتميزه من بين الآخرين، وهذا أمر من الأمور الضرورية التي لا تحتاج في إثباتها إلى دليل.

وثانيهما: هذه الوظيفة التي تقوم بها الأسماء - بالمعنى الشامل للاسم - في الدلالة على المقصود منها وهي مسألة لا يعقلها كما قال الله عزوجل إلا العالمون ونحن سنرجئ الحديث عن كيفية دلالة الأسماء على مسمياتها إلى مكانها.

ويتبين مما ذكرناه أن مواطن الإعجاز في اختلاف الألسنة هو في مخارج الحروف (وهي من خلق الله) وفي كيفية نقل المعلومات من فرد إلى آخر (وهي كذلك من خلق الله)، وبهذا ندفع الإشكال ونجيب على الاعتراض.


إشارة صوفية في معنى الاسم، والمعنى الاصطلاحي للاسم

ولكي تتم الفائدة في فهمنا للاسم الذي هو مفرد الأسماء في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:٣١] يجدر بنا أن نذكر فريقًا من الأمة يصعب علينا إهماله أو تركه، وهذا الفريق هم المتصوفة أو هم أهل الله كما يحب الشيخ شهاب الدين أن يسميهم بذلك.

أنقل في تصويره هنا عبارة الآلوسي قال: "والحق عندي ما عليه أهل الله تعالى، وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي علمت، وهو أنها أسماء الأشياء، علوية أو سفلية، جوهرية أو عرضية، ويقال لها أسماء الله تعالى عندهم باعتبار دلالتها عليه، وظهوره فيها غير متقيد بها". [الآلوسي: روح المعاني ١/٢٢٤]

 ولهذا قالوا: إن أسماء الله تعالى غير متناهية، إذ ما من شيء يبرز للوجود من خبايا الوجود، إلا وهو اسم من أسمائه تعالى وشأن من شئونه عز شأنه، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن.

ومن هنا قال قُدس سره:

إن الوجود وإن تعدو ظاهرًا     ***       وحياتكم ما فيه إلا أنتم

 لكن للفرق مقام، وللجمع مقام، ولكل مقام مقال، ولولا المراتب لتعطلت الأسماء والصفات، وتعليمها له عليه السلام: على هذا ظهور الحق جل وعلا منه منزهًا عن الحلول والاتحاد والتشبيه بجميع أسمائه وصفاته المتقابلة حسب استعداده الجامع بحيث على وجه الحق في تلك الأشياء، وعلم ما انطوت عليه وفهم ما أشارت إليه، فلم يخف عليه منها خافية ولم يبق من أسرارها باقية، فيا لله هذا الجرم الصغير كيف حوى هذا العلم الغزير".

 

المعنى الاصطلاحي للاسم:

ما ذكرناه سلفًا إنما يتصل بهذا الاسم بمعناه الوضعي الذي وضعه الواضع إلى جوار شيء أو معنى؛ ليستفيد به من يريد إحضار الشيء أو المعنى بين يده أو في ذهنه.

والاسم بهذا المعنى الوضعي هو المعول عليه في سائر العلوم، وهو المحور الذي يدور عليه بحث كل باحث، والخطاب بين كل مخاطب ومخاطب.

أما المعنى الاصطلاحي فهو قليل الأهمية في هذه المجالات، وليس له من قيمة تذكر إلا أن يكون مجالًا للخطاب والدوران بين طائفة من العلماء الذين تخصصوا في فن من فنون العربية، أو في فن من فنون اللغة على العموم.

وهذا النوع من التقدير للمعنى الاصطلاحي إذا قورن بالمعنى الوضعي للاسم قد لاحظه الإمام الرازي في تفسيره حيث قال: "بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به". [الرازي: مفاتيح الغيب ١/٥٩٦]

ومع أنه عرف حادث ومصطلح طارئ، ومع أنه لا اعتبار به عند الرازي في مجال البحث، خارج نطاق البحث النحوي، أو مجال الأبحاث اللغوية، فإنه لابد من الإشارة إلى هذا المعنى الاصطلاحي للاسم ليكتمل الصرح ويتم البناء.

تقسيم علماء النحو واللغة للكلام

وعلماء النحو خاصة، وعلماء اللغة على العموم قد قسموا الكلام الذي نتعامل به، والألفاظ التي نتداولها فيما بيننا إلى ثلاثة أقسام اصطلاحية هي: الاسم، والفعل، والحرف، فالاسم هنا ثالث ثلاثة، بها جميعًا يكون الكل الذي طرأت القسمة عليه وهو الكلام.

وعلماء العربية يعرفون الاسم بالمعنى الاصطلاحي فيقولون: الاسم هو: كلمة دلت على معنى في نفسها، ولم تقترن بزمان: وذلك مثل محمد، وجمل، ونهر، وتفاحة، وعصا، وصدق، وأمانة... إلخ، فكل واحد من هذه الألفاظ يدل على معنى، وليس الزمان داخلًا في معناه، فيكون اسمًا.

ويفهم من هذا التعريف:

أولًا: إنه إذا دل اللفظ على معنى وكان الزمن جزءًا من دلالته لم يكن اسمًا بهذا المعنى الاصطلاحي، وإنما يكون في اصطلاح القوم فعلًا، سواء كان الزمن ماضيًا أو حاضرًا أو مستقبلًا كما يفهم من التعريف.

ثانيًا: إن اللفظ إذا دل على معنى وليس الزمن جزءًا من دلالته، ولكن تتوقف الدلالة المستفادة من هذا اللفظ على شرط أن ينضم هذا اللفظ إلى غيره، فإن تجرد فإنه لا يدل بتجرده على شيء، وهذا اللفظ الذي يدل على معناه بشرط انضمامه لغيره لا يكون اسمًا بهذا المعنى الاصطلاحي، وإنما يصطلح القوم على تسميته حرفًا.

ويظهر مما ذكرناه أن الاسم بالمعنى الاصطلاحي عند النحويين أخص منه عند الوضعيين الذين تولوا وضعه بإيذاء المعنى المراد منه على ما علمت قبل.

إجمال:

 ولقد حاول الإمام الغزالي أن يجمل هذين التوجهين في مزيج واحد، فجاءت عبارته تسلك المعنى الوضعي للاسم مع المعنى الاصطلاحي له في سلك نظام لغوي بديع، كما يظهر لك من وضعنا لعبارته بين يديك قال: "الألفاظ عبارة عن الحروف المقطعة الموضوعة بالاختيار الإنساني للدلالة على أعيان الأشياء، وهي منقسمة إلى ما هو موضوع أولًا، وإلى ما هو موضوع ثانيًا".

أما الموضوع أولًا فقولك: سماء وشجر، وإنسان، وغير ذلك، وأما الموضوع ثانيًا فقولك: كل اسم، وفعل، وحرف، وأمر ونهي، ومضارع.

وإنما قلنا: إنه موضوع وضعًا ثانيًا؛ لأن الألفاظ الموضوعة للدلالة على الأشياء منقسمة إلى ما يدل على معنى في غيره فيسمى: حرفًا وإلى ما يدل على معنى في نفسه، وما يدل على معنى في نفسه ينقسم إلى: ما يدل على زمان وجود ذلك المعنى ويسمى فعلًا، كقولك: ضرب، يضرب، وإلى مالا يدل على الزمان ويسمى اسمًا، كقولك: سماء، وأرض.

فأولًا: وضعت الألفاظ دلالات على الأعيان ثم بعد ذلك وضع الاسم، والفعل، والحرف، دلالات على أقسام الألفاظ؛ لأن الألفاظ بعد وضعها أيضا صارت موجودات في الأعيان، وارتسمت صورها في الأذهان فاستحقت أيضًا أن يدل عليها بحركات اللسان، ويتصور الألفاظ أن تكون موضوعة وضعًا ثالثًا، ورابعًا حتى إذا قسَّم الاسم إلى أقسام وعرَّف كل قسم باسم، كان ذلك الاسم في الدرجة الثالثة كما يقال مثلًا: الاسم ينقسم إلى نكرة، وإلى معرفة، وغير ذلك، والغرض من هذا كله أن تعرف أن الاسم يرجع إلى لفظ موضوع وضعًا ثانيًا، فإذا قيل لنا: ما حَدُ الاسم. قلنا إنه الاسم اللفظ الموضوع للدلالة. [الغزالي: المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى - ط الجندي بدون ص١١، ١٢]

الاسمي

وإذا كنا قد تحدثنا فيما سبق عن الاسم ودلالته الوضعية، ودلالته عند علماء اللغة، فإنه من اللازم أن نتناول بالحديث هنا مدلول النسبة إلى هذا الاسم، إذ من حقنا أن نعرف الدلالة الحقيقية لكلمة (الاسمي) ولا تخلص لنا هذه المعرفة إلا إذا علمنا أن الاسم شيء: وما يدل عليه الاسم شيء، وما يدل عليه الاسم من الحقيقة شيء آخر، وليست النسبة إلى كليهما سواء.

 فالاسمي: هو المنسوب إلى الاسم لا إلى الشيء الذي يدل عليه الاسم، وهو مقابل للحقيقي، فالوجود الاسمي هو الهجود اللفظي، والقيمة الاسمية هي القيمة الاصطلاحية ويقابلها القيمة الحقيقية. [جميل صليبا: المعجم الفلسفي دار الكتاب اللبناني ١٩٧٨م ١/٨٢].

ويستعمل المنطقيون مصطلح (الحد الاسمي)، والحد الاسمي عندهم أو الحد بحسب الاسم مقابل للحد بحسب الذات، وهو كما قال ابن سينا: القول المفصل الدال على مفهوم الاسم عند مستعمله. [نفس المرجع ١/٨٢]

 وقد تكون النسبة إلى الاسم (نسبية) - كما نلاحظ ذلك - عند علماء اللغة عندما يقسمون الجملة إلى قسمين: جملة اسمية، وجملة فعلية.

 

الاسمية عند الفلاسفة:

أما الاسمية عند الفلاسفة فهي لفظة تدل على مدرستين من مدارس الفلسفة إحداهما قديمة والأخرى محدثة.

 أما الاسمية القديمة فهي مذهب روسلن، وغليوم أوكام، وهوبس، وكوندياك، الذين أنكروا وجود الكليات، وأرجعوها إلى مجرد أسماء، أو صور، أو إشارات، قالوا: إذا جردنا الاسم من الصور المقارنة له لم يبق في العقل شيء، وإذا بقي هنالك شيء فإن هذا الشيء لا يمكن أن يكون كليًّا. فالتفكير هو الكلام، والفكرة هي الاسم، والاستدلال لا يقوم على الانتقال من كلي إلى كلي، بل يقوم على استعمال الأسماء في مواضعها.

ومعنى ذلك كله أن الكليات ليست حاصلة في العقل ولا هي متحققة خارج العقل، وأما الاسمية الحديثة فهي القول إن المعاني الكلية ليست سوى أدوات عمل نافعة تختلف باختلاف الحاجات، وأن العلم ليس سوى لغة جيدة الوضع، وهو لا يبحث في الأشياء نفسها، بل يبحث في أسمائها، وكذلك القوانين، والنظريات العلمية، فهي اصطلاحات موافقة، وهي وإن كانت ضرورية للنجاح العلمي، إلا إنها لا تعبر عن حقائق الأشياء، حتى إن الذين أخذهم العجب مما يتصف به العلماء من الحرية، في وضع مبادئهم وأصولهم، بالغوا في نقدهم حتى قالوا: إن اصطلاحاتهم وتعريفاتهم ليست سوى تحكمات، مع أن التحكم شيء، والحرية شيء آخر. [السابق ١/٨٣]

أقسام الاسم

ومن الذين حاولوا تقسيم الاسم هم علماء اللغة على العموم، وعلماء النحو بوجه خاص، وينقسم الاسم عند هذه المدرسة باعتبارات عدة: أبرزها أنه ينقسم إلى نكرة، ومعرفة فالنكرة اسم يدل على مسماه، ولكنه لا يشخصه أو يعينه كرجل، وشجرة.

والمعرفة على خلاف ذلك، وأولها العلم، وهو اسم يعين مسماه بنفسه، أعني بغير واسطة، والضمير واسم الإشارة، وهو كل اسم يعين مسماه بواسطة الإشارة، وهو أمر حسي على خلاف ما يعين به الضمير مسماه؛ إذ الضمير يعين مسماه بواسطة التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة، وهي أمور نسبية.

واسم الموصول، وهو الاسم الذي يعين مسماه بواسطة الصلة أيًا كان نوعها، والمقترن بأل التعريفية، ويضاف إلى هذه الأقسام كل نكرة تضاف إلى معرفة مما ذكرناه، ولا حاجة لنا في أن نتتبع أقسام الاسم في العربية بأكثر من ذلك، فلنلتفت إلى طائفة أخرى من الطوائف المشتغلة بالعلوم وأولها هذه الطائفة المشتغلة بالقانون الضابط للفكر وهو المنطق.

 

 

والاسم عند المناطقة:

يدخل في أوائل اهتماماتهم قبل أن يقتحموا باب القول الشارح، إذ يعد الحديث عن الاسم وضبط دلالته من الأمور الضرورية التي تشكل الأرض المهاد، والحديث عن الحدود والتعريفات ولهذه الأهمية نقول: إن الاسم ينقسم عند المناطقة إلى تسعة أقسام: الجزئي، والمتواطئ، والمشكك، أو المشترك، والمنقول العرفي، والمنقول الشرعي، والمنقول الاصطلاحي، والحقيقة والمجاز.

 والضابط في ذلك أن الاسم: إما أن يدل بالمطابقة على معنى واحد، وإما أن يدل على أكثر من معنى، فإن كان الأول فإما أن يكون ذلك المعنى الواحد شخصًا غير قابل للمشاركة - فهو العلم عند النحاة، وهو الجزئي الحقيقي في اصطلاح المناطقة نحو: محمد، وعلي.

 ويجب أن يعلم أن علماء المنطق يعنون بالجزئي: كل اسم يدل على واحد معين - كضمير المفرد، نحو أنا وأنت إلخ، وكاسم الإشارة للمفرد، نحو هذا وهذه، وكاسم الموصول للمفرد، نحو الذي والتي.

وإما أن يكون الاسم دالًّا على معنى واحد غير مشخص بل قابل للاشتراك ومقول على كثيرين - فهو الكلي-، نحو: الإنسان، والفرس، والمعدن، والمثلث ...، وحينئذٍ إما أن يكون معناه في أفراده بالسوية، أي: لم تتفاوت أفراده في صدقه عليها، أو لا، فإن استوت أفراده فيه سُمي متواطئًا كإنسان، والذهب، وإن تفاوت أفراده فيه؛ بأن كان في بعضها أولى منه في الآخر أو أقدم أو أشد سُمي مشكَكًا كالبياض فإنه في الثلج أشد منه في العاج، وكالوجود فإنه في الواجب (تعالى) أولى وأقدم وأشد منه في الممكن.

وأما إن دل الاسم على أكثر من معنى، فإما أن يكون اللفظ قد استعمل فيها استعمالًا لغويًّا فهو المشترك اللفظي - كالعين فإنها في اللغة بمعنى الباصرة، أو عين الماء أو الذهب، وإن كان اللفظ قد استعمل في اللغة بمعنى ثم نقل إلى معنى آخر سُمي منقولًا وهو ثلاثة أنواع؛ لأن الناقل إن كان هو العرف العام فهو - المنقول العرفي - كلفظ دابة كان في أصل استعماله موضوعًا لكل ما يدب على الأرض من الكائنات الحية، قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا} [هود: ٦] ثم نقله العرف العام لذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير.

وإن كان الناقل هو الشرع سُمي منقولًا شرعيًّا، كالصلاة، إذ هي في اللغة بمعنى الدعاء، ثم نقلها الشرع إلى العبادة المعروفة.

وإن كان الناقل هو العرف الخاص سُمي منقولًا اصطلاحيًّا كلفظ الفعل، إذ معناه لغة ما يصدر عن الفاعل من قيام وقعود ونوم وكتابة وقراءة... إلخ، ثم نقله النحاة إلى الكلمة الدالة بهيئتها على أحد الأزمنة الثلاثة وكلفظ النظر فإن معناه لغة الإبصار ثم نقله المناطقة إلى ترتيب النفس لأمور معلومة؛ بقصد الوصول إلى مجهول.

 ومما تجدر ملاحظته هنا أمران:

أحدهما: أن يكون بين المعنى المنقول عنه، والمعنى المنقول إليه مناسبة ما.

ثانيهما: أن يهجر المعنى الأصلي، فإذا لم يهجر المعنى الأصلي بل استعمل اللفظ فيه أيضًا سُمي حقيقة، إذا استعمل في معناه الأصلي، ومجازًا إذا استعمل في المنقول إليه "كالأسد" فإنه حقيقة في الحيوان المفترس ومجازًا في الرجل الشجاع. [تيسير القواعد المنطقية (شرح للرسالة الشمسية) أ.د / محمد شمس الدين إبراهيم سالم - الطبعة الرابعة ٤٠٧ ١هـ -١٩٨٦م القاهرة ص ٤٥ وما بعدها].

هذا هو الاسم بمفهومه ومنطوقه عند المناطقة، وقد أصبح الآن واضحًا لا سترة به.

الاسم عند علماء الكلام:

أما علماء الكلام فلقد شاع بينهم أنهم يتحدثون عن الاسم مقرونًا بالحكم ويضعون له هذا العنوان: الأسماء والأحكام، ولقد شاع هذا العنوان عند القدماء منهم خاصة، وغالبًا ما يؤخرونه إلى ما بعد الحديث عن موضوعات علم الكلام بجميع تفصيلاتها، والتي تشمل: المقدمات والإلهيات، والنبوات، والسمعيات، وغالبًا لا يذكر علماء الكلام بعد الأسماء والأحكام إلا مسألة الإمامة، وهي مسألة بالفروع أشبه وبالفقه أليق.

ولقد جاء تحديد المراد من الاسم عند علماء الكلام في عبارة صاحب المواقف على النحو التالي: "المرصد الثالث: في الأسماء الشرعية المستعملة في أصول الدين، كالإيمان، والكفر، والمؤمن، والكافر، والمعتزلة يسمونها أسماء دينية لا شرعية، تفرقة بينها وبين الألفاظ المستعملة في الأفعال الفرعية". [شرح المواقف مع متنه - عضد الدين الإيجي، السيد الشريف الجرجاني ج٤ - ص ٣٥١، ط بيروت - لبنان - الأولى ١٤١٩هـ].

ويؤكد صاحب المقاصد [المقاصد في علم الكلام متنًا وشرحًا سعد الدين التفتازاني ج٢- ص:١٨١]

على هذا الذي ذكره صاحب المواقف مع شيء ما من الإيضاح، فيقول: "الفصل الثالث: في الأسماء، والأحكام وفيه"، ثم قال يشرح قوله: "هذه الترجمة شائعة في كلام المتقدمين ويعنون بالأسماء: أساسي المكلفين في المدح مثل: المؤمن والمسلم، والمتقي، والصالح، وفي الذم مثل: الكافر، والفاسق، والمنافق".

 

الاسم الأعظم

ومن دلالات الاسم عند علماء العقائد والتي تدخل في بعض مباحثهم؛ بحثهم عن الاسم الأعظم؛ ما هو؟ وكيفية الحصول عليه من الأربعة تحديدا؟

وصاحب التعريفات يشير إلى هذه الجزئية من أبحاثهم فيقول: "هو الاسم الجامع لجميع الأسماء، وقيل: هو الله لأنه اسم الذات الموصوفة بجميع الصفات أي المسماة بجميع الأسماء ويطلقون الحضرة الإلهية على حضرة الذات مع جميع الأسماء، وعندنا: هو اسم الذات الإلهية من حيث هي هي أي: المطلقة، الصادقة عليها مع جميعها، أو بعضها، أو لا مع واحد منها، كقوله تعالى: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}" [الإخلاص:١] [التعريفات: السيد الشريف الجرجاني ص:١٩ مصطفى البابي الحلبي - القاهرة -١٣٥٧هـ وقد استشهد بجزء من سورة "الإخلاص"]

ولم يقف علماء العقائد عند هذا الحد في الحديث عن الاسم، وإنما هم يتحدثون عن أسماء الله الحسنى حديثًا مطولًا يتناول الحديث النبوي الشريف الذي يحث فيه النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على أن يحصى كل واحد منهم أسماء الله الحسنى التي يطيق إحصاءها ثم يعمل بمقتضاها، ثم يحاولون أن يتحدثوا عن علاقة أسماء الله الحسنى بالصفات سواء ما كان منها صفات سلبية أو صفات وجودية أو غير ذلك.

الاسم وعلاقته بالمسمى والتسمية

وبعد الحديث عن الاسم من جوانبه المختلفة يجدر بنا أن نبين علاقة الاسم بالمسمى والتسمية وهذه العلاقة لا تظهر على وجهها إلا بعد أن نتصور المسمى والتسمية كما تصورنا الاسم، حتى نتمكن من الحكم على هذه العلاقة الرابطة بينهما تصورًا نتمكن معه أن نبرز الفرق بين هذه الأشياء الثلاثة بما تحتاج إليه من وضوح، ولكي نتصور هذه المصطلحات الثلاث لابد أن نعرف أولًا ما للشيء الواحد من أنواع الوجود.

إن كل شيء من الأشياء يمكن أن نتصوره أو نحسه له وجودات ثلاث؛ لأنه إما أن يكون موجودًا في الطبيعة (أعني خارج الذهن) وهذا هو الأصل في كل وجود وهذا الوجود الطبيعي للشيء هو الذي تتصل به مجموعة الخواص الطبيعية والحيوية، إذ هو بالوجود الطبيعي يكون له وزن ويكون له طول، وتتعاقب عليه الأغيار من الصفات والأحوال، والحركة والسكون، والصحة والمرض... إلخ.

وإما أن يكون الشيء موجودًا في الذهن وهو انطباع صورة الموجود الطبيعي في ذهن من أدركه، أو أحسه؛ إذ الوجود الطبيعي إذا أدركه المرء صار له في ذهنه صورة مماثلة تمامًا ، كالصورة التي له في الخارج، ونحن نستطيع أن نتصور ذلك إذا وقف الواحد منا محاز للمرآة فإنه في هذه الحال يجد نفسه موجودًا في الطبيعة، وله في نفس الوقت صورة منطبعة في المرآة تحاكي صورته الطبيعية وتماثلها بنوع من الدقة المدهشة، حتى إنه لو تأخر بمسافة معينة تفصل بينه وبين المرآة وجد نفس المسافة قد انطبعت في المرآة بنفس الدقة التي هي عليها في الواقع من غير أن يجد الفعل تفسيرًا لذلك يقنعه؛ إذ إن سمك السطح اللامع من المرآة لا يتجاوز عشر معشار (السنتميتر) وإذا انتقلنا من هذا المثل التقريبي إلى ما نحن بصدده فإننا نجد - ولا شك - صورة الشيء الموجود في الطبيعة تنطبع في ذهن من يدركها بنفس الدقة التي هي عليها في الخارج، لا ينقص منها إلا بمقدار ما يكون عند القوة المدركة لدى المدرك من خلل طارئ أو فطري، وهذه الصورة المنطبعة في ذهن المدرك والتي تحاكي الوجود الطبيعي للشيء تُسمى (علمًا).

ثم إن هناك وجودًا ثالثًا لهذا الشيء غير الوجود الطبيعي والوجود الذهني وهو الوجود على الألسنة، والذي تعبر عنه الأصوات من مخارج الحروف يضم أحدها للآخر فيكون منها لفظ مفهم يدل على المقصود منه دلالة ذاتية من غير إشارة للزمن، أو دلالة مفهمة مع الزمن أو دلالة لا تفهم إلا إذا انضم هذا اللفظ إلى غيره، وهذا الوجود اللفظي تتصل به مجموعة من الأحكام من نحو: (الرفع، والنصب، والجر، والجزم) ومن نحو: (الإعراب، والبناء)، وأشياء أخرى من هذا القبيل.

وإني لأدرك الآن بعد هذا التفصيل أننا قد خرجنا بثلاثة أنواع من الوجودات:

وجود في الطبيعة - ووجود في الذهن- ووجود على اللسان، ولا يخفى علينا أن الوجود على اللسان ما هو إلا هذا الاسم الذي يدل على المراد منه وهو يدل دلالة أولية على هذا الموجود الطبيعي وهو في نفس الوقت يدل دلالة تالية في المرتبة على هذا الموجود في الذهن؛ ولأن هذا الوجود على اللسان ليس له من وظيفة إلا أنه يعين المراد منه ويدل عليه اصطلحنا على تسميته: اسمًا، فهو: اسم لأنه وضع ليدل على معنى، وهذا هو الأولى في سبب تسميته اسمًا وإن كان البعض يرون أن من الأسباب التي جعلته اسمًا هو استعماله في النداء، يعين صاحبه ويحدد المراد منه، وإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك طبعًا - كان الموجود في الطبيعة أوفي الذهن حين يعينهما أو أحدهما الموجود في اللسان أمكن أن نقول على كل واحد منهما إنه المسمى وهو غير الاسم بالقطع.

وإذا كنا قد صيرنا الاسم وهو الموجود على اللسان ليقوم بوظيفته في الدلالة على المسمى وهو الموجود في الطبيعة أو في الذهن، كان هذا التسيير والتسخير نفسه هو التسمية.

ومن هنا يتبين أن الاسم، والتسمية، والمسمى، أمور ثلاثة لكل واحد منها مفهومه ولكل واحد منها تعريفه، ولكل واحد منها ماهيته، ومن قال: إن الاسم، والمسمى، والتسمية الكل بمعنى واحد فإن قوله هذا يحتاج إلى إعادة نظر.

الاسم والمسمى وعلاقتهما بالارتباط الشرطي:

قد انتهينا إلى أن هناك نوعًا من الارتباط بين الاسم والمسمى، أو بين اللفظ ومعناه، فإن هذه النتيجة التي انتهينا إليها ليست نتيجة عشوائية، أو جزئية تختص بها لغة دون لغة، ولكن الأمر على خلاف ذلك تمامًا ذلك أن لغات العالم بغير استثناء فيها ألفاظ هي الأسماء بالمعنى العام، وهذه الألفاظ ما جعلت إلا لتدل على معنى معين.

وهذه الدلالة إذا أطلقت إنما تعني أمرين:

أحدهما: الاقتران الكائن بين اللفظ ومعناه، أوبين الاسم والمسمى.

وثانيهما: انتقال الذهن من تصور الاسم تلقائيًّا إلى تصور المسمى.

معنى ذلك أن الاقتران بين الاسم والمسمى، أو بين اللفظ والمعنى إذا أضيف إليه انتقال الذهن من تصور الاسم إلى تصور معناه يعد هذا الائتلاف من هذين الجزءين هو الدلالة في عرف العلماء، وهذا الاستنتاج صحيح، وإن كان يحتاج إلى شيء من البيان.

أما بيانه الذي يحتاج إليه فهو يظهر لنا من خلال ضرب الأمثال بذكر النظائر والأشباه في الطبيعة، كأن نقول: إن الشمس إذا طلعت يقترن بها الدفء اقترانًا ظاهرًا، وأن الطعام إذا تناوله الكائن الحي اقترن بهذا التناول الشبع، والنار إذا أضرمت اقترن الدفء بها ضرورة، والأمثلة في الطبيعة كثيرة تدل على هذا النوع من الاقتران.

والمتأمل في هذه الأمثلة وأشباهها يسهل عليه إدراك الاقتران بين كل شيئين اقترن أحدهما بالآخر، كما يسهل عليه إدراك تصور الذهن لكل من هذين الشيئين.

وما ذكرناه في هذه الأمثلة من الاقتران والتصور كلها عمليات تجري في الطبيعة، والأمر في الاسم والمسمى، أو في اللفظ والمعنى، يشبه تماما ما ذكرناه فيما يتعلق بالاقتران بين الاسم ومسماه، أوبين اللفظ ومعناه، غير أن الأمر يختلف قليلًا في مسألة التصور التي هي المرحلة التالية لإدراك الاقتران، فبينما التصور لهذه الأمثلة التي ذكرناها من الواقع الطبيعي مد من الطبيعة ذاتها، نجد اللفظ ومعناه أو الاسم ومسماه لا يخرج عن أن يكون عملية ذهنية بحته.

الآن وقد اتضحت عملية الدلالة الكائنة بين الاسم والمسمى التي هي قد ائتلفت من الاقتران والتصور.

غير أن هذا الاتضاح وحده لا يكفي؛ إذ بإمكاننا أن نسأل عن هذا القانون الذي تخضع له هذه العلاقة، أو يسير هو هذا النوع من الارتباط، خاصة ونحن نعلم أن هذه العلاقة وذلك الارتباط لا يخرجان عن أن يكونا نوعًا من العلاقة السببية التي يكون القانون فيها سببًا، ويكون الارتباط والتصور بين الاسم والمسمى مسبَبَين عنه، وهذه مسألة تحتاج إلى بحث ونظر.

وإننا في بحث هذه المسألة نؤكد أن ما نبحث عنه هنا هو هذا السبب الذي يجعل الذهن ينتقل من تصور الاسم إلى تصور المسمى، والكيفية التي تم بها ذلك.


وعلماؤنا في اللغة العربية يتجهون في تفسير هذا الموقف أكثر من اتجاه:

١- فبعضهم يرون أن المسألة لا تحتاج إلى عميق تفكير، كما لا تحتاج إلى بذل مجهود أكبر للوقوف على السبب الحقيقي، وما ذلك إلا لأن المسألة كلها ذاتية في تصور اللفظ أو الاسم، فالمرء إذا تصور الاسم ووقف على حقيقية معناه، انتقل مباشرة بذهنه إلى تصور المدلول أو المسمى، إذ تصور الاسم كاف لكي يكون سببًا ذاتيًّا فيه لتصور المسمى وهذا الاتجاه يبدو عاجزًا عن تصور المسألة بتمامها أو عن شرح الموقف بجميع أركانه واحتواء جميع زواياه.

ويكفي أن نتصور هذا الاعتراض الحاد والحائر في نفس الوقت، فهو حاد لصرامته، وهو حائر لأنه لم يجد جوابًا مقنعًا ولم يعثر على حلٍّ يشفي الصدور.

وهذا الاعتراض هو أن نتصور إنسانًا لا يعرف العربية، أو عربيًّا لا يعرف لغة أجنبية معينة، ثم نأتي لكل واحد منهما باسم من اللغة التي لا يجيدها، ثم ننظر، هل يستطيع أن يتعامل مع هذا الاسم المبرر، وينتقل ذهنه مباشرة من الاسم إلى مسماه أو من اللفظ إلى معناه، إننا سنجد أنفسنا ولا شك أمام نتيجة سلبية لهذه التجربة الواقعية، ولو كان الاسم في أي لغة هو الذي يحمل الذهن على تصور المسمى لمجرد تصور الاسم، لما وقف هذا أو ذاك أمام اللغة التي لا يجيدونها عاجزين عن أن ينتقلوا من تصور الاسم إلى تصور المسمى، وهذا الاعتراض كافٍ وحده للإعراب عن عدم جدوى هذا الاتجاه في حل المعضلة الأساسية.

٢- وبعض العلماء يرون أن الإجابة على التساؤل ليست في ذاتية الاسم، بحيث يكون تصوره في الذهن سببا لتصور مسماه، وإنما المسألة يمكن البحث عنها خارج نطاقي الاسم والمسمى. وتفسير ذلك بوضوح: أنه من المعلوم أن المعاني والمسميات توجد أولًا، ثم هي تحتاج إلى الأسماء الدالة عليها، والمسألة لا تحتاج إلا إلى مجرد إنسان يختار لكل شيء من الأشياء لفظًا يدل عليه ويربط هذا اللفظ الذي اختاره بهذا المعنى أو بهذا الشيء، بحيث إذا أطلق اللفظ دل على هذا الشيء الذي وضع هو ليدل عليه، والذي اختار هذا الاسم يسمى (واضعًا)، ويسمى الاسم نفسه (موضوعًا) ويسمى الشيء الذي وضع الاسم إلى جواره ليدل عليه (موضوعًا له) كما تسمى العملية ذاتها (وضعًا).

أما الدلالة فهي كما علمت تشمل هذا الاقتران بين الاسم ومسماه، وانتقال الذهن من تصور الاسم إلى تصور مسماه.

وهذا الفريق من العلماء قد قنع بهذا التفسير، واعتبر السبب وراء انتقال الذهن من تصور الاسم إلى تصور المسمى، هو هذا المجهود الذي قام به الواضع متمثلًا في عملية الوضع التي هي اختيار الاسم للشيء وإيجاد الاقتران بينهما.

وقد يبدو لنا أن ما ذهب إليه هذا الفريق قد أجهز على المشكلة، ووجد الحل الناجع للسؤال الحائر.

ويساعد على هذا الارتياح لهذا الرأي اشتهاره بين العلماء ورضاء الكثيرين به وراحتهم في الاقتناع به، هذا هو الأمر الظاهر للعيان، غير أن فحص المسألة بشيء من الدقة يوحي إلينا بأمر آخر هو أن الموقف كله لم يحل حلًّا جذريًّا إذ بإمكاننا أن نفهم أنه ليس كل لفظ يمكن أن يوضع إلى جوار أي شيء ليدل عليه.

الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن السبب الذي أوجد الارتباط بين الاسم وبين المسمى، والذي جعل الواضع يختار هذا الاسم بعينه ليدل على هذا الشيء دون سواه، ولا يجوز أن يكون ذلك السبب وراء هذا الاقتران قد جاء بفعل الصدفة ولا لمجرد اختيار الواضع، ولا لشيء ما ذاتيًا في اللفظ وتصور معناه.... إن استبعاد هذه الأمور يجعلنا نواصل المجهود للبحث عن السبب الحقيقي الذي نبحث عنه، والذي نرتاح ونحن نعده سببًا يفسر الاقتران بين الاسم والمسمى، كما يفسر انتقال الذهن من تصور الاسم إلى تصور المسمى.

٣ - والذي نستريح إليه سوف يدور في فلك ما كشفه الله لنا على يد بعض الباحثين مؤخرًا، وهو قانون الارتباط الشرطي، وتجاربه التي أدت إليه مشهورة نسبتها إلى العالم الروسي (بافد).   


وخلاصة هذا القانون العقلي هي:

أن كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الإنسان مرارًا عديدة ولو على سبيل الصدفة، قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سببًا لانتقال الذهن إلى تصور الآخر على أنه ليس من الضروري أن نشاهد هذا الاقتران مرات عديدة، إذ من الممكن لو شاهدنا حالة من حالات الاقتران بين شيئين لمرة واحدة، بحيث يكون لها من التأثير ما يحمل الذهن على الاحتفاظ بها كانت كافية لإيجاد هذه العلاقة الذهنية، وهذا القانون الذي يمكن تطبيقه في مجالات عدة.

وقد استفادت منه اللغة من قبل أن يكتشفه (بافلف).

وأحسن نموذج لذلك:

الأعلام الشخصية فأنت حين تريد أن تسمى ابنك عليًّا تقرن اسم "علي" بالوليد الجديد لكي تنشئ بينهما علاقة لغوية ويصبح اسم "علي" دالًّا على وليدك، ويسمى عملك هذا وضعًا.

فالوضع هو: عملية تقرن بها لفظًا بمعنى نتيجتهما أن يقفز الذهن إلى المعنى عند تصور اللفظ دائمًا.

وهذه الطريقة في إيجاد الارتباط لا تختلف جوهريًّا عن اتخاذ الوضع كوسيلة لإيجاد العلاقة اللغوية.

وعلى هذا الأساس نعرف أن من نتائج الوضع انسياق المعنى الموضوع له وتبادره إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ بسبب تلك العلاقة التي يحققها الوضع.

ومن هنا يمكن الاستدلال على الوضع بالتبادر وجعله علامة على أن المعنى المتبادر هو المعنى الموضوع له؛ لأن المعلول يكشف عن العلة كشفًا آنيًّا، ولهذا عُدَّ التبادر من علامات الحقيقية.



الخلاصة

الاسم كلمة لغوية وضعها أهل اللغة لتدل على شيء سابق عليها في الوجود، فالاسم علامة دالة ووسيلة ربط ذهنية بين اللفظ والمعنى، بين ما يُقال وما يُراد، والاسم لفظ يحمل دلالة، والمسمى هو الشيء الحقيقي الذي يشير إليه هذا اللفظ، والعلاقة بينهما ليست عشوائية بل تبنى على ارتباط شرطي قوي، يشكل أساس إدراكنا وفهمنا للعالم من حولنا، وقد اختلف العلماء في أصل اللغات فمنهم من قال: إن اللغة توقيفية، ومنهم من قال إنها وضعية، ولكل فريق أدلته، وبالإضافة إلى ذلك، فقد أخذ علماء اللغة والفلسفة في تصنيف الاسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات عدة، مع تناولهم للموضوعات العميقة مثل الاسم الأعظم وعلاقته بالذات الإلهية، فدراسة الاسم والمسمى والعلاقة بينهما تعد نافذة لفهم أعمق للطبيعة الإنسانية والمعرفة بصفة عامة، وعلاقة الإنسان بالعالم ولغته، في سياق يربط بين الجانب اللغوي والفكري.

موضوعات ذات صلة

هي صفة إلهية أزلية تخص الله وحده، وتختلف جذريًا عن الإرادة البشرية.

هي أسماء الله تعالى التي ارتضاها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ.

اسم الله "القيوم" يعني القائم بنفسه، الذي لا يحتاج لأحد، والمُدبر لأمور جميع المخلوقات في السماوات والأرض.

موضوعات مختارة