إن مجرد التشابه بين الأفكار لا يكفي لإثبات التأثير والتأثر؛ لذلك تكمن أهمية دراسة التأثير والتأثر بين المذاهب والفرق المختلفة، ولا ينبغي للباحث أن يسارع فيقطع بأن هذه المماثلة ترجع إلى ظاهرة التأثير والتأثر، وأن اللاحق قد أخذها عن السابق.
إن مجرد التشابه بين الأفكار لا يكفي لإثبات التأثير والتأثر؛ لذلك تكمن أهمية دراسة التأثير والتأثر بين المذاهب والفرق المختلفة، ولا ينبغي للباحث أن يسارع فيقطع بأن هذه المماثلة ترجع إلى ظاهرة التأثير والتأثر، وأن اللاحق قد أخذها عن السابق.
ليس الفكر الإنساني مجموعة من الجزر المستقلة، لا يتصل بعضها ببعض، وإنما يربط بينها في كثير من الأحيان، جسور ممتدة، تنقل فكرة ما من موطنها الأصلي إلى بيئة أخرى، بعد كسوتها برداء يتناسب مع طبيعة البيئة الجديدة، وتتفاوت ردود الأفعال فيما يتعلق بتلقي هذا الانتقال، فقد يحظى بقبول حسن، أو قد يرفض تمامًا، أو يتم بشيء من التعديل، قد يكون طفيفًا عرضيًا، أو كبيرًا جوهريًا.
وعلى الرغم من أهمية دراسة التأثير والتأثر بين المذاهب والفرق المختلفة، إلا أن بعض الدارسين يقعون في خطأٍ منهجي كبير، فمجرد التشابه بين فكرة ما في مذهب معين وفكرة مماثلة في مذهب آخر، يجعل الباحث يسارع فيقطع بأن هذه المماثلة ترجع إلى ظاهرة التأثير والتأثر، وأن اللاحق قد أخذها عن السابق.
ولكن قد يسأل سائل: ما الدليل على ما تقول؟ أليس العقل بطبعه أو "ميكانزم" العقل البشري واحدًا، وأن تشابه المقدمات ينتج عنه تشابه النتائج؟ وأن التشابه قد يحدث دون أن يعلم أحد الطرفين شيئًا عن الطرف الآخر؟ وهذا اعتراضٌ جدير بالاهتمام، فما المطلوب في مجال البحث في ظاهرة التأثير والتأثر؟
ينبغي على من يحاول إثبات تأثير المذهب: (أ) على المذهب (ب)، أن يثبت أن المذهب الأول قد انتقل إلى المذهب الثاني عن طريق وسائل واضحة، وأن صاحب المذهب الأخير قد عرف المذهب الأول معرفة يقينية، وعندئذٍ فقط يمكن التأكيد على أن التشابه بين المذهبين لم يقع مصادفةً، وإنما يرجع إلى تأثير أحدهما في الآخر،وتطبيقاً لهذا الشرط المنهجي المهم، أسوق الأمثلة الآتية:
المثال الأول: القول بتأثير دليل الحركة على وجود الباري لدى الفيلسوف اليوناني أرسطو في المتفلسف الإسلامي أبي علي مسكويه (ت ٤٢١هـ)، فقد أورد أرسطو هذا الدليل في كتابه "الطبيعة" أو ما يسمى "السماع الطبيعي" [أرسطاطاليس: الطبيعة، ترجمة/ إسحاق بن حنين، تحقيق دكتور/ عبد الرحمن بدوي، جـ٢، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، ١٩٦٤ - ١٩٦٥م] الذي ترجمه إلى العربية في القرن الثالث الهجري إسحاق بن حنين، وخصص مسكويه في كتابه "الفوز الأصغر" فصلًا في عرض هذا الدليل بعنوان: " في أن كل متحرك إنما يتحرك من محرك غيره، وأن محرك جميع الأشياء غير متحرك".
فهل يمكن القول: إن التطابق بين دليل أرسطو ودليل مسكويه يرجع إلى مجرد توارد خواطر؟ الإجابة قطعًا بالنفي، وذلك لقول مسكويه في نهاية عرضه لهذا الدليل: "كما بين ذلك في كتاب "السماع الطبيعي"[مسكويه: الفوز الأصغر، تقديم ودراسة دكتور/ عبد الفتاح أحمد فؤاد، الإسكندرية، دار الوفاء، ۲۰۰۹م]، وهكذا يعترف مسكويه صراحةً بأنه- في أحد أدلته على وجود الله- تأثر بأرسطو.
ولكن هل يشترط في إثبات التأثير والتأثر أن يعترف المتأثر صراحةً بذلك كما في حالة هذا المثال؟ هذا ليس شرطًا ضروريًا، فقد يتجاهل المتأثر بالتأثير، حتى يبدو مبتكرًا لمذهبه؛ بل قد ينفي تمامًا فضل من أخذ عنه، كما في المثالين الآتيين:
المثال الثاني: نعود إلى مسكويه مرةً أخرى، ولكن بصدد موقفه من الدعاء، وتأثره بإحدى المدارس الفلسفية اليونانية المتأخرة، وهي المدرسة الرواقية، ففي هذا المثال لا نجد مسكويه يعترف بأنه قد وقع تحت تأثير المذهب الرواقي، إلا أن الباحث يمكنه إثبات هذا التأثير عن طريق ثلاث خطوات:
الأولى: عرض الآراء الرواقية في هذه المسألة، والخطوة الثانية: إثبات انتقال الأصول الرواقية إلى العالم الإسلامي بعامة وإلى مسكويه بخاصة، وأخيرًا عرض موقف مسكويه الموافق لموقف الرواقية على النحو التالي:
الخطوة الأولى: وفيها عرض نظرية الرواقيين في القدر وحرية الأفعال الإنسانية، وتتلخص في أن العالم- في مذهبهم- تجري أحداثه وكائناته وفقاً لقانون ثابت (اللوغوس) وبتدبير لا يترك مجالًا للمصادفة البحتة، وأن ما يعبر عنه الرواقية باصطلاح القدر fate، أو الطبيعة، إنما هي ضرورة صارمة تسيطر على كل شيء، حتى إله الرواقيين، فإنه لم يفلت منها، وليست الإرادة الإلهية في زعمهم حرة؛ بل يحكمها منطق لا يتغير، ومن أجل ذلك فإن نظام الطبيعة لا يمكن تغييره بالصلاة، والإله ذاته غير قادر على أن يقحم نفسه من أجل إنقاذ إنسان من قدره
ولئن قرر الرواقيون أن الإنسان لا يستطيع فكاكًا من هذه الجبرية الكونية، إلا أنهم مع ذلك نادوا بالحرية الإنسانية المطلقة، فالإنسان يملك إرادة حرة، حيث إن رغباتنا العقلية وآراءنا وأحكامنا إنما هي خاضعة لإرادتنا، وتحت سلطاننا.
وغني عن البيان أن الموقف الرواقي من الدعاء يخالف تمامًا موقف الإسلام منه، ولكنه يتفق مع موقف مسكويه، كما سيتبين بعد قليل.
والخطوة الثانية: تتعلق بإثبات انتقال الأصول الرواقية إلى العالم الإسلامي بعامة، وإلى مسكويه بخاصة، فقد انتقلت الفلسفة الرواقية إلى مفكري الإسلام عن طريقين: أحدهما: مباشر والآخر: غير مباشر.
فأما الطريق المباشر، فالمراد به كتب المؤرخين والشراح اليونانيين للفلسفة الإغريقية من أمثال الإسكندر الأفروديسي، وفورفوريوس (ت ٣٠٥م) وفلوطرخس (ت بعد ١٢٠م)، وقد عرف المؤرخون الإسلاميون أولئك الشراح وكتبهم وما تحتويه من أصول المدارس اليونانية القديمة بما فيها الرواقية.
وإلى جانب كتب المؤرخين والشراح اليونانيين التي تعد مصدرًا مباشرًا لانتقال الفلسفة الرواقية إلى العالم الإسلامي، فهناك أيضًا مصدر غير مباشر لهذا الانتقال، أعني الكتب ذات النزعة الرواقية مثل "لغرقابس"، وقد أورده مسكويه في كتابه "الحكمة الخالدة أو جاويدان خرد" [مسكويه: الحكمة الخالدة أو جاويدان خرد، تحقيق دكتور/ عبد الرحمن بدوي القاهرة، مكتبة النهضة، سنة ١٩٥٢م]، وغير ذلك من الكتب التي تتضمن أفكارًا رواقية شتى.
وعرف المسلمون اسم الرواقية وبعض فلاسفتها، وذكر مسكويه كلمة "الرواقيين" مرتين في كتابه "تهذيب الأخلاق."
والخطوة الثالثة: هي عرض فكرة مسكويه عن الدعاء والتي تخالف ما ورد في الكتاب والسنة، فقد تتضمن مخطوط "منتخب الحكمة" فصلًا من كلام مسكويه في الدعاء قال فيه: "فأما الدعاء فإني أقول: إنه يعرض للإجابة، لا لأن الله عز وجل يفعل عند الدعاء ما لا يفعله قبله، ولا لأنه ينفعل، أي يسمع بنحو من الانفعال، أو يرقّ، أو يلحقه شيء مما يلحقنا؛ بل هو منزه عن جميع هذه الأحوال، ولكن السبب في الإجابة أننا إذا دعوناه في خلوة وخلوص سريرة، عطلنا حواسنا عن وجه الانفعالات، فتوفرنا على الانفعال الذي يختص بقبول أثر الباري عز وجل، فحينئذ يأتي ذلك الأمر الذي استعددنا له [منتخب صوان الحكمة، مخطوط مصور بدار الكتب المصرية، رقم ٢٦٦٣، ونسخة أخرى مصورة بالدار أيضًا برقم ٦٦٤٣ح].
أي أن الدعاء عند مسكويه لا يغير ما يجري في العالم من أحداث وفقًا للقدر الإلهي، وإنما الذي يحدث هو أن الحالة النفسية المتجردة لصاحب الدعاء تقبل طواعيةً ما يقدمه له قدره من أحداث، وهذا ينطبق تمامًا على الموقف الرواقي.
المثال الثالث: فعلى الرغم من الخصومة المعلنة بين بعض الفرق الكلامية، إلا أن هذه الفرق المختلفة تتفق تمامًا في بعض أصولها، فالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والإباضية والزيدية والاثنا عشرية يستدلون جميعًا بدليل التمانع على إثبات الوحدانية لله تعالى استنادًا إلى قوله تعالى: {لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ} [الأنبياء: ٢٢]، مع أن ابن رشد يخالفهم في فهم هذه الآية الكريمة. [ابن رشد: مناهج الأدلة، تحقيق دكتور/ محمود قاسم، القاهرة، مكتبة الأنجلو].
واتفاق الفرق المختلفة في مثل هذه القضايا يمكن أن يطلق عليه مصطلح "تبادل الأسلحة" بين الخصوم.
إن مجرد التشابه بين الأفكار لا يُثبت بالضرورة وجود تأثير بينهما، وينبغي على من يحاول إثبات تأثير المذهب: (أ) مثلًا على المذهب (ب)، أن يثبت أن المذهب الأول (أ) قد انتقل إلى المذهب الثاني(ب) عن طريق وسائل واضحة، وأن صاحب المذهب الأخير(ب) قد عرف المذهب الأول(أ) معرفة يقينية، وعندئذٍ فقط يمكن التأكيد على أن التشابه بين المذهبين لم يقع مصادفةً، وإنما يرجع إلى تأثير أحدهما في الآخر.