ويربط
المعتزلة بين السببية، والتوليد، حيث يذكر القاضي
عبد الجبار، أن من أفعالنا ما هو متولد، ومنها ما يقع مبتدأ.
وكذلك
مقدوراتنا، تنقسم إلى ما يكون من أفعال القلوب وما يكون من أفعال الجوارح والمتولد
يكون في كِلا القِسمين، أي: (في أفعال القلوب، وأفعال الجوارح) أما أفعال القلوب؛
فلا يحصل شيء منها بسبب، بمعنى أنها كلها مبتدأةٌ، إلا العلم فإنه لا يحدث إلا
بسبب، وأما أفعال الجوارح، فيثبت التوليد في الآلام، والتأليف، والأصوات،
والأكوان، والاعتماد، ولا تخرج أفعال الجوارح جميعها عن هذه الخمسة، وهي كلها يقع
فيها التوليد، وإن كان بعضها كما يثبت متولدًا، يثبت مبتدأً، وبعضها لا يصح أن يقع
إلا متولدًا).
ويذكر القاضي عبد الجبار أيضًا، بعض صور العلاقات
السببية للتوليد، فيقول: (وأما الذي يولد، فهو كالاعتماد، والكون من أفعال
الجوارح، والنظر من أفعال القلوب فقط).
والاعتماد -
كما يقول - يولد اعتمادًا آخر، ويولد الكون من حركة، أو سكون، وكذلك الصوت، وأما
الكون، فهو يولد التأليف، والألم، والنظر يولد العلم؛ وما خرج عن هذه الجملة فلا
يجوز وقوعه إلا مبتدأ؛ نحو الإرادة والكراهية، والظن، والفكر.
ويشير القاضي
أيضًا إلى الطريقة التي بها نعرف أن الشيء يولد بمعنى أن يكون سببًا، أي: أن يحصل
غيره بحسبه وأمارة كون الشيء مولدًا: أن يحصل بحسب غيره؛ فكل ما ثبت فيه هذا الوجه
حكمنا بأنه متولد، وما ليس حاله كذلك فإنه يخرج عن كونه مولدًا.
ويرفض القاضي عبد الجبار، طريقة شيوخ معتزلة بغداد، في
إثبات الأفعال المتولدة، حيث يجعلون الإدراك معنى يقع عليه التوليد، باعتبار كونه
مقدورًا للعباد، وكذلك الأمر في اللون، والطعم، والحرارة، والأسباب المؤدية إليها،
ويرى أن الإدراك ليس بمعنى، وأنه من فعل الله تعالى، وكذلك فإن الأعراض الكامنة في
الأشياء، لا تُعَدُّ من المُتَوَلدات، عند ظهورها، وحدوثها، بأي سبب.
ويذهب القاضي،
أيضًا، إلى أن الأشياء التي تحدث عند أفعالنا، وتتعلق بها الغرامة والعوض لا يلزم
أن تكون من أفعالنا المتولدة، بل هي متعلقة بنفس الفعل، ومِن ثَمَّ فهي ليست
متولدة من جهتنا، فإن العِوض قد ينتقل عن الفاعل إلى من صار سببًا في حدوث الفعل.
ويُقَسِّمُ المعتزلةُ الأفعالَ المتولدة من حيث اقترانها
بالسبب إلى قسمين:
أحدهما: ما يقترن
بسببه.
والثاني: ما يتراخى عن
سببه.
والقسم الأول: يكون حاله،
وحال المبتدأ سواء في استحقاق الذَّم، والعقاب؛ لأن اقترانه بالسبب، جعله بمثابة
فعل آخر مبتدأ، اقترن بهذا السبب (فما نشرطه في المبتدأ نشرطه هنا).
وأما القسم الثاني: فهو يفترق عن الأول،
في أنه قد لا يستحق الذَّمَّ على ما يتولد عن فعله على سبيل التراخي (المسبب)،
وذلك كمن رمى صيدًا، فأصاب إنسانًا، فإنه لا يستحق الذَّمَّ على هذا الذي تولد عن
رميه، وذلك من أربعة وجوه:
أحدها: أنه
يجهل هذا المسبب، ولم يخطر له على بال، ولم يكن متمكنًا منه (فزال عنه الذَّمُّ)؛
لأنه ليس مبتدأ، وليس مقارنًا للسبب، وهناك خلاف في تسميته قبيحًا.
الوجه الثاني: أن المسبب الذي
يتراخى عن سببه، يصح أن يُكْرَه حال وقوعه ويصح النَّدَمُ عليه، ومن ثَمَّ (صحت
التوبة من الإصابة بعد وجود الرمي) وهذا لا يتحقق في المبتدأ، ولا في المتولد الذي
يصاحب سببه.
الوجه الثالث:
أنه في حالة التراخي، بعد وقوع السبب، قد يحول عارضٌ دون وقوع المُسَبَّبِ، وهذا
لا يمكن حدوثه في المبتدأ
والوجه
الرابع: ما نقل عن أبى هاشم الجبائي (ت: ١ ٢ ٣هـ) في أحد
مذهبيه، بأنه يصح أن يستحق المرء الذم على المسبب قبل وقوعه في حالة التراخي، حيث
إن السبب قد وجد فعلا، وخرج عن مقدور فاعله، وأصبح المسبب في حكم الواقع، وليس
الأمر كذلك في المبتدأ وعلى مذهبه الثاني: أنهما يتساويان.
ما ينتج عن
الأسباب من المسببات لا يختلف باختلاف الفاعلين:
أ - اختلف شيوخ المعتزلة إزاء هذه القضية، وقد
نقل القاضي عبد الجبار أن أبا علي الجبائي (ت:٣٠٣هـ)، ينفي
التوليد، عن الأسباب التي تحدث من قِبَلِ الله -سبحانه وتعالى، ويقول في المُسَبَّبَات
(المتولِّدَات) التي تحدث بتلك الأسباب: أنَّ الله -تعالى، يبتدئ بإيجاده، أي:
إنها - عنده - بمثابة أفعالٍ مبتدأة.
أما لو حدثت
تلك المُسَبَّبَات من قِبَلِ البشر، فهي أفعال مُوَلَّدَة، ويُدَلِّلُ الجبائي على ذلك، بأن الله - تعالى - لو فعل
بسبب لوجبت حاجته إليه، كما وجبت حاجتنا إليه، ومعلوم امتناع الحاجة عليه، وكذلك
فإن الحاجة إلى السبب تابعة للحاجة إلى القدرة، والآلات، فإذا استغنى عنها، فكذلك
عن السبب.
ب -ولكن القاضي وجمهور المعتزلة يرون غير ذلك، ويُقَرِّرون
أنَّ إيجابَ السبب لِما يُوجبه لا يختلف باختلاف الفاعلِين؛ أي سواء أكان الفاعل
هو الله، أم البشر، ويدللون على هذا بأن التوليد الذي يحدث عن الأسباب، يرجع إلى
الأسباب نفسها، دون الفاعِلين بدليل أن الاعتماد يُوَلِّد الحركات، وغيرها دون
اعتبار للفاعل، بأن كان مريدًا، أو ساهيًا، أو كارهًا، أو عالمًا... إلخ، وكذلك
فإن الحي يَشعر بالآلام المتولدة عندما يلحق جسمه أذى، دون نظر إلى حال الفاعلين،
والأمر كذلك في سائر المتولدات، دون تفرقة بين أحوال الفاعِلِين القادرِين، وإذا
لم يكن الأمر كذلك لكان التولد الناتج عن فعل واحد مختلفًا بسبب الفاعلين أو يمكن أن
يحدث تولد من فعل بعينه لشخص بعينه، ولا يحدث التولُّد من الفعل نفسه لشخص آخر أو
يُولَّد مِن جهة مَن بالمشرق، دون مَن بالمغرب.
والفكرة التي يقررها المعتزلة إزاء هذه المسألة،
ويدافعون عنها أن الأفعال المتولدة بأسباب مِن قِبَلِنا، إذا حدثت من قِبَل الله –
تعالى - تكون بتلك الأسباب نفسها، دون تفرقة بين الفاعلين، خلافًا لأبي علي الجبائي.
على أن
الاختلاف والتفاوت بين المتولدات، إنما يرجع إلى اختلاف وتقاوت القوى المؤثرة، كما
إذا دارت الرحى بالماء، أو بالريح، فإن حركتها تتأثر قوة وضعفًا بسبب قوة جري
الماء، وهبوب الريح وهذا التولد يرجع إلى فعله تعالى، كما أن دورانها لمَّا اختلف
بقوة المدبر لها من بهيمة، أو غيرها، أو ضعفه عرفنا أنه قد وقع متولِّدًا، وهكذا
الحال في جري السفينة بالريح، أو بجذب الملَّاح، وهذا باب يتسع.
الفرق بين
الفعل الإلهي، والفعل الإنساني في مجال التوليد:
أشار المعتزلة
إلى جملة من الفروق في مجال التوليد بين فعل الله - سبحانه، وفعل البشر، أبرزها ما
يلي:
أ - أن الله -سبحانه-
قادر على إيجاد الأسباب، ومُسبَّبَاتها ابتداءً، وبسبب دون حاجة منه إلى ذلك،
والبشر ليسوا كذلك.
ب- أن الله -سبحانه-
قادر على أن يُوجِد الأسباب، دون مسبَّبَاتها بأن يفعل ما يصير منعًا له عن
التوليد لا فرق في ذلك بين ما يقارن فيه المسبَّب السبَبَ، أو يتراخى عنه،
والإنسان ليس كذلك.
جـ – أن الله - سبحانه، قادر على إيجاد الأشياء
بعينها ابتداء، وأن يوجدها بأسباب يوجدها، وهذا لا يتحقق لَدَى البشر.
د - أن الله - سبحانه له حكمة في كل ما يفعل،
بسبب، وبدون سبب يظهر لنا، سواء تعددت الأسباب أم لم تتعدد، فهو له حكمة في كل
صغيرة وكبيرة، ونحن لسنا كذلك: ذلك أن أحدنا قد يفعل السبب ويعلم وقوع المسبَّب
عنه وهو واحد، ووقوع مسبَّبَين عنه، وقد يجوز أن يكون الداعي له إلى أحد هذين
الأمرين، لا يدعوه إلى الآخر، وذلك كمن يكون هدفه أو غرضه مجرد الرمي، دون أن يكون
له غرض في المسبَّب المتولِّد عنه، ومثل من يريد أن يفصد الجرح وخروج الدم من دون
إيلام المفصود.
ويرى
المعتزلة أن الفعل الإنساني سواء أكان بسبب أم ابتداء، له غرض ما، لكن ما يفعله
الله بسبب.. لا بد من تعلق ضرب من الصلاح، واللطف بنفس السبب، فيما يتصل بالدين،
أو يتصل بمنافع الدنيا، وعلى هذا مَنَّ الله – تعالى - في غير آية من كتابه، بذكر
البحار التي تجري فيها السفن، وبذكر الرياح وما شاكلها والأمر كذلك فيما يصح فعله
تعالي له ابتداء بدون سبب، ونراهم هنا يؤكدون على الغائية في الفعل الإلهي، في
مجال التوليد.