الإمامة ذات أهمية كبيرة لدى مفكري الإسلام، لا يخلو منها عصر أو زمن بحال، وقد اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، واختلف الفقهاء في طريق وجوبها.
الإمامة ذات أهمية كبيرة لدى مفكري الإسلام، لا يخلو منها عصر أو زمن بحال، وقد اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، واختلف الفقهاء في طريق وجوبها.
تُعَدُّ الإمامة من الموضوعات المهمة التي عرض لها علماء المسلمين، ومؤرخو الفرق والمذاهب، وإن لم تكن من أصول الاعتقاد.
(أ) المعنى اللغوي والشرعي:
من يتأمل في الدلالات اللغوية لأصل مادة الإمامة (أمَّ) كما جاءت في لسان العرب لابن منظور (٦٣٠ - ٧١١هـ/١٢٣٢ -١٣١١م) يلحظ أن لها جوانب عدة، منها:
القصد والعلم الذي يتبعه الجيش، والدليل، والقدوة،
التقدم، وكل من يُؤتَمُّ به، كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين.
الكتاب الذي يُحتكم إليه، والنبوة، والشِّرعة، والسنة، وكتاب الأعمال.
الرئاسة، والمثال، والطريق الذي يُقصد، والقيادة.
الإصلاح، والرعاية، والخلافة، والقوامة، وإمامة الصلاة.
قال ابن منظور: الأَمُّ – بالفتح - القصد، أَمَّه، يَؤُمَّه أمًّا: إذا قصده.
والأُمَّةُ: الشرعة، والدين، وفي التنزيل العزيز: {إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ} [الزخرف: ٢٢]، وهي الإمامة.
والأَمُّ: العَلَم الذي يتبعه الجيش، وأَمَّ القوم، وأَمَّ بهم: تقدَّمهم وهي الإمامة.
والإمام: كل من ائتَمَّ به قوم، كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، قال تعالى: {يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡ}ۖ [الإسراء: ٧٢] قالت طائفة: بكتابهم. وقال آخرون: بنبيهم وشرعهم. وقيل: بكتابه الذي أحصى فيه عمله [انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، بدون تاريخ - ط، دار الشعب، مج/٥ ص ٩٦، عند تفسير هذه الآية من سورة الإسراء].
ويقول ابن منظور: "وسيدنا رسول الله إمام أمته، وعليهم جميعًا الائتمام بسنته التي مضى عليها".
والإمام: ما ائتُم به من رئيس وغيره، والجمع أئمة، وفي التنزيل العزيز: {فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ} [التوبة: ١٢]؛ أي: قاتلوا رؤساء الكفر، وقادتهم الذين ضعفاؤهم تبع لهم.
والإمام: الذي يُقتدَى به، وإمام كل شيء: قَيِّمه، والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند: قائدهم.
وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتَّمَ به: أي: اقتَدَى به، والإمام: المثال: وإمام المثال: ما امتثل عليه.
والإمام: الطريق الواضح، وقوله عز وجل: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ} [الحجر: ٧٩]؛ أي: لبطريق يُؤَم؛ أي: يُقْصَدّ، فَيُتَمَيَّز، يعنى: قوم لوط، وأصحاب الأيكة.
ويؤم القوم؛ أي: يتقدمهم، وفلان إمام القوم، معناه: هو المتقدِّم لهم، ويكون الإمام رئيسًا، كقولك: إمام المسلمين.
وبهذا يتبين أن المعنى اللغوي لمادة الإمامة فيه ما يدل على الإمامة بمعنى الرئاسة، وعلى الرئاسة، وكذلك على الخلافة، وفيه ما يدل على الرعاية، والتعهد بالإصلاح، والالتزام به تجاه من يلي الإمام أو الخليفة أو الرئيس أمرهم.
لفظ (إمام) في القرآن الكريم:
وقد ورد لفظ (إمام) في القرآن الكريم مفردًا، في سبع مواضع، منها: ثلاثة في حالة الجر هي: [الحجر: ٧٩]، وقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ} [يس: ١٢]، ومعنى الإمام في آية يس كما قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): "اللوح المحفوظ الذي دونت فيه، وأحصيت جميع الكائنات، وهو أم الكتاب" [تفسير ابن كثير: ط الشعب مج/ ٦ ص٥٥٣].
وأما الموضع الثالث، فهو ما جاء في آية الإسراء [٧١] التي سبق بيان معنى الإمام فيها، كما ورد في لسان العرب.
وأما مواضع النصب الأربعة، فهي قوله تعالى في شأن سيدنا إبراهيم - عليه السلام: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ } [البقرة: ١٢٤]، ومعنى الإمام - هنا: القدوة الذي يُقتدى به في التوحيد، وفيما كلَّفه الله به من الشرائع. [السابق مج/١ ص٢٣٧].
وقوله تعالى: {وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ } [هود: ١٧] و[الأحقاف: ١٢] والإمام – هنا - أيضًا: معناه القدوة [نفسه مج/٤ ص ٢٤٦] وهو معنى (إمامًا) في سورة الفرقان: {وَٱجۡعَلۡنَا للمتقيين إِمَامًا} [الفرقان: ٧٤] [نفسه مج / ٦ ص١٤٢] .
ووردت كلمة أئمة جمع (إمام) في خمسة مواضع، هي: قوله تعالى: {فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ} [التوبة: ١٢]، وقوله تعالى بشأن إبراهيم، ولوط، وإسحاق، ويعقوب - عليهم السلام: {وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا} [الأنبياء: ٧٣].
وقوله تعالى بشأن بني إسرائيل: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ} [القصص: ٥]، وقوله تعالى بشأن فرعون وجنوده: {وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ } [القصص: ٤١].
وقوله تعالى بشأن بني إسرائيل - أيضًا: {وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ} [السجدة: ٢١].
وواضح أن كلمة (أئمة) الواردة في الآيات السالفة، تعني في سياقها العام - كما ذكر المفسرون - القدوة، والريادة، والقيادة، والدعوة إلى الشر كما هو شأن الكافرين أو إلى الخير، والتوحيد، والبر، والإحسان، والعمل الصالح، كما هو شأن المؤمنين. [في شرح معاني كلمة أئمة في الآيات السابقة، انظر: تفسير ابن كثير، ط، الشعب، مج٤ / ص٥٩، مج/٥، ص٣٤٨، مج/٦ ص ٢٣٠، ٢٤٨، ٣٧٢].
(ب) المعنى الشرعي للإمامة:
درج فقهاء المسلمين على استخدام مصطلحات: الإمامة، الخلافة، إمارة المؤمنين بمعنى واحد، وبذلك سوَّوا بين كلمة (خليفة) و(إمام)، و(أمير المؤمنين)، وذلك عند الإطلاق العام لهذه الألفاظ، لكنهم قد يطلقون كلمة (إمام)، و(أمير) مضافة فيقولون: إمام الصلاة، وقد يقولون الإمام بمعنى: الفقيه، والعالم، والأمر كذلك في لفظ (الإمارة) لمن يلي بلدًا من بلاد المسلمين.
وقد نُقِلَ عن أبي جعفر النحاس (أحمد بن محمد بن إسماعيل) وهو من علماء القرن الرابع الهجري (ت: ٣٣٨هـ) إطلاق الخليفة على أمير المؤمنين، وذلك في كتابه (صناعة الكُتَّاب) [ذكر ذلك القلقشندي في كتابه: مآثر الإنافة في معالم الخلافة، ج/١، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، الكويت، وزارة الإرشاد والأنباء، سنة، ١٩٦٤، ص١٠].
ويقول ابن حزم وهو من علماء القرن الخامس الهجري (ت ٤٥٦هـ) "قال قوم: إن اسم الإمامة قد يقع على الفقيه العالم، وعلى متولي الصلاة بأهل مسجد ما. قلنا: نعم لا يقع على هؤلاء إلا بالإضافة لا بالإطلاق، فلا يطلق لأحدهم اسم الإمامة بلا خلاف إلا على المتولي لأمور أهل الإسلام" ثم يقول: (فصح أنه ليس يجوز ألبته أن يوقع اسم الإمامة مطلقًا، ولا اسم أمير المؤمنين إلا على القرشي المتولي لجميع أمور المؤمنين كلهم، أو الواجب له ذلك ... وكذلك اسم الخلافة بإطلاق، لا يجوز ـ أيضًا ـ إلا لمن هذه صفته) [ابن حزم، علي بن أحمد بن حزم الظاهري: الفصل في الملل، والأهواء، والنحل، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، ط. ثانية، ١٣٩٥هـ/ ١٩٧٥م، ٤/٩].
ويذهب إلى هذا الرأي الفقيه الحنبلي المعاصر لابن حزم، وهو القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفرّاء (ت ٤٥٨هـ)؛ حيث يذكر ـ في معرض حديثه عن الإمامة ـ أنه (يجوز أن يُسمى خليفة لمن عقد له الأمر، ويسمى خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمته) [القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: الأحكام السلطانية تصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي، بيروت، دار الكتب العلمية ١٤٠٣- ١٩٨٣، ص٢٧، وانظر القلقشندي: (أحمد بن عبد الله) (ت: ٨٢١هـ/ ١٤١٨م)، مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج/١ تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، الكويت، وزارة الإرشاد والأنباء، سنة ١٩٦٤، ص١٣-٢١].
ومن هذا المنطلق يكون تعريف الخلافة، والإمامة، وإمارة المؤمنين واحدًا، ومن جملة هذه التعاريف ما يلي:
(أ) ذكر الماوردي (علي بن محمد بن حبيب) (ت: ٤٥٠هـ) أن "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا" [الماوردي: علي بن محمد بن حبيب، الأحكام السلطانية، بيروت، دار الكتب العلمية، ط، أولى ١٤٠٥- ١٩٨٥م، ص٥].
(ب) وعرفها الجويني - إمام الحرمين - وهو من علماء القرن الخامس الهجري (ت: ٤٧٨هـ) بأنها: "رياسة تامة، وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة (البلاد) ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة ... وكف الجنف والحيف، (الانحراف والظلم) والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين" [غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق ودراسة: د/ مصطفي حلمي، ود/ فؤاد عبد المنعم، الإسكندرية، دار الدعوة، بدون تاريخ، ص١٥].
(ج) ويرى عضد الدين الإيجي - وهو من علماء القرن الثامن الهجري - (ت: ٧٥٦هـ) أن الإمامة "هي خلافة الرسول في إقامة الدين، بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة، وبهذا القيد يخرج من ينصِّبه الإمام في ناحية، والمجتهد، والآمر بالمعروف). [عضد الدين الإيجي (عبد الرحمن بن أحمد)، المواقف في علم الكلام، بيروت، عالم الكتب، بدون تاريخ، ص٣٩٥].
(د) وهي عند ابن خلدون ـ وهو من علماء القرن الثامن وبداية التاسع الهجريين ـ (ت: ٨٠٨هـ): "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليهما؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها - عند الشارع - إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به". [ابن خلدون (عبد الرحمن)، المقدمة، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ، ص١٩١]
(هـ) ويشير القلقشندي - وهو من علماء نهاية القرن الثامن، والربع الأول من التاسع الهجريين - (ت٨٢١هـ) إلى أن الخلافة في أصلها اللغوي مصدر خَلَف "يقال خَلَفه في قومه يخلفه خلافة، فهو خليفة، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي} [الأعراف: ١٤٢] ثم أطلقت على الزعامة العظمى، وهي الولاية على كافة الأمة والقيام بأمورها والنهوض بأعبائها". [القلقشندي: مآثر الإنافة (مرجع سابق)، ص١٣]
ثم يقول: "والذي عليه العرف المشاع من صدر الإسلام، وهلم جرًّا، إطلاق اسم (الخليفة) على كل من قام بأمر المسلمين، القيام العام" [السابق، ص١٣]، ومجمل تعاريف علماء المسلمين عبر العصور لا تخرج عن هذا الإطار.
وإن كان تعريفها لدى بعض دوائر الشيعة، ولا سيما الإمامية يشير إلى دلالات أخرى ستأتي الإشارة إليها.
ومن هذه التعاريف يتبين أن الإمامة العظمى أو الخلافة يراعى في مفهومها لدى علماء المسلمين ما يلي:
أولًا: أنها رئاسة عامة تشمل جوانب الحياة، والشئون الدينية والدنيوية في شتى مجالات الحياة بكل مقوماتها المادية والمعنوية والمدنية.
ثانيًا: أن الخلافة هي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم، ولكن بعض فقهاء المسلمين يثيرون مسألة مهمة هي: عمن تكون الخلافة؟ وقد ذكر الماوردي (ت: ٤٥٠هـ) أن الخليفة يسمى خليفة؛ "لأنه خَلَف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمته، فيجوز أن يقال: يا خليفة رسول الله، وعلى الإطلاق، فيقال الخليفة" [الأحكام السلطانية (مرجع سابق)، ص١٧].
وعلى هذا خوطب أبو بكرـ رضي الله عنه ـ (ت: ١٣هـ/ ٦٣٤م) فقيل له: يا خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، وهناك رأي ثان: هو أن الخلافة تكون عن الله تعالى، فقد أجاز بعضهم أن يقال: يا خليفة الله؛ لأن الخليفة يقوم بحقوق الله في خلقه؛ لقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ} [الأنعام: ١٦٥]، ولكن جمهور الفقهاء أنكروا ذلك، ونسبوا قائله إلى التجوّز؛ "لأنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت، وقد قيل: لأبي بكر: يا خليفة الله! فقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم" [الماوردي: الأحكام السلطانية، ص١٧، ١٨، القاضي أبو يعلى (الفراء): الأحكام السلطانية، ص٢٧، وأيضًا مقدمة ابن خلدون (مرجع سابق)، ص١٩١، وأيضًا القلقشندي: مآثر الإنافة ١/١٤-١٥].
وقد أيد هذا الرأي محيي الدين النووي - من علماء القرن السابع الهجري - (ت: ٦٧٦هـ)؛ حيث قال في كتابه (الأذكار): "إنه لا ينبغي أن يقال للقائم بأمر المسلمين خليفة الله، وروي أن رجلًا قال لعمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١هـ/٧١٩م): يا خليفة الله، فقال: ويلك! لقد تناولت متناولًا بعيدًا، إن أمي سمتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت، ثم كبرت فكنيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلت، ثم وليتموني أموركم، فسميتوني أمير المؤمنين، فلو دعوتني بذلك كفاك". [مآثر الإنافة ١/١٥]
على أن هناك رأيًا ثالثًا، هو: "أن الخلافة تكون عن الخليفة السابق، فيقال: فلان خليفة فلان، واحدًا بعد واحد، حتى ينتهي إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وعلى ذلك خوطب أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ (ت: ٣ ٢هـ /٤٤ ٦م) في أول أمره بخليفة خليفة رسول الله". [السابق ص١٧].
ثالثًا: أن تعريف الإمامة الكبرى أو العظمى كما ذكره علماء المسلمين وفقهاؤهم روعي فيه الواجبات والمهام التي يقوم بها الإمام، والتي تعني أن الدين هو المنطلق الأساسي للحكم، وهو كفيل باستيعاب كل جوانب الحياة الدنيوية عبر كل عصر، وفي كل مكان، ومن ثَمَّ فهو يسوسها ويحفظها من العبث، والظلم، والتلاعب، ويضع ضوابط رعاية مصالح الناس، وأسباب نهوضهم وتقدمهم.
يكاد يجمع فقهاء المسلمين عدا نفر قليل من الخوارج على أن الإمامة واجبة؛ أي: هي فرض على الكفاية، كالجهاد، وطلب العلم، وقد أشار إلى هذا الحكم كل من الماوردي (ت: ٤٥٠هـ) و ابن حزم (ت: ٤٥٦هـ) والقاضي أبو يعلى (ت: ٤٥٨هـ) وإمام الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨هـ) ومن القرنين الثامن والتاسع الهجريين الإيجي عضد الدين (ت: ٧٥٦هـ) وابن خلدون (ت: ٨٠٨هـ) [انظر على الترتيب: الأحكام السلطانية، للماوردي، ص ٥-٦، الفصل، لابن حزم، ٤/٨٧ (مرجع سابق)، الأحكام السلطانية، للقاضي أبي يعلى ص١٩ (مرجع سابق)، غياث الأمم، للإمام الجويني، (مرجع سابق)، ص١٥-١٧، وأيضًا: الإرشاد إلى قواطع الأدلة (مرجع سابق)، ص٥٨ ٣، والإيجي، المواقف في علم الكلام (مرجع سابق) ص ٣٩٥- ٣٩٦، وابن خلدون: المقدمة (مرجع سابق) ص ١٩١ - ١٩٢] وغيرهم كثير.
ونكتفي هنا بما أورده ابن حزم في هذا الصدد، بقوله: "اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاشا النجدات من الخوارج" [الفصل، ٤/٨٧، هناك أقوال في معنى الإرجاء، وسبب تسمية المرجئة، ذكرها مؤرخو الفرق الإسلامية، فيذكر أبو المظفر الإسفراييني (ت: ٤٧١هـ) أنهم هم الذين يفصلون بين العمل والإيمان، ويؤخرون العمل عن الإيمان، ويقولون: (لا تضر المعصية مع الإيمان، كما لا تنفع الطاعة مع الكفر)، وهذا مخالف لقول المسلمين، وهم خمس فرق، (التبصير في الدين، تحقيق: كمال الحوت، بيروت عالم الكتب، ط أولى ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م ص٩٧.
ويضيف الشهرستاني (ت: ٥٤٨هـ) أنهم كانوا يرجئون الحكم في صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقال: هو من أهل الجنة أو أهل النار، وقيل: (تأخير علي ـ رضى الله عنه ـ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة)، الملل والنحل. تحقيق: محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، ط ثانية، ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م، مج/١، ص١٣٩].
وقد اختلف الفقهاء في طريق الوجوب، هل هو السمع (الشرع) أو العقل أو هما معا؟ فذهب أهل السنة والمعتزلة إلى أن أساس وجوب الإمامة هو الشرع وليس العقل، فيذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت: ٤١٥هـ) أن المعتزلة يذهبون إلى أن إقامة الإمام واجبة عن طريق السمع اعتمادًا على ما جاء في القرآن الكريم من إقامة الحدود (السرقة) [المائدة: ٣٨] والزنا [ النور: ٢]، فذلك لا يكون إلا عن طريق الإمام؛ لأنه من واجباته دون غيره، ويدفع القاضي عبد الجبار ما نقل عن الجبائي أبي علي (ت: ٣٠٣هـ) من أنه لا يرى ضرورة إقامة الإمام إذا أنصف الناس، ويذكر أن واقع الناس غير ذلك، فهو إذًا يرى وجوب إقامة الإمام شرعًا؛ لأن الشرع أوجب على الإمام ضرورة القيام بمصالح الدين والدنيا [القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج/٢٠، الإمامة، تحقيق: د/عبد الحليم محمود، د/ سليمان دنيا، مصر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، بدون تاريخ، القسم الأول ص ٣٩- ٤١، ص٤٦- ٤٧].
وكذلك فقد أجمع الصحابة بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إقامة إمام لهم، فكان اختيار أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ يوم السقيفة، ثم عمر من بعده، ثم قصة الشورى وما جرى فيها [السابق ص ٤٧-٤٨]، فالإجماع كما يرى المعتزلة دليل شرعي على وجوب الإمامة.
ويذهب أهل السنة قاطبة إلى هذا الرأي، وإلى الأدلة التي استُند إليها [الأحكام السلطانية، للماوردي، ص ٥-٦، والفصل، لابن حزم، ٤/٨٧]، ويرى الشيعة الإمامية والإسماعيلية أنها أصل من أصول الدين.
منزلة الإمامة:
والإمامة ذات أهمية كبيرة لدى مفكري الإسلام لا يخلو منها عصر أو زمن بحال، فنظروا إليها على أنها أمانة، وعلى أنها رعاية، وعلى أنها وكالة عن الأمة، ومستندهم في كونها أمانة، النص والإجماع، ففي القرآن الكريم يقول تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ} [ النساء: ٥٨]، وغيرها من الآيات التي تحث على ضرورة الردّ إلى الله والرسول عند التنازع في أي شيء [النساء: ٥٩]، وعلى ضرورة إطاعة الله ورسوله [ النور: ٥٢] إلخ.
ويعقب ابن تيمية على آية النساء (٥٨) بأن العلماء قد قالوا: "إن هذه الآية نزلت في ولاة الأمور، وأن عليهم: {أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ} فإذا حصل ذلك فهذا جُماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة" [ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي، وابنه: تصوير، ط أولى، ١٣٩٨هـ ج/٢٨ ص ٢٤٥- ٢٤٦].
وأما في السنة، فقد تضافرت الأحاديث الصحيحة على تأكيد هذه الحقيقة، منها: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، من قوله ـ صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر في الإمارة: «وإنَّها يَومَ القِيامَةِ خِزْيٌ وَنَدامَةٌ، إلّا مَن أَخَذَها بحَقِّها، وَأَدّى الذي عليه فِيها» [صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، ومسند ابن حنبل، ٥: ١٧٣، وانظر ابن أبي شيبة: (الحافظ عبد الله بن محمد: ت: ٢٣٥هـ)، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، الهند، الدار السلفية، ط١ - ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م ج/١٢ الأثر رقم (١٢٥٨٦)].
ومنها ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِرِ السّاعَةَ. قالَ: كيفَ إضاعَتُها يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السّاعَةَ» [صحيح البخاري، ومسند ابن حنبل]، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.
ومستندهم في كونها رعاية المبادئ التي تشير إليها آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة من أن الوالي ينبغي عليه أن يكون شديد الحرص على أمور رعيته، وقويًّا في التصدي للأخطار التي تتعرض لها، انطلاقًا من مسئوليته الخلقية والدينية في ذلك، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه ابن عمر: «كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ ... الحديث» [أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن، وفي كتاب الاستقراض، باب: العبد راع في مال سيده، وكتاب الوصايا، باب: من بعد وصية توصون بها أو دين، وفي صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وفي مسند ابن حنبل، ٢: ١١١، وانظر أيضًا: صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب {قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا}، وباب المرأة راعية في بيت زوجها، وكتاب الأحكام: باب قول الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: ٩٢]، وأيضًا: صحيح مسلم: كتاب الإيمان، وكتاب: الإمارة وسنن الدارمي: كتاب الرقاق، ومسند ابن حنبل، ٢: ١٥، ٢٥، ٢٧]، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تعبر عن خطورة منصب الإمامة، وعظم مسئولية الإمام أمام الله وأمام سائر أفراد الأمة، والتي ترشده إلى مبادئ وقواعد التعامل معهم - مسلمين وغير مسلمين - وتلك التي تُشيد بالإمام العادل، وتُبين عِظَم منزلته عند الله، والتي تنبهه إلى الحرص على أموال الأمة، وعدم ابتغائه لنفسه أو لولاته منافع شخصية لهم أو لأتباعهم، والتي تنبه إلى أنه لا ينبغي أن يتقدم للإمامة إلا من يكون أهلًا لها، ومدركًا لخطورة تبعاتها، وتلك الأحاديث التي تحذر من أن تكون الإمارة وسيلة للتسلط، وتحذر من مغبة الحساب عليها يوم القيامة [انظر: ابن أبي شيبة: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، (مرجع سابق) ١٢/٢١٧، الأثر رقم: (١٢٥٨٨، ١٢٥٩٢)، وأيضًا: الآثار رقم: (١٢٥٩١/ ١٢٦٠١/ ١٢٦٠٤/ ١٢٦٠٥/ ١٢٦٠٦- ١٢٦٠٩) ص٢١٧- ٢٢٢)].
وكذلك يذهب فقهاء المسلمين إلى أن الإمامة وكالة عن الأمة أو كالوكالة عنها لدى المعتزلة، ويعبر عن هذه الحقيقة ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) بقوله: إن "الخلق عباد الله، والولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة". [مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٨/٢٥١- ٢٥٢، وانظر: الإمام الكاساني، بدائع الصنائع ج/٧ مطبعة القاهرة - الجمالية. ١٣٢٨هـ/ ١٩١٠م، ص١٦]، ومع هذه الأهمية للإمامة إلا أنها ليست من أصول الدين كما يقول علماء المسلمين.
لكنها عند الشيعة الإمامية تُعَدُّ من أصول الدين، بحيث (لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها)؛ ولذا لا يجوز فيها التقليد (بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوة)، وكذلك فإن فراغ ذمة المكلف من التكاليف الشرعية المفروضة من الله تعالى من الأمور الواجبة عقلًا، لكنها ليست "كلها معلومة من طريقة قطعية، فلا بد من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ الذمة باتباعه"، وهو "الإمام على طريقة الإمامية" [الشيخ محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية، تقديم: د. حامد حفني داود، بغداد، مطبعة النعمان، النجف الأشرف ١٩٧٢م، ص ٦٥].
وهي عند الإمامية كالنبوة لطف من الله تعالى؛ ولذا فإنه لا بد من إمام في كل زمان يهدي الناس، ويخلف النبي في وظائفه، وتكون له الولاية العامة على الناس (وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد الرسول" [المصدر السابق، ص٦٦].
ومن ثم فهي عندهم منصب إلهي يختاره الله بسابق علمه بعباده، كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه، ويأمرهم باتباعه [الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها مقارنة مع المذاهب الأربعة، بيروت، دار الأضواء للطباعة والنشر، ط. أولى ١٤١٠هـ/١٩٩٠م، ص ١٤٥]، ولهذا يُعَرِّف بعض الإمامية الاثني عشرية المتأخرين الإمامة بما يدل على كونها أصلًا من أصول الدين وأنها اختيار إلهي، فيذكر: "أنها رئاسة من الله عامة في الدنيا والدين بنيابته على جميع أمته" [علي بن فضل الله الجيلاني، (ت: بعد ١٠٧٠هـ)، توفيق التطبيق في إثبات أن الشيخ الرئيس من الإمامية الاثني عشرية، تقديم وتحقيق وتعليق: د. محمد مصطفي حلمي، مصر، دار إحياء الكتب العربية (الحلبي) ط، أولى ١٣٧٣هـ/١٩٥٤م، ص١٥]، فهي على هذا كما يقول: (أصالة من الله) ليكون الإمام نائبًا (مناب نبيه عليه السلام) [المصدر السابق، ص١٥].
طريقة تعيين الإمام:
ذهب جمهور علماء المسلمين إلى أن الإمامة تنعقد من وجهين، هما: اختيار أهل الحل والعقد، والثاني: عهد الإمام السابق [المصدر السابق ص١٥].
ويذكر القلقشندي (ت: ١٢هـ / ١٤١٨م) طريقة ثالثة هي: الغلبة والاستيلاء، وذلك (إذا مات الخليفة، وتصدَّى للإمامة من جمع شرائطها) دون عهد من الإمام السابق ودون بيعة من أهل الحل والعقد فإنه تنعقد إمامته (لينتظم شمل الأمة، وتتفق كلمتهم) [مآثر الإنافة ١/٥٨] أما إذا لم يكن جامعًا لشروط الإمامة (بأن كان فاسقًا أو جاهلًا، فوجهان للشافعية، أصحهما: انعقاد إمامته - أيضًا؛ لأنا لو قلنا: لا تنعقد إمامته، لم تنعقد أحكامه، ويلزم من ذلك الإضرار بالناس، أما الرأي الثاني: فهو أن إمامته لا تنعقد قياسًا على البيعة؛ "لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة إلا باستكمال الشروط، وكذا القهر" [المصدر السابق، ص٥٩]، ولا يخرج المعتزلة عن هذا الذي ذكرناه. [القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج/٢٠، الإمامة القسم الأول، ص ٢٥١- ٢٥٨].
وأما الزيدية من الشيعة (نسبة إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب) (٨٠ -١٢٢هـ)، ففي تعيين الإمام بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما ينقل عن شيوخهم خلاف، منهم من يصرح بالوصية من الله إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن الإمامة لعلي بن أبي طالب ثم للحسن والحسين، وذريتهما فقط، ومنهم من يذكر النص على الإمام بصفاته لا بشخصيته، ومنهم من يقرُّ بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر، ويتوقف في أمر عثمان، ومنهم من يقول بالنص الجلي على إمامة علي، فالإمام (يحيى بن الحسين بن القاسم الرَّسِّي (٢٤٥هـ/ ٨٥٩م - ٢٩٨هـ/ ٩١٠م) إمام الزيدية باليمن يشير إلى أن المكلف عليه أن يعلم بعد توحيد الله – عزوجل - وعدله، والتصديق بوعده، ووعيده، والإيمان برسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليه أن يعلم:
أ - أن عليًّا بن أبي طالب هو (أمير المؤمنين، ووصي رب العالمين، ووزيره، وأحق الناس بمقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم) [الإمام يحيى بن الحسين: كتاب فيه معرفة الله تعالى من العدل، والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد، وإثبات النبوة والإمامة في النبي وآله، ضمن مجموع رسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة. مصر. دار الهلال سنة ١٩٧١م، ٢/٧٤].
ب - (ثم يجب عليه أن يعلم أن الحسن والحسين ابنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إماما عدل، واجبة طاعتهما، مفترضة ولايتهما). [المصدر السابق ص ٧٥].
ج - (ثم يجب عليه أن يعلم أن الإمامة لا تجوز إلا في ولد الحسن والحسين بتفضيل الله لهما، وجعله ذلك فيهما وفي ذريتهما) [المصدر السابق ص ٧٥].
د - (وأن الإمام من بعد الحسن والحسين من ذريتهما من سار بسيرتهما وكان مثلهما، واحتذى بحذوهما) وتوفرت فيه صفات الورع، والتقوى، والجهاد في أمر الله، والزهد، والفهم لما يحتاج إليه، والعلم بتفسير ما يرد عليه، والشجاعة، والبذل، والسخاء، والرأفة بالرعية ... إلخ. [المصدر السابق ص ٧٨].
وفي حديثه عن الوصية للإمام علي ـ رضي الله عنه ـ (ت: ٤٠هـ/ ٦٦١م) يذكر أن كل من قال (بإمامة أمير المؤمنين، ووصيته، فهو يقول بالوصية على أن الله – عزوجل - أوصى بخلقه على لسان النبي إلى علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وإلى الأخيار) من ذريتهما، (أولهم علي بن الحسين، وآخرهم المهدي، ثم الأئمة فيما بينهما، وذلك أن تثبيت الإمامة عند أهل الحق في هؤلاء الأئمة من الله - عز وجل - على لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم)، ومن كان حاله كذلك (فهو إمام مستوجب للإمامة). [المصدر السابق ص ٨٢ـ٨٣].
ويذهب إلى فكرة النص على الأئمة الثلاثة فقط أحد علماء زيدية القرن الخامس الهجري (السمَّان، إسماعيل بن علي بن الحسين) (ت: ٤٤٧هـ / ١٠٥٢م)؛ حيث يقول: "إن طريق الإمامة لدى الزيدية، هو النص في الأئمة الثلاثة، وفي غيرهم الدعوة والخروج، والدليل على ذلك: الإجماع على أن الإمام لابد أن ينابذ الظلمة، ويدعو الناس إلى متابعته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو معنى الخروج لدى الزيدية" [السمَّان: إسماعيل بن علي بن الحسين، شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار، مخطوط بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض رقم ٢٤٠٢- خ ف لوحة ٢٦٠].
ويذكر أحد علماء زيدية القرن التاسع الهجري وهو الإمام (أحمد بن يحيى بن المرتضى اليماني) (ت: ٨٤٠هـ) أن الزيدية مختلفون حول قضية الإمام، فذهب فريق منهم إلى إثبات النص على (علي) ـ رضي الله عنه ـ بالوصف دون التسمية (وكَفَّروا من خالف ذلك، وأثبتوا الإمامة في البطنين بالدعوة مع العلم والفضل).[الإمام يحيى بن المرتضى اليماني: المنية والأمل في شرح الملل والنحل، تحقيق: د. محمد جواد مشكور، دمشق دار الندى، ط ثانية ١٤١٠هـ/ ١٩٩٠م، ص ٢٣].
ومنهم من ذهب إلى أن الإمامة شورى تصح بالعقد، وأنه تجوز إمامة المفضول، "ويقولون بإمامة الشيخين مع أولوية علي بن أبي طالب". [السابق، ص ٢٣- ٢٤]
ويذهب فريق ثالث وهم المتأخرون إلى إثبات "النص القطعي الخفي، وخطَّأوا المشايخ لمخالفته، وتوقفوا في تفسيقهم، واختلفوا في جواز الترضية عنهم". [السابق، ص ٢٤]
وأما الإمامية من الشيعة، فطريق الإمامة عندهم هو النص القطعي من الله – تعالى - على لسان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لسان الإمام الذي قبله، ولا تكون بالاختيار أو الانتخاب من الناس حتى لا يخلو عصر أو زمان (من إمام مفروض الطاعة، منصوب من الله - تعالى - سواء أبَى البشر أم لم يأبوا، وسواء ناصروه أم لم يناصروه، أطاعوه أم لم يطيعوه، وسواء أكان حاضرًا أم غائبًا عن أعين الناس؛ إذ كما يصح أن يغيب النبي كغيبته في الغار والشعب صح أن يغيب الإمام، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة وقصرها). [الشيخ رضا المظفر: عقائد الإمامية (مرجع سابق)، ص٦٦]
وهم يرون أن منصب الإمامة مثل منصب النبوة تمامًا؛ ولذا كانت الإمامة اختيارًا إلهيًّا لا دخل للبشر فيه، كما أن الإمام شخص له نفس قدسية، ولديه استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة. [السابق ص ٧٤].
وقد استدل الإمامية بعدد من النصوص أوَّلُوها بما يوافق مذهبهم، منها: قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَاكِعُونَ} [المائدة ٥٨] قالوا: نزلت في علي ـ رضي الله عنه. [السابق ص ٧٥] .
ومن الأحاديث التي يدلل بها الإمامية على النص الجلي على أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ت: ٠ ٤هـ) قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما وصل (غدير خُم) مشيرًا إلى (علي) - رضي الله عنه -: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَأَدْرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثًا». [الشهرستاني: الملل والنحل، ١/١٦٣، أيضَا الإمام يحيى بن الحسين: رسائل العدل والتوحيد، ج/٢ (كتاب فيه معرفة الله ... إلخ)، ص٨٣، (بئر خم: بئر بين مكة والمدينة، وذلك عند عودة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حجة الوداع سنة ١٠هـ، والحديث أخرجه الإمام أحمد عن ابن بريدة عن أبيه بلفظ: (من كنت وليه فعلي وليه)، المسند: ٣٥٠/٥- ٣٥٨].
وقد أفاض العلماء في مناقشة هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي ذكرها الإمامية في النص على الإمام وتعيينه، وكذلك الوقائع التاريخية التي استندوا إليها، ودلالتها، وخَلَصوا إلى أنها لا تعني النص على الإمامة [على سبيل المثال، انظر: الجويني: غياث الأمم، ص٢٩- ٣٠، وأيضًا ابن حزم: الفصل في الملل والنحل ٤/٩٤-٩٥، وأيضًا: أبو حامد المقدسي (ت: ٨٨٨هـ)، رسالة في الرد على الرافضة، تحقيق: عبد الوهاب خليل الرحمن، الهند – بومباي، الدار السلفية، ط. أولى ٤٠٣ ١هـ/ ٩٨٣ ١م، ص٢١٧- ٢٢٠، أيضًا القاضي عبد الجبار: المغني ج/٢٠، الإمامة (القسم الثاني ص٢ ١١- ١٩٧، وابن تيمية: منهاج السنة النبوية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود، ١٤٠٦هـ/١٩٨٦م، ٧/٣٩٣ وما بعدها، ص ٣١٢- ٣١٩]، وخَلَصوا - أيضًا - إلى أن الإمام بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ثم عمر ـ رضي الله عنه ـ ثم عثمان ـ رضي الله عنه ـ ثم علي ـ رضي الله عنه.
صيغة البيعة:
ويذكر بعض الفقهاء صيغة البيعة التي يقوم بها أهل الحل والعقد، وهي أن يقال: "بايعناك على بيعة رضى، على إقامة العدل والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة، ولا يحتاج - مع ذلك - إلى صفقة اليد". [القاضي أبو يعلى: الأحكام السلطانية، ص ٢٥].
وذكر في المغني "أن البيعة كانت على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه الراشدين، بالمصافحة، فلما ولي الحجاج رتبها أيمانًا، تشتمل على اليمين بالله، والطلاق، والعتاق، وصدقة مال". [نقله الشيخ محمد حامد الفقي: في حاشية ٣ ص٢٥].
ويذكر المعتزلة "أنه لا يشترط أن يتم عقد البيعة بالمصافحة باليد، بل بما يدل على الرضى، والطاعة، والامتثال، وإظهار ذلك، وكذلك لا يشترط في القبول إظهار هذه اللفظة، بل إظهار الدخول فيما التمس منه، وإظهار الرضى به، فهذا كالقبول). [القاضي عبد الجبار: المغني ج ٢٠ الإمامة القسم الثاني ص ٢٥١].
شروط صحة عقد البيعة:
وذكر الفقهاء أن لصحة عقد البيعة خمسة شروط، هي:
الأول: أن تجتمع شروط الإمامة في المأخوذ له البيعة، ولا تنعقد مع فقدان واحد منها إلا مع الشوكة والقهر.
الثاني: أن يتولاها أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس.
الثالث: أن يجيب المبايع له إلى البيعة، ولو امتنع لا تنعقد له الإمامة.
الرابع: الإشهاد على المبايعة، إذا كان المبايع واحدًا، فإن كانوا جمعًا، فلا يشترط الإشهاد.
الخامس: أن يكون المعقود له واحدًا [القلقشندي: مآثر الإنافة ١/٤١-٤٧].
ما يترتب على هذه الشروط:
ويتصل بهذه الشروط الأمور التي ذكرها الفقهاء، منها:
أ - ما إذا تعدد من استوفت فيه شروط الإمامة، فإنه يقدم أسنهما، فإن عقدوها للأصغر جاز، وإن كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما يتطلبه حكم الوقت والأحوال السائدة، فإن كانت الحاجة ماسة إلى رعاية الشجاعة قدم الأشجع، وإن كانت الحاجة ماسة إلى العلم والخبرة، قدم الأعلم. [الماوردي: الأحكام السلطانية ص٨، مآثر الإنافة، ص ٤١- ٤٢، وأيضًا أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص٢٤].
ب - ومنها: ما إذا تعدد الطالبون للإمامة، المستجمعون لشرائطها، فذكر بعض العلماء أنه يُقرع بينهم، وقال آخرون: يفوض الأمر إلى أهل الحل والعقد، يختارون من شاءوا. [الماوردي: الأحكام السلطانية ص ٨، وأيضًا مآثر الإنافة ١/٤٢]
وفيها: أنهم اختلفوا في المراد بأهل الحل والعقد، هل هم الموجودون في كل بلد أو الموجودون بالبلد الذي به الإمام [مآثر الإنافة ج/١، ص٤٢].
أهل الحل والعقد:
تحدث الفقهاء عن أهل الحل والعقد والشروط المعتبرة فيهم، ومما ذكروه أنهم أهل الشورى، وأن الشروط المعتبرة فيهم ثلاثة، هي: الأول العدالة، الثاني: العلم الذي يُتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة، الثالث: أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار الأصلح للإمامة، ولا يشترط أن يكونوا من البلد الذي به الإمام. [أبو يعلى: الأحكام السلطانية، ص١٦]
ويذكر المعتزلة أن صفة العاقدين القائمين على عقد الإمامة أن يكونوا (من أهل الستر والدين، وممن يوثق بنصيحتهم، وسعيهم في المصالح، وأن يكونوا ممن يعرف الفرق بين من يصلح للإمامة، ومن لا يصلح لها، وأن يكونوا من أهل الرأي، والفضل، والعلم بالدين) [القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، الإمامة، القسم الأول ص٢٥٣].
عدد أهل الاختيار (أهل الحل والعقد):
تعددت أقوال أهل العلم في العدد الذي تُعقد به الإمامة، فذهب بعضهم إلى أن أقل عدد تنعقد به الإمامة أربعون، ولا تنعقد بأقل من ذلك، قياسًا على أن الجمعة لا تعقد إلا بأربعين، والإمامة أربعون، والإمامة أولى بذلك، وبعضهم يرى أن أقل عدد تعقد به خمسة أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، قياسًا على أن بيعة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ انعقدت بخمسة، هم: عمر بن الخطاب (ت: ٢٣هـ/ ٦٤٤م) ، وأبو عبيدة بن الجراح (ت: ١٨هـ/ ٩ ٦٣م) ، وأسيد بن حضير (ت: ٢٠هـ/ ٦٣٣م) ، وبشير بن سعد (ت: ١٢هـ/ ٣ ٦٣م) وسالم مولى أبي حذيفة (ت: ١٢هـ / ٦٣٣م) ثم تابعهم سائر الناس.
وذهب بعضهم إلى أنها تنعقد بأربعة فقط، قياسًا على شهادة إثبات الزنا، وهناك رأي خامس: وهو أنها تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين. والسادس: أنها تنعقد باثنين، قياسًا على الشهادة عند الخصومات، فلا تُعقد إلا بشهادة عدلين، وبعضهم ذهب إلى أنها تُعقد بشخص واحد، ويرجح الشافعية أنها تعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس المتصفين بالصفات المشار إليها. [مآثر الإنافة، ١/٤٢- ٤٤].
ويذكر المعتزلة أنه (قد ثبت - عند من يقول بالاختيار - أنه إذا حصل العقد من واحد برضى أربعة صار إمامًا، واختلفوا فيما عدا ذلك. [القاضي عبد الجبار: المغني (الإمامة) ج/٢، القسم الأول، ص٢٥٩].
كما يقررون أنه لابد من خمسة في عقد الإمامة إلا إذا حصل عهد من الإمام السابق [السابق ص٢٦٢]، على أن القاضي عبد الجبار، قد أشار إلى أن أبا علي الجبائي (ت: ٣٠٣هـ/ ٩١٦م) ذكر طرقًا ستة تعقد بها الإمامة، من قبل رجل واحد. [انظر السابق، ص٣٥٢- ٢٥٧].
تَعَرَّض العلماء لهذه الشروط وتناولوها ما بين موجز فيها ومطنب، وكذلك ارتبطت هذه الشروط برؤى بعض الفرق، ومجمل القول فيها:
أ - يذكر الماوردي (ت: ٤٥٠هـ) أنها سبعة: (أحدهما: العدالة على شروطها الجامعة، الثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل، الثالث: سلامة الحواس من السمع، والبصر، واللسان، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: النسب، وهو أن يكون من قريش؛ لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه) [الأحكام السلطانية، ص٦، وانظر: ص٧].
ب - ويجمل القاضي أبو يعلى (ت: ٤٥٨هـ) هذه الصفات في أربعة شروط، يضيف إليها: شرطي: الحرية والبلوغ، كما يضيف العقل، وهو متضمن فيما ذكره الماوردي [الأحكام السلطانية، ص ٢٠، وانظر: ص٢١].
ج - ويُقسِّم إمام الحرمين، الجويني (ت: ٤٧٨هـ) هذه الشروط إلى أربعة أقسام، هي: منها ما يتعلق بالحواس، ومنها ما يتعلق بالأعضاء، ومنها ما يرتبط بالصفات اللازمة المعتبرة، ويضيف في هذا القسم، صفة الذكورة إلى النسب القرشي، والقسم الرابع: يتعلق بالفضائل المكتسبة [انظر تفاصيل هذه الأقسام، غياث الأمم ص ٦٠- ٦٩].
د - ويعرض عضد الدين الإيجي (ت: ٥٦ ٧هـ) لهذه الشروط مجتمعة لدى الفرق الإسلامية، المعتدل منها والغلاة، فيذكر الخوارج، والمعتزلة، والشيعة، والإمامية، والإسماعيلية، ويشير إلى أن هناك شروطًا لا يتيسَّر تحققها، عند بعض الفقهاء، كالاجتهاد، والرأي، والشجاعة؛ حيث تُعَدُّ عندهم بمثابة تكليف ما لا يطاق، ثم يشير إلى أن هناك شروطًا هي محل إجماع مثل: العدالة، والعقل، والبلوغ، والذكورة، والحرية، وشروطًا هي محل خلاف، وذلك تبعًا للفرق الإسلامية، مثل: القرشية التي لم يوافق عليها الخوارج وبعض المعتزلة، والهاشمية التي اشترطها الشيعة، والعلم بجميع مسائل الدين الذي اشترطه الإمامية، وكذلك ظهور المعجزة على يديه والعصمة [المواقف في علم الكلام، ص٣٩٨- ٣٩٩].
هـ - ويجمل ابن خلدون (ت: ٨ ٠ ٨هـ) هذه الشروط في أربعة هي: (العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس، والأعضاء) ثم يقول: (واختلف في شرط خامس، وهو النسب القرشي) [مقدمة ابن خلدون، ص١٩٣- ١٩٤].
و - وقد جمع القلقشندي (ت: ٨٢١هـ) هذه الشروط في أربعة عشر شرطًا: مجملها: الذكورة، والبلوغ، والعقل، والبصر، والسمع، والنطق، وسلامة الأعضاء، والحرية، والإسلام، والعدالة، والشجاعة، والنجدة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وصحة الرأي والتدين، والنسب [مآثر الإنافة، ١/ ٣١ - ٣٩].
ز - ويذهب المعتزلة إلى هذه الشروط، ويؤكدون على أن منصب الإمام شرعي، ومن ثَمَّ فلا بد في صفات الإمام من أن تكون شرعية [القاضي عبد الجبار، المغني، ج/٢٠، الإمامة - القسم الأول، ص ١٩٨- ٢١٣، وانظر تفاصيل هذه الشروط هناك].
ح - ويضيف الزيدية إلى هذه الشروط: كونه من نسب الحسن أو الحسين فقط دون غيرهما، ويقولون: إن هذا هو المجمع عليه لدى الفرق؛ لأن القول بكونه من عموم قريش مختلف فيه. [القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تعليق السمَّان، (الإمامة) مخطوط، (مرجع سابق)، لوحة ٢٥٧- ٢٥٨]
ط - وتجعل الإمامية هذه الشروط عشرة، هي: (الأول: العلم الكافي بحقائق الأشياء من أمور الدين والدنيا، والثاني: الشجاعة، والثالث: الكرم، والرابع: حسن الخَلْق، والخُلُق. والخامس: حسن الرأي والتدبير، والسادس: الصبر في المحن والبلاء والفتن، والسابع: الأفضلية في رعيته من جميع الجهات والاعتبار، والثامن: البراءة والطهارة عن جميع العيوب، والتاسع: ظهور الآيات وخارق العادات والمعجزات منه، والعاشر: العصمة [علي بن فضل الله الجيلاني، (ت: بعد ١٠٧٠هـ)، توفيق التطبيق (مرجع سابق)، ص١٥، وانظر: الشيخ محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية، مرجع سابق، ص٧٣- ٤ ٢].
ومن صفات الإمام لدى الإمامية الاثني عشرية: أن يكون جامعًا لصفات الكمال البشرى، كالنبي تمامًا. [عقائد الإمامية، ص٦٧]، والأئمة عباد مكرمون، اختصهم الله بكرامته، وحباهم بولايته [السابق ص٧٣- ٧٤].
والإمام يتلقى المعارف، والأحكام الإلهية كلها عن طريق النبي أو الإمام الذي قبله، وأما الأحكام المستجدة فهو يتلقاها (من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه) [السابق، ص٦٧] وعن طريق تلك القوة القدسية (تنجلي في نفسه المعلومات، كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لا غطش فيها ولا إبهام) [السابق، ص٦٧-٦٨].
والأئمة كالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتلقوا تعليمهم على أيدي معلمين منذ طفولتهم إلى بلوغهم سن الرشد (حتى القراءة والكتابة ... مع ما لهم من منزلة علمية لا تُجَاَرَىَ، وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته) [السابق، ص٦٨-٦٩].
والأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وهم الشهداء على الناس، وهم أيضًا: أبواب الله، والسبيل إليه، والأدلاء عليه، وهم خزانة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخُزَّان معرفته، وهم أمان أهل الأرض، وأمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، وهم مصدر الأحكام الشرعية الإلهية، لا تستقى إلا منهم، ولا تفرغ ذمة المكلف إلا بالرجوع إليهم [السابق ص ٦٩ - ٧٠].
ولا يجوز للمكلف أن يختار من بين المذاهب الفقهية، بل لابد من الأخذ من الإمام؛ لأن ما جاء عن طريقه أمر يقيني؛ لأنه المرجع الأصلي بعد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم [السابق ص٧١].
عدد الأئمة لدى الإمامية
ويذكر الإمامية أن عدد أئمتهم الذي انتهوا إليه اثنا عشر إمامًا، وأن الإمام الثاني عشر، هو الإمام المنتظر [يذكر عبد القاهر البغدادي، (ت: ٤٢٩هـ/ ٠٣٧ ١م) أنهم سُمِّوا الاثني عشرية، (لدعواهم أن الإمام المنتظر، هو الثاني عشر) وهو من نسب علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - (واختلفوا في سن الثاني عشر عند موته) هل كان ابن أربع أو ثماني سنين (الفرق بين الفرق، تحقيق وتعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد: بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر - بدون تاريخ، ص٦٤- ٦٥، ويذكر الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أن اسم الشيعة اليوم إذا أطلق، فإنه يختص (بالإمامية التي تمثل أكبر طائفة في المسلمين، بعد طائفة السنة، والقول بالاثني عشر ليس بغريب عن أصول الإسلام، أصل الشيعة وأصولها، (مرجع سابق) ص١٣٦]. ويذكر الأشعري (ت: ٣٢٤هـ) أنه يطلق عليهم القطعية؛ لقطعهم بموت (موسى بن جعفر بن علي) (ت: ١٨٣هـ) وأنهم جمهور الشيعة، وإن كان لم يُسَمِّهم الاثني عشرية؛ لأن هذا الاسم لم يكن قد ظهر آنئذ، لكنه يذكر تسلسل الوصية بأسماء هؤلاء الاثني عشرية، بالصورة التي اتفقوا عليها، بعد اختلافاتهم فيما بينهم (وبين إخوتهم، وبني أعمامهم) [الشهرستاني: الملل والنحل (مرجع سابق) ١/١٦٩- ١٧٠]، وقد ذكروا أن النبي – صلى الله عليه وسلم - نص على إمامة:
١ـ علي بن أبي طالب من بعده، ولقبه المرتضى (ت: ٤٠هـ).
٢ - وأن عليًا نص على إمامة ابنه (الحسن - الزكي) (ت: ٥٠هـ).
٣ - أن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه (الحسين بن علي - الشهيد) (ت: ا٦هـ).
٤ - ونص الحسين على إمامة ابنه (علي بن الحسين - زين العابدين) (ت: ٩٥هـ).
٥ - ونص علي زين العابدين على إمامة ابنه (محمد بن علي - الباقر) (ت: ١١٤هـ).
٦ - ونص محمد الباقر على إمامة ابنه (جعفر بن محمد - الصادق) (ت: ١٤٨هـ).
٧- ونص جعفر الصادق على إمامة ابنه (موسى بن جعفر - الكاظم) (ت: ١٨٣هـ).
٨ - ونص محمد الكاظم على إمامة ابنه (علي بن موسى - الرضا) (ت: ٢٠٣هـ).
٩- ونص علي الرضا على إمامة ابنه (محمد بن علي - الجواد) (ت: ٢٢٠هـ).
١٠ـ ونص محمد بن علي الجواد، على إمامة ابنه (علي بن محمد بن علي - الهادي) (ت: ٢٥٤هـ)
١١ـ ونص علي بن محمد، على إمامة ابنه (الحسن بن علي - العسكري) (ت: ٢٦٠هـ).
١٢- ونص الحسن بن علي العسكري على إمامة ابنه (محمد بن الحسن - المهدي المنتظر)، الذي يقولون إنه سوف يظهر يملأ الأرض عدلًا، بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا، الذي ولد سنة ٢٥٥هـ أو ٢٥٦هـ على خلاف في مولده، ويقولون إنه لا زال حيًّا إلى اليوم [الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العصرية، ١٤١١هـ / ١٩٩٠م، ج/١ ص٩٠-٩١، ويذكر الشيخ آل كاشف الغطاء أن القول بإمام غائب منتظر حي إلى الآن ليس غريبًا أو مستبعدًا من الناحية الطبية، وأخذ يسرد الأدلة على هذا بما ذهب إليه العلماء المحدثون من إمكانية خلود الإنسان في الدنيا، (أصل الشيعة وأصولها، ص١٥٠-١٥١، ويذكر الشيخ حسن المظفر: أن هذا من الأسرار الإلهية، ومن المعجزات، وأنه غير مستبعد من الناحية الطبية، عقائد الإمامية، ص٧٩].
واجبات الإمام (ما يقوم به الإمام)
من يتأمل ما أفاض فيه الفقهاء في حديثهم عن واجبات الحاكم في الدولة الإسلامية يتيقن بأن هذه الواجبات لا تخرج عما تُنَادِي به الديمقراطيات المعاصرة، والنظم الدستورية الراقية، ومجمل هذه الواجبات التي تمثل خطة أو منهجًا عامًّا لواجبات الإمام يحتاج إلى ممارسات تطبيقية تختلف باختلاف الظروف والأحوال، والبيئات والثقافات مجملها ما يلي:
١ - حفظ الدين وصيانته من المبتدعين وذوي الشبهات.
٢- توفير الأمن والأمان في ربوع البلاد.
٣- تحصين ثغور الدولة وصيانة حدودها، فلا تنتهك فيها المحرمات، (ولا يُسفك دم مسلم أو معاهد).
٤- مجاهدة الأعداء مع المحافظة على إقرار مبدأ الحرية الدينية.
٥- الحرص على تنفيذ الأحكام القضائية، وتحقيق السلام الاجتماعي.
٦- إقامة الحدود وقاية للحرمات وصيانة للأنفس والأموال.
٧- اختيار الأمناء والأَكِفَّاء، وإسناد الولايات (إلى الثقات النصحاء؛ لتنضبط الأمور بالكُفَاَة، وتحفظ الأموال بالأمناء).
٨- جباية أموال الخراج والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا أو اجتهادًا من غير حيف ولا عسف.
٩- تقدير العطاء وما يستحقه كل واحد في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه إليهم في وقت معلوم، لا تأخير فيه ولا تقديم.
١٠- أن يتولى بنفسه الإشراف على الأمور العامة، فلا يعتمد اعتمادًا مطلقًا على ولاته وعماله، (فقد يَخُوُنُ الأمين، ويَغِشُ الناصح) وقد قال تعالى: {يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ} [ص: ٢٦].
والأحاديث في هذا كثيرة، سبق الحديث عن بعضهما [انظر في تعداد هذه المسئوليات، وتفصيلها: الماوردي: الأحكام السلطانية، ص١٨- ١٩، أيضًا: أبو يعلى: الأحكام السلطانية، ص٢٧- ٢٨، وأيضًا: إمام الحرمين، الجويني: غياث الأمم، الباب الثامن، ص١٣٣وما بعدها، وأيضًا القلقشندي: مآثر الإنافة، ١/٥٩ - ٦٢ وغيرها].
واجبات الرعية:
ويجمل الفقهاء واجبات الرعية تجاه الإمام في بعض القواعد العامة، يتفرع عنها أمور كثيرة في مجال التطبيق العملي، وهي:
١ـ الطاعة.
٢ـ المناصرة والمعاضدة.
٣ـ المناصحة، ويتفرع على هذه القواعد أمور منها: الصبر، والعدل، والتسامح، والحلم وغيرها، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الصحيحة التي تدل على هذه المعاني [مآثر الإنافة ١/ ٦٢- ٦٣، وأيضًا مجموع فتاوى ابن تيمية مج/٢٨ ص ١٧٩- ١٨١ـ ١٨٥].
عزل الخليفة (الإمام)
يقرر فقهاء المسلمين أن الإمامة العظمى هي عقد من العقود بين الإمامة ومسئولي الأمة وممثليها (أهل الحل والعقد)، يلتزم الإمام بموجبه بالمهام التي أنيط به القيام بها، طالما كان مستوفيًا للشروط التي ذكرها، وهذا يعني: أن هذا العقد يتعرض لما تتعرض له العقود من فسخ وحل إذا لم يكن هناك التزام بواجبات هذا العقد وشروطه، وهذا جائز شرعًا لدى فقهاء المسلمين شريطة ألا يؤدي هذا العزل إلى حدوث فتنة أكبر من بقائه، وصور هذا العزل كما ذكرها وأفاض في تفاصيلها الفقهاء، مجملها كما يلي:
١ـ أن يخلع الخليفة نفسه.
٢- أو يخلعه أهل الحل والعقد، وذلك عند الإخلال بالشروط التي أشرنا إليها، كأن يعجز عن القيام بأعباء الحكم لأي سبب يوجب ذلك أو تختل أمور الدولة وتضطرب أحوالها.
وخلاصة الأمر أن العزل وفسخ هذا العقد مرتبط باختلال الشروط التي سبق الكلام عنها، وللفقهاء تفاصيل كثيرة حيال الإخلال بأي منها [انظر المصادر السابقة: الماوردي: الأحكام السلطانية، وأيضًا القاضي أبو يعلى: الأحكام السلطانية، وأيضًا الجويني: إمام الحرمين: غياث الأمم الفصل الثامن كله، وغيرها].
مراجع الاستزادة:
الإمامة هي القيادة الدينية والسياسية للأمة، وتُعَدُّ من المواضيع الأساسية، ففي المذهب الشيعي يُعتبر الإمام شخصية معصومة ومحددة إلهيًّا، يتمتع بسلطة روحية وسياسية تقود الأمة بالوحي والتوجيه الإلهي، بينما في المذهب السني يُعتبر الإمام خليفة يُنتخب لقيادة الأمة وتنظيم شؤونها على أساس الشريعة الإسلامية.
من أبرز المفاهيم الجدلية في علم الكلام الإسلامي.
من القضايا العقدية والفلسفية المهمة التي تناولتها المدارس الكلامية الإسلامية.
ظاهرة فكرية واجتماعية تعكس سعي العقل الإنساني نحو الحقيقة.