Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علم أصول الدين

الكاتب

أ.د/ محمد عبد الستار نصار

علم أصول الدين

علم أصول الدين يعبر عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قاعدة الإيمان في الدين الإسلامي، ويهتم بدراسة العقائد الإسلامية بالاعتماد على الأدلة اليقينية.

تعريف علم أصول الدين

هذا العنوان من المركبات الإضافية كما يقول النحاة؛ فاللفظ الأول (أصول) يراد به ما يبتني عليه غيره، كما يقول صاحب (التعريفات) [انظر: الجرجاني: التعريفات ص٤٣]. وإضافة لفظ (الدين) إليه تشير إلى أن هذا الدين له أصوله الأساسية التي تشكل قواعده النظرية، والتي تكون أساسًا لما يبنى عليها من فروع، ولما كان لكلمة (أصول) أكثر من مفهوم، فقد لزم أن نبيّن أن المضاف إليها إن كان لفظ (الدين) فإن المراد بها حينئذ هو العقيدة التي تشكل أساسيات هذا الدين، وهي: أصول الإيمان الستة التي أشار إليها حديث جبريل عليه السلام، وأما إذا أضيف إليه لفظ (الفقه) فإن المراد – حينئذ - ينصب على العلم الذي به تستنبط الأحكام من هذه الأصول. ومن ثم رأينا في ثقافتنا الإسلامية هذين المصطلحين: أصول الدين، وأصول الفقه، ولا ندري على وجه الدقة متى بدأ هذا المصطلح، أو هذا اللقب، ومن الذي استعمله لأول مرة، غير أنه من المتيقن أن هناك إجماعًا على أن أصول الدين لا تبنى إلا على الأدلة اليقينية، وأما فروعه فيكفي فيها الظن الغالب.

وفي إيثار هذه التسمية على غيرها عند من أخذ بها، مع ضميمة من أخذ لقب العقيدة كوصف عنواني على هذا العلم تبين لنا أن من ذهب هذا المذهب إنما راعى جانب الدلالة في مقامي أصول الدين وفروعه.

المؤلفات في علم أصول الدين

وقد أُلفت كُتب تحمل هذا الاسم أو قريبًا منه لدى المعتزلة والأشعرية، ولكنها مع قلتها لم تكن حديثًا مباشرًا عن أصول العقيدة كما جاءت بها آيات القرآن الكريم المتعلقة بهذا الجانب، ولا بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - كذلك؛ وإنما جاءت لتعبر عن الأصول التي كونتها كل فرقة لنفسها، مما يدور حول أساس العقيدة، وسنعمد إلى كتابين جاء يحملان لقب الأصول أحدهما للمعتزلة، ونعني به كتاب (شرح الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار، والثاني: (أصول الدين) للبغدادي- وهو أشعري-، لنعلم إلى أي مدى كان كل من الكتابين معبرًا عن رؤية مدرسته لأصول الدين.

شرح الأصول الخمسة:

فأما الكتاب الأول: (شرح الأصول الخمسة) فقد حاول مؤلفه- القاضي عبد الجبار- أن يبين أن الأصول التي كونتها فرقته لنفسها ليست إلا فهما لأصول الدين المعروفة، ولكن بطريقة تغاير الطريقة التي عليها الفرق الأخرى، وإلا لم يكن هناك فرق بين الفرق والمذاهب في فهم هذه الأصول. وإذا تجاوزنا فكرة ترتيب أصول

المعتزلة من حيث الأولوية، وتكلمنا عنها بدون هذا الترتيب لقلنا:

إن الأصل الأول، وهو التوحيد كان يهدف لديهم إلى غايتين واضحتين:

أولاهما: إثبات وجود الله – تعالى - وفي هذا رد لجميع التصورات الدهرية، التي تريد أن تنتهي إلى أن الكون هو علة نفسه، وليس معلولًا لعلة خارجية.

ثانيهما: فهم الوحدانية بمعنى أوسع يتجاوز الفهم الذي يعني بها التفرد وعدم التعدد، إلى معنى يُفهم منه بالإضافة إلى ذلك التنزيه، وهو في نظرهم يعني إنكار زيادة الصفات الإلهية على الذات حتى لا يتعدد القدماء على الوجه المعروف لديهم بحيث يشمل هذا المفهوم نظرية المعاني التي قال بها معمر بن عباد السلمي، والأحوال التي قال بها أبو هاشم الجبائي وغيرهما.

ولا شك في أن الأسباب وراء هذا الفهم للتوحيد على هذا المعنى كانت معروفة، وهي الهجمة الشرسة للحشوية، والمشبهة، والمجسمة على التوحيد، والذات الإلهية، حتى كادت الفوارق تنعدم بين خصائص الخالق وخصائص المخلوق، وظهر هذا لدى مشبهة وحشوية الحديث. [انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين١/٢١٤ والشهرستاني في الملل والنحل١/ ١٤٨.وقد ذكر مؤرخو الفرق أن في مقدمة حشوية الحديث يأتي: مضر بن محمد بن خالد بن الوليد، وأبو محمد الضبي الأسدي الكوفي، وكهمس بن الحسن أبو عبد الله البصري، وأحمد بن عطاء الهجيمي البصري، ورقبة بن مصقلة. فأجازوا على الله الملامسة، والمصافحة، والمزاورة، وأن المخلصين من المسلمين يعاينونه في الدنيا والآخرة؛ إذا بلغوا من الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص. كما أنهم أثبتوا ما ورد في القرآن الكريم من الاستواء، والوجه، واليدين، والإتيان، والمجيء، وقبلوا ما جاء في الإسرائيليات من الحديث عن الصورة والقدم والأصبع ... إلخ، وقالوا: إن القرآن قديم كله، حروفه وأصواته ورقومه. وفي هذه الفترة ظهر مقاتل بن سليمان صاحب الاتجاه التشبيهي المعروف. كل هذا كان مبررًا للاتجاه المغالي في التنزيه لدى المعتزلة على وجه أخص].

فإذا ضم إلى ما تقدم ما علمه طلائع المعتزلة من الثقافة اليونانية وبخاصة مع عصرها المتأخر لدى الأفلاطونية الحديثة، كان من الطبيعي أن يظهر هذا الفهم لمعنى التوحيد، لا سيما وأن من فهمه على هذا المعنى كان لديه الاستعداد التام لذلك.

والأصل الثاني لدى المعتزلة: العدل، وله صلة بمفهوم التوحيد، والتنزيه لديهم إذ العدل- لديهم- هو ما يقضيه العقل من الحكمة، وهو إصدار الفعل مع وجه الصواب والمصلحة، يعني: أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه. [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ص١٣٢].

ومن العدل – عندهم - أن يكون الإنسان خالقًا لأفعاله الاختيارية مسئولًا عنها مسئولية تامة، وأن القول بخلاف ذلك - وهو قول من يرى أن فعل الإنسان مخلوق لله تعالى - هو الظلم، إذ كيف تتحقق المسئولية دون اختيار الإنسان عن فعله؟

والحق أن المسألة تتضح أكثر إذا عرفنا المراد بالعدل لدى خصومهم من الأشعرية، يقول الشهرستاني: "إن الله عدل في أفعاله"، بمعنى: أنه في ملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالعدل وضع الشيء في موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم ضده، فلا يتصور منه جور في الحكم، وظلم في التصرف. [الشهرستاني: الملل والنحل١/٥٦]. والقضية - كما نرى - منظور إليها من خلال فهم كل فرقة لمعنى العدل، وربما يظهر من خلال فهم المعتزلة له مشكلة لا يملكون ردها، وهي: أن دائرة عموم القدرة الإلهية أصبحت مزاحمة بقدرة الإنسان على خلق أفعاله استقلالًا، وهو يعنى: وجود خالق آخر غير الله. وأما موقف الأشاعرة فهو أخف بكثير من موقف المعتزلة هنا؛ لأنهم يُقرون بأن الفعل الإنساني يُسند إلى الله خلقًا وإيجادًا وإلى العبد كسبًا واكتسابًا، بمعنى أن أدوات إخراج الفعل هي من عند الله تعالى، وأما استغلال هذه الأدوات التي تجعل الفعل خيرًا أو شرًا فهي من الإنسان نفسه، وهذا القدر وحده كافٍ لأن يكون الإنسان مسئولا عن فعله، وقد ساعدهم على ذلك ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ} [البقرة: ٢٨٦]. وإذا كان من بين ما فهمه المعتزلة من معنى العدل هو: المعادلة التامة بين الفعل والجزاء، حتى لا يتخذ القول بخلاف ذلك ذريعة لكسل الإنسان، اعتمادًا على الفضل الإلهي، فإن هذا الفهم قد ضَيَّقَ جدًا من دائرة الفضل والعفو الإلهيين، وهم لا يعبأون بذلك كثيرًا في تحقيق معنى العدل، وإلا أصبح مفرغًا من معناه الحقيقي.

وأما الأصل الثالث - وهو المنزلة بين المنزلتين - فهو من اختراع المعتزلة، وأول من قال به واصل بن عطاء، في القصة المعروفة في حكم مرتكب الكبيرة دون الشرك، والذي كان حكم الخوارج فيها هو الكفر، بناء على فهمهم لحقيقة الإيمان، وأنه جامع للتصديق القلبي، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وقد رأى واصل أنّ مرتكب الكبيرة دون الشرك ليس مؤمنًا مطلقًا، ولا كافرًا مطلقًا، وإنما هو في منزلة بين الإيمان والكفر.

وقد صور القاضي عبد الجبار المسألة بأن المنزلة بين المنزلتين لغة: إنما تستعمل في شيء بين شيئين منجذب إلى كل واحد منهما بشبه، وأما في اصطلاح المتكلمين: فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسمًا وحكمًا بين حكمين.

ومشكلة هذا الأصل تظهر في موقفين:

أولهما: هل هناك وسط بين الإيمان والكفر، والقرآن الكريم قد بين أن الله خلق الإنسان إما كافرًا وإما مؤمنًا، كما أنه مخير – كذلك – بين الإيمان والكفر: {فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ} [الكهف: ٢٩].

ثانيهما: في حكم صاحب هذه المنزلة في الآخرة، هل هو مخلد في النار شأنه في ذلك شأن الكافر؟ غير أن المعتزلة لا يعبأون كثيرًا بالمشكلة الأولى، فالأسماء لا تعنيهم بقدر ما تعنيهم الأحكام، وأما المشكلة الثانية: فقد قرروا أن صاحب المنزلة لا يخلد في النار كالكافر، وإلا لكان مثله تمامًا، ويؤكد هذا أنهم لم يقولوا بكفره، بل قالوا: إنه في منزلة بين الإيمان والكفر.

وارتباط هذا الأصل بالتوحيد بالمعنى الشرعي ظاهر؛ لأن مرتكب الكبيرة حين يرتكبها مع علمه بأنها من المنهي عنه؛ يكون والحالة هذه ليس في قوة صاحب العقيدة القوية الصحيحة التي تحفظه من أن يقع في خطأ.

ويرى بعض الباحثين أن هذا الأصل لدى المعتزلة هو الأقرب إلى روح أصول الدين، لأنه بحث في قضية الإيمان والكفر، وهما لحمة الدين وسداه، كما أنه يرتبط بمشكلة من أظهر المشكلات في علم الكلام، وهي مشكلة خلق القرآن، والتي كانت الأحكام فيها دائرة بين الإيمان والكفر.

وعلى أية حال: فإن هذا الأصل وإن بدا أنه من خواص أصول الاعتزال إلا أنه قد بان أن له صلة بأصول الدين، وبخاصة أصل التوحيد، أو الإيمان بالله الواحد، الذي يكفر من يقول بخلاف ذلك.

والأصل الرابع - الوعد والوعيد - يفسره القاضي عبد الجبار بقوله: الوعد كل خير يتضمن إيصال نفع إلى الغير في المستقبل، والوعيد كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير في المستقبل [شرح الأصول الخمسة ص١٣٧]. ولا يكاد يختلف تعريف المعتزلة لكل من الوعد والوعيد عن تعريف غيرهم له، غير أن الخلاف بينهم وبين الأشعرية على وجه أخص ينحصر في موجب تنفيذ كل منهما، فبينما يذهب المعتزلة إلى أن الإيجاب هنا عقلي كما هو شأنهم في كثير من القضايا، أي أن العقل يُوجب على الله – تعالى - أن يفي بوعده نرى أهل السنة يُقررون أن تنفيذ الوعد والوعيد، إنما يجئ تنفيذًا لكلام الله الأزلي، لأنهم يَرفضون مطلقًا الإيجاب العقلي الذي يقول به المعتزلة وهذا مذهبهم في وجوب شكر النعمة، وإرسال الرسل، والحسن والقبيح ... إلخ. حيث تكون عناية الله تعالى بالإنسان بإرسال الرسل وإنزال الكتب من قبيل اللطف الإلهي، والذي هو من كمالاته.

والأصل الأخير - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إنما جاء ليعبر عن الجانب الأخلاقي العملي لدى المعتزلة، وهو مرتبط أشد الارتباط بموقفهم الاجتماعي والسياسي، ولكي لا يُقال عنهم: إنهم أقوياء في التنظير أشداء فيه، على الوجه المعروف في منهجهم في تناول أصول العقيدة، قد نهضوا إلى اعتبار أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو أصل الدين، ولو كان الأمر بخلاف ذلك لأصبح الدين أحكامًا نظرية لا تمت إلى الواقع الاجتماعي بصلة، يؤكد هذا أن القرآن الكريم يحض على هذا الأمر في كثير من آياته، ويُصور المسعودي هذا الأصل لديهم بقوله: وأما القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أن ما ذكر على سائر المؤمنين واجب على قدر استطاعتهم في ذلك، بالسيف فما دونه، وإن كان كالجهاد ولا فرق بين مجاهدة الكافر والفاسق [شرح الأصول الخمسة ص١٢٤]. وإذا كان التاريخ يطلعنا على أن المعتزلة من الناحية العلمية، وبخاصة في مسألة الجهاد ضد أعداء الدعوة الإسلامية، لم يكونوا على مستوى تنظيرهم لهذه المسألة.

وأن الذين نهضوا بها كانوا هم الزيدية من الشيعة، فقد صح فيهم ما أطلقه عليهم أهل السنة والجماعة بأنهم كانوا مخانيث الخوارج فيها. [انظر: د/ النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/٤٤٠]

هذه هي أصول المعتزلة الخمسة، وهي ترتبط إلى حد بعيد بأصول الدين ارتباطًا وثيقًا، فالتوحيد هو: أساس هذه الأصول، وإن كان قد جاء بفهم خاص لديهم - كما هو شأنهم في الأصول الأخرى - وانبثق عنه العدل كمظهر للتنزيه من جهة، وتقرير مسئولية الإنسان عن أفعاله من ناحية أخرى، والمنزلة بين المنزلتين متصلة اتصالًا مباشرًا بالإيمان والكفر، والوعد والوعيد ظهر فيه موقفهم من قضية الايجاب على الله تعالى، ثم أخيرًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي بينَّا.

أصول الدين:

هذا الكتاب من تأليف أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة ٤٢٩هـ، وفيه شرح لأصول الدين كما تناولتها الفرقة التي يعد أحد أعلامها المتعصبين لها. وهذه الأصول بلغت لديه خمسة عشر أصلًا، وهي جميعًا حول أصول العقيدة، إما على سبيل التمهيد، وإما على سبيل الإيضاح والبيان، وهو أقرب إلى المطلوب من أصول المعتزلة، والأصل الثالث من هذا الكتاب موضوعه: معرفة صانع العالم ونعوته في ذاته، وقد سبقه أصلان يعتبران مدخلان إلى الدراسة:

أولهما: في بيان الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم.

وثانيهما: في حدوث العالم على أقسامه من أعراضه وأقسامه، والموضوعات التي احتواها الأصل الثالث تدور حول خمس عشرة مسألة، منها: أن الحوادث لابد لها من محدث، وأن صانعها صنعها من لا شيء، وأنه قديم قائم بنفسه، وليس له بداية ولا نهاية، ويستحيل عليه الأجزاء والأبعاض، كما يستحيل كونه في مكان دون مكان، وكذلك وصفه بالألوان والطعوم، كما تستحيل عليه الآفات والعدم، وأنه لا حجر عليه فيما يخلق، وأنه غني عن خلقه وعن جلب منفعة أو دفع مضرة، وهو المفني لما يفنى، وأن أوصافه ذاتية له.

وفي تقريره في هذه المسائل رد على المخالفين من جميع الملل والطوائف المخالفة، إما للدين الاسلامي بوجه عام، وإما لمذهب أهل السنة والجماعة بصفة أخص، ففي المسألة الأولى التي تقرر أن الحوادث لابد لا من محدث يرد على الدهريين عمومًا.

والمسألة الثانية، يذكر فيها من قال بالخالق غير أنه يقرر أن عناصر الكون الأربعة قديمة، لأنه يستحيل في نظرهم وجود شيء من لا شيء.

وهكذا في كل المسائل التي تعرض لها هذا الأصل تقريرًا للأدلة العقلية في الرد على الخصوم، وبيان تهافت شبههم التي أوصلتهم إلى مذهبهم.

ويلاحظ القارئ لهذا الكتاب أن مؤلفه يوظف النصوص الدينية في مواقفه ضد خصومه، ويشرحها بطريقة لاعوج فيها ولا التواء، مما يدل على أنه أشعري موفق لما جاء به الشرع وما يوحي به العقل، دون مغالاة في نظرة أحدهما إلى الآخر، وهذا هو المنهج الأشعري في عمومه.

وأما الأصل الرابع: وهو الذي يتحدث فيه عن الصفات الإلهية، ففيه يقرر المذهب وموقفه من الصفات الإلهية، وأنها معان أزلية قائمة بذاته تعالى، تخالفه مفهومًا وتوافق الذات، من ثمَّ لا خشية على التوحيد الإسلامي من ذلك، وإذن فلا عبرة لما ذهب إليه كل من المعتزلة والفلاسفة الإسلاميين من القول بنفي الصفات وزيادتها على الذات على الوجه المعروف لدى كل طائفة منهما، يقول في ذلك: وأصحابنا مجمعون على أن الله – تعالى - حي بحياة، وقادر بقدرة، وعالم بعلم، ومريد بإرادة، وسامع بسمع لا بأُذن، وباصر ببصر هو رؤية لا عين، ومتكلم بكلام لا من جنس الأصوات والحروف. [البغدادي: أصول الدين ص٩٠، ط دار المدينة، بيروت، مصورة عن ط إستانبول، سنة ١٩٢٨م].

وكان هذا الأصل أوسع الأصول لديه، حيث ظهر من طبيعة موضوعه - الصفات الإلهية التي كانت مثار أخذ بين كثير من الفرق - أنه تأكيد للمنهج الأشعري مع الرد على خصومه، وهم كثيرون هنا، أو بخاصة في صفات الإرادة، والقدرة، والكلام، والعلم، وفي بعض مسائل هذا الأصل يتحدث عن الآيات الموهمة للتشبيه كالرؤية والاستواء، والوجه، والعين، واليد، وفيها - كعادته - يقرر المذهب الأشعري فيها، ويرد على الخصوم.

وفي المسألة الثالثة عشرة من هذا الأصل يتحدث عن الفرق بين الصفة والوصف فبين أن الجهمية والقدرية يريان أنهما يرجعان إلى وصف الواصف ولم يثبتوا لله - تعالى - صفات أزلية بخلاف ما ذهب إليه الأشعري من أن معناهما واحد، وكل معنى لا يقوم بنفسه فهو لما قام به ووصف له، ثم يتعرض لبعض الآيات التي تتكلم عن أفعال لله تعالى، كقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} [البقرة: ١٥]، وقوله: {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ} [التوبة: ٧٩]، وقوله: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ} [الفتح: ٦]، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ} [الأحزاب: ٥٦]، وقال: {سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا} [المدثر: ١٧]. فيستحيل أن يشتق له سبحانه من هذه الأفعال أسماء. فلا يسمى بالمستهزئ، ولا بالساخر، ولا بالغاضب ولا بالمصلي، ولا بالمُرهِق؛ لأن مأخذ أسمائه التوقيف دون القياس. [نفس المصدر ص١٢٩].

وفي الأصل السادس من أصول الكتاب يتحدث البغدادي عن: العدل والظلم، الخلق والكسب، الهداية والإضلال، خلق الآجال والأرزاق، نفوذ المشيئة الإلهية فيما أراد الحق سبحانه، وكلها مباحث من صحيح علم الكلام.

وأهم المسائل التي طرحها هذا الأصل مسألة الخلق والكسب؛ لأنها تبرز موقف الأشاعرة من الفعل الإنساني في مواجهة خصومهم من المعتزلة والجبرية، يقول في ذلك: واختلفوا في أكساب العباد على ثلاثة مذاهب:

أحدها: قول أهل السنة إن الله تعالى خالقها، كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروايح، لا خالق غيره، وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم.

وثانيها: قول الجهمية: إن العباد مضطرون إلى الأفعال المنسوبة إليهم، وليس لهم عليها استطاعة، وأن حركتهم الاختيارية بمنزلة حركة العروق والنوابض في اضطرارهم إليها.

وثالثها: مذهب القدرية الذين زعموا أن العباد خالقون لأكسابهم، وكل حيوان محدث لأعماله، وليس لله في شيء من أعمال الحيوانات صنع، وذكر أكثرهم أن الله عزوجل غير قادر على تعدد غيره. [نفس المصدر ص١٣٥]. ويسوق هنا قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ} [الصافات: ٩٦]. ويرى أنها رد على الطائفتين معًا: الجبرية، أو الجهمية - كما يسميهم-، والقدرية - وهم القدرية الأُول معبد بن خالد الجهني وشيعته والمعتزلة لأنهم شاركوه في بعض ما ذهب إليه، حيث يظهر من صريح الآية أنها أثبتت للإنسان فعلًا تشير إليه واو الجماعة في قوله: {وَمَا تَعۡمَلُونَ} [الصافات: ٩٦] كما أظهرت عموم القدرة الإلهية لأن الفعل الإنساني فيها داخل تحت عموم هذه القدرة كما هو صريح الآية. وفي هذا رد على القدرية، وربما كان ما ذهب إليه القدرية الأول أشنع المذاهب في هذه القضية، لأنهم يزعمون أن العبد يخلق أفعاله استقلالًا؛ بل يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك حين يقررون أن الله - سبحانه وتعالى - لا يقدر على الفعل الذي يقدر عليه الإنسان، كما أنه لا يعلم به إلا بعد وقوعه، ومقالتهم في ذلك مشهورة (لا قدر والأمر أنف). [انظر: د/ محمد نصار: العقيدة الإسلامية أصولها وتأويلاتها، ص١٤٢].

والأصل السابع من هذا الكتاب يتحدث عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ففي المسألة الأولى يتكلم عن معنى النبوة والرسالة، وجواز بعثة الرسل، وبيان عدد الأنبياء والرسل وترتيبهم وتفاضلهم، وعموم الرسالة الخاتمة وخصوص غيرها، وبيان عصمتهم، والمفاضلة بينهم وبين الملائكة والأولياء.

ويخصص الأصل الثامن للمعجزات والكرامات.. إلخ.

وعلى كل حال فالناظر في هذا الكتاب يحس أن الرجل قد انطلق من أساسيات العقيدة وأصول هذا الدين، ليجمع حولها جميع التفسيرات التي قالت بها الفرقة المختلفة، وينتصر فيها لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ويرد على المخالفين بمنهج عقلي نقلي في آن واحد، ويستخلص من الآيات التي يستشهد بها ما يساعده في الرد على الخصوم.

ولو قارنا بين ما ذكره القاضي في شرح الأصول الخمسة، وما ذكره البغدادي في أصول الدين؛ لرأينا أن الكتاب الأخير كان أقرب إلى الروح القرآنية العامة التي سبقت مقالة الاعتقاد. وأما الكتاب الأول فإنك تشعر وأنت تقرأه أنه كتاب من نوع خاص، مشبع بالروح الفلسفية العقلية التي تصل أحيانًا إلى درجة التحجر، لأن هذا الوصف من طبيعة المنهج المعتزلي عند التحقيق.

هذا بالإضافة إلى أن الكتاب تحدث عن الأخرويات حديثًا مستفيضًا، وكذلك عن الأسماء والأحكام، ولعل أبرز هذه المسائل حكم من لم تبلغه الدعوة، بالإضافة إلى الأحكام على الفرق المخالفة.

الخلاصة

علم أصول الدين من أهم العلوم الإسلامية التي تهدف إلى فهم العقيدة الإسلامية بأصولها النظرية والأسس الإيمانية التي يقوم عليها، ويقدم القاضي عبد الجبار في كتابه (شرح الأصول الخمسة) رؤية المعتزلة التي تقوم على خمسة أصول: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

موضوعات ذات صلة

ورد لفظ «الإيمان» ومشتقاته فى القرآن الكريم والسنة المطهرة مئات المرات

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

الرسالة خطاب تكليفي من الله تعالى للرسول والنبي لدعوة الناس إلى الدين الحق

موضوعات مختارة