Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حب الوطن من الإيمان وفقه ٣٠ يونيو

الكاتب

هيئة التحرير

حب الوطن من الإيمان وفقه 30 يونيو

إن ثورة ٣٠ يونيو لم تكن مجرّد حراك شعبي، بل كانت صحوة إيمانية وبصيرة وطنية، اجتمعت فيها الفطرة السليمة مع الوعي الراسخ، فانتفض الشعب دفاعًا عن هويته، ورفضًا لتزييف الدين وتوظيفه لأغراض سياسية، لقد كشفت الثورة عن معدن المصري الأصيل، الذي يميز بين الإيمان الحق، والدعوات المغرضة، وبين حب الوطن الصادق، والشعارات الكاذبة، لقد كتب المصريون ملحمة وعي، جعلت من حب الوطن عبادة، ومن ثباتهم دروسًا تربوية تُربى عليها الأجيال.

حبّ الوطن عبادة قلبية لا تُنكر

إن حبَّ الوطن في التصور الإسلامي ليس شعارًا أجوفًا، بل هو عبادة قلبيّة، وسلوكا حضاريّا، وتكليفا شرعيّا، يقول الله تعالى: {‌وَلَوۡ ‌أَنَّا ‌كَتَبۡنَا ‌عَلَيۡهِمۡ ‌أَنِ ‌ٱقۡتُلُوٓاْ ‌أَنفُسَكُمۡ ‌أَوِ ‌ٱخۡرُجُواْ ‌مِن ‌دِيَٰرِكُم ‌مَّا ‌فَعَلُوهُ ‌إِلَّا ‌قَلِيلٞ ‌مِّنۡهُمۡۖ } [النساء: ٦٦].

إن هذا النص يُثبت أن الخروج من الوطن من أشدّ الابتلاءات التي قد تصيب الإنسان، فهو أشد من فصل الروح عن الجسد؛ مما يدل على عظمة المكانة التي يحظى بها الوطن في وجدان المؤمن.

وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن حبِّه العميق لوطنه مكة، لا باعتبارها موطن النشأة فقط، بل باعتبارها موطن الرسالة والأمان، فقال كما في الحديث الصحيح: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنا المَدِينَةَ كَحُبِّنا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ». [رواه البخاري]

فهو صلى الله عليه وسلم  ما زال يحنّ إلى مكة، رغم الهجرة إلى المدينة، ولكنه طلب من ربه أن يُحبّب إليه وطنه الجديد كذلك، لأن الأوطان في الإسلام لها مكانة راسخة، تُحَبُّ بعمق، وتُصان بصدق، بل إن الشرع الحكيم ربط بين الإيمان الحقيقي والدفاع عن الأوطان، قال تعالى: {إِنَّمَا ‌ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌بِٱللَّهِ ‌وَرَسُولِهِۦ ‌وَإِذَا ‌كَانُواْ ‌مَعَهُۥ ‌عَلَىٰٓ ‌أَمۡرٖ ‌جَامِعٖ ‌لَّمۡ ‌يَذۡهَبُواْ ‌حَتَّىٰ ‌يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ} [النور: ٦٢] و:"الأمر الجامع" هو: كل شؤون الأمة، وعلى رأسها حفظ الوطن والدين من كل من تسوّل له نفسه العبث بأمنها.

لكن للأسف الشديد هناك كثيرٌ من المضللين، حين أرادوا أن يختطفوا عقول الشباب، بدأوا بتشويه معنى الوطن، فجعلوه حفنة تراب، ووصفوا أهله بالجاهليين، واتهموا مَن يُحبّ وطنه بالعصبية القومية، وغفلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بكى شوقًا لمكة، وقال لها: «والله إنكِ لأحبُّ بلاد الله إليَّ»، فهل يُنكر أحد المحبة التي زُرعت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فالوطن ليس جغرافيًا فقط، بل هو وعاءُ الهُوية، ومنبعُ القيم، ومسرحُ الرسالة، وبيئةُ الطاعة، ومهبطُ السكينة.

 وقد كان علماؤنا الأجلاء يعلّمون الناس أن حب الوطن من شعب الإيمان، لأنه يلتقي مع مقاصد الدين في حفظ النفس، والمال، والعِرض، والدين، والعقل.

التزييف باسم الدين وخطره على الوطن

من أعظم الابتلاءات التي قد تواجه الأوطان أن يُختطف الدين ليُستخدَم وسيلة للسلطة، وسيفًا لتخويف العقول، ومنبرًا لإلغاء الآخر، وهذا ما شهده الوطن في الفترة التي سبقت ثورة ٣٠ يونيو، حين تلبّس التديُّن بلباسٍ زائف، واختلط الخطاب الديني بالنزعة السلطوية، واعتُبر الولاء للجماعة مقدمًا على الولاء للوطن، مما أرجف وجدان الأمة، وأربك شبابها، وهنا نذكّرك بكلمات سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، حين قال: "كلمة حق أُريد بها باطل".

فقد كانت كثير من العبارات الإسلامية الجميلة تقال في غير سياقها، وتُستخدم لتمرير أجندات غير واضحة، فتارة يُقال: "الحاكمية لله". ولكن ليُقصى بها العقل، ويُلغى بها الوطن.

وتارة يُرفع شعار: "الخلافة"، ولكن ليُهدَم به كيان الدولة الوطنية، وهذا ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلى أمَّتي كُلُّ مُنافِقٍ عَليمِ اللِّسانِ».  [رواه مسلم]

فمن أشدّ الأخطار أن يلبس المتاجرون بالدين ثوب العلماء، ويختطفوا النصوص الشرعية لتبرير الظلم والطغيان، وهذا ما أدركه المصريون بفطنتهم، فخرجوا يوم ٣٠ يونيو لرفض هذا الانحراف الجسيم.

ثورة ٣٠ يونيو انتفاضة بصيرة وهُويّة

 لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو مجرّد حراك شعبي ليعارض حكومة أو حزبًا، بل كانت انتفاضة إيمانية واعية، قامت على الفقه والبصيرة، واستندت إلى مبدأ قرآني راسخ في النفوس، قال تعالى: {فَٱعۡتَبِرُواْ ‌يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} [الحشر: ٢]

فالشعب حين خرج، خرج لا رفضًا للدين، بل رفضًا للتوظيف المشبوه الذي يسيء إلى الدين، خرج لا تمرّدًا على الشريعة، بل تمسكًا بروحها النقيّة، ومقاصدها العليا في حفظ النفس والعقل والدين والوطن.

البعد التربوي لثورة ٣٠ يونيو

ليست ثورة ٣٠ يونيو حدثًا سياسيًّا فحسب، بل هي تجربة تربوية كبرى، يجب أن تُربى عليها الأجيال القادمة في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا؛ لأنها تعلّمنا:

- أن الإيمان يعتمد على الفهم والعقلانية، وليس على اتباع أعمى، فالشخص الذي يُحبّ وطنه بصدق وإخلاص لا يجري وراء كل من ادعى التديّن، بل يزن الأمور بميزان العقل والشرع، ويعلم أن الدين بريء من الغلوّ والتطرف والتشدد.

- أن الوطن ليس مجرد صفقة سياسية، فالوطن هو: العِرض، والبيت، والمستقبل، لا يُترك للمغامرين، ولا يُعرض في سوق المزايدات.

- أن الدفاع عن الوطن عبادة فكل من خرج في ٣٠ يونيو كان مُحتسبًا عند الله في حفظ أمن المسلمين، وتحرير منابر الدين من الغلاة والمارقين، ورفع راية الاعتدال؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيدٌ ومن قتلَ دون أهلِهِ فهو شهيدٌ ومن قتلَ دون دينِهِ فهو شهيدٌ ومن قتلَ دونَ دمِهِ فهو شهيدٌ». [الترمذي].

الخلاصة

حين ينطق الوجدان قبل اللسان ما أعظم أن يتحرّك الإنسان بدافعٍ من فطرته السليمة، وبدعوةٍ من قلبه المملوء بالإيمان، فينطق لسانه بكلمة الحق، ويتحرّك في سبيل إنقاذ وطنه، ويقف في وجه كل من أراد أن يسرق منه ضوء الفجر، ورائحة الأمن، وسكينة الحياة، وما حدث في ثورة ٣٠ يونيو من التفاف الملايين حول معاني الوطن والإيمان، لهو من أعظم الدروس التربوية التي كشفت لنا معدن هذا الشعب، وصدق فطرته، ونبل انتمائه.

لقد خرج الشعب في ذلك اليوم لا ليتبع حزبًا، ولا اندفاعًا خلف مصلحة، بل خرج بدافعٍ إيمانيٍّ عميقٍ، يتحرك على هدى البصيرة، لا تحت لافتات العواطف المتهورة.

موضوعات مختارة