إن حبَّ الوطن في التصور الإسلامي ليس شعارًا أجوفًا، بل هو عبادة قلبيّة،
وسلوكا حضاريّا، وتكليفا شرعيّا، يقول الله تعالى: {وَلَوۡ
أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ
مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ } [النساء:
٦٦].
إن هذا النص يُثبت أن الخروج من الوطن من أشدّ
الابتلاءات التي قد تصيب الإنسان، فهو أشد من فصل الروح عن الجسد؛ مما يدل على عظمة
المكانة التي يحظى بها الوطن في وجدان المؤمن.
وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن
حبِّه العميق لوطنه مكة، لا باعتبارها موطن النشأة فقط، بل باعتبارها موطن الرسالة
والأمان، فقال كما في الحديث الصحيح: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنا المَدِينَةَ كَحُبِّنا
مَكَّةَ أوْ أشَدَّ».
[رواه البخاري]
فهو صلى الله
عليه وسلم ما زال يحنّ إلى مكة، رغم الهجرة
إلى المدينة، ولكنه طلب من ربه أن يُحبّب إليه وطنه الجديد كذلك، لأن الأوطان في الإسلام
لها مكانة راسخة، تُحَبُّ بعمق، وتُصان بصدق، بل إن الشرع الحكيم ربط بين الإيمان الحقيقي
والدفاع عن الأوطان، قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ
يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ} [النور: ٦٢] و:"الأمر الجامع"
هو: كل شؤون الأمة، وعلى رأسها حفظ الوطن والدين من كل من تسوّل له نفسه العبث بأمنها.
لكن للأسف الشديد هناك كثيرٌ من المضللين، حين
أرادوا أن يختطفوا عقول الشباب، بدأوا بتشويه معنى الوطن، فجعلوه حفنة تراب، ووصفوا
أهله بالجاهليين، واتهموا مَن يُحبّ وطنه بالعصبية القومية، وغفلوا أن النبي صلى
الله عليه وسلم نفسه بكى شوقًا لمكة، وقال لها: «والله إنكِ لأحبُّ بلاد الله إليَّ»، فهل يُنكر أحد المحبة التي زُرعت في قلب
النبي صلى الله عليه وسلم؟!
فالوطن ليس جغرافيًا فقط، بل هو وعاءُ الهُوية،
ومنبعُ القيم، ومسرحُ الرسالة، وبيئةُ الطاعة، ومهبطُ السكينة.
وقد كان علماؤنا الأجلاء يعلّمون الناس أن حب
الوطن من شعب الإيمان، لأنه يلتقي مع مقاصد الدين في حفظ النفس، والمال، والعِرض، والدين،
والعقل.