Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثورة ٢٣ يوليو: حين استيقظت مصر من سبات الاستبداد

ثورة 23 يوليو: حين استيقظت مصر من سبات الاستبداد

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو ثورة في وجه نظام ملكي فحسب، بل كانت يقظة شعب قرر أن يُسقط قيد الذل، ويكسر أغلال الاستعمار، ويسترد اسمه في سجل الأمم، إنها لمحة من التاريخ تفيض بالعبر، وتجربة مصرية فريدة تلهم المؤمنين بأن إرادة الأمة حين تتحد قادرة على أن تصنع معجزات الأرض، تمامًا كما يصنع الإيمان معجزات القلوب [عبد الرحمن الرافعي، ثورة ٢٣ يوليو، ص٧].

في فجر ٢٣ يوليو(١٩٥٢م)، لم يكن الحدث مجرد تغيير سياسي مفاجئ في نظام الحكم، بل كان زلزلة قلبت الطاولة على عصور من الظلم والتبعية؛ كان الموعد مع القدر، حين قررت مصر أن تنفض عن جسدها المكدود غبار الإقطاع والاستعمار والاستبداد، وتخرج إلى النور حاملة مشعل أمةٍ طال شتاتها.

لقد علّمتنا السنن الربانية أن الاستبداد حين يطول، يولِّد في النفوس عطشًا للحرية لا يُروى إلا بالعدل، وأن الظلم، مهما طال، فمصيره إلى زوال، {وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: ١٤٠].

من الظلم يولد النور

عاشت مصر قبيل الثورة تحت وطأة استعمار بريطاني مباشر دام منذ عام:( ١٨٨٢م) [الهيئة العامة للاستعلامات، ملف الاحتلال البريطاني]، وملكٍ يعاني العجز السياسي والفساد المالي، وطبقة إقطاعية تتحكم في الثروات، وحرمان شعبي متفاقم.

وجاءت نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ كجرس إنذار فاضح يكشف ضعف الدولة وجيشها، ويهز ثقة الناس في قدرتهم على حماية قضايا الأمة [أحمد حمروش، قصة ثورة يوليو، ص٣٤].

الضباط الأحرار: رسل نهضة حملوا آهات الأمة

لم تكن حركة الضباط الأحرار مجرد انقلاب على نظام، بل كانت صحوة ضمير في وجه الظلم، ورسالة صدق خرجت من رحم أمةٍ أنهكها الاستعمار وقهرها الفقر، نشأوا في بيئة يعلو فيها أنين المظلومين، فاستجابوا لنداء العدل، وسعوا لبعث الكرامة في جسدٍ أرهقه الاستبداد.

قال جمال عبد الناصر: "لم نخطط لثورة طموحة، بل كنا نطلب التحرر والعدل فقط... فجاءنا الناس بالعزيمة" [فلسفة الثورة، ص١٢].

فمن سعى لرفع الظلم، وتحرير الأوطان، وسدّ جوعة المساكين، فهو بإذن الله مأجور، وصدق الله: 

{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: ٦].

إنها دعوة لأن يكون كل واحدٍ منا ضابطًا في نفسه، حُرًّا في ضميره، يرفض الذل، ويؤمن أن التغيير يبدأ من القلب، قبل أن يُكتب في دفاتر التاريخ.

البيان الأول: صوت الضمير الجمعي

في ساعات الفجر الأولى من يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، أعلن محمد أنور السادات بصوته من إذاعة القاهرة البيان الأول للثورة، قائلاً إن القوات المسلحة "قامت بحركة سلمية لإنقاذ الوطن من الفساد والاضطراب"، معلنًا عزل الملك فاروق وبدء عهد جمهوري جديد [وثائق الثورة المصرية، ج١، ص٩٢].

كان البيان نقيًّا من نوازع الطمع، حافلًا بروح المسؤولية، مفعمًا بالأمل في ميلاد فجرٍ جديد.

المبادئ الستة: عناوين لعدل منتظر

أعلن مجلس قيادة الثورة في أغسطس عام ( ١٩٥٢م ) مبادئه الستة، التي كانت بمثابة خارطة خلاص:

  • القضاء على الاستعمار وأعوانه.
  • القضاء على الإقطاع.
  • القضاء على سيطرة رأس المال.
  • إقامة جيش وطني.
  • إقامة عدالة اجتماعية.
  • إقامة حياة ديمقراطية سليمة . [عبد الرحمن الرافعي، ثورة ٢٣ يوليو، ص٧٨].

وهي مبادئ تتسق مع المقاصد الكلية للشريعة في التحرر والعدل والتكافل، وإنْ لم تُرفع باسم الدين، فقد خدمت جوهر الدين.

محطات الإنجاز: حين عانقت مصر الكرامة

ليست الثورة في أعين المؤمنين مجرّد أحداث سياسية، بل هي قيامٌ لله بالحق، وردّ للمظالم، ورفع للضعفاء. لقد كانت خطوات الضباط الأحرار برهانًا عمليًا على أن الخير إذا صَحَّت نيته، أثمر في الأرض.

حين صدر قانون الإصلاح الزراعي عام(١٩٥٢م)، كان ذلك من قبيل {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢]، حيث أُعيد التوازن الاجتماعي، ورفعت المعاناة عن المزارعين.

وفي عام: (١٩٥٦م)، جاء تأميم قناة السويس ليكون شاهدًا على كرامة وطن يأبى الخضوع، مجسدًا لقول الله - جل وعلا- : {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: ٨].

ورغم العدوان الثلاثي، فإن الإصرار الشعبي كان صخرة تحطمت عليها أطماع الغزاة، لترتسم في وجه مصر ملامح الكبرياء والإباء.

ثم توالت المشروعات من بناء السد العالي، إلى النهضة الصناعية، إلى توسعة التعليم والتأمين الصحي، لتكون ترجمة لقوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥].

تلك لم تكن مجرد إنجازات مادية، بل تجليات لقيم العدل والرحمة إذا سكنت قلب الحاكم ونهض بها شعب أمين.

إرث الثورة: ما بقي في الذاكرة والدروس

رغم التغيرات السياسية، لا تزال ثورة ٢٣ يوليو محفورة في ذاكرة المصريين كعلامة على:

  • الكرامة الوطنية.
  • الاستقلال الحقيقي.
  • السعي إلى العدالة الاجتماعية.
  • بناء الإنسان والمجتمع.
  • التحرر من التبعية.

وقد أثمرت تجارب وعي جديدة ساعدت على تشكيل الشخصية المصرية الحديثة.

دعوة للتأمل: لا ثورة بلا ضمير ولا عدالة بلا حرية

في زمن تُمحى فيه المعاني خلف الشعارات، نؤمن أن لا ثورة تنجح بلا ضمير، ولا عدالة تُقام بلا حرية، لسنا نقرأ التاريخ لتضخيمه، بل لنستخلص منه القيم، بميزان الشرع والعدل والوعي؛ ونحن إذ نُحيي ذكرى ٢٣ يوليو، نستلهم منها أن: 

- العمل المخلص أسبق من كل الأيديولوجيات.

- والوطن لا يُبنى إلا بالعدل والإخلاص.

- وأن الضمير الحي والإيمان العميق هما الحارسان لأي تغيير حقيقي. 

فلنتأمل الماضي لا لنعيد تمثيله، بل لنبني من روحه مستقبلًا يستحق الحياة.

قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ} [الحج: ٤٠].

وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّۭا كَأَنَّهُم بُنْيَٰنٌۭ مَّرْصُوصٌۭ} [الصف: ٤].

الخلاصة

ثورة ٢٣ يوليو لم تكن نهاية حكاية، بل بداية طريق، طريقٌ علّمنا أن الحرية لا تأتي عفوًا، وأن العدل لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن من أراد الإصلاح، فلا بد له من ضمير حي، وعقل راجح، وسند من الله.

موضوعات مختارة