الشائعات من أخطر الأمراض المدمرة للمجتمع، فكم من شائعات جنت على
أبرياء، وكم من شائعات أشعلت نار الفتنة بين الشعوب، وكم من شائعات نالت من علماء
وعظماء، والشائعة لا تستثني جانبًا من الحياة أو أمرًا من الأمور، بل تطال جميع
المجالات فهي ككرة الثلج التي تتدحرج وأثناء تدحرجها يكبر حجمها ويعظم جمهورها.
ولا يخفى دور مروج الشائعة في الإفساد في الأرض، وحق على من سمع
الشائعة أن يتثبت وأن يتأكد من صحة الخبر، وعليه أن يسأل نفسه هل في إعلانه مصلحة
أم أن المصلحة في الكتمان؟
قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، فالإسلام اتخذ موقفًا
حاسمًا وقويًّا من الشائعات ومروجيها لما يترتب عليها من آثار سلبية تزلزل كيان
المجتمع، وتؤثر على تماسكه وتلاحم أبنائه، وقد وصف الله - عز وجل - في كتابه
العزيز مروجي الشائعات بالفسق، وحث الناس على التثبت والتبين قبل قبول الخبر
الكاذب؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن
تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ} [الحجرات :٦].
ولهذا ارتأت (مجلة منبر الإسلام) أن تلقي الضوء على هذا الموضوع
المهم وتداعياته على المجتمع من خلال ملف اشتمل على آراء كوكبة من علماء الدين
والاجتماع والقانون والإعلام والنفس؛ لتبصرة القارئ بخطورة الشائعات وآثارها
المدمرة.
أما عن رأي علماء الدين في الشائعات وتداعياتها السلبية على المجتمع
يوضح الأستاذ الدكتور/ نبيل غنايم - الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة - أن
الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حرم الشائعات وكل ما يؤدي إليها أو يساعد على
انتشارها؛ لأن أغلبها يقوم على الكذب ويؤدي إلى إثارة الفتن والعداوات والبغضاء
بين الناس، وكل ذلك من أعمال المنافقين الذين تحدث الله عنهم؛ حيث قال في سورة
الأحزاب: {لَّئِن
لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ
وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا
يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا} [الأحزاب: ٦١،٦٠].
وقد حرم الله - سبحانه وتعالى - الغيبة والنميمة، وهما مما تقوم عليه
الشائعات، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ
وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن
يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ
ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ} [الحجرات:
۱۲].
ومن خلال هاتين الآيتين نجد الله عز وجل يجمع بين المنافقين وأصحاب
القلوب المريضة وأصحاب الشائعات - المرجفين في المدينة - في اللعن والطرد من رحمته؛
لكثرة أضرارهم وخطورة ما ينتج عن أقوالهم من إراقة الدماء أو خصومات أو عداوات أو
ظلم للناس واتهامهم بغير حق.
وإذا انتقلنا إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم نجد فيها النهي عن
الشائعات والكذب والغيبة والنميمة كما في القران الكريم، فيقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا:
قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».
والمراد بالقيل والقال كثرة الشائعات والخوض فيها، ومعنى كراهية الله
سبحانه وتعالى لها تحريمها، وجمعها مع الأمرين الآخرين - كثرة السؤال وإضاعة المال
- دليل على خطورتها وعظم تحريمها .
ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السياق نفسه: «لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» وفي رواية: (قتات)، والنمام أو القتات هو الذي يوقع بين
الناس العداوة والبغضاء بكثرة ما ينقله عن بعضهم إلى الآخرين، وهو بالشائعات؛ مما
يفسد بينهم ويوقع النزاع والخصومة التي قد تؤدي إلى إراقة الدماء وخصومات لا تنتهي.
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الكذب الذي هو رأس الشائعات
في قوله «وَإِيَّاكُمْ وَالْكِذْبَ، فَإِنَّ الْكِذْبَ يَهْدِي إِلَى
الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ
يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكِذْبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
ومن هنا كان الكذب آية من آيات المنافقين وخصلة من خصالهم؛ حيث قال
النبي - صلى الله عليه وسلم «آيةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا
اؤتُمِنَ خانَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ»، وفي ترويج الشائعات كذب للحديث وخيانة
للأمانة وإفشاء للأسرار وإثارة للخصومات والعداوات.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ
كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ
فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا؛ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا
حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
وفي الشائعات وإثارتها وتناقلها كل ذلك وما يزيد عن ذلك؛ لأن معظم
النار من مستصغر الشرر، وعود الكبريت يمكن أن يحرق مدينة أو وطنًا بأكمله، ومن هنا
تكون الكلمة الصغيرة أو الكبيرة بداية لحدوث فتنة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه
وتعالى حيث تؤدي هذه الفتنة إلى إحراق وطن وأمة بكاملها.
فإذا تصورنا - مثلًا - شائعة قيلت أو أشيعت أن رجلًا معروفًا ومشهورًا
قد مات أو قتل فخرج الناس على إثر ذلك يملئون الشوارع وتوقفت المصالح واضطربت
المواصلات وتعطلت مصالح الناس مع أن ذلك لم يحدث وأمثال ذلك كثير في بعض البلاد،
سواء في شائعات إصدار قوانين أو أحكام قضائية معينة، أو المبالغة بالشائعات في
أسعار العملات الأجنبية، أو علو البورصة أو انخفاضها، كل ذلك يؤدي إلى الفوضى
والاضطرابات، وتأثر الاقتصاد والاستثمار، واختلاف نظرات الدول وأصحاب رؤوس الأموال
والسياحة في النظر إلى الدول التي تعاني من مثل هذه المشاكل والسفر إليها، وإيداع
رؤوس الأموال فيها؛ مما يضر كثيرًا بأحوال البلاد والعباد، وما ذاك إلا من شر الشائعات.
يوضح الأستاذ الدكتور علي عبد الباسط مزيد - عميد كلية الدراسات
الإسلامية والعربية بنات بني سويف جامعة الأزهر - أن الشائعة من الفعل شاع أو أشاع
يقال: شاع الخبر شيوعًا؛ أي انتشر وذاع وأشاعه إشاعة؛ أي نشره وأذاعه وروجه.
والشائعات جمع شائعة، وهي الأخبار التي تنتشر من الناس ولا نعلم
مصدرها أو هي الخبر الزائف الذي ينتشر بين الناس وتتناقله الألسنة دون أن يُعرف له
مصدر.