إذا
تجاوز أحد النصوص الشرعية التي تحض على حسن المعاملة، فإن الشريعة الإسلامية واجهت
ذلك بنصوص رادعة وعقوبات صارمة، منها:
قوله
تعالى: {إِنَّمَا
جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي
ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ
أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ
لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: ٣٣].
يعني: ولكم
يا أولي العقول فيما فرضتُ عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض من القصاص في النفوس،
والجراح، والشجاج ما منع به بعضكم من قتل بعض فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم
بذلك حياة. [تفسير الطبري (٣/ ١٢٠)].
وقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ
بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ} [البقرة: ١٧٨].
إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا
كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين، قالوا: لا نقتل به إلا حرًا،
وإذا قتلت منهم امرأة، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا، وإذا قتل لهم وضيع، قالوا:
لا نقتل به إلا شريفًا [تفسير القرطبي (٢/ ٢٤٥)]، فأبطل القرآن ما كان يفعله أهل الجاهلية من التعدي في القصاص
وأمرهم بالعدل.
وجعل الله سبحانه قتل النفس بغير حق من أعظم الجرائم، فقال الله
عز وجل: {مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ
أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا} [المائدة: ٣٢]، وجعل الحياة في تحقيق هذا
القصاص وتطبيقه، فقال سبحانه: {وَلَكُمۡ فِي
ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [البقرة: ١٧٩]، وطبَّق النبي صلى الله عليه
وآله وسلم هذه الأوامر عمليًّا، وتبعه الصحابة من بعده، فمن ذلك:
الحادثة الخطيرة التي حدثت في
المدينة المنورة، وكيف واجهها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – حيث قدم ثمانية
رجال من قبيل عكل على النبي صلى الله عليه وسلم، وأصابهم المرض بسبب تغير الجو،
ولم يتكيفوا مع جو المدينة، فطلبوا من الرسول أن يساعدهم في ذلك، فأذن لهم النبي
صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى بادية المدينة، يقيمون قريبا من الإبل التي
ترعى، ويشربون من ألبانها، فلما صحوا من مرضهم، قتلوا الراعي، وسرقوا الإبل،
وكفروا بعد إسلامهم، ولما وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتتبعهم
وإلقاء القبض عليهم، وتمكن الصحابة من اللحاق بهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم
بتطبيق حد الحرابة عليهم، ونص الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رهطًا من عُكل
– ثمانية - قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فاجتووا المدينة، فقالوا: يا
رسول الله ابغنا رسلًا قال: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا
بِالذَّوْدِ»، فانطلقوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، حتى صحُّوا وسمنوا،
وقتلوا الراعي واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأتى الصريخ النبي - صلى الله
عليه وسلم - فبعث الطلب، فما ترجل النهار حتى أتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم
أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم بالحرَّة، يستسقون فما يسقون، حتى ماتوا،
قال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسعوا في
الأرض فسادًا. [متفق عليه: أخرجه
البخاري (٣٠١٨) ومسلم (١٦٧١)].
وتصدى الصحابة ومَن بعدهم لكل محاولات الاعتداء والإرهاب،
فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن غلامًا قتل غِيلة، فقال عمر: "لو اشترك فيها
أهل صنعاء لقتلتُهم" [البخاري
(٦٨٩٦)].