لم يكن ظهور خاتم النبيين
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل كان وعدًا إلهيًّا
موصولًا منذ فجر الخليقة، وبشارةً ترددت أنوارها في دعوات الأنبياء من قبل،
وتجلَّت في وحي الكتب المنزلة على المرسلين، فمنذ أن كان آدم عليه السلام طينًا كُتب
في أمّ الكتاب قدرُ النبي الخاتم؛ لتشرق به البشرية ويكتمل به عقد النبوّة.
وقد تضافرت الرؤى
والبشارات؛ فدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام، وبشارة المسيح عيسى عليه السلام،
ورؤيا أمه الكريمة، كلها انعقدت خيوطًا في نسيج واحد، لتُؤْذن بميلاد الرحمة
المهداة، وهكذا جاء القرآن الكريم ليشهد لهذه الحقيقة الكبرى، مبيّنًا أن هذا
الوعد كان معلومًا لأحبار أهل الكتاب ورهبانهم كما يعرفون أبناءهم، غير أن الحسد
والعناد صرفهم عن الحق المبين.
وقد جاء في الحديث من
قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إني عندَ اللهِ في أمِّ الكِتابِ
لخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ لَمُنجَدِلٌ في طينَتِه، وسأُنَبِّئُكم
بتأويلِ ذلك: دعوةُ أبي إبراهيمَ وبِشارةُ عيسى قومَه، ورؤيا أمِّي التي رأت أنَّه
خرج منها نورٌ أضاءت له قُصورُ الشَّام»
[رواه أحمد وغيره].
وقد أخبرنا الله تعالى
ذلك في محكم كتابه فقال: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا
آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: ٨١]، وقد تجلت هذه البشارات في دعوة سيدنا
إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} [البقرة: ١٢٩]، والتي
استجابها الله ببعثة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.
كما جاءت البشارة
الصريحة على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن
بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:
٦]، وقد وصف القرآن حال أهل الكتاب مع هذه البشارات: {الَّذِينَ
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: ١٤٦]، لكنهم كتموا
هذه المعرفة حسدًا وعنادًا.
ولما كان الحال كذلك
فقد ورد في التوراة والإنجيل ما تكون به تلك البشارة، حتى عرفه أهل الكتاب بصفته
ورسمه بل باسمه، وليكن المثال الذي معنا نموذجًا توراتيًّا من سفر التثنية ينساق
الحديث خلفه.