سيدنا النبي (صاحب جوامع الكلم) وأطيب الخلق لسانًا!
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: «أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ»، وفي هذا دليل على القوة والبلاغة. والفصاحة. وكان يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نُصِرْتُ بالرُّعْبِ وأُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ».
سيدي يا رسول الله:
إنما مثلوا صفاتك للناس *** كما مثل النجوم الماء
ولقد بين عيب التشبيه أبو نواس حيث قال:
تتيه الشمس والقمر المنير *** إذا قلنا كأنهما الأمير
لأن الشمس تغرب حين تمسى *** وأن البدر ينقصه المسير
يعني: سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جماله تخجل البدور وتجري الشموس في مسالكها الفلكية إذا ما تعطف نحوها بنظرة من جمال كماله صلوات ربي وسلامه عليه، وكل ما فيه جميل، ولسانه أجمل لسان، وأفصح لسان، وأبلغ لسان. قال الله سبحانه وتعالى فيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ}، وقال تعالى: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ}، نعم لسان مبين: هو القرآن، ولسان مبين هو صاحب القرآن، صل اللهم وبارك على حضرة جماله:
فهو الذي تم معناه وصورته *** ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم
منزه عن شريك في محاسنه *** فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وهو:
كالزهر في ترف والبدر في شرف *** والبحر في كرم والدهر في همم
كأنه وهو فرد من جلالته *** في عسكر حين تلقاه وفي حشم
وأما فمه الشريف- صلى الله عليه وسلم- ففي مسلم من حديث جابر أنه- صلى الله عليه وسلم- "كَانَ ضَلِيعَ الْفَمِ". أي واسع الفم والعرب تمدحه للدلالة على الفصاحة:
بحر من الشهد في فيه مراشفه *** يا قوته صدف فيه جواهره
وعن أبي قرصافة قال: بايعنا رسول الله أنا وأمي وخالتى، فلما رجعنا قالت لي أمي وخالتى: يا بني، ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجها، ولا أنقى ثوبًا، ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور يخرج من فيه، إذا تكلم خرج النور من بين ثناياه.
وأما فصاحة لسانه وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكان- صلى الله عليه وسلم- أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب، ويسلب الأرواح.
ينظم در الثغر نثر مقوله *** ما حسنه في نثره ونظامه
يناجى فينجى من يناجى من الجوى *** فكل كليم برؤه في كلامه
ففصاحة لسانه- صلى الله عليه وسلم- غاية لا يدرك مداها، ومنزلة لا يداني منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا من سيوفه، يبين عن مراده، ويدعو به إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرًا، ولا ينطق هذرًا، كلامه كله يثمر علمًا، ويمتثل شرعًا وحكمًا، لا يتفوه بَشَرٌ بكلام أحكم منه في مقالته، ولا أجزل منه في عذوبته.
وخليق بمن عبر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده ببيانه، وبين مواضع فروضه وأوامره، ونواهيه وزواجره، ووعده ووعيده وإرشاده، أن يكون أحكم الخلق جنانًا، وأفصحهم لسانا، وأوضحهم بيانا.
وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم تكلَّم بكلام مفصل مبين، يعده العاد، ليس بهذا مسرع لا يحفظ، قالت عائشة- رضى الله عنها: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ، كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ"، وكان يقول: «أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ».
وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: «كَانَتْ لُغَةُ إِسْمَاعِيلَ قَدْ دُرِسَتْ، فَجَاءَ بِهَا جِبْرِيلُ فَحَفَّظَنِيهَا فَحَفِظْتُهَا».
ففصاحته- صلى الله عليه وسلم- إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية والزيادة التي تصدع القلوب قبل الأذهان، وتقرع الجوانح قبل الآذان، مما يروق ويفوق، ويثبت له على سائر البشر الحقوق التي لا تقابل بالعقوق.
فهو صاحب جوامع الكلم، وبدائع الحكم، وقوارع الزجر، وقواطع الأمر، والأمثال السائرة، والغرر السائلة، والدرر المنثورة، والدراري المأثورة، والقضايا المحكمة، والوصايا المبرمة، والمواعظ التي هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي لألد الخصماء مفحمة ملجمة.
وقليل هذا الوصف في حقه- صلى الله عليه وسلم- وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس: "إن أهل الجنة يتكلمون بلغة سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم-".
وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين!
في زمنٍ كانت فيه الفصاحة تاجًا يُتوَّج به المتكلمون، وبلاغة القول ميدانًا يتبارى فيه الشعراء والخطباء، بزغ نورُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفصح من نطق بالضاد، وأبلغ من حمل رسالة السماء إلى الأرض، ولقد اختار الله نبيه من أشرف العرب نسبًا، وأصفاهم لسانًا، وأصدقهم بيانًا؛ ليكون لسان الحق، ومُبلّغ الوحي، ومُعلّم البشرية، فأوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، يُعبّر بألفاظٍ قليلة عن معانٍ عظيمة، ويُرشد بكلماتٍ معدودات إلى طريقٍ مستقيم، ويُوقظ بكلمةٍ واحدة أُمّةً نائمة، قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم: ٣-٤]، فكان كلامه صلى الله عليه وسلم وحيًا مؤيدًا، وبيانًا معجزًا، لا يشوبه خطأ، ولا يعتريه نقص.
قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [صحيح البخاري: ١/ ٦ رقم ١]، ففتح بهذا الحديث بابًا عظيمًا في الفقه، والتزكية، والإخلاص، بكلمةٍ واحدةٍ لا تزيد عن ثلاث.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» [صحيح مسلم: ١/ ٧٤ حديث رقم ٥٥]، فجمع الدين كله في خلقٍ واحد، لا يحتاج إلى شرحٍ طويل، بل إلى قلبٍ صادق.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ». [الأدب المفرد: ص٩٣ رقم (٢٣٨)]، فصوّر العلاقة بين المؤمنين بأبلغ تشبيه، لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى تأمل.
وقال تعالى: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ} [النحل: ١٢٥]، وقد كان صلى الله عليه وسلم أبلغ من دعا، وأحكم من وعظ، وألطف من جادل.
وإن فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تزيينًا للقول، ولا ترفًا في الخطاب، بل كانت وسيلةً لإيصال الحق، وتبليغ الرسالة، وهداية الخلق، كان كلامه يخرج من قلبٍ طاهر، فيلامس الأرواح، ويهزّ النفوس، ويُحيي القلوب التي ران عليها الغفلة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، وأفصحهم لسانًا، لا يعيبه شيء، فجمع الله له جمال الخَلق والخُلق والبيان.
فما أجمل أن نُحيي في أنفسنا حبّ كلامه، وتدبّر بيانه، ونُعلّم أبناءنا كيف كان يتكلم من لا ينطق عن الهوى، وكيف كانت كلماته نورًا يُضيء الدرب، ويشفي الصدر، ويهدي الحائر.
فيا أيها الحبيب… إن كنت تبحث عن الحق، فانظر إلى كلام من أرسله الله رحمةً للعالمين، وتأمل كيف جمع في كلماته بين الجمال والحق، وبين البيان والهداية، وبين الفصاحة والرحمة، قال تعالى: {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} [التوبة: ١٢٨]، فكان صلى الله عليه وسلم لا يُخاطب الناس إلا بما يفهمون، ولا يُرشدهم إلا بما يصلحهم، ولا يُعلّمهم إلا بما يرفعهم.
وفصاحة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد إعجاز لغوي، بل هي آيةٌ من آيات النبوة، ودليلٌ على صدق الرسالة، ووسيلةٌ لهداية القلوب، فهلّا جعلنا من كلامه زادًا لأرواحنا، ونورًا لطريقنا، وشفاءً لصدورنا.