Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التعلق بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومحبته والشوق إليه

الكاتب

هيئة التحرير

درجات التعلق والمحبة والشوق لحضرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم

التعلّق والمحبّة والشوق بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي مشاعر إيمانية تتفاوت درجاتها بين المسلمين بحسب صدق الإيمان وعمق المعرفة بسيرته العطرة؛ فكلما ازداد القلب قربًا من سنّته وهديه، زاد تعلقه به صلى الله عليه وآله وسلم حبًا وشوقًا، وهذه ليست مجرد مشاعر، بل دلائل على صحة الإيمان وصدق الاتباع.

مفهوم التعلق والمحبة والشوق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

التعلق: هو ارتباط القلب والروح به، والاقتداء الكامل بهديه وسنّته صلى الله عليه وآله سلم، وتقديمه على النفس، والمال، والأهل.

ومحبة النبي الأنور صلى الله عليه وآله وسلم تعني: ميلُ القلب إليه ميلًا صادقًا يفوق كل حبٍّ دنيوي، بحيث يُقدَّم على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين.

واختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكثرت عباراتهم في ذلك: قال سفيان: المحبة: اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: كأنه التفت إلى قوله تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} الآية، وقال بعضهم: محبة الرسول: اعتقاد نصرته، والذب عن سنته والانقياد لها، وهيبة مخالفته، وقال بعضهم: المحبة: دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر: إيثار المحبوب، وقال بعضهم: المحبة: الشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم: المحبة: مواطأة القلب لمراد الرب، يحب ما أحب، ويكره ما كره، وقال آخر: المحبة: ميل القلب إلى مُوافق له، وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها، وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني (٢/ ٢٩)].

وقال ابن عرفة: المحبة عند العرب: إرادة الشيء على قصد له، وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله: طاعته لهما واتباعه أمرهما، قال الله تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} [الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٦٠].

والشوق: هو انجذاب قلب المؤمن إلى رؤية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحرصه على لقائه، مع العمل لنيل صحبته في الآخرة.

وهو ثمرة طبيعية للمحبة الصادقة؛ فكلما قويت المحبة عَظُم الشوق.

قال القسطلاني: "شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت أرواح رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة كماله، وتلفَّتت لفتات أنفس الملأ الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس، في إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت أشخاص الأنبياء في حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح الملائكة في معراج الجلال، على أرجل الإجلال، وهامت أرواح العشاق في مقامات الأشواق:

كل إليك بكله مشتاق * * * وعليه من رقبائه أحداق

يهواك ما ناح الحمام بأيكة * * * أو لاح برق في الدجى خفَّاق

‌شوق إليه لا يزال يديره * * * فجميعه لجميعه عُشَّاق

اشتاق القمر لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء المشاققين، وحَنَّ لمفارقته الجذع فتصدع، فانصدعت قلوب الأغبياء المنافقين" [المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ١/ ٣٠].

وجوب محبته والشوق إليه صلى الله عليه وآله وسلم

إن محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وجعلها شرطًا في كمال الإيمان، فهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكان رحمة مهداة وهداية للعالمين، وقد بذل حياته في تبليغ الرسالة، وصبر على الأذى من أجل نجاة أمته، فمن عرف فضله وسيرته، وجب عليه أن يملأ قلبه حبًا وتعظيمًا له.

ومحبة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست مجرد عاطفة قلبية، بل هي ركن من أركان الإيمان، وهي دليل على صدق الإيمان.

وقد تَوعَّدَ اللهُ عزَّوجلَّ من قَدَّم على محبته صلى الله عليه وآله وسلم أحدًا من الأقارب، والأموال، والسكن، وغير ذلك، فقال تعالى في كتابه العزيز: {قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [التوبة: ٢٤]، ويقول تعالى أيضًا: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: ٦٥] أي: إِن كان كل ذلك أَو بعضه أَحب إِليكم من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الجهاد في سبيله، {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ} فانتظروا حتى يأْتي الله بما يأْمر به من عقوبة عاجلة أَو آجلة لكم [التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٣/ ١٦٧٨].

وقرنت محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمحبة الله تعالى؛ ليُعلمنا ويعلّمنا وجوب محبة النبي علينا، وليس استحبابها كما قد نظن.

ولولا أن محبته واجبة ما توعد وفسَّق ومنع هدايته عمن قَدَّم محبة غيره، فقال: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ}.

فالتربص يكون للعذاب، وإذا لم يَهدِ فقد أضل، والفاسق هو العاصي المذنب، فمحبته صلى الله عليه وآله وسلم ليست مجرد محبة تلقى إليه، بل يجب أن تتفوق على محبة أحب الأشياء إلى الإنسان جبلة وفطرة: النفس، والولد، والوالد، وإلا فقد ارتكب الإثم.

وقال تعالي: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [أل عمران: ٣١]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» [أخرجه البخاري رقم ١٤].

وعن جبير بن نفير عن أبيه، قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرَّ به رجل، فقال: «طُوبَى لِهَاتَيْنِ العَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَاللَّهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ» [أخرجه الإمام أحمد برقم ٢٣٨١٠]

وعن عمر رضي اللّه عنه، قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ ‌شَيْءٍ ‌إِلَّا ‌مِنْ ‌نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي"، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [أخرجه البخاري رقم ٦٢٥٧]. فمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض من فروض الإيمان، ولا يصح إسلام المرء إلا بها.

ومن عجيب الشوق، ما روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى جَنْبِ خَشَبَةٍ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، قَالَ: «ابْنُوا لِي مِنْبَرًا» فَبَنَوْا لَهُ مِنْبَرًا لَهُ عَتَبَتَانِ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ حَنَّتِ الْخَشَبَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ أَنَسٌ: وَإِنِّي فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَتِ الْخَشَبَةَ حِينَ حَنَّتْ حَنِينَ الْوَالِهِ، فَمَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَاحْتَضَنَهَا، فَسَكَنَتْ، قَالَ: فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ: يَا عَبَّادَ اللَّهِ ‌الْخَشَبَةُ ‌تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ". [أخرجه أبي يعلى في مسنده ٥/١٤٢ برقم ٢٧٥٦].

يحن الجذع من شوق إليك **** ويذرف دمعه حزنًا عليك

ويجهش بالبكاء وبالنحيب **** لفقد حديثك وكذا يديك

فمالي لا يحن إليك قلبي **** وحلمي أن أقبل مقلتيك

وأن ألقاك في يوم المعاد **** وينعم ناظري من وجنتيك

فداك قرابتي وجميع مالي **** وأبذل مهجتي دومًا فداك

تدوم سعادتي ونعيم روحي **** إذا بذلت حياتي في رضاك

حبيب القلب عذر لا تلمني **** فحبي لا يحق في سماك

ذنوبي أقعدتني عن علو **** وأطمح أن أُقرب من علاك

لعل محبتي تسمو بروحي **** فتجبر ما تصدع من هواك

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سُمع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ لقد كان جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرًا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه فسكن، فَأمَّتك كانت أولى بالحنين إليك لمَّا فارقتهم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

علامات حبه والشوق إليه صلى الله عليه وآله وسلم

١-اتباع سنته: فمن أحب إنسانًا اتبع طريقه، قال الله تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: ٣١]، وقال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل مَن ادَّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله" [تفسير ابن كثير - ط العلمية ٢/ ٢٦].

٢-الإكثار من الصلاة عليه: ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثرة ذكره له، فمن أحب شيئًا أكثر ذكره [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني (٢/ ٢٥)]. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «‌مَنْ ‌صَلَّى ‌عَلَيَّ ‌صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا وَكَتَبَ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ» [رواه الترمذي (٤٨٤)].

وعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ»، قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ‌أُكْثِرُ ‌الصَّلَاةَ ‌عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) [أخرجه الترمذي (٢٤٥٧)].

٣-إيثار حبه صلى الله عليه وآله وسلم: قال القاضي: من علامة حبّه والشوق إليه صلى الله عليه وآله وسلم إيثار حبّه، وإلّا كان مدّعيًا، فالصّادق في حبّه صلى الله عليه وآله وسلم من تظهر علامات ذلك عليه، وأوَّلها: الاقتداء به، واتّباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتّأدّب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران ٣١]، وإيثار ما شرعه وحضّ عليه على هوى نفسه.

وروى الترمذي، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا بنيّ إن قدرت على أن تمسي وتصبح ليس في قلبك غشّ لأحد فافعل، ثم قال لي: وذلك من سنّتي، ومن أحيا سنّتي فقد أحبني، ومن أحبّني كان معي في الجنّة» [سنن الترمذي (٢٦٧٨)] [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ١١/ ٤٣٢].

٤- ومنها كثرة شوقه إلى لقائه، فكل حبيب يحب لقاء حبيبه، وفي حديث الأشعريين عند قدومهم المدينة أنهم كانوا يرتجزون (غدًا نلق الأحبة * محمدًا وصحبه)

وقد قال أنس رضي الله تعالى عنه حين رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يَتَتَبَّعُ الدُّبّاءَ مِن حَوالَيِ القَصْعَةِ، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أُحِبُّ الدُّبّاءَ مِن يَومِئِذٍ" [صحيح البخاري برقم٥٣٧٩].

٥-ومن علاماته مع كثرة ذكره: تعظيمه له وتوقيره عند ذكره، وإظهار الخشوع والانكسار مع سماع اسمه، قال إسحاق التجيبي: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوًا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كثير من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقًا إليه، ومنهم من يفعله تهيبًا وتوقيرًا".

٦-ومنها: محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم وسبهم، فمن أحبَّ شيئًا أحب من يحب [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني (٢/ ٢٦،٢٥)].

٧- ومن علامات محبته أيضًا: قراءة سيرته والتدقيق فيها وفحصها فحصًا عميقًا والتأسي بأخلاقه: مثل الصدق، الرحمة، الحلم، التواضع، إلى غير ذلك من أخلاق الجناب النّبوي الشريف؛ فالسيرة ليست مجرد سرد تاريخي، بل مصدر للتربية والتزكية وفهم الواقع، من خلال حياة حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان الصحابة والتابعون يربّون أبناءهم على حفظ مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يُعلّمونهم القرآن الكريم.

٨- ومنها أن يحب القرآن الذي أتى به صلى الله عليه وآله وسلم، وهدى به واهتدى وتخلَّق به، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: "كَانَ خُلُقُه الْقُرْآنَ" [مسند أحمد (٢٤٦٠١)]، وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه، ويحب سنته ويقف عند حدودها، قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا أن لا يدَّخر منها إلا زادًا وبلغة إلى الآخرة، وقال ابن مسعود: "لا يُسأل أحدٌ عن نفسه إلا القرآن؛ فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله".

٩- ومن علامات حبه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم شفقته على أمته ونصحه لهم، وسعيه في مصالحهم ورفع المضار عنهم، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا.

١٠- ومن علامة تمام محبته زهد مدعيها في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به [المرجع السابق (٢/ ٢٨)].

نماذج من محبة وشوق الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

-أبو بكر الصديق وحبه الخالص، للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبوبكر رضي الله عنه يستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الهجرة، فيقول له: «لا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا»، فَلَمَّا أَذِنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالهِجْرَةِ، قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُهُ بِالأَمْرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: "الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟"، فقال له: «الصُّحْبَةَ» تقول السيدة عائشة: "فَوَاللهِ، مَا شَعَرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمَئِذٍ". [السيرة النبوية، ابن هشام ج١/ ٢٤٥، وأصل الحديث في صحيح البخاري برقم ٢١٣٨].

وروي عن أبي بكر رضي الله عنه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه -يعنى أباه أبا قحافة-، وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك، ونحوه عن عمر بن الخطاب قال للعباس رضي الله عنه: إن تُسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب؛ لأن ذلك أحبُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن ابن إسحاق أنَّ امرأة من الأنصار قُتل أبوها، وأخوها، وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالوا: خيرًا هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرنيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَلَل. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني ٢/ ٢١].

- علي بن أبي طالب: سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني ٢/ ٢٢].

- شوق العجوز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: عن زيد بن أسلم خرج عمر رضي الله عنه ليلة يحرس الناس فرأى مصباحًا في بيت، وإذا عجوز تنقش صوفًا وتقول:

على محمد صلاة الأبرار * * * صلى عليه الطيبون الأخيار

قد كنت قوَّامًا بكا بالأسحار  * * * يا ليت شعري والمنايا أطوار

هل تجمعني وحبيبي الدار

تعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس عمر رضي الله عنه يبكي [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ١١/ ٤٣١].

ومن الشوق ما رُوي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خدرت رجله، فقيل له اذكر أحب الناس إليك يزل عنك، فصاح يا محمداه فانتشرت، ولما احتضر بلال رضي الله عنه نادت امرأته: واحزناه، فقال: واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، ويروى أن امرأةً قالت لعائشة رضي الله عنها: اكشفي لي قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكشفته لها فبكت حتى ماتت [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني ٢/ ٢٣].

- خالد بن معدان: وعن عبدة بنت خالد بن معدان قالت: ما كان خالد يأوي إلى فراش، إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم، ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي طال شوقي إليهم، فعجل رب قبضي إليك حتى يغلبه النوم [إمتاع الأسماع بما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع للمقريزي١٣/١٧٧].

- ثوبان: وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً} [النساء ٦٩] قال القرطبي: "أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَقَالَ لَهُ: (يَا ثَوْبَانُ مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي ضُرٌّ وَلَا وَجَعٌ، غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ وَأَخَافُ أَلَّا أَرَاكَ هُنَاكَ، لِأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَأَنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ هِيَ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ فَذَلِكَ حِينَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فأنزل الله تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ" [تفسير القرطبي (٥/ ٢٧٢) ]. 

- عمرو بن العاص: وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه.. " [صحيح مسلم (١٢١ )].

- زيد بن الدثَنَّة: "وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ نِسْطَاسُ، إلَى التَّنْعِيمِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ. وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ ابْن حَرْبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَة تؤذيه، وأنّى جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: ‌مَا ‌رَأَيْتُ ‌مِنْ ‌النَّاسِ ‌أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ نِسْطَاسُ" [سيرة ابن هشام - ت السقا ٢/ ١٧٢].

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عَنِ السّاعَةِ، فَقالَ: مَتى السّاعَةُ؟ قالَ: وماذا أعْدَدْتَ لَها؟ قالَ: لا شيءَ، إلّا أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فَقالَ: «أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ»، قالَ أنَسٌ: فَما فَرِحْنا بشيءٍ، فَرَحَنا بقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ»، وفي رواية قال: ما أعْدَدْتَ لَها؟ قالَ: ما أعْدَدْتُ لَها مِن كَثِيرِ صَلاةٍ ولا صَوْمٍ ولا صَدَقَةٍ، ولَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، قالَ: «أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ» [أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، وأخرجه مسلم (٣٦٨٨)].

وهذا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فأتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقالَ لِي: سَلْ فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: أوْ «غيرَ ذلكَ» قُلتُ: هو ذاكَ، قالَ: «فأعِنِّي على نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُود» [أخرجه مسلم ٤٨٩].

وهذا بلال بن رباح توقف عن الأذان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لم يحتمل فراقه.

آثار المحبة والشوق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياة المسلم

من أحبَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتاق إليه، زاد حُبُه للدين والخلق، وانضبط سلوكه فهو الإنسان الكامل، وابتعد عن المعاصي فهو أتقى الخلق لربه، وارتقى أخلاقيًا فهو من زكَّى الله أخلاقه ووصفه بأنه على خُلق عظيم، فمحبته صلى الله عليه وآله وسلم نور وهداية في الحياة.

والثواب الجزيل في الآخرة لمن حقق ‌محبة ‌النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الوجه الصحيح، بأن يكون رفيق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن قال إني أحب الله ورسوله: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في عيون غربية منصفة ص١٩٧].

الخلاصة

تُعدُّ محبة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم محورًا مركزيًّا في بناء العقيدة والسلوك الإسلامي، وهي ليست خيارًا اختياريًّا، وإنما هي واجب شرعي وقيمة عظمى، وقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في شدة محبتهم وشوقهم إليه، حتى فضّلوه على أنفسهم وأهليهم، ومن علامات المحبة الحقيقية: ذكره كثيرًا، حب سيرته، نصرة دينه، ومرافقة أحبابه.