إن محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة؛ لأن الله تعالى أمر
بها، وجعلها شرطًا في كمال الإيمان، فهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور،
وكان رحمة مهداة وهداية للعالمين، وقد بذل حياته في تبليغ الرسالة، وصبر على الأذى
من أجل نجاة أمته، فمن عرف فضله وسيرته، وجب عليه أن يملأ قلبه حبًا وتعظيمًا له.
ومحبة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ليست مجرد عاطفة قلبية، بل هي ركن من أركان الإيمان، وهي دليل على صدق الإيمان.
وقد تَوعَّدَ اللهُ عزَّوجلَّ من
قَدَّم على محبته صلى الله عليه وآله وسلم أحدًا من الأقارب، والأموال، والسكن،
وغير ذلك، فقال تعالى في كتابه العزيز: {قُلۡ
إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ
وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا
وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ
وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ
وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [التوبة: ٢٤]، ويقول
تعالى أيضًا: {فَلَا
وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسۡلِيمٗا} [النساء: ٦٥] أي: إِن كان كل ذلك أَو بعضه أَحب
إِليكم من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الجهاد في سبيله، {فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ} فانتظروا
حتى يأْتي الله بما يأْمر به من عقوبة عاجلة أَو آجلة لكم [التفسير الوسيط - مجمع البحوث ٣/ ١٦٧٨].
وقرنت محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمحبة الله تعالى؛
ليُعلمنا ويعلّمنا وجوب محبة النبي علينا، وليس استحبابها كما قد نظن.
ولولا أن محبته واجبة ما توعد وفسَّق ومنع هدايته عمن قَدَّم محبة
غيره، فقال: {فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ
ٱلۡفَٰسِقِينَ}.
فالتربص يكون للعذاب، وإذا لم يَهدِ فقد أضل، والفاسق هو العاصي
المذنب، فمحبته صلى الله عليه وآله وسلم ليست مجرد محبة تلقى إليه، بل يجب أن
تتفوق على محبة أحب الأشياء إلى الإنسان جبلة وفطرة: النفس، والولد، والوالد، وإلا
فقد ارتكب الإثم.
وقال تعالي: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ
تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ
ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [أل
عمران: ٣١]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ»
[أخرجه البخاري رقم ١٤].
وعن جبير بن نفير عن أبيه، قال:
جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرَّ به رجل، فقال: «طُوبَى لِهَاتَيْنِ
العَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم،
وَاللَّهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ»
[أخرجه الإمام أحمد برقم ٢٣٨١٠]
وعن عمر رضي اللّه عنه، قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ
إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وآله وسلم: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ
إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "فَإِنَّهُ الْآنَ
وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي"، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وآله وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [أخرجه البخاري رقم ٦٢٥٧]. فمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فرض من فروض الإيمان، ولا يصح إسلام المرء إلا بها.
ومن عجيب الشوق، ما روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه،
قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ إِلَى جَنْبِ خَشَبَةٍ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرَ
النَّاسُ، قَالَ: «ابْنُوا لِي مِنْبَرًا» فَبَنَوْا لَهُ مِنْبَرًا لَهُ
عَتَبَتَانِ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ حَنَّتِ الْخَشَبَةُ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ أَنَسٌ: وَإِنِّي فِي
الْمَسْجِدِ فَسَمِعَتِ الْخَشَبَةَ حِينَ حَنَّتْ حَنِينَ الْوَالِهِ، فَمَا
زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم
فَاحْتَضَنَهَا، فَسَكَنَتْ، قَالَ: فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا
الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ: يَا عَبَّادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ
اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ". [أخرجه أبي يعلى في مسنده ٥/١٤٢ برقم ٢٧٥٦].
يحن الجذع من شوق إليك **** ويذرف دمعه حزنًا
عليك
ويجهش بالبكاء وبالنحيب **** لفقد حديثك وكذا
يديك
فمالي لا يحن إليك قلبي **** وحلمي أن أقبل
مقلتيك
وأن ألقاك في يوم المعاد **** وينعم ناظري من
وجنتيك
فداك قرابتي وجميع مالي **** وأبذل مهجتي دومًا
فداك
تدوم سعادتي ونعيم روحي **** إذا بذلت حياتي في
رضاك
حبيب القلب عذر لا تلمني **** فحبي لا يحق في
سماك
ذنوبي أقعدتني عن علو **** وأطمح أن أُقرب من
علاك
لعل محبتي تسمو بروحي **** فتجبر ما تصدع من
هواك
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سُمع بعد موت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ لقد كان
جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرًا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك، حتى
جعلت يدك عليه فسكن، فَأمَّتك كانت أولى بالحنين إليك لمَّا فارقتهم، بأبي أنت
وأمي يا رسول الله.