يُشكّل ميلاد سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نقطة فارقة في تاريخ البشرية؛ إذ كان له عظيم الأثر في نشر الهداية وبث الرحمة في العالم، وقد عبر الكون بجميع أشكاله عن فرحه بهذا الميلاد العظيم.
يُشكّل ميلاد سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نقطة فارقة في تاريخ البشرية؛ إذ كان له عظيم الأثر في نشر الهداية وبث الرحمة في العالم، وقد عبر الكون بجميع أشكاله عن فرحه بهذا الميلاد العظيم.
البشرية قبل ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تغرق في ظلمات الجهل والاستبداد، مسلوبة الحقوق تحت وطأة الظلم الذي عمّ أرجاء العالم، وعندما أراد الله أن يشرق نور النبوة بميلاده الشريف جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاملًا رسالة تستهدف استعادة التوازن والانسجام بين الإنسان والكون المحيط، ومن هنا فإن مشاعر البهجة التي عمّت الكون بأسره كانت انعكاسًا لهذا الحدث المبارك؛ حيث احتفت به الملائكة والبشر، وجميع الكائنات حتى النبات والجماد الكل في ابتهاج بهذا الموعد العظيم.
وعندما نستعرض سيرة حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونجد أحداثًا استثنائية قد وقعت في الكون تعبيرًا عن الفرح بمقدمه، فهذا ليس أمرًا بعيدًا عن التصديق، خاصة وأن الكون بكافة عناصره يسبح بحمد الله ويُدرك عظمته، فكأنما الكون بأسره قد احتفل بميلاد حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه عرس بهيج يليق بالمناسبة، ومن هذه الأحداث حادثة الفيل الذي أعرض عن هدم الكعبة وعصى أمر صاحبه أبرهة الأشرم، حيث يعتبر هذا الحدث علامة فارقة؛ فقد هيأ الأجواء لميلاد حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما أضفى هيبة على مكة ورفع مكانتها بين القبائل آنذاك، هذه الحادثة شكلت جزءًا من التهيئة الإلهية المبشرة بمقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال عمه العباس عن مولده صلى الله عليه وسلم:
وَأَنْـتَ لَمَّـا وُلِــدْتَ أَشْـرَقَـتِ الأَرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
فَنَحْنُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ فِي الضِّيَاءِ وسُــبْـلِ الـرَّشَـادِ نَـخْـتَـرِقُ
ذكر السهيلي وأبو الربيع - رحمهما الله تعالى - أن عبد المطلب إنما سماه محمدًا لرؤيا رآها، زعموا أنه رأى منامًا كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، ولها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض؛ فلذلك سمَّاه محمدًا مع ما حدثته به أمه صلى الله عليه وسلم [الروض الأنف ١/ ١٨٤، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: ١/٣٦٠].
وقد عبر عبد المطلب عن فرحه به صلى الله عليه وسلم بأن ذبح عنه "ودعا قريشًا، فلمَّا أكلوا قالوا: يا عبد المطلب ما سمَّيته؟ قال: سمَّيته محمدًا، قالوا: لم رغبت به عن أسماء أهل بيته، قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض" [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد:١/٣٦٠].
وفي ليلة مولده تغيرت معالم كثيرة في الكون كله، فالسماء والأرض والجبال والشجر والكون كله فرح بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك:
- السماء تحصنت من الجن والشياطين، قال تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰـٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا}.
- ظهور نجمه في السماء صلى الله عليه وآله وسلم، فعن حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ قال: "والله، إني لغلام يفعةٌ ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كلَّ ما سمعت؛ إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمة (حصن) بيثرب: يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك مالك؟، قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به) [أخرجه البيهقي].
- الأرض أضاءت بنوره صلى الله عليه وآله وسلم، فعن العرباض بين سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إِنِّي عِنْدَ اللهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، دَعْوَة أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَة عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» [أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٣٩٥].
قال الحافظ في الفتح مقرًا وشارحًا: "ومما ظهر من علامات نبوته عند مولده وبعده ما أخرجه الطبراني عن عثمان بن أبي العاص الثقفي عن أمِّه أنها حضرت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضربها المخاض قالت: فجعلت أنظر إلى النجوم تدلَّى حتى أقول لتقعن علي، فلما ولدت خرج منها نور أضاء له البيت والدار" [ابن حجر، فتح الباري، ٦/٥٨٣].
- اهتز إيوان كسرى وخمدت نارهم التي يعبدونها وغاضت ماء بحيرة ساوة، روى ابن جرير في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، والخرائطي عن مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال: "لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس فيها إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة.."
- حزن إبليس بميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر بقي بن مخلد [الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد بن يزيد الأندلسي القرطبي صاحب التفسير، والمسند] في تفسيره أن إبليس رن أربع رنات (رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب [الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء ( ۱٦٧/١ )، والسهيلي في الروض الأنف (١٤٩/١)، وأبو نعيم (٢٩٩/٣) بإسناد صحيح من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد بلفظ: "رن إبليس أربعاء حين لعن، وحين أهبط، وحين بعث محمد - وبعث على فترة من الرسل - وحين أنزلت و الحمد لله رب العالمين".
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه "مورد الصادي في مولد الهادي صلى الله عليه وآله وسلم": "قد صح أن أبا لهب يُخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين؛ لإعتاقه ثويبة؛ سرورًا بميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء ما نصه: "قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا، وأشار لرأس أصبعه؛ وإن ذلك بإعتاقي لثويبة عند ما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمِّه جُوزيَ في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد الذي يُسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم، ثم أنشد:
إذا كان هذا كافرًا جاء ذمّهُ * وتبت يداه في الجحيم مخلدًا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا * يُخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره * بأحمد مسرورًا ومات موحدا
بعد احتفال الكون به صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّ حضرته تشريع الاحتفال به حيث احتفى بيوم مولده، إذ صام يوم الاثنين تعبيرًا عن امتنانه لله وسعادته بنعمه، وردًّا على سؤال أحد الصحابة عن سبب ذلك، قال: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» [صحيح مسلم، ت. محمد فؤاد عبد الباقي ،٢/٨١٩]، يظهر من هذا أن الفرح بمولده نهج نبوي يعكس الشكر على فضل الله، وقد دعا القرآن إلى الفرح برحمة الله، وجاء في الآية: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: ٥٨]، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم تجليات هذه الرحمة الإلهية، كما أكّد الله بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:١٠٧].
مراجع للاستزادة:
١- السهيلي: الروض الأنف.
٢- محمد بن يوسف الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد.
٣- ابن حجر: فتح الباري.
كان ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحولًا عظيمًا، أنار البشرية بعد حقبة مظلمة من الجهل والظلم، فقد شهد يوم مولده آيات مميزة، كحراسة السماء، وخمود نار المجوس، واهتزاز إيوان كسرى، والاحتفال بمولده - صلى الله عليه وآله وسلم - يعكس شكر المسلمين لنعم الله ورحمته.