كانت طفولة سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- مليئة باللطف الإلهي، فتجلت البركة في كل من أرضعته واحتضنه، وكانت الرضاعة والحضانة تهيئة روحية للنور المحمدي، وقد اختصه الله بأناس نالوا الخير ببركته، ففاضت الرحمة في البيوت والقلوب التي اقتربت منه.
كانت طفولة سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- مليئة باللطف الإلهي، فتجلت البركة في كل من أرضعته واحتضنه، وكانت الرضاعة والحضانة تهيئة روحية للنور المحمدي، وقد اختصه الله بأناس نالوا الخير ببركته، ففاضت الرحمة في البيوت والقلوب التي اقتربت منه.
كانت ثويبة أول من أرضع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أمه، وقد أرضعت قبله سيدنا حمزة بن عبد المطلب، كما أرضعت معه أبا سلمة بن عبد الأسد، فكانا إخوانه من الرضاعة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنها بنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [البخاري، كتاب النكاح، باب ما يجوز من دخول النساء].
وكانت السيدة ثويبة مولاة أبي لهب التي أعتقها فرحًا بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم، فخُفف عنه العذاب يوم الاثنين، وهذا من أعجب ما يُروى في فضل الفرح بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إذ نال الكافر تخفيفًا في العذاب بسبب فرحه بمولده، فما بالنا بالمحبين الذين يفرحون به حبًّا واتباعًا، وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ثويبة، ويُكرمها، ويبعث إليها بالهدايا حتى بعد الهجرة؛ مما يدل على وفائه واعترافه بالفضل حتى لمن أرضعته رضعة عابرة، وهذا من شمائله التي تُذيب القلب وتُعلّم الأمة معنى الوفاء.
جاءت السيدة حليمة السعدية تبحث عن رضيع من ديار بني سعد، وهي في حالٍ من الفقر والضيق، لا يُقبل عليها أحد، حتى إنها أخذت النبي -صلى الله عليه وسلم- على استحياء؛ إذ لم يكن لها خيار آخر، وما أن حملته انقلب حالها من فقر إلى غنى، وامتلأ ثديها لبنًا، ونشطت دابّتها، وبارك الله بيتها ومراعي دوابها، حتى قال الناس: ارعوا حيث ترعى ابنة أبي ذؤيب – السيدة حليمة - حتى قال زوجها: "يا حليمة، لقد أصبنا نسمة مباركة" [المواهب اللدنية، ج١، ص٣٥].
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرضع إلا من ثديها الأيمن، إكرامًا لأخيه في الرضاعة؛ مما يدل على أدبٍ فطريٍّ في طفولته، ونبلٍ في طبعه منذ نعومة أظفاره، وقد ورد أيضًا أن ثلاث نسوة أبكارًا من بني سليم وضعن ثديهن في فيه فدرت، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "أنا ابن العواتك من سليم" [شرح الزرقاني، ج١، ص١٤٠]، وهذا يدل على وفائه واعترافه بالفضل لكل من قدّم له معروفًا.
بعد أن أرضعته السيدة حليمة عاد إلى أمه السيدة آمنة بنت وهب، التي كانت تحيطه بعناية فائقة، وتُدرك أن ابنها ليس كغيره، فقد رأت من البشارات ما جعلها تُوقن أنه سيكون له شأن عظيم، ثم عاد مرة أخرى إلى السيدة حليمة، ليقضي سنواته الأولى في ديار بني سعد؛ حيث الهواء النقي، واللسان العربي الفصيح، والبيئة البدوية التي تُنشئ الطفل على القوة والصفاء.
وقد كانت السيدة حليمة تُلاحظ عليه علامات النور، وتُدرك أن في وجهه إشراقًا لا يُشبه وجوه الأطفال، وكان يُهاب من الصغار والكبار، ويُرى عليه الوقار، حتى في لعبه لا يلهو لهو الصبيان، ولا يتلفظ بما لا يليق؛ مما يدل على أن الحضانة كانت تهيئة روحية، وتربية ربانية، لا مجرد رعاية جسدية.
لقد تجلت عناية الله في المهد؛ فجعل الرضاعة والحضانة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بابًا للبركة والرحمة، فأشرقت البيوت بنوره، وامتلأت القلوب بحبه، وتعلمت الأمة أن القرب منه رحمة، والوفاء له عبادة، والاقتداء بخلقه سبيل النجاة.