فيضٌ من الجمال تجلى في شخص النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن حبه للجمال مجرد ميل فطري، بل كان مقامًا من مقامات الإيمان، وبابًا من أبواب المعرفة الإلهية.
فيضٌ من الجمال تجلى في شخص النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن حبه للجمال مجرد ميل فطري، بل كان مقامًا من مقامات الإيمان، وبابًا من أبواب المعرفة الإلهية.
الجمال في المنظور النبوي ليس مقصورًا على الأشكال والصور الحسية فحسب، بل هو مفهوم واسع، يشمل الجمال المعنوي والجمالي الروحي، هذا المفهوم يتجلى في الحديث الشريف: «...إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ....» [رواه مسلم]، هذا الحديث الشريف ليس مجرد إقرار بجمال الله تعالى، بل هو دعوة للمؤمن للتحلي بهذا الجمال في كل شؤون حياته، فالجمال الذي أحبه النبي صلى الله عليه وسلم هو جمال الأفعال، وجمال الأخلاق، وجمال القلب، وجمال الروح.
لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرآة عاكسة لهذا الحب العميق للجمال، لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يرى الجمال في عمارة المساجد وزخرفتها فحسب، بل كان يراه في التنظيم والإتقان، وهو ما يتجلى في بناء المسجد النبوي الأول، الذي كان بسيطًا في مادته، ولكنه متقن في تصميمه، يحمل جمال الوظيفة والغاية، كان صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يرى المسلم في أحسن هيئة، فكان يأمر بالتطيب والتسوك، ويحب الرائحة الطيبة.
يتجلّى حب الجمال في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كونه مظهرًا من مظاهر الكمال الإنساني والنبوة، لم يكن الجمال لديه مجرد مظهر خارجي، بل كان جوهرًا عميقًا يمتد إلى الروح والأخلاق، وإلى الحياة بأكملها، فالجمال في نظرته الشريفة كان ينبع من جمال الله عز وجل، ولهذا كان يستشعر الجمال في كل شيء، في خلق الكون، وفي العبادة، وفي التعامل مع الناس، وفي الترتيب والنظافة، وحتى في أدق تفاصيل حياته، إن هذا المنهج في فهم الجمال الذي يرى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو "الجمال المتجسّد" الذي يعكس جمال الخالق في كل جوانب حياته.
لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاعرًا، ولكنه كان يحب الشعر الجميل الهادف، ويستمع إليه، بل ويشجع عليه، كان يعجب بشعر حسان بن ثابت، ويدعو له؛ لأن شعره كان دفاعًا عن الحق ونصرة له، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يمتلك بلاغة وجمالًا في الخطاب، حتى أنه ليستميل القلوب قبل الأسماع، وكان كلامه صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين جمال اللفظ وجمال المعنى، ولهذا كان له تأثير عميق في القلوب.
إن من أعظم أنواع الجمال التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبها ويتحلّى بها هو جمال الأخلاق، كان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، فكان جمال خلقه يتجلى في رحمته بالخلق، وحلمه على الجاهل، وعفوه عن المسيء، هذا الجمال كان سببًا في دخول الناس في دين الله أفواجًا.
إن حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجمال لم يكن مجرد صفة عابرة، بل كان منهجًا للحياة، وليس مجرد مظهر خارجي، بل هو قيمة روحية وأخلاقية، والمسلم الحق هو من يعكس جمال الإسلام في كل تفاصيل حياته، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو نموذج الكمال في حب الجمال؛ لأنه كان يرى في الجمال تجليًا من تجليات جمال الله سبحانه وتعالى.
كان صلى الله عليه وآله وسلم جميل الطلعة، متناسق الأعضاء، تهابه الأعين وتحبه القلوب، جماله لم يكن مجرد جمالًا حسيًّا فحسب، بل كان انعكاسًا لجمال روحي عميق، وصفه الصحابة بأنه كان "أجمل الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا"، كما قال البراء بن عازب رضي الله عنه: "ما رَأَيْتُ مِن ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ في حُلَّةٍ حَمْراءَ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم"، هذا الجمال الظاهري كان مكملًا لجمال روحه، الذي كان يتجلى في صفاته العظيمة مثل الكرم، والشجاعة، والرحمة.
ويُعدّ الجمال الحسي انعكاسًا للجمال الروحي؛ فحُسن الصورة مرتبط بحُسن السيرة، وجمال الخلق شاهد على جمال الخُلُق، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعلّم أصحابه تقدير الجمال في الملبس والمأكل والمشرب وسائر شؤون الحياة؛ لأن الله جميل يحب الجمال، فهذا المفهوم الواسع للجمال يشمل النظافة والاهتمام بالمظهر والترتيب، وهو الذي يغرس في قلب المسلم محبة الجمال في كل ما حوله.
لم يقتصر حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجمال على الأمور المادية، بل امتد إلى العبادة، حيث كان يعشق الجمال في الصلاة، والقرآن، والذكر، كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وهذا ليس مجرد عبادة، بل هو تعبير عن حب عميق وشوق للقاء الجمال المطلق (الله عز وجل)، تجويد القرآن: كان صلى الله عليه وآله وسلم يرتّل القرآن ترتيلًا جميلًا، بصوت يملأ القلوب خشوعًا، وهذا ما يعكس حبّه للجمال في التعبير عن كلام الله، وكذا الأمر في الأدعية النبوية.
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثالًا للجمال في تعامله مع الآخرين، فكانت كلماته جميلة، وأخلاقه كريمة، ورحمته واسعة.
الرفق واللين: لم يكن فظًّا ولا غليظ القلب، بل كان رفيقًا بالصغير والكبير، بالمسلم وغير المسلم.
الرحمة الشاملة: كانت رحمته صلى الله عليه وآله وسلم تتعدى البشر لتشمل الحيوان والطير، وهذا هو الجمال الحقيقي الذي يجعل الكون كله يعيش في سلام.
التبسّم الدائم: كان صلى الله عليه وآله وسلم دائم التبسّم، وكان تبسمه صدقة، هذا التبسّم ليس مجرد حركة عابرة، بل هو تعبير عن نقاء القلب وجمال الروح.
إن حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجمال لم يكن مجرد ميل شخصي، بل كان جزءًا لا يتجزأ من رسالته النبوية، كان يرى الجمال في كل شيء؛ لأنه كان يراه تجليًّا من تجليات الله تعالى، كان حبه للجمال مرتبطًا بحبه لتمام الأمر وكماله، وهو ما عبر عنه في الحديث: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، هذا الإتقان هو عين الجمال، وهو ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
هكذا نفهم أن الجمال في التصور النبوي ليس مجرد زينة، بل هو عبادة، وإتقان، ورحمة، وأخلاق، فمن أراد أن يتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق الاتباع، فَلْيتحلَّ بجمال الظاهر والباطن، وليجعل حياته كلها فيضًا من الجمال.