Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عظم مكانته -صلى الله عليه وسلّم- وعلو قدره في القرآن

الكاتب

هيئة التحرير

عظم مكانته -صلى الله عليه وسلّم- وعلو قدره في القرآن

حين تتجلى الكلمات من المولى سبحانه، فإنها تحمل من الجلال والجمال ما يليق به سبحانه، فإذا كانت هذه الكلمات شهادةً وبيانًا لمكانة عبدٍ من عباده، فإن ميزان هذه الشهادة لا يخضع لمقاييس أهل الأرض، بل يرتفع ليرسم حقيقةً كونيةً راسخة، وفي القرآن الكريم كتاب الله الخالد، نجد شهادةً فريدةً لمخلوقٍ لم تشهد الخليقة مثله، هو سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، إن الحديث عن قدره في القرآن ليس مجرد سردٍ للآيات، بل هو رحلةٌ للروح في عالمٍ من المحبة الإلهية والتكريم الرباني الذي لا يُحد.

تزكية الله تعالى لِخُلُقِه -صلى الله عليه وسلم-

إن أول ما يطالع القلب في هذا المقام هو تلك الشهادة العظيمة التي زكّت خُلُقَه الشريف تزكيةً مطلقة، لم يقل الله تعالى "إنك لعلى خُلُقٍ حسن" أو "كريم"، بل قال قولًا فصلًا جامعًا: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} [القلم: ٤]. هنا تأتي الشهادة من "العظيم" سبحانه، واصفةً خُلُقَ حبيبه بـ "العظيم"، إنها معادلةٌ تهتز لها القلوب؛ فإذا كان الخالق العظيم يصف شيئًا بالعظمة، فأي مدىً وأي أفقٍ يمكن للخيال البشري أن يصل إليه في تصور هذه العظمة؟ لم تكن هذه العظمة صفةً مكتسبة فحسب، بل كانت فطرةً وجبلّةً ربانية، كان صلى الله عليه وآله وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، تتجسد فيه قيم السماء، وتتجلى في أفعاله وأقواله وسكوته أنوار الوحي، هذا الخُلُق لم يكن موجهًا للمؤمنين به فقط، بل فاض حتى شمل أعداءه، فكان الصادق الأمين في أعينهم قبل أن يكون النبي المرسل، إنها صناعة الله التي أتقنها، وروحٌ ربانيةٌ أودعها في جسدٍ بشري ليكون سراجًا للعالمين.

نداء الله له وتشريفه

إن الله سبحانه وتعالى حين يختار نبيًا، فإنه يختاره بعلمه المحيط ويصطنعه على عينه، لكن خصوصية سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- تتجلى في أن الله لم يخاطبه باسمه المجرد في مقام التشريف في القرآن قط، بل كانت كل نداءاته له مشفوعةً بصفة النبوة أو الرسالة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} وهذا تكريم ربانيٌ رفيع، يعلّم الأمة كيف يكون الأدب مع من أرسله الله إليهم، ولما جاء اسمه الشريف في القرآن الكريم كان ذلك في مقام تقرير الرسالة وبيان حقيقة النبوة، فَذِكرُه باسمه الشريف {مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ} [الفتح: ٢٩] لم يكن على سبيل النداء، بل على سبيل الإخبار والتقرير لحقيقة الرسالة.

بل إن الله جل جلاله جعل من طاعته طاعةً له تعالى، ومن بيعته بيعةً لله تعالى: {مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ} [النساء: ٨٠]، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} [الفتح: ١٠].

فأي مكانةٍ هذه التي يُقْرَنُ فيها اسم مخلوق باسم الخالق في أعظم مواثيق الطاعة والعهد؟، إنه اصطفاءٌ الله تعالى لشخص نبيه الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم، والذي تدركه الأفهام والعقول، وتتذوقه الأرواح المُحِبَّة.

عالمية رسالته ورحمته الشاملة

إن عظمة مكانته -صلى الله عليه وسلم- لا تظهر في الثناء عليه فحسب، بل في تعريف جوهر رسالته التي هي امتدادٌ لذاته الشريفة، لقد كانت الرسالات قبله موجهةً لأقوامٍ بأعينهم، أما رسالته فجاءت لتهدم كل الحدود والفواصل، وتعلن عن ميلاد أمةٍ عالمية، لم يرسله الله رحمةً للعرب، ولا للمؤمنين وحدهم، بل قال قولًا يغمر الكون كله: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

"العالمين" بكل ما تحمله الكلمة من شمول، من الإنس والجن، من الماضي والحاضر والمستقبل، من المؤمن والكافر، وجوده في ذاته رحمة، وشريعته رحمة، وسيرته رحمة، وأخلاقه رحمة، حتى في غضبه كان رحيمًا، وفي حربه كان رحيمًا، لقد كان تجسيدًا مطلقًا لصفة "الرحمة" الإلهية، مرآةً صافيةً تعكس نور الرحمن على الخليقة كلها، فكل من ناله خيرٌ في هذا الوجود، إنما هو رشحةٌ من بحر رحمته صلى الله عليه وسلم.

الخطاب الإلهي الخاص به -صلى الله عليه وسلم-

ومن أسمى دلائل هذا القدر العلي، تلك العلاقة الفريدة والحوار الخاص الذي لا نجده مع نبي آخر في القرآن، إنها علاقة المحب مع حبيبه، يتجلى هذا في آيات العتاب الرقيق الذي هو في حقيقته وسام شرفٍ ودليل قرب، حين يقول له ربه: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ} [التوبة: ٤٣]، يسبق العفوُ العتاب، كأن الله يقول له: "يا حبيبي، لقد عفوت عنك قبل أن أعاتبك"، وحين يقسم الله تعالى، فإنه يقسم بمخلوقاته العظيمة، بالشمس والقمر والليل والفجر، ولكنه لم يقسم بحياة أحدٍ من خلقه قط إلا بحياته الشريفة، فقال: {لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} [الحجر: ٧٢]، يقسم الله بحياته، في إعلانٍ سماوي خالد أن حياة هذا النبي هي زمنٌ مقدسٌ يستحق أن يكون قَسَمَ رب العالمين.

الرعاية الإلهية والعناية الربانية

هذه المكانة تتجلى أيضًا في الرعاية الإلهية المباشرة التي أحاطته منذ يومه الأول، يذكّره ربه بمننه عليه في رحلة حياته الشاقة، لا ليمنّ عليه، بل ليطمئن قلبه بأن العين التي رعته في يتمه وفقره وضعفه، هي ذاتها التي تحرسه في دعوته ورسالته: {أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ} [الضحى: ٦-٨]، ثم يأتيه الضمان الأبدي بالحفظ والعصمة: {وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ} [المائدة: ٦٧]. إنها رسالة مفادها: امضِ في طريقك يا محمد، فإنك لست وحدك، أنت بحفظنا ورعايتنا، ومن يقصدك فإنما يقصدنا.

 وإذا كانت مكانته عند الله بهذا العلو، فكيف أراد الله أن تكون مكانته في قلوب المؤمنين؟، لقد وضع القرآن دستورًا أبديًا للأدب مع حضرته الشريفة، دستورًا يربي الأمة على تعظيم من عظّمه الله، لم يكتفِ بالأمر بطاعته، بل نسج حوله سياجًا من التوقير والاحترام يمتد من السلوك الظاهر إلى خفقات القلب، ومن أروع ما جاء في هذا الباب قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا} [الأحزاب: ٥٦]. 

هنا، يخبرنا الله سبحانه عن حقيقةٍ قائمةٍ في الملأ الأعلى، فقبل أن يأمرنا بشيء يعلن جل جلاله أنه وملائكته الأطهار يصلون على النبي، صلاة الله ثناءٌ وتشريف، وصلاة الملائكة دعاءٌ واستغفار، وبعد أن يخبرنا بهذه الحقيقة الكونية العظيمة، يأمرنا نحن أهل الأرض بأن ننضم إلى هذا العرس السماوي، بأن تكون صلاتنا عليه صدىً لصلاة الله وملائكته، لم يقل {صَلُّواْ عَلَيۡهِ} فقط، بل أضاف {وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا}، أي انقادوا لأمره انقياداً كاملًا، ظاهرًا وباطنًا، حبًا وتعظيمًا، وهذا المعنى وإن اختلف عن قول الجمهور حول معنى سلموا الذي هو عندهم أي سلموا عليه تحية، غير أنه لا تعارض بين المعنيين، فقد ذكر هذا المعنى ابن الجوزي في تفسيره قائلا: وذهب ابن السائب إِلى أن معنى التسليم: سلِّموا لِمَا يأمركم به. [زاد المسير (٣/ ٤٨٢)]

ويؤكد هذا المعنى قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: ٦٥] 

 ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى أدق تفاصيل التعامل، إلى نبرة الصوت: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} [الحجرات: ٢]، يا له من تحذيرٍ يهز الكيان! إن مجرد رفع الصوت فوق صوته، دون قصد الإساءة، قد يكون سببًا في حبوط العمل كله، وهذا ليس لحماية أُذنه الشريفة، بل لحماية قلوبنا وأعمالنا نحن، فميزان قبول العمل هو الأدب معه، وأي سوء أدبٍ في حضرته هو خدشٌ في جوهر الإيمان قد يفسد كل شيء، إنه يعلمنا أن حضرته ليست كأي حضرة، وأن مقامه ليس كأي مقام.

 إن هذا التوقير ليس مجرد سلوكيات، بل هو حالة قلبية دائمة، فالقرآن يربط الإيمان الحقيقي بتقديم محبته -صلى الله عليه وسلم- على محبة النفس والأهل والناس أجمعين: {ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ} [الأحزاب: ٦]، هذه الأولوية ليست في الحكم والتشريع فقط، بل في الحب والشوق، في أن يكون خاطرُه الشريف أغلى من خواطرنا، ورضاه أحب إلينا من رغباتنا، فهو الباب إلى الله، ولا دخول إلا منه، وهو الدليل على الله، ولا وصول إلا به.

 إن مكانة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في القرآن ليست مجرد تكريمٍ لشخصه في زمانه، بل هي حقيقةٌ ممتدةٌ في الزمان والمكان، فهو النور الذي لا ينطفئ، والذكر الذي لا ينقطع، لقد وصفه القرآن بأنه {وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا} [الأحزاب: ٤٦]. والسراج لا يضيء لنفسه، بل يبدد الظلمات لمن حوله، ونوره ليس نارًا تحرق، بل هو نورٌ يدفئ القلوب، وينير البصائر، ويكشف معالم الطريق إلى الله، إنه النور الذي أخرج الله به الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور التوحيد والعلم.

ديمومة ذكره وخلود مكانته

ومن أعظم مظاهر هذا التكريم الدائم، ذلك الوعد الإلهي برفع ذكره: {وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ} [الشرح: ٤]، وقد تحقق هذا الرفع بصورةٍ معجزة، فلا يمر زمانٌ أو مكانٌ في أرجاء المعمورة إلا ويُذكر فيه اسمه مقرونًا باسم الله في الشهادتين، وفي الأذان والإقامة، وفي الصلوات والخطب، لقد جعل الله ذكره جزءًا لا يتجزأ من أعظم أركان الإسلام، بل إن الله لم يكتفِ بذلك، فجعل رضاه -صلى الله عليه وسلم- غايةً تُطلب، وسبيلًا لرضاه سبحانه: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ} [التوبة: ٦٢].

وهكذا، نرى أن القرآن الكريم، من فاتحته إلى خاتمته، هو في جوهره بيانٌ لعظمة هذا النبي الكريم، هو شهادة الله له، ودستور الأدب معه، وإعلان عالمية رسالته، وتخليد ذكره، كل آيةٍ تتحدث عنه هي وسام شرفٍ على صدر الإنسانية، هو الشاهد والمبشر والنذير، وهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة.

الخلاصة

إن فهم هذه المكانة ليس ترفًا فكريًا، بل هو أساس الإيمان وصلب العقيدة، فبقدر ما يمتلئ القلب بتعظيمه وتوقيره ومحبته، بقدر ما يتذوق حلاوة الإيمان ويقترب من رحاب الرحمن، إن سيرته هي الترجمة العملية للقرآن، ومحبته هي الوقود الذي يدفع الروح في رحلتها إلى الله، فاللهم صلِّ وسلّم وبارك على من رفعْتَ قدره، وأعليتَ ذكره، وجعلتَه رحمةً للعالمين، وارزقنا حُسن اتباعه، وصدق محبته، وأكرمنا بشفاعته يوم نلقاك، آمين.